محمود بن عمر الزمخشري
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٨٢٦

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
مكية ، [إلا آية ٤٥ فمدنية]
وآياتها ٨٣ [نزلت بعد الجنّ]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)(٤)
(تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (٧)
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) قرئ : يس ، بالفتح (١) ، كأين وكيف. أو بالنصب على اتل يس ، وبالكسر على الأصل كجير ، وبالرفع على هذه يس. أو بالضم كحيث. وفخمت الألف وأميلت (٢). وعن ابن عباس رضى الله عنهما : معناه يا إنسان في لغة طيئ ، والله أعلم بصحته ، وإن صح فوجهه أن يكون أصله يا أنيسين ، فكثر النداء به على ألسنتهم حتى اقتصروا على شطره ، كما قالوا في القسم : م الله في أيمن الله (الْحَكِيمِ) ذى الحكمة. أو لأنه دليل ناطق بالحكمة كالحي. أو لأنه كلام حكيم فوصف بصفة المتكلم به (عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) خبر بعد خبر ، أو صلة للمرسلين. فإن قلت : أى حاجة إليه خبرا كان أو صلة ، وقد علم أنّ المرسلين لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟ قلت : ليس الغرض
__________________
(١) قوله «قرئ يس بالفتح» يفيد أن السكون قراءة الجمهور ، والحركات قراءات لبعضهم ، فالفتح بناء أو نصب ، والكسر بناء فقط ، فتدبر (ع)
(٢) قوله «وأخفت الألف وأميلت» يعنى : قرأ الجمهور بالتفخيم. وقرأ بعضهم بالامالة ، كما في النسفي. (ع)
بذكره ما ذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم عن غيره ممن ليس على صفته ، وإنما الغرض وصفه ووصف ما جاء به من الشريعة ، فجمع بين الوصفين في نظام واحد ، كأنه قال : إنك لمن المرسلين الثابتين على طريق ثابت ، وأيضا فإن التنكير فيه دل على أنه أرسل من بين الصراط المستقيمة على صراط مستقيم لا يكتنه وصفه (١) ، وقرئ (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وبالنصب على أعنى ، وبالجرّ على البدل من القرآن (قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ) قوما غير منذر آباؤهم على الوصف (٢) ونحوه قوله تعالى (لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) ، (وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ). وقد فسر (ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ) على إثبات الإنذار. ووجه ذلك أن تجعل ما مصدرية ، لتنذر قوما إنذار آبائهم أو موصولة ومنصوبة على المفعول الثاني لتنذر (٣) قوما ما أنذره آباؤهم من العذاب ، كقوله تعالى (إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً) فإن قلت : أى فرق بين تعلقي قوله (فَهُمْ غافِلُونَ) على التفسيرين؟ قلت : هو على الأوّل متعلق بالنفي ، أى : لم ينذروا فهم غافلون ، على أن عدم إنذارهم هو سبب غفلتهم ، وعلى الثاني بقوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) لتنذر ، كما تقول : أرسلتك إلى فلان لتنذره ، فإنه غافل. أو فهو غافل. فإن قلت : كيف يكونون منذرين غير منذرين لمناقضة هذا ما في الآي الأخر؟ قلت : لا مناقضة : لأنّ الآي في نفى إنذارهم لا في نفى إنذار آبائهم ، وآباؤهم القدماء من ولد إسماعيل وكانت النذارة فيهم (٤) فإن قلت : ففي أحد التفسيرين أنّ آباءهم لم ينذروا وهو الظاهر ، فما تصنع به؟ قلت :
__________________
(١) قال محمود : «إن قلت ما سر قوله على صراط مستقيم وقد علم بكونه من المرسلين أنه كذلك؟ وأجاب بأن الغرض وصفه ووصف ما جاء به ، فجاء بالوصفين في نظام واحد ، فكأنه قال : إنك لمن المرسلين على طريق ثابت. قال : وأيضا ففي تنكير الصراط أنه مخصوص من بين الصراط المستقيمة بصراط لا يكتنه وصفه. انتهى كلامه» قال أحمد : قد تقدم في مواضع أن التنكير قد يفيد تفخيما وتعظيما وهذا منه. (٢) قال محمود : إنه على الوصف كقوله (لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ) قال : وقد فسر (ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ) على إثبات الانذار على أن ما مصدرية أو موصولة. قال : والفرق بين موقع الفاء على التفسيرين أنها على الأول متعلقة بالنفي معنى جوابا له ، والمعنى أن نفى إنذارهم هو السبب في غفلتهم ، وعلى الثاني بقوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) لتنذر ، كما تقول : أرسلناك إلى فلان لتذره ، فانه غافل أو فهو غافل انتهى» قال أحمد : يعنى أنها على التفسير الثاني تفهم أن غفلتهم سبب في إنذارهم.
(٣) قوله «على المفعول الثاني لتنذر» لعل بعده سقطا تقديره : أى لتنذر. (ع)
(٤) قال محمود : فان قلت كيف يكونون منذرين على هذا التفسير غير منذرين في قوله (ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) وأجاب بأن الآية لنفى إنذارهم لا لنفى إنذار آبائهم ، وآباؤهم القدماء من ولد إسماعيل ، وقد كانت النذارة فيهم. قال : فما تصنع بأحد التفسيرين الذي مقتضاه أن آباءهم لم ينذروا وهو التفسير الأول في هذه الآية مع التفسير الثاني ، ومقتضاء أنهم أنذروا ، وأجاب بأن آباءهم الأباعد هم المنذرون لا آباؤهم الأدنون. قال : ثم مثل تصميمهم على للكفر وأنهم لا يرعوون ولا يرجعون بأن جعلهم كالمغلولين لمقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يطأطئون رؤسهم له ، وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم قال والضمير للأغلال لأن طوق ـ
أريد آباؤهم الأدنون دون الأباعد (الْقَوْلُ) قوله تعالى (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) يعنى تعلق بهم هذا القول وثبت عليهم ووجب ، لأنهم ممن علم أنهم يموتون على الكفر.
(إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)(٩)
ثم مثل تصميمهم على الكفر ، وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمخين : في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ، ولا يطأطئون رءوسهم له ، وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدّامهم ولا ما خلفهم : في أن لا تأمل لهم ولا تبصر ، وأنهم متعامون عن النظر في آيات الله. فإن قلت : ما معنى قوله (فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ)؟ قلت : معناه : فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزة إليها ، وذلك أن طوق الغل الذي في عنق المغلول ، يكون ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود ، نادرا (١) من الحلقة إلى الذقن ، فلا تخليه يطأطئ رأسه ويوطئ قذاله (٢) ، فلا يزال مقمحا. والمقمح : الذي يرفع رأسه ويغض بصره. يقال : قمح البعير فهو قامح : إذا روى فرفع رأسه. ومنه شهرا قماح (٣) ، لأن الإبل ترفع رءوسها عن الماء لبرده فيهما ، وهما الكانونان. ومنه : اقتحمت السويق. فإن قلت : فما قولك فيمن جعل الضمير للأيدى وزعم أن الغل لما كان جامعا لليد والعنق ـ وبذلك يسمى جامعة ـ كان ذكر الأعناق دالا على ذكر الأيدى (٤)؟ قلت : الوجه ما ذكرت لك ، والدليل عليه قوله
__________________
ـ الغر يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود نادرا من الحلقة إلى الذقن ، فلا تخليه يطأطئ رأسه ، فلا يزال مقمحا. انتهى كلامه» قال أحمد : إذا فرقت هذا التشبيه كان تصميمهم على الكفر مشبها بالأغلال ، وكان استكبارهم عن قبول الحق وعن الخضوع والتواضع لاستماعه ، مشبها بالاقماح ، لأن المقمح لا يطأطئ رأسه.
وقوله : (فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ) تتمة للزوم الاقماح لهم ، وكان عدم الفكر في القرون الخالية مشبها بسد من خلفهم ، وعدم النظر في العواقب المستقلة مشبها بسد من قدامهم.
(١) قوله «رأس العمود نادرا» أى شاذا ، كما يفيده الصحاح. (ع)
(٢) قوله «ويوطئ قذاله» في الصحاح «القذال» : جماع مؤخر الرأس ، فتدبر. (ع)
(٣) قوله «ومنه شهرا قماح» بوزن كتاب وغراب ، كما نقل عن القاموس. وفي الصحاح : سميا بذلك ، لأن الإبل إذا وردت فيهما آذاها برد الماء فقامحت. (ع)
(٤) قال محمود : فان قلت : فما قولك فيمن جعل الضمير للأيدى وزعم أن الغل لما كان جامعا لليد والعنق وبذلك يسمى جامعة : كان ذكر الأعناق دالا على ذكر الأيدى. وأجاب بأن الوجه هو الأول ، واستدل على هذا التفسير الثاني بقوله (فَهُمْ مُقْمَحُونَ) لأنه جعل الاقماح نتيجة قوله (فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ) ولو كان الضمير للأيدى لم يكن معنى التسبب في الاقماح ظاهرا ، وترك الحق الأبلج للباطل اللجلج. انتهى كلامه» قال أحمد : ويحتمل أن تكون الفاء للتعقيب كالفاء الأولى في قوله (فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ) أو للتسبب ، ولا شك أن ضغط اليد مع العنق في الغل يوجب الاقماح ، فان اليد والعياذ بالله تعالى تبقى ممسكة بالغل تحت الذقن دافعة بها ومانعة من وطأتها ، ويكون التشبيه ـ
(فَهُمْ مُقْمَحُونَ) ألا ترى كيف جعل الإقماح نتيجة قوله (فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ) ولو كان الضمير للايدى لم يكن معنى التسبب في الإقماح ظاهرا على أن هذا الإضمار فيه ضرب من التعسف وترك الظاهر الذي يدعوه المعنى إلى نفسه إلى الباطن الذي يجفو عنه وترك للحق الأبلج إلى الباطل اللجلج (١). فإن قلت : فقد قرأ ابن عباس رضى الله عنهما في أيديهم وابن مسعود في أيمانهم ، فهل تجوّز على هاتين القراءتين أن تجعل الضمير للأيدى أو للايمان؟ قلت : يأبى ذلك وإن ذهب الإضمار المتعسف ظهور كون الضمير للاغلال ، وسداد المعنى عليه كما ذكرت. وقرئ : سدا بالفتح والضم. وقيل : ما كان من عمل الناس فبالفتح ، وما كان من خلق الله فبالضم (فَأَغْشَيْناهُمْ) فأغشينا أبصارهم ، أى : غطيناها وجعلنا عليها غشاوة عن أن تطمح إلى مرئى ، وعن مجاهد : فأغشيناهم : فألبسنا أبصارهم غشاوة. وقرئ بالعين من العشا. وقيل : نزلت في بنى مخزوم ، وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا يصلى ليرضخن رأسه ، فأتاه وهو يصلى ومعه حجر ليدمغه به ، فلما رفع يده أثبتت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد ، فرجع إلى قومه فأخبرهم ، فقال مخزومى آخر : أنا أقتله بهذا الحجر ، فذهب ، فأعمى الله عينيه (٢)
(وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ)(١١)
فإن قلت : قد ذكر ما دلّ على انتفاء إيمانهم مع ثبوت الإنذار ، ثم قفاه بقوله (إِنَّما تُنْذِرُ) (٣) وإنما كانت تصح هذه التقفية لو كان الإنذار منفيا. قلت : هو كما قلت ، ولكن لما كان ذلك نفيا للايمان مع وجود الإنذار وكان معناه أن البغية المرومة بالإنذار غير حاصلة وهي الإيمان ، قفى بقوله (إِنَّما تُنْذِرُ) على معنى : إنما تحصل البغية بإنذارك من غير هؤلاء المنذرين وهم المتبعون للذكر : وهو القرآن أو الوعظ ، الخاشون ربهم.
__________________
ـ أتم على هذا التفسير ، فان اليد متى كانت مرسلة مخلاة كان للمغلول بعض الفرج بإطلاقها ، ولعله يتحيل بها على فكاك الغل ، ولا كذلك إذا كانت مغلولة ، فيضاف إلى ما ذكرناه من التشبيهات المفرقة أن يكون انسداد باب الحيل عليهم في الهداية والاتخلاع من ربقة الكفر المقدر عليهم مشبها بغل الأيدى ، فان اليد آلة الحيلة إلى الخلاص.
(١) قوله «إلى الباطل اللجلج» أى الذي يردد من غير أن ينفذ. أفاده الصحاح. (ع)
(٢) أخرجه ابن إسحاق في السيرة في كلام طويل. ورواه أبو نعيم في الدلائل من طريق ابن إسحاق : حدثني محمد بن محمد بن سعيد ، أو عكرمة ، عن ابن عباس «أن أبا جهل قال : إنى أعاهد الله لأجلسن غدا لمحمد بحجر ما أطيق حمله فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه. فذكر نحوه إلى قوله قد يبست يداه على حجره ، حتى قذف الحجر بين يديه : وأصله في البخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما.
(٣) قال محمود : «إن قلت : قد ذكر ما دل على انتفاء إيمانهم مع ثبوت الانذار ، ثم قفاه بقوله (إِنَّما تُنْذِرُ) وإنما كانت التقفية تصح لو كان الانذار منفيا ، وأجاب بأن الأمر كذلك ، ولكن لما بين أن البغية المرومة بالإنذار وهي الايمان منفية عنهم : قفاه بقوله (إِنَّما تُنْذِرُ) أى إنما تحصل بغية الانذار ـ
(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ)(١٢)
(نُحْيِ الْمَوْتى) نبعثهم بعد مماتهم. وعن الحسن : إحياؤهم : أن يخرجهم من الشرك إلى الإيمان (وَنَكْتُبُ ما) أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها وما هلكوا عنه من أثر حسن ، كعلم علموه ، أو كتاب صنفوه ، أو حبيس حبسوه ، أو بناء بنوه : من مسجد أو رباط أو قنطرة أو نحو ذلك. أو سيئ ، كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين ، وسكة أحدث فيها تخسيرهم ، وشيء أحدث فيه صدّ عن ذكر الله : من ألحان وملاه ، وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها. ونحوه قوله تعالى (يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ) أى : قدّم من أعماله ، وأخر من آثاره. وقيل : هي آثار المشاءين إلى المساجد. وعن جابر : أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حوله (١) خالية ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتانا في ديارنا وقال : يا بنى سلمة ، بلغني أنكم تريدون النقلة إلى المسجد ، فقلنا نعم ، بعد علينا المسجد والبقاع حوله خالية ، فقال : عليكم دياركم. فإنما تكتب آثاركم. قال : فما وددنا حضرة المسجد لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن عمر بن عبد العزيز : لو كان الله مغفلا شيئا لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح. والإمام : اللوح. وقرئ : ويكتب ما قدّموا وآثارهم على البناء للمفعول. وكل شيء : بالرقع
(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ)(١٥)
(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً) ومثل لهم مثلا ، من قولهم : عندي من هذا الضرب كذا ، أى : من هذا المثال ، وهذه الأشياء على ضرب واحد ، أى على مثال واحد. والمعنى. واضرب لهم مثلا مثل أصحاب القرية ، أى : اذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية. والمثل الثاني بيان للأوّل. وانتصاب إذ بأنه بدل من أصحاب القرية. والقرية أنطاكية. و (الْمُرْسَلُونَ) رسل عيسى عليه
__________________
ـ ممن اتبع الذكر. انتهى كلامه» قلت : في السؤال سوء أدب ، وينبغي أن يقال : وما وجه ذكر الانذار الثاني في معرض المخالفة للأول ، مع أن الأول إثبات ، والانذار الثاني كذلك.
(١) أخرجه ابن حبان في الأول من الأول عن طريق أبى نضرة عنه. وأصله في مسلم.
السلام إلى أهلها ، بعثهم دعاة إلى الحق وكانوا عبدة أوثان. أرسل إليهم اثنين ، فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار صاحب يس ، فسألهما فأخبراه ، فقال : أمعكما آية؟ فقالا : نشفى المريض ونبرئ الأكمه والأبرص ، وكان له ولد مريض من سنتين فمسحاه ، فقام ، فآمن حبيب وفشا الخبر ، فشفى على أيديهما خلق كثير ، ورقى حديثهما إلى الملك وقال لهما : ألنا إله سوى آلهتنا؟ قالا : نعم من أوجدك وآلهتك ، فقال : حتى أنظر في أمركما ، فتبعهما الناس وضربوهما. وقيل : حبسا ، ثم بعث عيسى عليه السلام شمعون ، فدخل متنكرا وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ، ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به ، فقال له ذات يوم : بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه؟ فقال : لا ، حال الغضب بيني وبين ذلك ، فدعاهما ، فقال شمعون : من أرسلكما؟ قالا : الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك ، فقال : صفاه وأوجزا. قالا : يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال : وما آيتكما؟ قالا : ما يتمنى الملك ، فدعا بغلام مطموس العينين ، فدعوا الله حتى انشق له بصر ، وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين ينظر بهما ، فقال له شمعون : أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا فيكون لك وله الشرف. قال : ليس لي عنك سر ، إنّ إلهنا لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع ، وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلى ويتضرع ويحسبون أنه منهم ، ثم قال : إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به ، فدعوا بغلام مات من سبعة أيام فقام وقال : إنى أدخلت في سبعة أودية من النار ، وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا ، وقال : فتحت أبواب السماء فرأيت شابا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة ، قال الملك : ومن هم؟ قال شمعون ، وهذان ، فتعجب الملك. فلما رأى شمعون أنّ قوله قد أثر فيه نصحه فآمن وآمن معه قوم ، ومن لم يؤمن صاح عليهم جبريل عليه السلام صيحة فهلكوا (فَعَزَّزْنا) فقوّينا. يقال : المطر يعزز الأرض إذا لبدها وشدّها ، وتعزز لحم الناقة. وقرئ بالتخفيف من عزه يعزه : إذا غلبه ، أى : فغلبنا وقهرنا (بِثالِثٍ) وهو شمعون. فإن قلت : لم ترك ذكر المفعول به؟ قلت : لأنّ الغرض ذكر المعزز به وهو شمعون وما لطف فيه من التدبير حتى عزّ الحق وذلّ الباطل ، وإذا كان الكلام منصبا إلى غرض من الأغراض جعل سياقه له وتوجهه إليه ، كأن ما سواه مرفوض مطرح. ونظيره قولك : حكم السلطان اليوم بالحق ، الغرض المسوق إليه : قولك بالحق فلذلك رفضت ذكر المحكوم له والمحكوم عليه. إنما رفع بشر ونصب (١) في قوله (ما هذا بَشَراً) لأنّ إلا تنقض النفي ، فلا يبقى لما المشبهة بليس شبه ، فلا يبقى له عمل. فإن قلت : لم قيل : إنا إليكم
__________________
(١) قوله «إنما رفع بشر ونصب» عبارة النسفي : إنما رفع بشر هنا ونصب ... الخ. (ع)
مرسلون أوّلا (١) ، و (إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) آخرا؟ قلت : لأن الأوّل ابتداء إخبار ، والثاني جواب عن إنكار.
(قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)(١٧)
وقوله (رَبُّنا يَعْلَمُ) جار مجرى القسم في التوكيد ، وكذلك قولهم : شهد الله ، وعلم الله. وإنما حسن منهم هذا الجواب الوارد على طريق التوكيد والتحقيق مع قولهم (وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) أى الظاهر المكشوف بالآيات الشاهدة لصحته ، وإلا فلو قال المدعى : والله إنى لصادق فيما أدعى ولم يحضر البينة كان قبيحا.
(قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ)(١٩)
(تَطَيَّرْنا بِكُمْ) تشاء منابكم ، وذلك أنهم كرهوا دينهم ونفرت منه نفوسهم ، (٢) وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه واشتهوه وآثروه وقبلته طباعهم ، ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه ، فإن أصابهم نعمة أو بلاء قالوا ببركة هذا وبشؤم هذا ، كما حكى الله عن القبط : وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه. وعن مشركي مكة : وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك. وقيل : حبس عنهم القطر فقالوا ذلك. وعن قتادة : إن أصابنا شيء كان من أجلكم (طائِرُكُمْ مَعَكُمْ) وقرئ : طيركم ، أى سبب شؤمكم معكم وهو كفرهم. أو أسباب شؤمكم معكم ، وهي كفرهم ومعاصيهم. وقرأ الحسن : أطيركم أى تطيركم. وقرئ : أئن ذكرتم؟ بهمزة الاستفهام وحرف الشرط. وآئن بألف بينهما ، (٣) بمعنى : أتطيرون إن ذكرتم؟ وقرئ : أأن ذكرتم بهمزة الاستفهام وأن الناصبة ، يعنى : أتطيرتم لأن ذكرتم؟ وقرئ : أن ، وإن ، بغير استفهام لمعنى الإخبار ، أى تطيرتم لأن ذكرتم ، أو إن ذكرتم تطيرتم. وقرئ : أين ذكرتم : على التخفيف ، أى شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم ، وإذا شئم المكان بذكرهم كان بحلولهم فيه أشأم (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) في العصيان : ومن ثم أتاكم الشؤم ، لا من قبل رسل الله وتذكيرهم ، أو بل أنتم قوم مسرفون في ضلالكم متمادون في غيكم ، حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك به من رسل الله.
__________________
(١) قال محمود : «إن قلت : لم أسقط اللام هنا وأثبتها في الثانية عند قوله (رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) قلت : الأول ابتداء إخبار ، والثاني جواب إنكار» قال أحمد : أى فلاق توكيده.
(٢) قوله «ونفرت منهم» لعله : منه كعبارة النسفي. (ع)
(٣) قوله «وآئن بألف بينهما» الذي في النسفي أن هذا وما قبله بياء مكسورة بدل الهمزة الثانية. (ع)
(وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(٢٤) (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ)(٢٥)
(رَجُلٌ يَسْعى) هو حبيب بن إسرائيل النجار ، وكان ينحت الأصنام ، وهو ممن آمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبينهما ستمائة سنة كما آمن به تبع الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما ، ولم يؤمن بنبي أحد إلا بعد ظهوره. وقيل : كان في غار يعبد الله ، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقاول الكفرة ، فقالوا : أو أنت تخالف ديننا ، فوثبوا عليه فقتلوه. وقيل : توطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه (١) من دبره. وقيل : رجموه وهو يقول : اللهم اهد قومي ، وقبره في سوق أنطاكية ، فلما قتل غضب الله عليهم فأهلكوا بصيحة جبريل عليه السلام. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم «سباق الأمم ثلاثة : لم يكفروا بالله طرفة عين : على بن أبى طالب ، وصاحب يس ، ومؤمن آل فرعون» (٢) (مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ) كلمة جامعة في الترغيب فيهم ، أى : لا تخسرون معهم شيئا من دنياكم ، وتربحون صحة دينكم فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة ، ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم ، ولأنه أدخل في إمحاض النصح حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لروحه ، ولقد وضع قوله (وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) مكان قوله : وما لكم لا تعبدون الذي فطركم. ألا ترى إلى قوله (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ولو لا أنه قصد ذلك لقال : الذي فطرني وإليه أرجع ، وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال (آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) يريد فاسمعوا قولي وأطيعونى ، فقد نبهتكم على الصحيح الذي لا معدل عنه : أنّ العبادة لا تصح إلا لمن منه مبتدؤكم وإليه مرجعكم ، وما أدفع العقول وأنكرها لأن تستحبوا على عبادته عبادة أشياء إن أرادكم هو بضر وشفع لكم هؤلاء لم تنفع شفاعتهم ولم يمكنوا من أن يكونوا شفعاء عنده ، ولم يقدروا على
__________________
(١) قوله «حتى خرج قصبه» في الصحاح «القصب» بالضم : المتقى. والمعى : واحد الأمعاء. (ع)
(٢) أخرجه الثعلبي من طريق عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أبيه بهذا ، وفيه عمرو بن جمع وهو متروك. ورواه العقيلي والطبراني وابن مردويه ، من طريق حسين بن حسن الأشقر عن ابن عيينة عن ابن أبى تجيح عن مجاهد عن ابن عباس ، بلفظ «السباق ثلاثة. فالسابق الى عيسى صاحب يس ، والى محمد صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب
إنقاذكم منه بوجه من الوجوه ، إنكم في هذا الاستحباب لواقعون في ضلال ظاهر بين لا يخفى على ذى عقل وتمييز. وقيل : لما نصح قومه أخذوا يرجمونه فأسرع نحو الرسل قبل أن يقتل ، فقال لهم (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) أى اسمعوا إيمانى تشهدوا لي به. وقرئ : إن يردني الرحمن بضر ، بمعنى : أن يوردني ضرا ، أى يجعلني موردا للضر.
(قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ)(٢٧)
أى لما قتل (قِيلَ) له (ادْخُلِ الْجَنَّةَ) وعن قتادة : أدخله الله الجنة وهو فيها حىّ يرزق أراد قوله تعالى (بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، فَرِحِينَ) وقيل : معناه البشرى بدخول الجنة ، وأنه من أهلها. فإن قلت : كيف مخرج هذا القول في علم البيان؟ قلت : مخرجه مخرج الاستئناف ، لأنّ هذا من مظان المسألة عن حاله عند لقاء ربه ، كأنّ قائلا قال : كيف كان لقاء ربه بعد ذلك التصلب في نصرة دينه والتسخى لوجهه بروحه؟ فقيل : قيل ادخل الجنة ولم يقل قيل له ، لانصباب الغرض إلى المقول وعظمه ، لا إلى المقول له مع كونه معلوما ، وكذلك (قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) مرتب على تقدير سؤال سائل عما وجد من قوله عند ذلك الفوز العظيم ، وإنما تمنى علم قومه بحاله ، ليكون علمهم بها سببا لاكتساب مثلها لأنفسهم ، بالتوبة عن الكفر والدخول في الإيمان والعمل الصالح المفضيين بأهلهما إلى الجنة. وفي حديث مرفوع : نصح قومه حيا وميتا (١). وفيه تنبيه عظيم على وجوب كظم الغيظ ، والحلم عن أهل الجهل ، والترؤف على من أدخل نفسه في عمار الأشرار وأهل البغي ، والتشمر في تخليصه والتلطف في افتدائه ، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه. ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام. ويجوز أن يتمنى ذلك ليعلموا أنهم كانوا على خطأ عظيم في أمره ، وأنه كان على صواب ونصيحة وشفقة ، وأن عداوتهم لم تكسبه إلا فوزا ولم تعقبه إلا سعادة ، لأنّ في ذلك زيادة غبطة له وتضاعف لذة وسرور. والأوّل أوجه. وقرئ : المكرّمين. فإن قلت : ما في قوله تعالى (بِما غَفَرَ لِي رَبِّي) أى الماءات هي؟ قلت : المصدرية أو الموصولة ، أى : بالذي غفره لي من الذنوب. ويحتمل أن تكون استفهامية ، يعنى بأى شيء غفر لي ربى ، يريد به
__________________
(١) ورد هذا في قصة عروة بن مسعود أخرجه ابن مردويه من حديث المغيرة بن شعبة ، فذكر القصة وفي آخرها «فكان يقول وهو في النزع : يا معشر ثقيف ائتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطلبوا منه الأمان ، قبل أن يبلغه موتى فيغزوكم. فلم يزل كذلك حتى مات ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم. فقال : لقد نصح قومه حبا وميتا ، وشبهه يصاحب يس.
ما كان منه معهم من المصابرة لإعزاز الدين حتى قتل ، إلى أنّ قولك (بِما غَفَرَ لِي) بطرح الألف أجود وإن كان إثباتها جائزا ، يقال : قد علمت بما صنعت هذا ، أى : بأى شيء صنعت وبم صنعت.
(وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ)(٢٩)
المعنى : أن الله كفى أمرهم بصيحة ملك ، ولم ينزل لإهلاكهم جندا من جنود السماء ، كما فعل يوم بدر والخندق ، فإن قلت : وما معنى قوله (وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ)؟ قلت : معناه :
وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جندا من السماء ، وذلك لأنّ الله تعالى أجرى هلاك كل قوم على بعض الوجوه دون البعض ، وما ذلك إلا بناء على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة. ألا ترى إلى قوله تعالى (فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا). فإن قلت : فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق؟ قال تعالى (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها) ، (بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) ، (بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ) ، (بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ)؟ قلت : إنما كان يكفى ملك واحد ، فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل ، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة منه ، ولكنّ الله فضل محمدا صلى الله عليه وسلم بكل شيء على كبار الأنبياء وأولى العزم من الرسل ، فضلا عن حبيب النجار ، وأولاده من أسباب الكرامة والإعذار ما لم يوله أحدا ، فمن ذلك : أنه أنزل له جنودا من السماء ، وكأنه أشار بقوله : (وَما أَنْزَلْنا) ، (وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ) إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك ، وما كنا نفعله بغيرك (إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً) إن كانت الأخذة أو العقوبة إلا صيحة واحدة. وقرأ أبو جعفر المدني بالرفع على كان التامّة ، أى : ما وقعت إلا صيحة ، والقياس والاستعمال على تذكير الفعل ، لأنّ المعنى : ما وقع شيء إلا صيحة ، ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل ، ومثلها قراءة الحسن : فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم ، وبيت ذى الرمّة :
وما بقيت إلّا الضلوع الجراشع (١)
__________________
|
(١) برى لحمها سير الفيافي وحرها |
|
وما بقيت إلا الضلوع الجراشع |
للبيد. يصف ناقته بأنها أذهب لحمها سير الأراضى القفرة ، أى السير فيها وحرها الشديد ، برما بقيت فيها إلا الضلوع. وكان الأفصح حذف التاء ، لأن المعنى : ما بقي فيها شيء إلا الضلوع ، لكنه أنث نظرا للضلوع. والجراشع : جمع جرشع كقنفذ ، وهو الغليظ المرتفع. ويروى : بدل الشطر الأول طوى الحر والأجراز ما في عروضها ـ
وقرأ ابن مسعود : الأزقية : واحدة ، من زقا الطائر يزقو ويزقى ، إذا صاح. ومنه المثل: أثقل من الزواقى (خامِدُونَ) خمدوا كما تخمد النار ، فتعود رمادا ، كما قال لبيد :
|
وما المرء إلّا كالشهاب وضوئه |
|
يحور رمادا بعد إذ هو مناطع (١) |
(يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)(٣٠)
(يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ) نداء للحسرة عليهم ، كأنما قيل لها : تعالى يا حسرة فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضرى فيها ، وهي حال استهزائهم بالرسل. والمعنى أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون ، ويتلهف على حالهم المتلهفون. أوهم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين. ويجوز أن يكون من الله تعالى على سبيل الاستعارة في معنى تعظيم ما جنوه على أنفسهم ومحنوها به ، وفرط إنكاره له وتعجيبه منه ، وقراءة من قرأ : يا حسرتا ، تعضد هذا الوجه لأن المعنى : يا حسرتى. وقرئ : يا حسرة العباد ، على الإضافة إليهم لاختصاصها بهم ، من حيث أنها موجهة إليهم. ويا حسرة على العباد : على إجراء الوصل مجرى الوقف.
(أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ)(٣٢)
(أَلَمْ يَرَوْا) ألم يعلموا ، وهو معلق عن العمل في (كَمْ) لأن كم لا يعمل فيها عامل قبلها ، كانت للاستفهام أو للخبر ، لأن أصلها الاستفهام ، إلا أن معناه نافذ في الجملة ، كما نفذ في قولك : ألم يروا إن زيدا لمنطلق ، وإن لم يعمل في لفظه. و (أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ) بدل من (كَمْ أَهْلَكْنا) على المعنى ، لا على اللفظ ، تقديره : ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم
__________________
ـ والأجراز : جمع جرز ، وهي المفازة القفرة ، والعروض : جمع عرض ـ بضم فسكون ـ : أى جنوبها. ويروى : النحز ، بدل الحر ، وهو بنون فمهملة فزاى : النخس والدفع. ويروى «غروض» بغين معجمة : جمع غرض ، كقفل : وهو حزام الرحل ، أراد به الصدر لعلاقة المجاورة. أو هو على حذف مضاف ، أى محل غروضها. ويجوز أنه أراد بما في غروضها الصدر ذاته لا الشحم واللحم. ومعنى الطي التضمير أو الاذهاب على طريق المجاز.
|
(١) وما المرء إلا كالشهاب وضوئه |
|
يحور رمادا بعد إذ هو ساطع |
|
وما المال والأهلون إلا ودائع |
|
ولا بد يوما أن ترد الودائع |
للبيد العامري ، أى : ليس حال المرء وحياته وبهجته ثم موته وفناؤه بعد ذلك إلا مثل حال شهاب النار وضوئه حال كونه يصير رمادا بعد إضاءته. ويمكن أن قوله «يحور رمادا» استئناف مبين لوجه للشبه ، وذلك تشبيه هيئة ولا يصح تشبيه المرء بالشهاب وضوئه ، وشبه مال الشخص وأقاربه بالودائع تشبيها بليغا ، يجامع أنه لا بد من أخذ كل ، وبين ذلك بقوله : ولا بد أن ترد الودائع في يوم من الأيام.
غير راجعين إليهم. وعن الحسن : كسر إنّ على الاستئناف. وفي قراءة ابن مسعود : ألم يروا من أهلكنا ، والبدل على هذه القراءة بدل اشتمال ، وهذا مما يردّ قول أهل الرجعة. ويحكى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قيل له : إن قوما يزعمون أنّ عليا مبعوث قبل يوم القيامة ، فقال : بئس القوم نحن إذن نكحنا : نساءه وقسمنا ميراثه (١). قرئ : لما ، بالتخفيف ، على أن «ما» صلة للتأكيد ، وإن : مخففة من الثقيلة ، وهي متلقاة باللام لا محالة. ولما بالتشديد ، بمعنى : إلا ، كالتي في مسألة الكتاب. نشدتك بالله لما فعلت ، وإن نافية. والتنوين في (كُلٌ) هو الذي يقع عوضا من المضاف إليه ، كقولك : مررت بكل قائما. والمعنى أن كلهم محشورون مجموعون محضرون للحساب يوم القيامة. وقيل محضرون معذبون. فإن قلت : كيف أخبر عن كل بجميع ومعناهما واحد (٢)؟ قلت : ليس بواحد : لأن كلا يفيد معنى الإحاطة ، وأن لا ينفلت منهم أحد ، والجميع : معناه الاجتماع ، وأن المحشر يجمعهم. والجميع : فعيل بمعنى مفعول ، يقال حى جميع ، وجاءوا جميعا.
(وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ)(٣٦)
القراءة بالميتة على الخفة أشيع ، لسلسها على اللسان. و (أَحْيَيْناها) استئناف بيان لكون الأرض الميتة آية ، وكذلك نسلخ : ويجوز أن توصف الأرض والليل بالفعل ، لأنه أريد بهما الجنسان مطلقين لا أرض (٣) وليل بأعيانهما ، فعوملا معاملة النكرات في وصفهما
__________________
(١) أخرجه الحاكم في تفسير البقرة نحوه باختصار. وأخرجه من حديث الحسن في فضائل الصحابة أتم منه. وليس فيه : بئس القوم نحن إذن
(٢) قال محمود : «إن قلت لم أخبر عن كل بجميع ومعناهما واحد وأجاب بأن كلا تفيد الاحاطة لا ينلفت عنهم أحد وجميع تفيد الاجتماع وهو فعيل بمعنى مفعول وبينهما فرق انتهي كلامه ، قال أحمد : ومن ثم وقع أجمع في التوكيد تابعا لكل ، لأنه أخص منه وأزيد معنى
(٣) قال محمود : «يجوز أن يكون أحييناها صفة للأرض وصح ذلك لأن المراد بالأرض الجنس ولم يقصد بها أرض معينة وأن يكون بيانا لوجه الآية فيها» قال أحمد : وغيره من النحاة يمنع وقوع الجملة صفة للمعرف وإن كان جنسيا وليس الغرض منه معينا ويراعي هذا المانع المطابقة اللفظية في الوصفية ومنه
ولقد أمر على اللئيم يسبني
.
بالأفعال ، ونحوه :
ولقد امر على اللّئيم يسبني (١)
وقوله (فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ) بتقديم الظرف للدلالة على أن الحب هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش ويقوم بالارتزاق منه صلاح الإنس ، وإذا قل جاء القحط ووقع الضرّ ، وإذا فقد جاء الهلاك ونزل البلاء. قرئ (وَفَجَّرْنا) بالتخفيف والتثقيل ، والفجر والتفجير ، كالفتح والتفتيح لفظا ومعنى. وقرئ (ثَمَرِهِ) بفتحتين وضمتين وضمة وسكون ، والضمير لله تعالى : والمعنى : ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر (وَ) من (ما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ) من الغرس والسقي والآبار ، وغير ذلك من الأعمال إلى أن بلغ الثمر منتهاه وإبان أكله ، يعنى أنّ الثمر في نفسه فعل الله وخلقه ، وفيه آثار من كد بنى آدم ، وأصله من ثمرنا كما قال : وجعلنا ، وفجرنا ، فنقل الكلام من التكلم إلى الغيبة على طريقة الالتفات. ويجوز أن يرجع إلى النخيل ، وتترك الأعناب غير مرجوع إليها ، لأنه علم أنها في حكم النخيل فيما علق به من أكل ثمره. ويجوز أن يراد من ثمر المذكور وهو الجنات ، كما قال رؤبة :
|
فيها خطوط من بياض وبلق |
|
كأنّه في الجلد توليع البهق (٢) |
فقيل له ، فقال : أردت كأن ذاك : ولك أن تجعل «ما» نافية على أنّ الثمر خلق الله ولم تعمله أيدى الناس ولا يقدرون عليه. وقرئ على الوجه الأوّل ، وما عملت من غير راجع ، وهي في مصاحف أهل الكوفة كذلك ، وفي مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام مع الضمير (الْأَزْواجَ) الأجناس والأصناف (وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ) ومن أزواج لم يطلعهم الله عليها ولا توصلوا إلى معرفتها بطريق من طرق العلم ، ولا يبعد أن يخلق الله تعالى من الخلائق الحيوان والجماد ما لم يجعل للبشر طريقا إلى العلم به ، لأنه لا حاجة بهم في دينهم ودنياهم إلى ذلك العلم ، ولو كانت بهم اليه حاجة لأعلمهم بما لا يعلمون ، كما أعلمهم بوجود ما لا يعلمون. وعن ابن عباس رضى الله عنهما : لم يسمهم. وفي الحديث «ما لا عين رأت (٣) ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، بله ما أطلعتهم عليه» فأعلمنا بوجوده وإعداده ولم يعلمنا به ما هو ، ونحوه (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) وفي الإعلام بكثرة ما خلق مما علموه ومما جهلوه ما دلّ على عظم قدرته واتساع ملكه.
__________________
(١) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ١٦ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٢) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ١٤٩ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٣) قوله «في الحديث ما لا عين رأت» أوله : «أعددت لعبادي الصالحين» كما مر في تفسير السجدة. (ع)
(وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ)(٣٧)
سلخ جلد الشاة : إذا كشطه عنها وأزاله. ومنه : سلخ الحية لخرشائها (١) ، فاستعير لازالة الضوء وكشفه عن مكان الليل وملقى ظله (مُظْلِمُونَ) داخلون في الظلام ، يقال : أظلمنا ، كما تقول : أعتمنا وأدجينا (٢) (لِمُسْتَقَرٍّ لَها) لحدّ لها مؤقت مقدّر تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة ، شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره ، أو لمنتهى لها من المشارق والمغارب ، لأنها تتقصاها مشرقا مشرقا ومغربا مغربا حتى تبلغ أقصاها ، ثم ترجع فذلك حدها ومستقرّها ، لأنها لا تعدوه أو لحدّ لها من مسيرها كل يوم في مرأى عيوننا وهو المغرب. وقيل : مستقرّها : أجلها الذي أقر الله عليه أمرها في جريها ، فاستقرت عليه وهو آخر السنة. وقيل : الوقت الذي تستقر فيه وينقطع جريها وهو يوم القيامة.
(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (٤٠)
وقرئ : تجرى إلى مستقر لها. وقرأ ابن مسعود : لا مستقرّ لها ، أى : لا تزال تجرى لا تستقر. وقرئ : لا مستقر لها ، على أنّ لا بمعنى ليس (ذلِكَ) الجري على ذلك التقدير والحساب الدقيق الذي تكل الفطن عن استخراجه وتتحير الأفهام في استنباطه. ما هو إلا تقدير الغالب بقدرته على كل مقدور ، المحيط علما بكل معلوم. قرئ : والقمر رفعا على الابتداء ، أو عطفا على الليل. يريد : من آياته القمر ، ونصبا بفعل يفسره قدرناه ، ولا بدّ في (قَدَّرْناهُ مَنازِلَ) من تقدير مضاف ، لأنه لا معنى لتقدير نفس القمر منازل. والمعنى : قدرنا مسيره منازل وهي ثمانية وعشرون منزلا ، ينزل القمر كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه ، على تقدير مستو لا يتفاوت ، يسير فيها كل ليلة من المستهل إلى الثامنة والعشرين ، ثم يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر ، وهذه المنازل هي مواقع النجوم التي نسبت إليها العرب الأنواء المستمطرة ، وهي : الشرطان ، البطين ، الثريا ، الدبران ، الهقعة ، الهنعة ، الذراع ، النثرة ، الطرف ، الجبهة ، الزبرة ، الصرفة ، العوّا ، السماك ، الغفر ، الزباني ، الإكليل ، القلب ، الشولة ، النعائم ، البلدة ، سعد الذابح ، سعد بلع ، سعد السعود ، سعد الأخبية ، فرغ الدلو المقدم ،
__________________
(١) قوله «ومنه سلخ الحية لخرشائها» في الصحاح «الخرشاء» : مثل الحرباء : جلد الحية. (ع)
(٢) قوله «أعتمنا وأدجينا» الدجى : وجع في حافر الفرس أو خف البعير. أفاده الصحاح وغيره. (ع)
فرغ الدلو المؤخر ، الرشا. فإذا كان في آخر منازله دق واستقوس ، و (عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) وهو عود العذق ، ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة. وقال الزجاج : هو «فعلون» من الانعراج وهو الانعطاف. وقرئ : العرجون ، بوزن الفرجون (١) ، وهما لغتان ، كالبزيون والبزيون ، والقديم المحول ، وإذا قدم دق وانحنى واصفر ، فشبه به من ثلاثة أوجه. وقيل : أقل مدّة الموصوف بالقدم الحول ، فلو أنّ رجلا قال : كل مملوك لي قديم فهو حر. أو كتب ذلك في وصيته : عتق منهم من مضى له حول أو أكثر. وقرئ : سابق النهار. على الأصل ، والمعنى : أنّ الله تعالى قسم لكل واحد من الليل والنهار وآيتيهما قسما من الزمان ، وضرب له حدا معلوما ، ودبر أمرهما على التعاقب ، فلا ينبغي للشمس : أى لا يتسهل لها ولا يصح ولا يستقيم لوقوع التدبير على المعاقبة ، وإن جعل لكل واحد من النيرين سلطان على حياله (٢) (أَنْ
__________________
(١) قوله «وقرئ العرجون بوزن الفرجون» في الصحاح «الفرجون» : المحسة ، وقد فرجنت الدابة إذا فرجنتها. ومنه قول بعضهم : ادفنوني في ثيابي ولا تحسوا عتى ترابا ، أى : لا تتفضوه. وفيه «البزيون» : السندس. (ع)
(٢) قال محمود : «معناه أن كل واحد منهما لا يدخل على الآخر في سلطانه فيطمس نوره بل هما متعاقبان بمقتضى تدبيره تعالى. قال : فان قلت : لم جعلت الشمس غير مدركة والقمر غير سابق؟ قلت : لأن الشمس بطيئة السير تقطع فلكها في سنة والقمر يقطع فلكه في شهر ، فكانت الشمس لبطئها جديرة بأن توصف بالإدراك ، والقمر لسرعته جديرا بأن يوصف بالسبق انتهى كلامه» قال أحمد : يؤخذ من هذه الآية أن النهار تابع لليل وهو المذهب المعروف للفقهاء ، وبيانه من الآية أنه جعل الشمس التي هي آية النهار غير مدركة للقمر الذي هو آية الليل ، وإنما نفى الإدراك لأنه هو الذي يمكن أن يقع ، وذلك يستدعى تقدم القمر وتبعية الشمس ، فانه لا يقال : أدرك السابق اللاحق ، ولكن أدرك اللاحق السابق ، وبحسب الإمكان توقيع النفي ، فالليل إذا متبوع والنهار تابع. فان قيل : هل يلزم على هذا أن يكون الليل سابق النهار؟ وقد صرحت الآية بأنه ليس سابقا ، فالجواب : أن هذا مشترك الإلزام ، وبيانه أن الأقسام المحتملة ثلاثة : إما تبعية النهار لليل وهو مذهب الفقهاء. أو عكسه وهو المنقول عن طائفة من النحاة. أو اجتماعهما ، فهذا القسم الثالث منفي باتفاق «فلم يبق إلا تبعية النهار لليل وعكسه ، وهذا السؤال وارد عليهما جميعا ، لأن من قال : إن النهار سابق الليل ، لزمه أن يكون مقتضى البلاغة أن يقال : ولا الليل يدرك النهار ، فان المتأخر إذا نفى إدراكه كان أبلغ من نفى سابقه ، مع أنه يتناءى عن مقتضى قوله (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ) تنائيا لا يجمع شمل المعنى باللفظ ، فان الله تعالى نفى أن تكون مدركة فضلا عن أن تكون سابقة ، فإذا أثبت ذلك فالجواب المحقق عنه أن المنفي السبقية الموجبة لتراخى النهار عن الليل وتخلل زمن آخر بينهما ، وحينئذ يثبت التعاقب وهو مراد الآية. وأما سبق أول المتعاقبين للآخر منهما فانه غير معتبر. ألا ترى إلى جواب موسى بقوله : هم أولاء على أثرى ، فقد قريهم منه عذرا عن قوله تعالى (وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ) فكأنه سهل أمر هذه العجلة بكونهم على أثره ، فكيف لو كان متقدما وهم في عقبه لا يتخلل بينهم وبينه مسافة؟ فذاك لو اتفق لكان سياق الآية يوجب أنه لا يعد عجلة ولا سبقا ، فحينئذ يكون القول بسبقية النهار لليل مخالفا صدر الآية على وجه لا يقبل التأويل ، فان بين عدم الإدراك الدال على التأخير والتبعية وبين السبق بونا بعيدا ومخالفا أيضا لبقية الآية ، فانه لو كان الليل تابعا ومتأخرا لكان أحرى أن يوصف بعدم الإدراك ولا يبلغ به عدم السبق ، ويكون القول بتقدم الليل على النهار مطابقا لصدر الآية صريحا ، ولعجزها بوجه من التأويل مناسب لنظم القرآن وثبوت ضده أقرب إلى الحق من حبل وريده ، والله الموفق للصواب من القول وتسديده.
تُدْرِكَ الْقَمَرَ) فتجتمع معه في وقت واحد وتداخله في سلطانه فتطمس نوره ، ولا يسبق الليل النهار يعنى آية الليل آية النهار وهما النيران ، ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن يبطل الله ما دبر من ذلك ، وينقض ما ألف فيجمع بين الشمس والقمر ، ويطلع الشمس من مغربها. فإن قلت : لم جعلت الشمس غير مدركة ، والقمر غير سابق؟ قلت : لأنّ الشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة ، والقمر يقطع فلكه في شهر ، فكانت الشمس جديرة بأن توصف بالإدراك لتباطئ سيرها عن سير القمر خليقا بأن يوصف بالسبق لسرعة سيره (وَكُلٌ) التنوين فيه عوض عن المضاف إليه ، والمعنى : وكلهم ، والضمير للشموس والأقمار على ما سبق ذكره.
(وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ)(٤٤)
(ذُرِّيَّتَهُمْ) أولادهم ومن يهمهم حمله. وقيل : اسم الذرية يقع على النساء ، لأنهنّ مزارعها وفي الحديث أنه نهى عن قتل الذراري يعنى النساء (مِنْ مِثْلِهِ) من مثل الفلك (ما يَرْكَبُونَ) من الإبل ، وهي سفائن البر. وقيل (الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) سفينة نوح ، ومعنى حمل الله ذرياتهم فيها : أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين ، وفي أصلابهم هم وذرياتهم ، وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم ، وأدخل في التعجيب من قدرته ، في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح. و (مِنْ مِثْلِهِ) من مثل ذلك الفلك ما يركبون من السفن والزوارق (فَلا صَرِيخَ) لا مغيث. أولا إغاثة. يقال : أتاهم الصريخ (وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ) لا ينجون من الموت بالغرق (إِلَّا رَحْمَةً) إلا لرحمة منا ولتمتيع بالحياة (إِلى حِينٍ) (١) إلى أجل يموتون فيه لا بد لهم منه بعد النجاة من موت الغرق. ولقد أحسن من قال :
|
ولم أسلم لكي أبقى ولكن |
|
سلمت من الحمام إلى الحمام (٢) |
وقرأ الحسن رضى الله عنه : نغرقهم ،
__________________
(١) قال أحمد : من هنا أخذ أبو الطيب :
|
ولم أسلم لكي أبقى ولكن |
|
سلمت من الحمام إلى الحمام |
لأنه تعالى أخبر أنهم إن سلموا من موت الغرق فتلك السلامة متاع إلى حين ، أى : إلى أجل يموتون فيه ، ولا بد.
(٢) للمتنبي يقول : ولم أسلم من حوادث الدهر ومكاره الحرب لأجل أن أخلد ، وإنما سلمت من الحمام ـ ككتاب ـ : أى الموت ببعض الأسباب إلى أن أموت ببعضها الآخر. أو منقلب إلى الموت ببعضها الآخر ، لأنه لا خلود في الدنيا.
(وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ)(٤٦)
(اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ) كقوله تعالى (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) وعن مجاهد : ما تقدّم من ذنوبكم وما تأخر. وعن قتادة : ما بين أيديكم من الوقائع التي خلت ، يعنى من مثل الوقائع التي ابتليت بها الأمم المكذبة بأنبيائها ، وما خلفكم من أمر الساعة (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) لتكونوا على رجاء رحمة الله. وجواب إذا محذوف مدلول عليه بقوله (إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ) فكأنه قال : وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا. ثم قال : ودأبهم الإعراض عند كل آية وموعظة.
(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(٤٧)
كانت الزنادقة منهم يسمعون المؤمنين يعلقون أفعال الله تعالى بمشيئته فيقولون : لو شاء الله لأغنى فلانا ، ولو شاء لأعزه ، ولو شاء لكان كذا ، فأخرجوا هذا الجواب مخرج الاستهزاء بالمؤمنين وبما كانوا يقولونه من تعليق الأمور بمشيئة الله. ومعناه : أنطعم المقول فيه هذا القول بينكم ، وذلك أنهم كانوا دافعين أن يكون الغنى والفقر من الله ، لأنهم معطلة لا يؤمنون بالصانع : وعن ابن عباس رضى الله عنهما : كان بمكة زنادقة ، فإذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا : لا والله ، أيفقره الله ونطعمه نحن؟ وقيل : كانوا يوهمون أن الله تعالى لما كان قادرا على إطعامه ولا يشاء إطعامه فنحن أحق بذلك. نزلت في مشركي قريش حين قال فقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطونا مما زعمتم من أموالكم أنها لله ، يعنون قوله (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً) ، فحرموهم وقالوا : لو شاء الله لأطعمكم.
(وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ)(٥٠)
(إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) قول الله لهم. أو حكاية قول المؤمنين لهم. أو هو من جملة جوابهم للمؤمنين. قرئ : وهم يخصمون بإدغام التاء في الصاد مع فتح الخاء وكسرها ، وإتباع الياء الخاء في الكسر. ويختصمون على الأصل. ويخصمون ، من خصمه. والمعنى : أنها تبغتهم
وهم في أمنهم وغفلتهم عنها ، لا يخطرونها ببالهم مشتغلين بخصوماتهم في متاجرهم ومعاملاتهم وسائر ما يتخاصمون فيه ويتشاجرون. ومعنى خصمون : يخصم بعضهم بعضا. وقيل : تأخذهم وهم عند أنفسهم يخصمون في الحجة في أنهم لا يبعثون (فَلا يَسْتَطِيعُونَ) أن يوصوا في شيء من أمورهم (تَوْصِيَةً) ولا يقدرون على الرجوع إلى منازلهم وأهاليهم ، بل يموتون بحيث تفجؤهم الصيحة.
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)(٥٢)
قرئ الصور ، بسكون الواو وهو القرن ، أو جمع صورة ، وحرّكها بعضهم. و (الْأَجْداثِ) القبور. وقرئ بالفاء (١) (يَنْسِلُونَ) يعدون بكسر السين وضمها ، وهي النفخة الثانية. قرئ : يا ويلتنا. وعن ابن مسعود رضى الله عنه : من أهبنا ، من هب من نومه إذا انتبه ، وأهبه غيره وقرئ : من هبنا بمعنى أهبنا : وعن بعضهم : أراد هب بنا ، فحذف الجار وأوصل الفعل : وقرئ : من بعثنا ، ومن هبنا ، على من الجارة والمصدر ، و (هذا) مبتدأ ، و (ما وَعَدَ) خبره ، وما مصدرية أو موصولة. ويجوز أن يكون هذا صفة للمرقد ، وما وعد : خبر مبتدإ محذوف ، أى : هذا وعد الرحمن ، أى : مبتدأ محذوف الخبر ، أى ما وعد (الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) حق. وعن مجاهد : للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم ، فإذا صيح بأهل القبور قالوا : من بعثنا ، وأما (هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ) فكلام الملائكة. عن ابن عباس. وعن الحسن : كلام المتقين. وقيل : كلام الكافرين يتذكرون ما سمعوه من الرسل فيجيبون به أنفسهم أو بعضهم بعضا. فإن قلت : إذا جعلت (ما) مصدرية : كان المعنى : هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين ، على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق ، فما وجه قوله (وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) إذا جعلتها موصولة؟ قلت : تقديره : هذا الذي وعده الرحمن والذي صدّقه المرسلون ، بمعنى : والذي صدق فيه المرسلون ، من قولهم : صدقوهم الحديث والقتال. ومنه صدقنى سن بكره. فإن قلت : (مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا)؟ سؤال عن الباعث ، فكيف طابقه ذلك جوابا؟ قلت : معناه بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث وأنبأكم به الرسل ، إلا أنه جيء به على طريقة : سيئت بها قلوبهم ، ونعيت إليهم أحوالهم ، وذكروا كفرهم وتكذيبهم ، وأخبروا بوقوع ما أنذروا به وكأنه قيل لهم : ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده ، حتى يهمكم السؤال عن
__________________
(١) قوله «وقرئ بالفاء» في الصحاح «الجدف» : القبر ، وهو إبدال الجدث. قال الفراء : العرب تعقب بين الفاء والثاء في اللغة ، فيقولون : جدث وجدف ، وهي الأجداث والأجداف. (ع)
الباعث ، إن هذا هو البعث الأكبر ذو الأهوال والأفزاع ، وهو الذي وعده الله في كتبه المنزلة على ألسنة رسله الصادقين.
(إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ)(٥٧) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ)(٥٨)
(إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً) قرئت منصوبة ومرفوعة (فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ... إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ) (١) حكاية ما يقال لهم في ذلك اليوم. وفي مثل هذه الحكاية زيادة تصوير للموعود ، وتمكين له في النفوس ، وترغيب في الحرص عليه وعلى ما يثمره (فِي شُغُلٍ) في أى شغل وفي شغل لا يوصف ، وما ظنك بشغل من سعد بدخول الجنة التي هي دار المتقين ، ووصل إلى نيل تلك الغبطة وذلك الملك الكبير والنعيم المقيم ، ووقع في تلك الملاذ التي أعدّها الله للمرتضين من عباده ، ثوابا لهم على أعمالهم مع كرامة وتعظيم ، وذلك بعد الوله والصبابة ، والتفصي من مشاق التكليف ومضايق التقوى والخشية ، وتخطى الأهوال ، وتجاوز الأخطار وجواز الصراط. ومعاينة ما لقى العصاة من العذاب ، وعن ابن عباس : في افتضاض الأبكار. وعنه : في ضرب الأوتار. وعن ابن كيسان : في التزاور. وقيل : في ضيافة الله. وعن الحسن : شغلهم عما فيه أهل النار التنعم بما هم فيه. وعن الكلبي : هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار ، لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم : لئلا يدخل عليهم تنغيص في نعيمهم. قرئ : في شغل ، بضمتين وضمة وسكون ، وفتحتين ، وفتحة وسكون. والفاكه والفكه : المتنعم والمتلذذ : ومنه الفاكهة ، لأنها مما يتلذذ به. وكذلك الفكاهة ، وهي المزاحة. وقرئ فاكهون ، وفكهون ، بكسر الكاف وضمها ، كقولهم : رجل حدث وحدث (٢) ، ونطس ونطس. وقرئ : فاكهين وفكهين ،
__________________
(١) قال أحمد : هذا مما التنكير فيه للتفخيم ، كأنه قيل : في شغل أى شغل ، وكذا قوله تعالى : سلام قولا من رب رحيم.
(٢) قوله «كقولهم رجل حدث وحدث» أى حسن الحديث ، والنطس البالغ في التطهر والمدقق في العلم. أفاده الصحاح. (ع)
على أنه حال والظرف مستقر (هُمْ) يحتمل أن يكون مبتدأ وأن يكون تأكيدا للضمير في (فِي شُغُلٍ) وفي (فاكِهُونَ) على أنّ أزواجهم يشاركنهم في ذلك الشغل والتفكه والاتكاء على الأرائك تحت الظلال. وقرئ : في ظلل ، والأريكة : السرير في الحجلة (١). وقيل : الفراش فيها. وقرأ ابن مسعود : متكين (يَدَّعُونَ) يفتعلون من الدعاء ، أى : يدعون به لأنفسهم ، كقولك : اشتوى واجتمل ، إذا شوى (٢) وجمل لنفسه. قال لبيد :
فاشتوى ليلة ريح واجتمل (٣)
ويجوز أن يكون بمعنى يتداعونه ، كقولك : ارتموه ، وتراموه. وقيل : يتمنون ، من قولهم : ادّع علىّ ما شئت ، بمعنى تمنه علىّ ، وفلان في خير ما ادّعى ، أى في خير ما تمنى. قال الزجاج : وهو من الدعاء ، أى : ما يدعو به أهل الجنة يأتيهم. و (سَلامٌ) بدل مما يدعون ، كأنه قال لهم : سلام يقال لهم (قَوْلاً مِنْ) جهة (رَبٍّ رَحِيمٍ) والمعنى : أنّ الله يسلم عليهم بواسطة الملائكة ، أو بغير واسطة ، مبالغة في تعظيمهم وذلك متمناهم ، ولهم ذلك لا يمنعونه. قال ابن عباس : فالملائكة يدخلون عليهم بالتحية من رب العالمين. وقيل : (ما يَدَّعُونَ) ، مبتدأ وخبره سلام ، بمعنى : ولهم ما يدعون سالم خالص لا شوب فيه. و (قَوْلاً) مصدر مؤكد لقوله تعالى (وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ سَلامٌ) أى : عدة من رب رحيم. والأوجه : أن ينتصب على الاختصاص ، وهو من مجازه. وقرئ : سلم ، وهو بمعنى السلام في المعنيين. وعن ابن مسعود : سلاما نصب على الحال ، أى لهم مرادهم خالصا.
(وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ)(٥٩)
(وَامْتازُوا) وانفردوا عن المؤمنين ، وكونوا على حدة ، وذلك حين يحشر المؤمنون ويسار بهم إلى الجنة. ونحوه قوله تعالى (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
__________________
(١) قوله «السرير في الحجلة» هي بيت العروس يزين بالثياب والستور ، كذا في الصحاح. (ع)
(٢) قوله و «اجتمل إذا شوى» في الصحاح : جملت الشحم أجمله جملا ، واجتملته : إذا أذبته. (ع)
|
(٣) وغلام أرسلته أمه |
|
بألوك فبذلنا ما سأل |
|
أرسلته فأتاه رزقه |
|
فاشتوى ليلة ريح واحتمل |
للبيد بن ربيعة. والألوك : الرسالة ، أى : ورب غلام أرسلته أمه إلينا برسالة وهي هنا السؤال ، فبذلنا ما سأله من الطعام عقب سؤاله ، وبين ذلك بقوله : أرسلته فأتاه رزقه ، وفيه دلالة على أنه لم يكن عندهم طعام حين أتاهم العلام ، أى : فأتاه رزقه من الصيد ، فاشتوى لنفسه من اللحم في ليلة ريح مظلمة يقل فيها الجود ، واحتمل : أى حمل كثيرا منه بنفسه لنفسه ، ولأمه التي أرسلته. ويروى : اجتمل ، بالجيم : وفي الصحاح : جملت الشحم واجتملته إذا أذبته ، وهذه الروآية أنسب وأفيد.
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ...) الآية يقال : مازه فانماز وامتاز. وعن قتادة : اعتزلوا عن كل خير. وعن الضحاك : لكل كافر بيت من النار يكون فيه ، لا يرى ولا يرى. ومعناه : أنّ بعضهم يمتاز من بعض.
(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ)(٦١)
العهد : الوصية ، وعهد إليه : إذا وصاه. وعهد الله إليهم : ما ركزه فيهم من أدلة العقل وأنزل عليهم من دلائل السمع. وعبادة الشيطان : طاعته فيما يوسوس به إليهم ويزينه لهم. وقرئ : اعهد ، بكسر الهمزة. وباب «فعل» كله يجوز في حروف مضارعته الكسر (١) ، إلا في الياء. وأعهد ، بكسر الهاء. وقد جوز الزجاج أن يكون من باب نعم ينعم وضرب يضرب. وأحهد : بالحاء. وأحد : وهي لغة تميم. ومنه قولهم : دحا محا (٢) (هذا) إشارة إلى ما عهد إليهم من معصية الشيطان وطاعة الرحمن ، إذا لا صراط أقوم منه ، ونحو التنكير فيه ما في قول كثير :
|
لئن كان يهدى برد أنيابها العلا |
|
لأفقر منى إنّنى لفقير (٣) |
أراد : إننى لفقير بليغ الفقر ، حقيق بأن أوصف به لكمال شرائطه فىّ ، وإلا لم يستقم معنى البيت ، وكذلك قوله (هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) يريد : صراط بليغ في بابه ، بليغ في استقامته ، جامع لكل شرط يجب أن يكون عليه. ويجوز أن يراد : هذا بعض الصراط المستقيمة ،
__________________
(١) قوله «في حروف مضارعته الكسر» لعله مضارعه. (ع)
(٢) قوله «ومنه قولهم دحا محا» أى : دعها معها. (ع)
|
(٣) دعوت إلهى دعوة ما جهلتها |
|
وربى بما تخفى الصدور بصير |
|
لئن كان يهدى برد أنيابها العلا |
|
لأفقر منى إننى لفقير |
|
فما أكثر الأخبار أن قد تزوجت |
|
فهل يأتينى بالطلاق بشير |
لكثير عزة. وقيل : لمجنون ليلى. وقوله «ما جهلتها» معناه : أنها عن قصد وحضور قلب. وقوله : لئن كان يهدى ، بيان للدعوة ، وما بينهما اعتراض للتأكيد وإفادة أن الدعوة كانت في السر ، أى : لئن كان يعطى برد أسنانها العليا ، خصها لأنها التي تبدو كثيرا. وقيل : العلا الشريفة ، لأحوج منى إننى لبليغ في الفقر فأنا أحق بها من كل محتاج ، لأنى أحوج الناس إليها. ويجوز أن يرد أنيابها : كناية عن ذاتها كلها ، وإننى لفقير : خبر بمعنى الإنشاء مجازا مرسلا ، لأن إظهار شدة الاحتياج يلزمه الطلب. ويجوز أنه كناية عنه وهو جواب القسم المدلول عليه باللام ، وجواب الشرط محذوف وجوبا لدلالة المذكور عليه ، وما تعجبية ، وأكثر فعل تعجب ، والأخبار مفعوله ، وأن مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن ، وهي على تقدير حرف الجر ، أى : أتعجب من كثرة الأخبار المخبرة بزواجها ، وهل استفهام بمعنى التمني أو التعجب مجازا مرسلا لعلاقة مطلق الطلب ، أى : أتمني ذلك أو أتعجب من عدمه.
توبيخا لهم على العدول عنه ، والتفادى عن سلوكه ، كما يتفادى الناس عن الطريق المعوج الذي يؤدى إلى الضلالة والتهلكة ، كأنه قيل : أقل أحوال الطريق الذي هو أقوم الطرق : أن يعتقد فيه كما يعتقد في الطريق الذي لا يضل السالك ، كما بقول الرجل لولده وقد نصحه النصح البالغ الذي ليس بعده : هذا فيما أظنّ قول نافع غير ضار ، توبيخا له على الإعراض عن نصائحه.
(وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)(٦٤)
قرئ : جبلا ، بضمتين ، وضمة وسكون ، وضمتين وتشديدة ، وكسرتين ، وكسرة وسكون ، وكسرتين وتشديدة. وهذه اللغات في معنى الخلق. وقرئ : جبلا ، جمع جبلة ، كفطر وخلق. وفي قراءة على رضى الله عنه : جيلا واحدا ، لا أجيال.
(الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ)(٦٦)
يروى أنهم يجحدون ويخاصمون ، فتشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم وعشائرهم ، فيحلفون ما كانوا مشركين ، فحينئذ يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم. وفي الحديث : (١) «يقول العبد يوم القيامة : إنى لا أجيز علىّ شاهدا إلا من نفسي ، فيختم على فيه ، ويقال لأركانه : انطقى فتنطق بأعماله ، ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول : بعدا لكنّ وسحقا. فعنكن كنت أناضل» (٢) وقرئ : يختم على أفواههم ، وتتكلم أيديهم. وقرئ : ولتكلمنا أيديهم وتشهد ، بلام كى والنصب على معنى : ولذلك تختم على أفواههم : وقرئ : ولتكلمنا أيديهم ولتشهد ، بلام الأمر والجزم على أنّ الله يأمر الأعضاء بالكلام والشهادة.
(وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ)(٦٧)
الطمس : تعفية شق العين حتى تعود ممسوحة (فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ) لا يخلو من أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل. والأصل : فاستبقوا إلى الصراط. أو يضمن معنى ابتدروا.
__________________
(١) أخرجه مسلم والنسائي من طريق الشعبي عن أنس ، ووهم الحاكم فاستدركه ،
(٢) قوله «كنت أناضل» أى أجادل. (ع)
أو يجعل الصراط مسبوقا لا مسبوقا إليه. أو ينتصب على الظرف. والمعنى : أنه لو شاء لمسح أعينهم ، فلو راموا أن يستبقوا إلى الطريق المهيع (١) الذي اعتادوا سلوكه إلى مساكنهم وإلى مقاصدهم المألوفة التي تردّدوا إليها كثيرا ـ كما كانوا يستبقون إليه ساعين في متصرفاتهم موضعين (٢) في أمور دنياهم ـ لم يقدروا ، وتعايى عليهم أن يبصروا ويعلموا جهة السلوك فضلا عن غيره. أو لو شاء لأعماهم ، فلو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف ـ كما كان ذلك هجيراهم ـ لم يستطيعوا. أو لو شاء لأعماهم ، فلو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوا المشي فيه لعجزوا ولم يعرفوا طريقا ، يعنى أنهم لا يقدرون إلا على سلوك الطريق المعتاد دون ما وراءه من سائر الطرق والمسالك ، كما ترى العميان يهتدون فيما ألفوا وضروا (٣) به من المقاصد دون غيرها (عَلى مَكانَتِهِمْ) وقرئ ، على مكاناتهم. والمكانة والمكان واحد ، كالمقامة والمقام. أى : لمسخناهم مسخا يجمدهم مكانهم لا يقدرون أن يبرحوه بإقبال ولا إدبار ولا مضىّ ولا رجوع واختلف في المسخ ، فعن ابن عباس : لمسخناهم قردة وخنازير. وقيل : حجارة. وعن قتادة : لأقعدناهم على أرجلهم وأزمناهم. وقرئ : مضيا بالحركات الثلاث ، فالمضىّ والمضي كالعتىّ والعتي. والمضىّ كالصبىّ.
(وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ)(٦٨)
(نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ) نقلبه فيه فنخلقه على عكس ما خلقناه من قبل ، وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسده ، وخلو من عقل وعلم ، ثم جعلناه يتزايد وينتقل من حال إلى حال ويرتقى من درجة إلى درجة ، إلى أن يبلغ أشده ويستكمل قوته ، ويعقل ويعلم ما له وما عليه ، فإذا انتهى نكسناه في الخلق فجعلناه يتناقص ، حتى يرجع في حال شبيهة بحال الصبىّ في ضعف جسده وقلة عقله وخلوّه من العلم ، كما ينكس السهم فيجعل أعلاه أسفله. قال عزّ وجلّ (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً) ، (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) وهذه دلالة على أنّ من ينقلهم من الشباب إلى الهرم ومن القوّة إلى الضعف ومن رجاحة العقل إلى الخرف وقلة التمييز ومن العلم إلى الجهل بعد ما نقلهم خلاف هذا النقل وعكسه ـ قادر على أن يطمس على
__________________
(١) قوله «إلى الطريق المهيع» الهيوع : الجبن ، والهيعة : الذوبان والسيلان وكل ما أفزعك من صوت ، كذا في الصحاح. ولعل المراد الذي سهله كثرة سلوكه. (ع)
(٢) قوله «موضعين» في الصحاح : وضع البعير وغيره : أسرع من سيره وأوضعه راكبه. (ع)
(٣) قوله «وضروا به» أى : مرنوا. (ع)
أعينهم ويمسخهم على مكانتهم ويفعل بهم ما شاء وأراد : وقرئ بكسر الكاف (١). وننكسه وننكسه ، من التنكيس والإنكاس (أَفَلا يَعْقِلُونَ) بالياء والتاء.
(وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ)(٧٠)
كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم : شاعر ، وروى أنّ القائل : عقبة بن أبى معيط ، فقيل (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ) أى : وما علمناه بتعليم القرآن الشعر ، على معنى : أن القرآن ليس بشعر وما هو من الشعر في شيء. وأين هو عن الشعر ، والشعر إنما هو كلام موزون مقفى ، يدل على معنى ، فأين الوزن؟ وأين التقفية؟ وأين المعاني التي ينتحيها الشعراء عن معانيه؟ وأين نظم كلامهم من نظمه وأساليبه؟ فإذا لا مناسبة بينه وبين الشعر إذا حققت ، اللهمّ إلا أنّ هذا لفظه عربى ، كما أنّ ذاك كذلك (وَما يَنْبَغِي لَهُ) وما يصح له ولا يتطلب لو طلبه ، أى : جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ولم يتسهل ، كما جعلناه أمّيا لا يتهدّى للخط ولا يحسنه ، لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض. وعن الخليل : كان الشعر أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام ، ولكن كان لا يتأتى له. فإن قلت : فقوله :
|
أنا النّبي لا كذب |
|
أنا ابن عبد المطّلب (٢) |
وقوله : (٣)
|
هل أنت إلّا أصبع دميت |
|
وفي سبيل الله ما لقيت (٤) |
__________________
(١) قوله «وقرئ بكسر الكاف» يفيد أن القراءة المشهورة بضم الكاف ، وهما من النكس. (ع)
(٢) متفق عليه من حديث البراء بن عازب في حديث.
(٣) متفق عليه من حديث جندب بن سفيان في حديث.
|
(٤) هل أنت إلا أصبع دميت |
|
وفي سبيل الله ما لقيت |
|
يا نفس لا تقنطى بموتى |
|
هذى حياض الموت قد صليت |
|
وما تمنيت فقد لقيت |
|
إن تفعلي فعلهما هديت |
لعبد الله بن رواحة حين حمل اللواء بعد قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبى طالب فأصيبت أصبعه في الحرب فدميت وروى البخاري عن جندب أنه قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يمشى إذ أصابه حجر ، فعثر ، فدميت أصبعه فقال «هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت» فأفاد أنه صلى الله عليه وسلم يتمثل بشعر غيره ، وهو بكسر التاء على وفق القافية ، وقال الكرماني : التاء في الرجز مكسورة ، وفي الحديث ساكنة. وقال عياض غفل بعض الناس فروى : دميت : ولقيت ، بغير مد وخالف الرواية. وروى أحمد والطيالسي أنه صلى الله عليه وسلم قاله حين كان خارجا إلى الصلاة ، ودميت : صفة أصبع ، والمعنى : لم يحصل لك شيء من الأذى إلا أنك دميت ولم يكن ذلك هدرا بل كان في سبيل الله ومرضاته لا غير ، أى : الذي لقيته من الأذى في سبيل الله ، فلا تحزني ، ـ
قلت : ما هو إلا كلام من جنس كلامه الذي كان يرمى به على السليقة ، من غير صنعة ولا تكلف ، إلا أنه اتفق ذلك من غير قصد إلى ذلك ولا التفات منه إليه إن جاء موزونا ، كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم أشياء موزونة لا يسميها أحد شعرا ولا يخطر ببال المتكلم ولا السامع أنها شعر ، وإذا فتشت في كل كلام عن نحو ذلك وجدت الواقع في أوزان البحور غير عزيز ، على أن الخليل ما كان يعدّ المشطور من الرجز شعرا ، ولما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) يعنى : ما هو إلا ذكر من الله تعالى يوعظ به الإنس والجنّ ، كما قال (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ) وما هو إلا قرآن كتاب سماوي ، يقرأ في المحاريب ، ويتلى في المتعبدات ، وينال بتلاوته والعمل بما فيه فوز الدارين ، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين؟ (لِيُنْذِرَ) القرآن أو الرسول وقرئ : لتنذر ، بالتاء. ولينذر : من نذر به إذا علمه (مَنْ كانَ حَيًّا) أى عاقلا متأملا ، لأن الغافل كالميت. أو معلوما منه أنه يؤمن فيحيا بالإيمان (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ) وتجب كلمة العذاب (عَلَى الْكافِرِينَ) الذين لا يتأمّلون ولا يتوقع منهم الإيمان.
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ)(٧٣)
(مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا) مما تولينا نحن إحداثه ولم يقدر على توليه غيرنا ، وإنما قال ذلك لبائع الفطرة والحكمة فيها ، التي لا يصح أن يقدر عليها إلا هو. وعمل الأيدى : استعارة من عمل من يعملون بالأيدى (فَهُمْ لَها مالِكُونَ) أى خلقناها لأجلهم فملكناها إياهم ، فهم متصرفون فيها تصرف الملاك ، مختصون بالانتفاع فيها لا يزاحمون. أو فهم لها ضابطون قاهرون ، من قوله :
__________________
ـ ونزلها منزلة العاقل فخاطبها بذلك تسلية وتثبيتا لها ، وهو في الحقيقة لنفسه «ثم صرح بخطاب النفس مثبتا لها. بقوله إن لم تقتلي في الحرب فلا بد لك من الموت وهذه حياضه فلا تفرى منها لأن الوقوع في البلاء أهون من انتظاره وشبه الموت بسيل على سبيل المكنية ، فأثبت له الحياض تخييلا ، وشبهه بالنار كذلك ، فأثبت له الصلى وهو اقتحام النار ، ولا مانع من تشبيه الشيء بأمرين مختفين مع الرمز لكل منهما بما يلائمه ، ويجوز استعارة الحياض للمعرفة تصريحا ، والذي تمنيته من الحرب المؤدى إلى الشهادة فقد لقيته ، إن تفعلي كفعل زيد وجعفر ، هديت إلى طريق الخير.
|
أصبحت لا أحمل السلاح ولا |
|
أملك رأس البعير إن نفرا (١) |
أى لا أضبطه ، وهو من جملة النعم الظاهرة ، وإلا فمن كان يقدر عليها لو لا تذليله وتسخيره لها ، كما قال القائل :
|
يصرفه الصّبى بكل وجه |
|
ويحبسه على الخسف الجرير |
|
وتضربه الوليدة بالهراوى |
|
فلا غير لديه ولا نكير (٢) |
ولهذا ألزم الله سبحانه الراكب أن يشكر هذه النعمة ويسبح بقوله : سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وقرئ : ركوبهم. وركوبتهم. وهما ما يركب ، كالحلوب والحلوبة. وقيل : الركوبة جمع. وقرئ : ركوبهم ، أى ذو ركوبهم. أو فمن منافعها ركوبهم (مَنافِعُ) من الجلود والأوبار والأصواف وغير ذلك (وَمَشارِبُ) من اللبن ، ذكرها مجملة ، وقد فصلها في قوله تعالى (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً ...) الآية والمشارب : جمع مشرب وهو موضع الشرب ، أو الشرب
(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ
__________________
|
(١) أصبح متى الشباب مبتكرا |
|
إن ينأ عنى فقد ثوى عصرا |
|
فارقنا قبل أن نفارقه |
|
لما قضى من جماعنا وطرا |
|
أصبحت لا أملك السلاح ولا |
|
أملك رأس البعير إن نفرا |
|
والذئب أخشاه إن مررت به |
|
وحدي وأخشى الرياح والمطرا |
للربيع بن منيع ، قاله حين بلغ مائة وأربعين عاما ، عاش بعده مائة وستين. والمبتكر : المسافر أول النهار ، فهو تشبيه بليغ ، ثم تسلى بقوله : إن ينأ ، أى بعد عنى فقد أقام عندي أزمنة طويلة فارقنا ، أى : ذهب عنا قبل أن نموت ، فقوله «نفارقه» مجاز عن ذلك ، أو كناية عنه ، أو مجاز عن البغض ، والجماع : معناه الاجتماع والمصاحبة ، والوطر : الحاجة ، وهذا كله ترشيح للتشبيه أول الكلام ، ولا يخفى ما في البيت من إبهام ما كان ينبغي الاحتراس منه ، فان قضاء الوطر من الجماع اشتهر استعماله في مقام الوطء ، ثم قال : صرت لا أضبط السلاح بيدي ولا رأس البعير إن ندمنى ولا أقدر عليهما. ويروى : لا أحمل السلاح ، أى : لا أقدر على حمله ، وأخشاه : أى أخافه ، إن مررت به وحدي وأخاف الرياح والمطر ولو مع غيرى ، وكل هذا كناية عن بلوغه غاية الضعف والهرم.
|
(٢) لقد عظم البعير بغير لب |
|
فلم يستغن بالعظم البعير |
|
يصرفه الصبى بكل وجه |
|
ويحبسه على الخسف الجرير |
|
وتضربه الوليدة بالهراوى |
|
فلا غير لديه ولا نكير |
لكثير عزة حين رآه عبد الملك بن مروان قصيرا حقيرا ، فقال : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. وقيل : للعباس ابن مرداس. وقيل : لمعاوية بن مالك الكلابي ، وعظم : ضخم وطال. واللب : العقل ، وأتى بالظاهر موضع المضمر للتهويل في الطول والجسامة ، بكل وجه : في كل جهة. والخسف : الذل. والجرير : حبل غير الزمام يربط به. والهراوى : جمع هراوة وهي العصا ، وجمعها دلالة على كثرة الضرب. والغير ـ بالتحريك ـ الغيرة. والنكير : الإنكار ، يعنى أن العبرة بالألباب والعقول ، لا بالغلظ والطول.
وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ)(٧٦)
اتخذوا الآلهة طمعا في أن يتقوّوا بهم ويعتضدوا بمكانهم ، والأمر على عكس ما قدّروا ، حيث هم جند لآلهتهم معدّون (مُحْضَرُونَ) يخدمونهم ويذبون عنهم ، ويغضبون لهم ، والآلهة لا استطاعة بهم ولا قدرة على النصر ، أو اتخذوهم لينصروهم عند الله ويشفعوا لهم ، والأمر على خلاف ما توهموا ، حيث هم يوم القيامة جند معدّون لهم محضرون لعذابهم ، لأنهم يجعلون وقودا للنار. وقرئ : فلا يحزنك ، بفتح الياء وضمها ، من حزنه وأحزنه. والمعنى : فلا يهمنك تكذيبهم وأذاهم وجفاؤهم ، فإنا عالمون بما يسرون لك من عداوتهم (وَما يُعْلِنُونَ) وإنا مجازوهم عليه ، فحق مثلك أن يتسلى بهذا الوعيد ويستحضر في نفسه صورة حاله وحالهم في الآخرة حتى ينقشع عنه الهمّ ولا يرهقه الحزن. فإن قلت : ما تقول فيمن يقول : إن قرأ قارئ : أنا نعلم ، بالفتح : انتقضت صلاته ، وإن اعتقد ما يعطيه من المعنى : كفر؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما : أن يكون على حذف لام التعليل ، وهو كثير في القرآن وفي الشعر ، وفي كل كلام وقياس مطرد ، وهذا معناه ومعنى الكسر سواء ، وعليه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنّ الحمد والنعمة (١) لك ، كسر أبو حنيفة وفتح الشافعي ، وكلاهما تعليل. والثاني : أن يكون بدلا من (قَوْلُهُمْ) كأنه قيل : فلا يحزنك ، إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون. وهذا المعنى قائم مع المكسورة إذا جعلتها مفعولة للقول ، فقد تبين أن تعلق الحزن بكون الله عالما وعدم تعلقه لا يدوران على كسر إن وفتحها ، وإنما يدوران على تقديرك ، فتفصل إن فتحت بأن تقدّر معنى التعليل ولا تقدّر البدل ، كما أنك تفصل بتقدير معنى التعليل إذا كسرت ولا تقدّر معنى المفعولية ، ثم إن قدّرته كاسرا أو فاتحا على ما عظم فيه الخطب ذلك القائل ، فما فيه إلا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحزن على كون الله عالما بسرهم وعلانيتهم ، وليس النهى عن ذلك مما يوجب شيئا. ألا ترى إلى قوله تعالى (فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ) ، (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ، (وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ)
(أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ
__________________
(١) متفق عليه من حديث ابن عمر في أثناء حديث.
مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(٨٣)
قبح الله عزّ وجل إنكارهم البعث تقبيحا لا ترى أعجب منه وأبلغ ، وأدل على تمادى كفر الإنسان وإفراطه في جحود النعم وعقوق الأيادى ، وتوغله في الخسة وتغلغله في القحة (١) ، حيث قرره بأن عنصره الذي خلقه منه هو أخسّ شيء وأمهنه ، وهو النطفة المذرة الخارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة ، ثم عجب من حاله بأن يتصدّى مثله على مهانة أصله ودناءة أوّله لمخاصمة الجبار ، وشرز صفحته (٢) لمجادلته ، ويركب متن الباطل ويلج ، ويمحك ويقول : من يقدر على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه ، ثم يكون خصامه في ألزم وصف له وألصقه به ، وهو كونه منشأ من موات ، وهو ينكر إنشاءه من موات ، وهي المكابرة التي لا مطمح وراءها ، وروى أن جماعة من كفار قريش منهم أبىّ بن خلف الجمحي وأبو جهل والعاصي بزوائل والوليد ابن المغيرة تكلموا في ذلك ، فقال لهم أبىّ : ألا ترون إلى ما يقول محمد ، إنّ الله يبعث الأموات ، ثم قال : واللات والعزى لأصيرنّ إليه ولأخصمنه ، وأخذ عظما باليا فجعل يفته بيده وهو يقول : يا محمد ، أترى الله يحيى هذا بعد ما قد رمّ ، قال صلى الله عليه وسلم : نعم ويبعثك ويدخلك جهنم (٣) وقيل : معنى قوله (فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) فإذا هو بعد ما كان ماء مهينا رجل مميز منطبق قادر على الخصام ، مبين : معرب عما في نفسه فصيح ، كما قال تعالى (أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ). فإن قلت : لم سمى قوله (مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) مثلا؟ قلت : لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل ، وهي إنكار قدرة الله تعالى على إحياء الموتى. أو لما فيه من التشبيه ، لأن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله بالقدرة عليه ، بدليل النشأة الأولى ، فإذا قيل :
__________________
(١) قوله «وتغلغله في القحة» في الصحاح : وقح الرجل قحة ووقاحة ، إذا صار قليل الحياء. (ع)
(٢) قوله «وشرز صفحته ... الخ» في الصحاح «الشرز» الشرس ، وهو الغلظ. والمحك : اللجاج. (ع)
(٣) هكذا ذكره الحلبي عن قتادة بغير سند ، وأخرجه الحاكم من رواية أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس «أن العاص بن وائل أخذ عظما من البطحاء ، ففتته بيده ، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أيحيي الله هذا بعد ما رم؟ فقال : نعم ، يميتك الله ـ الحديث» وروى البيهقي في الشعب من طريق حصين عن أبى مالك. قال : جاء أبى بن خلف بعظم نخر ـ الحديث» وروى ابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس قال : «جاء أبو جهل بعظم حائل».
من يحيى العظام على طريق الإنكار لأن يكون ذلك مما يوصف الله تعالى بكونه قادرا عليه ، كان تعجيزا لله وتشبيها له بخلقه في أنهم غير موصوفين بالقدرة عليه. والرميم : اسم لما بلى من العظام غير صفة ، كالرمة والرفات ، فلا يقال : لم لم يؤنث وقد وقع خبر المؤنث؟ ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول ، ولقد استشهد بهذه الآية من يثبت الحياة في العظام ويقول : إن عظام الميتة نجسة لأنّ الموت يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها. وأما أصحاب أبى حنيفة فهي عندهم طاهرة ، وكذلك الشعب والعصب ، ويزعمون أنّ الحياة لا تحلها فلا يؤثر فيها الموت ، ويقولون : المراد بإحياء العظام في الآية ردّها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حىّ حساس (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) يعلم كيف يخلق ، لا يتعاظمه شيء من خلق المنشآت والمعادات ومن أجناسها وأنواعها وجلائلها ودقائقها. ثم ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر ، مع مضادة النار الماء وانطفائها به وهي الزناد التي تورى بها الأعراض وأكثرها من المرخ والعفار ، وفي أمثالهم : في كل شجر نار. واستمجد المرخ والعفار ، يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان ، يقطر منهما الماء فيسحق المرخ وهو ذكر ، على العفار وهي أنثى فتنقدح النار بإذن الله. وعن ابن عباس رضى الله عنهما : ليس من شجرة إلا وفيها النار إلا العناب (١). قالوا : ولذلك تتخذ منه كذينقات القصارين. قرئ : الأخضر ، على اللفظ. وقرئ : الخضراء ، على المعنى. ونحوه قوله تعالى (مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ) من قدر على خلق السماوات والأرض مع عظم شأنهما فهو على خلق الأناسى أقدر ، وفي معناه قوله تعالى (لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) وقرئ : يقدر ، وقوله (أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) يحتمل معنيين : أن يخلق مثلهم في الصغر والقماءة (٢) بالإضافة إلى السماوات والأرض أو أن يعيدهم ، لأن المعاد مثل للمبتدإ وليس به (وَهُوَ الْخَلَّاقُ) الكثير المخلوقات (الْعَلِيمُ) الكثير المعلومات. وقرئ : الخالق (إِنَّما أَمْرُهُ) إنما شأنه (إِذا أَرادَ شَيْئاً) إذا دعاه داعى حكمة إلى تكوينه ولا صارف (أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ) أن يكونه من غير توقف (فَيَكُونُ) فيحدث ، أى : فهو كائن موجود لا محالة. فإن قلت : ما حقيقة قوله (أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)؟ قلت : هو مجاز من الكلام وتمثيل ، لأنه لا يمتنع عليه شيء من المكونات ، وأنه بمنزلة المأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع. فإن قلت : فما وجه القراءتين في فيكون؟ قلت : أما الرفع فلأنها جملة من مبتدإ وخبر ، لأن تقديرها : فهو يكون ، معطوفة على مثلها ، وهي أمره أن يقول له كن. وأما النصب فللعطف على يقول ، والمعنى : أنه لا يجوز عليه شيء مما يجوز على الأجسام
__________________
(١) لم أجده.
(٢) قوله «والقماءة» الصغر والذلة. أفاده الصحاح. (ع)
إذا فعلت شيئا مما تقدر عليه ، من المباشرة بمحال القدرة ، واستعمال الآلات ، وما يتبع ذلك من المشقة والتعب واللغوب إنما أمره وهو القادر العالم لذاته أن يخلص داعيه إلى الفعل ، فيتكون فمثله كيف يعجز عن مقدور حتى يعجز عن الإعادة؟ (فَسُبْحانَ) تنزيه له مما وصفه به المشركون ، وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا (بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) هو مالك كل شيء والمتصرف فيه بمواجب مشيئته وقضايا حكمته. وقرئ : ملكة كل شيء. وملك كل شيء. والمعنى واحد (تُرْجَعُونَ) بضم التاء وفتحها. وعن ابن عباس رضى الله عنهما : كنت لا أعلم ما روى في فضائل يس وقراءتها كيف خصت ، بذلك ، فإذا أنه لهذه الآية.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن لكل شيء قلبا ، وإن قلب القرآن يس ، من قرأ يس يريد بها وجه الله ، غفر الله تعالى له ، وأعطى من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة ، وأيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس نزل بكل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفا يصلون عليه ويستغفرون له ويشهدون غسله ويتبعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه ، وأيما مسلم قرأ يس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يحييه رضوان خازن الجنة بشربة من شراب الجنة يشربها وهو على فراشه ، فيقبض ملك الموت روحه وهو ريان ، ويمكث في قبره وهو ريان ، ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان (١). وقال عليه الصلاة والسلام «إن في القرآن سورة يشفع قارئها ويغفر لمستمعها. ألا وهي سورة يس» (٢).
__________________
(١) أخرجه ابن مردويه والثعلبي من حديث أبى بن كعب ، وأوله في الترمذي من رواية هرون أبى محمد عن مقاتل بن حيان عن قتادة عن أنس. وقال : غريب. وهرون مجهول «وفي الباب عن أبى بكر وأبى هريرة. فأما حديث أبى هريرة فأخرجه البزار وفيه حميد المكي مولى آل علقمة. وهو ضعيف. وحديث أبى بكر : أخرجه الحكيم الترمذي.
(٢) أخرجه الثعلبي من طريق محمد بن عمير عن هشام عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها.
سورة الصافات
مكية ، وهي مائة وإحدى وثمانون آية ، وقيل : واثنتان وثمانون
[نزلت بعد الأنعام]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ)(٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ)(٥)
أقسم الله سبحانه بطوائف الملائكة أو بنفوسهم الصافات أقدامها في الصلاة ، من قوله تعالى (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) أو أجنحتها في الهواء واقفة منتظرة لأمر الله (فَالزَّاجِراتِ) السحاب سوقا (فَالتَّالِياتِ) لكلام الله من الكتب المنزلة وغيرها. وقيل (الصَّافَّاتِ) : الطير ، من قوله تعالى (وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ) والزاجرات : كل ما زجر عن معاصى الله. والتاليات : كل من تلا كتاب الله. ويجوز أن يقسم بنفوس العلماء العمال الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات وصفوف الجماعات ، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح ، فالتاليات آيات الله والدارسات شرائعه. أو بنفوس قواد الغزاة في سبيل الله التي تصف الصفوف وتزجر الخيل للجهاد ، وتتلو الذكر (١) مع ذلك لا تشغلها
__________________
(١) قال محمود : «المقسم به طوائف الملائكة أو نفوسهم ، والمراد صفهم في الصلاة وزجرهم السحاب أى سوقهم وتلاوتهم ذكر الله أو العلماء والمراد تصافف أقدامهم في الصلاة وزجرهم بالمواعظ عن المعاصي وتلاوتهم الذكر ...... إلى أن قال : ... «ويكون التفاصل بين الطوائف إما على أن الأول هو الأفضل أو على العكس» قال أحمد : قد جوز أن يكون ترتيبها في التفاضل على أن الأول وهو الأفضل وعلى العكس ، ولم يبين وجه كل واحد منهما من حيث صنعة البديع ، ونحن نبينه فنقول : وجه البداءة بالأفضل الاعتناء بالأهم. فقدم ، ووجه عكس هذا الترقي من الأدنى إلى الأعلى ، ومنه قوله :
|
بها ليل منهم جعفر وابن أمه |
|
على ومنهم أحمد المنخير |
ولا يقال : إن هذا إنما ساغ لأن الواو لا تقتضي رتبة ، فان هذا غايته أنه عذر ، وما ذكرناه بيان لما فيه من مقتضى البديع والبلاغة ، وفي هذه الآية دلالة على مذهب سيبويه والخليل في مثل (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى) فإنهما يقولان : الواو الثانية وما بعدها عواطف ، وغيرهما يذهب إلى أنها حروف قسم ، فوقوع الفاء في هذه الآية موقع الواو والمعنى واحد ، إلا أن ما تزيده الفاء من ترتيبها دليل واضح على أن الواو الواقعة في مثل هذا السياق للعطف لا للقسم.
عنه تلك الشواغل ، كما يحكى عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه. فإن قلت : ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟ قلت : إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود ، كقوله :
|
يا لهف زيّابة للحرث الصّابح |
|
فالغانم فالآيب (١) |
كأنه قيل : الذي صبح فغنم فآب. وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه ، كقولك : خذ الأفضل فالأكمل ، واعمل الأحسن فالأجمل. وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك ، كقوله : رحم الله المحلقين فالمقصرين ، فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات. فإن قلت : فعلى أى هذه القوانين هي فيما أنت بصدده؟ قلت : إن وحدت الموصوف كانت للدلالة على ترتب الصفات في التفاضل ، وإن ثلثته ، فهي للدلالة على ترتب الموصوفات فيه ، بيان ذلك : أنك إذا أجريت هذه الأوصاف على الملائكة وجعلتهم جامعين لها ، فعطفها بالفاء يفيد ترتبا لها في الفضل : إما إن يكون الفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة ، وإما على العكس ، وكذلك إن أردت العلماء وقواد الغزاة. وإن أجريت الصفة الأولى على طوائف والثانية والثالثة على أخر ، فقد أفادت ترتب الموصوفات في الفضل ، أعنى أن الطوائف الصافات ذوات فضل والزاجرات أفضل ، والتاليات أبهر فضلا ، أو على العكس ، وكذلك إذا أردت بالصافات : الطير ، وبالزاجرات : كل ما يزجر عن معصية. وبالتاليات : كل نفس تتلو الذكر ، فإن الموصوفات مختلفة. وقرئ بإدغام التاء في الصاد والزاى والذال (رَبُّ السَّماواتِ) خبر بعد خبر. أو خبر مبتدإ محذوف. و (الْمَشارِقِ) ثلاثمائة وستون مشرقا ، وكذلك المغارب : تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها وتغرب في مغرب ، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين. فإن قلت : فما ذا أراد بقوله (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ)؟ قلت : أراد مشرقى الصيف والشتاء ومغربيهما.
(إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ)(٧)
(الدُّنْيا) القربى منكم. والزينة : مصدر كالنسبة ، واسم لما يزان به الشيء ، كالليقة اسم لما تلاق به الدواة ، ويحتملهما قوله (بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ) فإن أردت المصدر ، فعلى إضافته إلى الفاعل ، أى : بأن زانتها الكواكب ، وأصله : بزينة الكواكب : أو على إضافته إلى المفعول ، أى : بأن زان الله الكواكب وحسنها ، لأنها إنما زينت السماء لحسنها في أنفسها ، وأصله (بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ) وهي قراءة أبى بكر والأعمش وابن وثاب ، وإن أردت الاسم فللإضافة وجهان : أن تقع الكواكب بيانا للزينة ، لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به ، وأن يراد
__________________
(١) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٤١ فراجعه إن شئت اه مصححه.
ما زينت به الكواكب. وجاء عن ابن عباس رضى الله عنهما : بزينة الكواكب : بضوء الكواكب : ويجوز أن يراد أشكالها المختلفة ، كشكل الثريا وبنات نعش والجوزاء ، وغير ذلك ، ومطالعها ومسايرها. وقرئ على هذا المعنى : بزينة الكواكب ، بتنوين زينة وجر الكواكب على الإبدال. ويجوز في نصب الكواكب : أن يكون بدلا من محل بزينة (وَحِفْظاً) مما حمل على المعنى ؛ لأنّ المعنى : إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظا من الشياطين ، كما قال تعالى (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ) ويجوز أن يقدر الفعل المعلل ، كأنه قيل : وحفظا (مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ) زيناها بالكواكب ، وقيل : وحفظناها حفظا. والمارد : الخارج من الطاعة المتملس (١) منها.
(لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ)(١٠)
الضمير في (لا يَسَّمَّعُونَ) لكل شيطان ، لأنه في معنى الشياطين. وقرئ بالتخفيف والتشديد ، وأصله : يتسمعون. والتسمع : تطلب السماع. يقال : تسمع فسمع ، أو فلم يسمع. وعن ابن عباس رضى الله عنهما : هم يتسمعون ولا يسمعون ، وبهذا ينصر التخفيف على التشديد ، فإن قلت : لا يسمعون كيف اتصل بما قبله؟ قلت : لا يخلو من أن يتصل بما قبله على أن يكون صفة لكل شيطان ، أو استئنافا فلا تصحّ الصفة ؛ لأنّ الحفظ من شياطين لا يسمعون ولا يستمعون لا معنى له ، وكذلك الاستئناف ؛ لأنّ سائلا لو سأل : لم تحفظ من الشياطين؟ فأجيب بأنهم لا يسمعون : لم يستقم ، فبقى أن يكون كلاما منقطعا مبتدأ اقتصاصا ، لما عليه حال المسترقة للسمع (٢) ، وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة. أو يتسمعوا وهم
__________________
(١) قوله «من الطاعة المتملس منها» في الصحاح : يقال : انملس من الأمر ، إذا أقلت منه. (ع)
(٢) أبطل الزمخشري أن يكون (لا يَسَّمَّعُونَ) صفة لأن الحفظ من شيطان لا يسمع لا معنى له وأبطل أن يكون أصله لئلا يسمعوا ، فحذف اللام وحذفها كثير ، ثم حذف أن وأهدر عملها مثل :
|
ألا أيها ذا الزاجري أحضر الوغي |
|
وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدى |
واستبعد اجتماع هذين الحذفين ، وإن كان كل واحد منهما بانفراده سائغا ، ولما أبطل هذين الوجهين تعين عنده أن يكون ابتداء كلام اقتصاصا لما عليه أحوال المسترقة للسمع» قال أحمد : كلا الوجهين مستقيم ، والجواب عن إشكاله الوارد على الوجه الأول : أن عدم سماع الشيطان سببه الحفظ منه ، فحال الشيطان حال كونه محفوظا منه هي حاله حال كونه لا يسمع ، وإحدى الحالين لازمة للأخرى ، فلا مانع أن يجتمع الحفظ منه ، وكونه موصوفا بعدم السماع في حالة واحدة لا على أن عدم السماع ثابت قبل الحفظ بل معه وقسيمه ، ونظير هذه الآية على هذا التقدير قوله تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ) فقوله تعالى (مُسَخَّراتٌ) حال مما تقدمه العامل فيه الفعل الذي هو سخر. ومعناه مستقيم ، لأن تسخيرها يستلزم كونها مسخرة ، فالحال التي ـ
مقذوفون بالشهب مدحورون عن ذلك ، إلا من أمهل حتى خطف خطفة واسترق استراقة ، فعندها تعاجله الهلكة بإتباع الشهاب الثاقب. فإن قلت : هل يصح قول من زعم أن أصل : لئلا يسمعوا فحذفت اللام كما حذفت في قولك : جئتك أن تكرمني ، فبقى أن لا يسمعوا فحذفت أن وأهدر عملها ، كما في قول القائل :
ألا أيها ذا الزّاجرى أحضر الوغى (١)
قلت : كل واحد من هذين الحذفين غير مردود على انفراده ، فأما اجتماعهما فمنكر من المنكرات ، على أن صون القرآن عن مثل هذا التعسف واجب. فإن قلت : أى فرق بين سمعت فلانا يتحدّث ، وسمعت إليه يتحدّث ، وسمعت حديثه ، وإلى حديثه؟ قلت : المعدّى بنفسه يفيد الإدراك ، والمعدى بإلى يفيد الإصغاء مع الإدراك ، والملأ الأعلى : الملائكة ، لأنهم يسكنون السماوات. والإنس والجن : هم الملأ الأسفل ، لأنهم سكان الأرض. وعن ابن عباس رضى الله عنهما : هم الكتبة من الملائكة. وعنه : أشراف الملائكة (مِنْ كُلِّ جانِبٍ) من جميع جوانب السماء من أى جهة صعدوا للاستراق (دُحُوراً) مفعول له ، أى : ويقذفون للدحور وهو الطرد ، أو مدحورين على الحال. أو لأنّ القذف والطرد متقاربان في المعنى ، فكأنه قيل : يدحرون أو قذفا. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى بفتح الدال على : قذفا دحورا طرودا. أو على أنه قد جاء مجيء القبول والولوع. والواصب : الدائم ، وصب الأمر وصوبا ، يعنى أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب ، وقد أعدّ لهم في الآخرة نوع من العذاب دائم غير منقطع (مَنْ) في محل الرفع بدل من الواو في لا يسمعون ، أى : لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي (خَطِفَ الْخَطْفَةَ) وقرئ : خطف بكسر الخاء والطاء وتشديدها ، وخطف بفتح الخاء وكسر الطاء وتشديدها ، وأصلهما : اختطف. وقرئ : فأتبعه ، وفاتبعه.
(فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ)(١١)
الهمزة وإن خرجت إلى معنى التقرير فهي بمعنى الاستفهام في أصلها ، فلذلك قيل
__________________
ـ سخرت فيها هي الحال التي كانت فيها مسخرة ، لا على معنى تسخيرها مع كونها مسخرة قبل ذلك ، وما أشار له الزمخشري في هذه الآية قريب من هذا التفسير ، إلا أنه ذكر معه تأويلا آخر كالمستشكل لهذا الوجه ، فجعل مسخرات جمع مسخر مصدر كممزق ، وجعل المعنى : وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر أنواعا من التسخير ، وفيما ذكرناه كفاية ، ومن هذا النمط (ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا) وهم ما كانوا رسلا إلا بالإرسال ، وهؤلاء ما كانوا لا يسمعون إلا بالحفظ. وأما الجواب عن إشكاله الثاني فورود حذفين في مثل قوله تعالى (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) وأصله لئلا تضلوا ، فحذف اللام و «لا» جميعا من محليهما.
(١) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ١٥٩ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(فَاسْتَفْتِهِمْ) أى استخبرهم (أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً) ولم يقل : فقرّرهم ، والضمير لمشركي مكة. قيل : نزلت في أبى الأشد بن كلدة ، وكنى بذلك لشدّة بطشه وقوته (أَمْ مَنْ خَلَقْنا) يريد : ما ذكر من خلائقه : من الملائكة ، والسماوات والأرض ، والمشارق ، والكواكب ، والشهب الثواقب ، والشياطين المردة ، وغلب أولى العقل على غيرهم ، فقال : من خلقنا ، والدليل عليه قوله بعد عدّ هذه الأشياء : فاستفتهم أهم أشدّ خلقا أم من خلقنا ، بالفاء المعقبة. وقوله : أم من خلقنا ، مطلقا من غير تقييد بالبيان ، اكتفاء ببيان ما تقدّمه ، كأنه قال : خلقنا كذا وكذا من عجائب الخلق وبدائعه ، فاستفتهم أهم أشدّ خلقا أم الذي خلقناه من ذلك ، ويقطع به قراءة من قرأ : أم من عددنا ، بالتخفيف والتشديد. وأشدّ خلقا : يحتمل أقوى خلقا من قولهم : شديد الخلق. وفي خلقه شدّة ، وأصعب خلقا وأشقه ، على معنى الرد لإنكارهم البعث والنشأة الأخرى ، وأنّ من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة ولم يصعب عليه اختراعها كان خلق البشر عليه أهون. وخلقهم (مِنْ طِينٍ لازِبٍ) إما شهادة عليهم بالضعف والرخاوة لأنّ ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوّة ، أو احتجاج عليهم بأنّ الطين اللازب الذي خلقوا منه تراب ، فمن أين استنكروا أن يخلقوا من تراب مثله حيث قالوا : أئذا كنا ترابا. وهذا المعنى يعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث. وقيل : من خلقنا من الأمم الماضية ، وليس هذا القول بملائم. وقرئ : لازب ولاتب ، والمعنى واحد ، والثاقب : الشديد الإضاءة.
(بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ)(١٤)
(بَلْ عَجِبْتَ) من قدرة الله على هذه الخلائق العظيمة (وَ) هم (يَسْخَرُونَ) منك ومن تعجبك ومما تريهم من آثار قدرة الله ، أو من إنكارهم البعث وهم يسخرون من أمر البعث. وقرئ بضم التاء ، أى : بلغ من عظم آياتي وكثرة خلائقى أنى عجبت منها ، فكيف بعبادي وهؤلاء يجهلهم وعنادهم يسخرون من آياتي أو عجبت من أن ينكروا البعث ممن هذه أفعاله ، وهم يسخرون ممن يصف الله بالقدرة عليه. فإن قلت : كيف يجوز العجب على الله تعالى ، وإنما هو روعة تعترى الإنسان عند استعظامه الشيء ، والله تعالى لا يجوز عليه الروعة؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما : أن يجرد العجب لمعنى الاستعظام : والثاني : أن يتخيل العجب ويفرض. وقد جاء في الحديث : عجب ربكم من ألكم (١) وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم (٢). وكان شريح
__________________
(١) قوله «من ألكم وقنوطكم» الأل : يأتى بمعنى السرعة والأنين والفساد. أفاده الصحاح. (ع)
(٢) أخرجه أبو عبيد في الغريب عن محمد بن عمرو يرفعه ، ثم قال : فقال : الأل رفع الصوت بالدعاء. وقال بعضهم : يرويه الأول ، وهو الشدة.
يقرأ بالفتح ويقول : إنّ الله لا يعجب من شيء ، وإنما يعجب من لا يعلم ، فقال إبراهيم النخعي : إنّ شريحا كان يعجبه علمه وعبد الله أعلم ، يريد عبد الله بن مسعود ، وكان يقرأ بالضم. وقيل معناه : قل يا محمد بل عجبت. (وَإِذا ذُكِّرُوا) ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به (وَإِذا رَأَوْا آيَةً) من آيات الله البينة كانشقاق القمر ونحوه (يَسْتَسْخِرُونَ) يبالغون في السخرية. أو يستدعى بعضهم من بعض أن يسخر منها.
(وَقالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ)(١٩)
(وَآباؤُنَا) معطوف على محل (إِنْ) واسمها. أو على الضمير في مبعوثون ، والذي جوّز العطف عليه الفصل بهمزة الاستفهام. والمعنى : أيبعث أيضا آباؤنا على زيادة الاستبعاد ، يعنون أنهم أقدم ، فبعثهم أبعد وأبطل. وقرئ أو آباؤنا (قُلْ نَعَمْ) وقرئ : نعم بكسر العين وهما لغتان. وقرئ : قال نعم ، أى الله تعالى أو الرسول صلى الله عليه وسلم. والمعنى : نعم تبعثون (وَأَنْتُمْ داخِرُونَ) صاغرون (فَإِنَّما) جواب شرط مقدّر تقديره : إذا كان ذلك فما (هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ) وهي لا ترجع إلى شيء ، إنما هي مبهمة موضحها خبرها. ويجوز : فإنما البعثة زجرة واحدة وهي النفخة الثانية. والزجرة : الصيحة ، من قولك : زجر الراعي الإبل أو الغنم : إذا صاح عليها فريعت لصوته. ومنه قوله :
|
زجر أبى عروة السباع إذا |
|
أشفق أن يختلطن بالغنم (١) |
يريد تصوينه بها (فَإِذا هُمْ) أحياء بصراء (يَنْظُرُونَ).
(وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ)(٢١)
يحتمل أن يكون (هذا يَوْمُ الدِّينِ) إلى قوله (احْشُرُوا) من كلام الكفرة بعضهم مع بعض
__________________
(١) للنابغة الجعدي. وأبو عروة : كنية العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ، كانوا يزعمون أنه يصيح بالسباع فينفق مرارة الأسد في جوفه ، وروى أن غارة أتتهم يوم حنين فصاح : يا صباحاه فأسقطت الحوامل ، وكان يسمع صوته من مسافة ثمانية أميال. وزجره يزجره ، إذا صاح بمنعه ، أى : كزجر أبى عروة السباع عن الغنم إذا خاف اختلاطهن بها في البادية.
وأن يكون من كلام الملائكة لهم ، وأن يكون (يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ) كلام الكفرة. و (هذا يَوْمُ الْفَصْلِ) من كلام الملائكة جوابا لهم. ويوم الدين : اليوم الذي ندان فيه ، أى نجازى بأعمالنا. ويوم الفصل : يوم القضاء ، والفرق بين فرق الهدى والضلالة.
(احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ)(٢٦)
(احْشُرُوا) خطاب الله للملائكة ، أو خطاب بعضهم مع بعض (وَأَزْواجَهُمْ) وضرباءهم عن النبي صلى الله عليه وسلم : وهم نظراؤهم وأشباههم من العصاة : أهل الزنا مع أهل الزنا ، وأهل السرقة مع أهل السرقة. وقيل : قرناؤهم من الشياطين. وقيل : نساؤهم اللاتي على دينهم (فَاهْدُوهُمْ) فعرّفوهم طريق النار حتى يسلكوها. هذا تهكم بهم وتوبيخ لهم بالعجز عن التناصر بعد ما كانوا على خلاف ذلك في الدنيا متعاضدين متناصرين (بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ) قد أسلم بعضهم بعضا وخذله عن عجز ، فكلهم مستسلم غير منتصر. وقرئ : لا تتناصرون ولا تناصرون ، بالإدغام.
(وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ)(٣١)
(فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ)(٣٥)
اليمين لما كانت أشرف العضوين وأمتنهما وكانوا يتيمنون بها ، فبها يصافحون ويماسحون ويناولون ويتناولون ، ويزاولون أكثر الأمور ، ويتشاءمون بالشمال ، ولذلك سموها : الشؤمى ،
كما سموا أختها اليمنى ، وتيمنوا بالسانح ، (١) وتطيروا بالبارح ، وكان الأعسر معيبا عندهم ، وعضدت الشريعة ذلك ، فأمرت بمباشرة أفاضل الأمور باليمين ، وأراذلها بالشمال. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في كل شيء (٢). وجعلت اليمين لكاتب الحسنات ، والشمال لكاتب السيئات ، ووعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه ، والمسيء أن يؤتاه بشماله : استعيرت لجهة الخير وجانبه ، فقيل : أتاه عن اليمين ، أى : من قبل الخير وناحيته ، فصدّه عنه وأضله. وجاء في بعض التفاسير : من أتاه الشيطان من جهة اليمين : أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق. ومن أتاه من جهة الشمال : أتاه من قبل الشهوات. ومن أتاه من بين يديه : أتاه من قبل التكذيب بالقيامة وبالثواب والعقاب. ومن أتاه من خلفه : خوّفه الفقر على نفسه وعلى من يخلف بعده ، فلم يصل رحما ولم يؤد زكاة. فإن قلت : قولهم : أتاه من جهة الخير وناحيته : مجاز في نفسه ، فكيف جعلت اليمين مجازا عن المجاز؟ قلت : من المجاز ما غلب في الاستعمال حتى لحق بالحقائق ، وهذا من ذاك ، ولك أن تجعلها مستعارة للقوّة والقهر ، لأنّ اليمين موصوفة بالقوة ، وبها يقع البطش. والمعنى : أنكم كنتم تأتوننا عن القوّة والقهر ، وتقصدوننا عن السلطان والغلبة حتى تحملونا على الضلال وتقسرونا عليه. وهذا من خطاب الأتباع لرؤسائهم ، والغواة لشياطينهم (بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) بل أبيتم أنتم الإيمان وأعرضتم عنه ، مع تمكنكم منه مختارين له على الكفر. غير ملجئين إليه (وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ) من تسلط نسلبكم به تمكنكم واختياركم (بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً) مختارين الطغيان (فَحَقَّ عَلَيْنا) فلزمنا (قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ) يعنى : وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة ، لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة ، ولو حكى الوعيد كما هو لقال : إنكم لذائقون ، ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم ، لأنهم متكلمون بذلك عن أنفسهم. ونحوه قول القائل :
لقد زعمت هوازن قلّ مالى (٣)
__________________
(١) قوله «وتيمنوا بالسانح» السانح : المار من اليسار إلى اليمين. والبارح عكسه. أفاده الصحاح. (ع)
(٢) متفق عليه من حديث عائشة رضى الله عنها أتم من هذا.
|
(٣) ألا زعمت هوازن قل مالى |
|
وهل لي غير ما أنفقت مال |
|
أسربه نعم ونعم قديما |
|
على ما كان هن مال وبال |
ألا استفتاحية ، وهوازن : امرأته ، وضمن زعمت معنى قالت ، فعداه إلى الجملة ، ولو حكى قولها بلفظه لقال : قل مالك ، ولكن جاء بياء المتكلم لجواز الحكاية بالمعنى ، وهل : استفهام إنكارى ، وغير : حال مقدمة ، أى : ليس لي مال غير ما أنفقته في المكارم ، وأسربه. مبنى للمجهول صفة لمال ، أى : لا يسرني غير ما أنفقته ، وبين جهة الإنفاق بقوله : نعم ونعم ، أى جوابي للسائلين بذلك من قديم الزمان : هو وبال ومضرة على ما كان لي من مال ، ويجوز أن أسر مبنى للفاعل. ونعم الأولى مفعوله ، أى : هل لي مال أسربه من يجاب بنعم ، والحال أن نعم وبال على المال ، ومهلكة له قديما ، حيث أخيب السائل بها.
ولو حكى قولها لقال : قل مالك. ومنه قول المحلف للحالف : احلف لأخرجنّ ، ولتخرجنّ: الهمزة لحكاية لفظ الحالف ، والتاء لإقبال المحلف على المحلف (فَأَغْوَيْناكُمْ) فدعوناكم إلى الغى دعوة محصلة للبغية ، لقبولكم لها واستحبابكم الغىّ على الرشد (إِنَّا كُنَّا غاوِينَ) فأردنا إغواءكم لتكونوا أمثالنا (فَإِنَّهُمْ) فإنّ الأتباع والمتبوعين جميعا (يَوْمَئِذٍ) يوم القيامة مشتركون في العذاب كما كانوا مشتركين في الغواية (إِنَّا) مثل ذلك الفعل (نَفْعَلُ) بكل مجرم ، يعنى أنّ سبب العقوبة هو الإجرام ، فمن ارتكبه استوجبها (إِنَّهُمْ كانُوا إِذا) سمعوا بكلمة التوحيد نفروا أو استكبروا عنها وأبوا إلا الشرك.
(وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(٣٩)
(لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم (بَلْ جاءَ بِالْحَقِ) رد على المشركين (وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) كقوله (مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) وقرئ : لذائقو العذاب ، بالنصب على تقدير النون ، كقوله :
ولا ذاكر الله إلّا قليلا (١)
بتقدير التنوين. وقرئ على الأصل : لذائقون العذاب (إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) إلا مثل ما عملتم جزاء سيئا بعمل سيئ.
(إِلاَّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ)(٤٩)
__________________
(١) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٤٤٨ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(إِلَّا عِبادَ اللهِ) ولكن عباد الله ، على الاستثناء المنقطع. فسر الرزق المعلوم بالفواكه : وهي كل ما يتلذذ به ولا يتقوّت لحفظ الصحة ، يعنى أنّ رزقهم كله فواكه ، لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات ، بأنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد ، فكل ما يأكلونه يأكلونه على سبيل التلذذ. ويجوز أن يراد : رزق معلوم منعوت بخصائص خلق عليها : من طيب طعم ، ورائحة ، ولذة ، وحسن منظر. وقيل : معلوم الوقت ، كقوله (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا) وعن قتادة : الرزق المعلوم الجنة. وقوله (فِي جَنَّاتِ) يأباه ، وقوله (وَهُمْ مُكْرَمُونَ) هو الذي يقوله العلماء في حد الثواب على سبيل المدح والتعظيم ، وهو من أعظم ما يجب أن تتوق إليه نفوس ذوى الهمم ، كما أنّ من أعظم ما يجب أن تنفر عنه نفوسهم هو ان أهل النار وصغارهم.
التقابل : أتم للسرور وآنس. وقيل : لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.
يقال للزجاجة فيها الخمر : كأس ، وتسمى الخمر نفسها كأسا ، قال :
وكاس شربت على لذّة (١)
وعن الأخفش : كل كأس في القرآن فهي الخمر ، وكذا في تفسير ابن عباس (مِنْ مَعِينٍ) من شراب معين. أو من نهر معين ، وهو الجاري على وجه الأرض ، الظاهر للعيون: وصف بما يوصف به الماء ، لأنه يجرى في الجنة في أنهار كما يجرى الماء ، قال الله تعالى (وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ). (بَيْضاءَ) صفة للكأس (لَذَّةٍ) إمّا أن توصف باللذة كأنها نفس اللذة وعينها : أو هي تأنيث اللذ ، يقال : لذ الشيء فهو لذ ولذيذ. ووزنه : فعل ، كقولك : رجل طب ، قال :
|
ولذ كطعم الصّرخدى تركته |
|
بأرض العدا من خشية الحدثان (٢) |
__________________
|
(١) وكأس شربت على لذة |
|
وأخرى تداويت منها بها |
|
لكي يعلم الناس أنى امرؤ |
|
أتيت المعيشة من بابها |
للأعشى ، والكأس تطلق على الزجاجة فيها الخمر ، وعلى الخمر فيها : مجازا مشهورا ، وهي مؤنثة بدليل تأنيث صفتها وضميرها. يقول : ورب كأس شربتها مع لذة ، أو لأجل لذة فضرتنى ، فشربت كأسا أخرى تداويت من الأولى بها ، ليعلم الناس أنى مجرب للأمور ، وكنى عن ذلك بقوله : أتيت المعيشة من بابها ، وشبه المعيشة مع أسبابها المناسبة لها بدار لها باب على طريق المكنية وإثبات الباب تخييل ، أى : كما داويت الداء من بابه أدرك المعيشة وأحصلها من الأسباب التي تناسبها. ويروى : بدل الشطر الثاني من البيت الأول دهاق يرنح من ذاقها ودهقه : كسره وغمزه غمزا شديدا ، وكأس داهق : ممتلئة ، ودهاق : مملوءة. وترنح : تميل ، لكن هذا من قافية أخرى.
(٢) اللذ : وصف ، واللذة : مؤنثة ، وهي اسم للكيفية القائمة بالنفس ، واسم للشيء اللذيذ. والصرخد : موضع من الشام ينسب إليه الشراب. والحدثان : مصدر كالحدث ، إلا أنه يدل على التجدد والتكرر ، يقول : ورب شيء لذيذ يعنى النوم ، طعمه كطعم الشراب الطيب ، تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بى. ويروى بدل الشطر الثاني عشية خمس القوم والعين عاشقة وخمست القوم أخمسهم ـ بالضم ـ : أخذت خمس أموالهم.
يريد النوم. الغول : لمن غاله يغوله غولا إذا أهلكه وأفسده. ومنه : الغول الذي في تكاذيب العرب. وفي أمثالهم : الغضب غول الحلم ، و (يُنْزَفُونَ) على البناء للمفعول ، من نزف الشارب (١) إذا ذهب عقله. ويقال للسكران : نزيف ومنزوف. ويقال للمطعون : نزف فمات إذا خرج دمه كله. ونزحت الركية حتى نزفتها : إذا لم تترك فيها ماء. وفي أمثالهم : أجبن من المنزوف ضرطا. وقرئ : ينزفون ، من أنزف الشارب إذا ذهب عقله أو شرابه. قال:
|
لعمري لئن أنزفتمو أو صحوتمو |
|
لبئس النّدامى كنتمو آل أبجرا (٢) |
ومعناه : صار ذا ترف. ونظيره : أقشع السحاب ، وقشعته الريح ، وأكب الرجل وكبيته. وحقيقتهما : دخلا في القشع والكب. وفي قراءة طلحة بن مصرف : وينزفون : بضم الزاى ، من نزف ينزف كقرب يقرب ، إذا سكر. والمعنى : لا فيها فساد قط من أنواع الفساد التي تكون في شرب الخمر من مغص أو صداع أو خمار (٣) أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك ، ولا هم يسكرون (٤) ، وهو أعظم مفاسدها فأفرزه وأفرده بالذكر (قاصِراتُ الطَّرْفِ) قصرن أبصارهنّ على أزواجهنّ ، لا يمددن طرفا إلى غيرهم ، كقوله تعالى (عُرُباً) (٥) والعين : النجل العيون (٦) شبههنّ يبيض النعام المكنون في الأداحى ، وبها تشبه العرب النساء وتسميهنّ بيضات الخدور.
(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً
__________________
(١) قوله «من نزف الشارب في الصحاح : نزفت ماء البئر نزفا ، إذا نزحته كله. ونزفت هي : يتعدى ولا يتعدى ... ونزفت أيضا على ما لم يسم فاعله. (ع)
(٢) للأبيرد. ونزف دمه : خرج منه حتى ضعف وانقطعت حركته. ونزف الرجل في الخصومة : انقطعت حجته ، وأنزف : صار ذا نزف ، فنزف وأنزف لا زمان. وقوله : لئن أنزفتم ، أى سكرتم وبطلت حركتكم ، أو انقطع شرابكم ، ولبئس الندامى : جواب القسم ، وجواب الشرط مثله محذوف ، وأنتم : هو المخصوص بالذم. وآل أبجر : منادى ، وفيه نوع من التهكم والاستخفاف بهم.
(٣) قوله «في الصحاح : الخمار : بقية السكر. (ع)
(٤) قوله «ولا هم يسكرون» لعله : ولا هم عنها يسكرون. (ع)
(٥) قوله «كقوله تعالى : عربا» أى متحببات إلى أزواجهن كما يأتى. (ع)
(٦) قوله «النجل العيون» في الصحاح : النجل ـ بالتحريك : كشف العين. والرجل أنجل ، والعين نجلاء ، والجمع نجل. وفيه : مدحى النعامة : موضع بيضها. وأدحيها موضعها ، وهو أفعول من دحوت ، لأنها تدحوه برجلها ثم تبيض فيه اه والأداحى : جمعه. (ع)
أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ)(٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ)(٥٧)
فإن قلت : علام عطف قوله (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ)؟ قلت : على يطاف عليهم. والمعنى : يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب (١) ، قال :
|
وما بقيت من اللّذّات إلّا |
|
أحاديث الكرام على المدام (٢) |
فيقبل بعضهم على بعض (يَتَساءَلُونَ) عما جرى لهم وعليهم في الدنيا ، إلا أنه جيء به ماضيا على عادة الله في أخباره. قرئ : من المصدّقين ، من التصديق. ومن المصّدّقين مشدّد الصاد ، من التصدّق ، وقيل : نزلت في رجل تصدّق بماله لوجه الله ، فاحتاج فاستجدى بعض إخوانه ، فقال : وأين مالك؟ قال : تصدقت به ليعوضنى الله به في الآخرة خيرا منه ، فقال : أإنك لمن المصدّقين بيوم الدين. أو من المتصدّقين لطلب الثواب. والله لا أعطيك شيئا (لَمَدِينُونَ) لمجزيون ، من الدين وهو الجزاء. أو لمسوسون مربوبون. يقال : دانه ساسة. ومنه الحديث : «العاقل من دان نفسه ، (٣). (قالَ) يعنى ذلك القائل (هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ) إلى النار لأريكم ذلك القرين. قيل : إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. وقيل : القائل هو الله عز وجل : وقيل بعض الملائكة يقول لأهل الجنة : هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار. وقرئ. مطلعون ، فاطلع. وفأطلع بالتشديد ، على لفظ الماضي والمضارع المنصوب : ومطلعون فاطلع ، وفأطلع بالتخفيف ، على لفظ الماضي والمضارع المنصوب. يقال : طلع علينا فلان ، واطلع ، وأطلع بمعنى واحد ، والمعنى : هل أنتم مطلعون إلى القرين فأطلع أنا أيضا. أو عرض عليهم الاطلاع فاعترضوه ، فاطلع هو بعد ذلك. وإن جعلت الإطلاع من أطلعه غيره ، فالمعنى : أنه لما شرط في اطلاعه اطلاعهم ، وهو من
__________________
(١) قوله «كعادة الشرب» جمع شارب ، كالصحب جمع صاحب ، كذا في الصحاح. (ع)
(٢) الفرزدق ، يقول : وما بقيت لذة من اللذات إلا لذة أحاديث الكرام ، أو ما بقيت شهوة من الشهوات اللذيذة إلا أحاديث الكرام على الخمر ، وأتى بحرف الاستعلاء لأن الشراب يكون بين أيديهم والحديث من أفواههم فوقه ، وكان الظاهر : وما بقي من اللذات ، لكن أنث الفعل لأنه مفرغ لما بعد إلا ، أو للتأويل المتقدم.
(٣) أخرجه الترمذي وابن ماجة ، والحاكم وأحمد والبزار وأبو يعلى والحرث والطبراني كلهم من رواية أبى بكر ابن أبى مريم عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس.
آداب المجالسة. أن لا يستبد بشيء دون جلسائه ، فكأنهم مطلعوه. وقيل : الخطاب على هذا للملائكة. وقرئ : مطلعون بكسر النون ، أراد : مطلعون إياى ، فوضع المتصل موضع المنفصل ، كقوله :
هم الفاعلون الخير والآمرونه (١)
أو شبه اسم الفاعل في ذلك بالمضارع لتآخ بينهما ، كأنه قال : تطلعون ، وهو ضعيف لا يقع إلا في الشعر (فِي سَواءِ الْجَحِيمِ) في وسطها ، يقال : تعبت حتى انقطع سوائى ، وعن أبى عبيدة : قال لي عيسى بن عمر : كنت أكتب يا أبا عبيدة حتى ينقطع سوائى (إِنْ) مخففة من الثقيلة ، وهي تدخل على «كاد» كما تدخل على «كان» ونحوه (إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا) واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ، والإرداء : الإهلاك. وفي قراءة عبد الله : لتغوينّ (نِعْمَةُ رَبِّي) هي العصمة والتوفيق في الاستمساك بعروة الإسلام ، والبراءة من قرين السوء. أو إنعام الله بالثواب وكونه من أهل الجنة (مِنَ الْمُحْضَرِينَ) من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك.
(أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)(٥٩)
الذي عطفت عليه الفاء محذوف ، معناه : أنحن مخلدون منعمون ، فما نحن بميتين ولا معذبين. وقرئ بمائتين. والمعنى أنّ هذه حال المؤمنين وصفتهم وما قضى الله به لهم للعلم بأعمالهم أن لا يذوقوا إلا الموتة الأولى ، بخلاف الكفار ، فإنهم فيما يتمنون فيه الموت كل ساعة ، وقيل لبعض الحكماء : ما شر من الموت؟ قال : الذي يتمنى فيه الموت.
(إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ)(٦١)
يقوله المؤمن تحدثا بنعمة الله واغتباطا بحاله وبمسمع من قرينه ، ليكون توبيخا له يزيد به تعذبا ، وليحكيه الله فيكون لنا لطفا وزاجرا. ويجوز أن يكون قولهم جميعا ، وكذلك قوله (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) أى إن هذا الأمر الذي نحن فيه. وقيل : هو من قول الله عزّ وجلّ تقريرا لقولهم وتصديقا له. وقرئ : لهو الرزق العظيم ، وهو ما رزقوه من السعادة.
(أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)
__________________
|
(١) هم الفاعلون الخير والآمرونه |
|
إذا ما خشوا من حادث الدهر معظما |
الخير : نصب على المفعولية. ويقال : أمرتك الخير وأمرتك به ، فالآمرونه : اسم فاعل متعد للمفعول الثاني بنفسه ، وكان حقه الفصل فوصل ، وربما كان في البيت أوقع منه في اسم الفاعل المجرد من اللام ، وما زائدة : أى إذا خافوا من حادث الدهر أمرا معظما. ويروى : مفظعا ، أى : مخيفا فحقه في حرف العين.
إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى أَصْلِ لْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ لشَّيَـٰطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَءَاكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِـُونَ مِنْهَا لْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى لْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ (٦٩)فَهُمْ عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)
تمت قصة المؤمن وقرينه ، ثم رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فقال (أَذلِكَ) الرزق (خَيْرٌ نُزُلاً) أى خير حاصلا (أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) وأصل النزل : الفضل والربع في الطعام ، يقال : طعام كثير النزل ، فاستعير للحاصل من الشيء ، وحاصل الرزق المعلوم : اللذة والسرور ، وحاصل شجرة الزقوم : الألم والغم ، وانتصاب نزلا على التمييز ، ولك أن تجعله حالا ، كما تقول : أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا؟ يعنى أنّ الرزق المعلوم نزل أهل الجنة. وأهل النار نزلهم شجرة الزقوم ، فأيهما خير في كونه نزلا. والنزل : ما يقال (١) للنازل بالمكان من الرزق. ومنه إنزال الجند لأرزاقهم ، كما يقال لما يقام لساكن الدار : السكن (٢). ومعنى الأوّل : أنّ للرزق المعلوم نزلا ، ولشجر الزقوم نزلا ، فأيهما خير نزلا. ومعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم ، ولكن المؤمنين لما اختاروا ما أدى إلى الرزق المعلوم ، واختار الكافرون ما أدى إلى شجرة الزقوم ، قيل لهم ذلك توبيخا على سوء اختيارهم (فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ) محنة وعذابا لهم في الآخرة. أو ابتلاء لهم في الدنيا ، وذلك أنهم قالوا : كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر ، فكذبوا. وقرئ : نابتة (فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) قيل : منبتها في قعر جهنم ، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها : والطلع للنخلة ، فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها : إما استعارة لفظية ، أو معنوية ، وشبه برءوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر ، لأنّ الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس ، لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير ، فيقولون في القبيح الصورة : كأنه وجه شيطان ، كأنه رأس شيطان. وإذا صوّره المصورون : جاءوا بصورته على أقبح ما يقدر وأهوله ، كما أنهم اعتقدوا في الملك أنه خير محض لا شر فيه ، فشبهوا به الصورة الحسنة. قال الله تعالى (ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) وهذا تشبيه تخييلى. وقيل : الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدا. وقيل : إنّ شجرا يقال له الأستن خشنا منتنا مرا منكر الصورة ، يسمى ثمره :
__________________
(١) قوله «ما يقال للنازل بالمكان» لعله «ما يقام» كعبارة النسفي. (ع)
(٢) قوله «لساكن الدار السكن» في الصحاح «السكن» : كل ما سكنت إليه. (ع)
رؤوس الشياطين. وما سمت العرب هذا الثمر برءوس الشياطين إلا قصدا إلى أحد التشبيهين ، ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلا ثالثا يشبه به (مِنْها) من الشجرة ، أى من ظلعها (فَمالِؤُنَ) بطونهم ، لما يغلبهم من الجوع الشديد ، أو يقسرون على أكلها وإن كرهوها ، ليكون بابا من العذاب ، فإذا شبعوا غلبهم العطش فيسقون شرابا من غساق أو صديد ، شوبه : أى مزاجه (مِنْ حَمِيمٍ) يشوى وجوههم ويقطع أمعاءهم ، كما قال في صفة شراب أهل الجنة (وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ) وقرئ : لشوبا ، بالضم ، وهو اسم ما يشاب به ، والأوّل تسمية بالمصدر. فإن قلت : ما معنى حرف التراخي في قوله (ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً) وفي قوله (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ)؟ قلت : في الأوّل وجهان ، أحدهما : أنهم يملئون البطون من شجر الزقوم ، وهو حارّ يحرق بطونهم ويعطشهم ، فلا يسقون إلا بعد ملىّ تعذيبا بذلك العطش ، ثم يسقون ما هو احرّ وهو الشراب المشوب بالحميم. والثاني : أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة ، ثم ذكر الشراب بما هو أكره وأبشع ، فجاء بثم للدلالة على تراخى حال الشراب عن حال الطعام ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه. ومعنى الثاني : أنهم يذهب بهم عن مقارّهم ومنازلهم في الجحيم ، وهي الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم ، فيأكلون إلى أن يتملئوا ، ويسقون بعد ذلك ، ثم يرجعون إلى دركاتهم ، ومعنى التراخي في ذلك بين : وقرئ : ثم إن منقلبهم ، ثم إن مصيرهم ، ثم إن منفذهم إلى الجحيم : علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد كلها بتقليد الآباء في الدين ، واتباعهم إياهم على الضلال ، وترك اتباع الدليل. والإهراع : الإسراع الشديد ، كأنهم يحثون حثا. وقيل : إسراع فيه شبه بالرعدة.
(وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاَّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ)(٧٤)
(وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ) قبل قومك قريش. (مُنْذِرِينَ) أنبياء حذروهم العواقب. (الْمُنْذَرِينَ) الذين أنذروا وحذروا ، أى أهلكوا جميعا (إِلَّا عِبادَ اللهِ) الذين آمنوا منهم وأخلصوا دينهم لله ، أو أخلصهم الله لدينه على القراءتين.
(وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ)(٨٢)
لما ذكر إرسال المنذرين في الأمم الخالية وسوء عاقبة المنذرين ، أتبع ذلك ذكر نوح ودعائه إياه حين أيس من قومه ، واللام الداخلة على نعم جواب قسم محذوف ، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره : فو الله لنعم المجيبون نحن ، والجمع دليل العظمة والكبرياء. والمعنى : إنا أجبناه أحسن الإجابة ، وأوصلها إلى مراده وبغيته من نصرته على أعدائه والانتقام منهم بأبلغ ما يكون (هُمُ الْباقِينَ) هم الذين بقوا وحدهم وقد فنى غيرهم ، فقد روى أنه مات كل من كان معه في السفينة غير ولده. أو هم الذين بقوا متناسلين إلى يوم القيامة. قال قتادة : الناس كلهم من ذرية نوح. وكان لنوح عليه السلام ثلاثة أولاد : سام ، وحام ، ويافث. فسام أبو العرب ، وفارس ، والروم. وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب. ويافث أبو الترك ويأجوج ومأجوج (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) من الأمم هذه الكلمة ، وهي : (سَلامٌ عَلى نُوحٍ) يعنى يسلمون عليه تسليما ، ويدعون له ، وهو من الكلام المحكي ، كقولك : قرأت سورة أنزلناها. فإن قلت : فما معنى قوله (فِي الْعالَمِينَ)؟ قلت : معناه الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعا ، وأن لا يخلو أخد منهم منها ، كأنه قيل : ثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين يسلمون عليه عن آخرهم. علل مجازاة نوح عليه السلام بتلك التكرمة السنية من تبقية ذكره ، وتسليم العالمين عليه إلى آخر الدهر بأنه كان محسنا ، ثم علل كونه محسنا بأنه كان عبدا مؤمنا ، ليريك جلالة محل الإيمان ، وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم ، ويرغبك في تحصيله والازدياد منه.
(وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ)(٨٧)
(مِنْ شِيعَتِهِ) ممن شايعه على أصول الدين وإن اختلفت شرائعهما. أو شايعه على التصلب في دين الله ومصابرة المكذبين. ويجوز أن يكون بين شريعتيهما اتفاق في أكثر الأشياء. وعن ابن عباس رضى الله عنهما : من أهل دينه وعلى سنته ، وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان : هود ، وصالح. وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة. فإن قلت : بم تعلق الظرف؟ قلت : بما في الشيعة من معنى المشايعة ، يعنى : وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه بقلب سليم لإبراهيم. أو بمحذوف وهو : اذكر (بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) من جميع آفات القلوب. وقيل : من الشرك ، ولا معنى للتخصيص لأنه مطلق ، فليس بعض الآفات أولى من بعض فيتناولها كلها. فإن قلت : ما معنى المجيء بقلبه ربه؟ قلت : معناه أنه أخلص لله قلبه ، وعرف ذلك منه فضرب
المجيء مثلا لذلك (أَإِفْكاً) مفعول له ، تقديره : أتريدون آلهة من دون الله إفكا ، وإنما قدّم المفعول على الفعل للعناية ، وقدّم المفعول له على المفعول به ، لأنه كان الأهمّ عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم. ويجوز أن يكون إفكا مفعولا ، يعنى : أتريدون به إفكا. ثم فسر الإفك بقوله (آلِهَةً دُونَ اللهِ) على أنها إفك في أنفسها. ويجوز أن يكون حالا ، بمعنى : أتريدون آلهة من دون الله آفكين (فَما ظَنُّكُمْ) بمن هو الحقيق بالعبادة ، لأنّ من كان ربا للعالمين استحق عليهم أن يعبدوه ، حتى تركتم عبادته إلى عبادة الأصنام : والمعنى : أنه لا يقدّر في وهم ولا ظنّ ما يصدّ عن عبادته. أو فما ظنكم به أى شيء هو من الأشياء ، حتى جعلتم الأصنام له أندادا. أو فما ظنكم به ما ذا يفعل بكم وكيف يعاقبكم وقد عبدتم غيره؟
(فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ)(٩٠)
(فِي النُّجُومِ) في علم النجوم أو في كتابها أو في أحكامها ، وعن بعض الملوك أنه سئل عن مشتهاه فقال : حبيب أنظر إليه ، ومحتاج أنظر له ، وكتاب أنظر فيه. كان القوم نجامين ، فأوهمهم أنه استدل بأمارة في علم النجوم على أنه يسقم (فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ) إنى مشارف للسقم وهو الطاعون ، وكان أغلب الأسقام عليهم ، وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه ، فهربوا منه إلى عيدهم وتركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد ، ففعل بالأصنام ما فعل. فإن قلت : كيف جاز له أن يكذب؟ قلت : قد جوّزه بعض الناس في المكيدة في الحرب والتقية ، وإرضاء الزوج والصلح بين المتخاصمين والمتهاجرين. والصحيح : أن الكذب حرام إلا إذا عرّض وورّى ، والذي قاله إبراهيم عليه السلام : معراض من الكلام ، ولقد نوى به أن من في عنقه الموت سقيم. ومنه المثل : كفى بالسلامة داء. وقول لبيد :
|
فدعوت ربى بالسّلامة جاهدا |
|
ليصحّنى فإذا السّلامة داء (١) |
وقد مات رجل فجأة فالتف عليه الناس وقالوا : مات وهو صحيح ، فقال أعرابى : أصحيح من الموت في عنقه. وقيل : أراد : إنى سقيم النفس لكفركم.
__________________
|
(١) كانت قناتي لا تلين لغامز |
|
فألانها الإصباح والإمساء |
|
فدعوت ربى بالسلامة جاهدا |
|
ليصحنى فإذا السلامة داء |
للبيد بن ربيعة العامري ، والقناة : الرمح ، استعارها لاقامته أو قوته على طريق التصريح ، والليونة والغمز : ترشيح. والغمزى : الحبى باليد ويجوز أن الاستعارة تمثيلية في المركب ، يصف قوته زمن الشباب ، ثم ضعف حال المشيب بتتابع الأزمان عليه ، وأنه تطلب فسحة الأجل ، فكانت سبب اضمحلاله.
(فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ)(٩٣)
(فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ) فذهب إليها في خفية ، من روغة الثعلب ، إلى آلهتهم : إلى أصنامهم التي هي في زعمهم آلهة ، كقوله تعالى : أين شركائى؟ (أَلا تَأْكُلُونَ ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ) استهزاء بها وبانحطاطها عن حال عبدتها (فَراغَ عَلَيْهِمْ) فأقبل عليهم مستخفيا ، كأنه قال : فضربهم (ضَرْباً) لأن راغ عليهم بمعنى ضربهم. أو فراغ عليهم يضربهم ضربا. أو فراغ عليهم ضربا بمعنى ضاربا. وقرئ : صفقا وسفقا ، ومعناهما : الضرب. ومعنى ضربا (بِالْيَمِينِ) ضربا شديدا قويا ، لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدّهما. وقيل : بالقوّة والمتانة: وقيل : بسبب الحلف ، وهو قوله (تَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ).
(فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ)(٩٤)
(يَزِفُّونَ) يسرعون ، من زفيف النعام. ويزفون : من أزفّ ، إذا دخل في الزفيف. أو من أزفه ، إذا حمله على الزفيف ، أى : يزفّ بعضهم بعضا. ويزفون ، على البناء للمفعول ، أى : يحملون على الزفيف. ويزفون ، من وزف يزف إذا أسرع. ويزفون : من زفاه إذا حداه (١) ، كأن بعضهم يزفوا بعضا لتسارعهم إليه ، فإن قلت : بين هذا وبين قوله تعالى (قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ، قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) كالتناقض حيث ذكر هاهنا أنهم أدبروا عنه خيفة العدوى ، فلما أبصروه يكسرهم أقبلوا إليه متبادرين ليكفوه ويوقعوا به ، وذكر ثم أنهم سألوا عن الكاسر ، حتى قيل لهم : سمعنا إبراهيم يذمهم ، فلعله هو الكاسر ، ففي أحدهما أنهم شاهدوه يكسرها ، وفي الآخر : أنهم استدلوا بذمه على أنه الكاسر. قلت : فيه وجهان ، أحدهما : أن يكون الذين أبصروه وزفوا إليه نفرا منهم دون جمهورهم وكبرائهم ، فلما رجع الجمهور والعلية (٢) من عيدهم إلى بيت الأصنام ليأكلوا الطعام الذي وضعوه عندها لتبرك عليه ورأوها مكسورة اشمأزوا من ذلك ، وسألوا : من فعل هذا بها؟ ثم لم ينم عليه أولئك النفر نميمة صريحة ، ولكن على سبيل التورية والتعريض بقولهم «سمعنا فتى يذكرهم» لبعض الصوارف. والثاني : أن يكسرها ويذهب ولا يشعر بذلك أحد ، ويكون إقبالهم إليه يزفون بعد رجوعهم من عيدهم وسؤالهم عن الكاسر. وقولهم : قالوا فأتوا به على أعين الناس.
__________________
(١) قوله «إذا حداه» أى ساقه. أفاده الصحاح. (ع)
(٢) قوله «والعلية» أى العظماء. (ع)
(قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ)(٩٦)
(وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) يعنى خلقكم وخلق ما تعملونه من الأصنام ، كقوله (بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَ) أى فطر الأصنام. فإن قلت : كيف يكون الشيء الواحد مخلوقا لله معمولا لهم ، حيث أوقع خلقه وعملهم عليها جميعا؟ قلت : هذا كما يقال : عمل النجار الباب (١) والكرسي ، وعمل الصائغ السوار والخلخال ، والمراد عمل أشكال هذه الأشياء وصورها دون جواهرها ، والأصنام جواهر وأشكال ، فخالق جواهرها الله ، وعاملو أشكالها الذين يشكلونها بنحتهم وحذفهم بعض أجزائها ، حتى يستوي التشكيل الذي يريدونه. فإن قلت : فما أنكرت (٢) أن تكون ما مصدرية لا موصولة ، ويكون المعنى : والله خلقكم وعملكم ، كما تقول المجبرة (٣)؟ قلت : أقرب ما يبطل به هذا السؤال بعد بطلانه
__________________
(١) قال محمود : «يعنى خلقكم وما تعملون من الأصنام ، كقوله (بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَ) فان قلت : كيف يكون الشيء الواحد مخلوقا لله تعالى معمولا لهم؟ وأجاب بأن هذا كما يقال : عمل النجار الباب ... إلى أن قال : ... وفي ذلك فك للنظم وتبتير كما لو جعلتها مصدرية» اه كلامه. قال أحمد : إذا جاء سيل الله ذهب سيل معقل ، فنقول : يتعين حملها على المصدرية ، وذلك أنهم لم يعبدوا هذه الأصنام من حيث كونها حجارة ليست مصورة ، فلو كان كذلك لم يتعاونوا في تصويرها ، ولا اختصوا بعبادتهم حجرا دون حجر ، فدل أنهم إنما يعبدونها باعتبار أشكالها وصورها التي هي أثر عملهم ، ففي الحقيقة أنهم عبدوا عملهم ، وصلحت الحجة عليهم بأنهم مثله ، مع أن المعبود كسب العابد وعمله ، فقد ظهر أن الحجة قائمة عليهم على تقدير أن تكون ما مصدرية أوضح قيام وأبلغه ، فإذا أثبت ذلك فليتتبع كلامه بالابطال. أما قوله أنها موصولة ، وأن المراد بعملهم لها عمل أشكالها فمخالف للظاهر ، فانه مفتقر إلى حذف مضاف في موضع اليأس يكون تقديره : والله خلقكم وما تعملون شكله وصورته ، بخلاف توجيه أهل السنة فانه غير مفتقر إلى حذف البتة ، ثم إذا جعل المعبود نفس الجوهر ، فكيف يطابق توبيخهم ببيان أن المعبود من عمل العابد ، مع موافقته على أن جواهر الأصنام ليست من عملهم؟ فما هو من عملهم وهو الشكل ليس معبودا لهم على هذا التأويل ، وما هو معبودهم وهو جوهر الصنم ليس من عملهم ، فلم يستقر له قرار في أن المعبود على تأويله من عمل العابد ، وعلى ما قررناه يتضح. وأما قوله : إن المطابقة تنفك على تأويل أهل السنة بين ما ينحتون وما يعملون فغير صحيح ، فان لنا أن نحمل الأولى على أنها مصدرية وأنهم في الحقيقة إنما عبدوا نحتهم ، لأن هذه الأصنام وهي حجارة قبل النحت لم يكونوا يعبدونها ، فلما عملوا فيها النحت عبدوها ، ففي الحقيقة ما عبدوا سوى تحتهم الذي هو عملهم ، فالمطابقة إذا حاصلة ، والإلزام على هذا أبلغ وأمتن ، ولو كان كما قال لقامت لهم الحجة ، ولقالوا كما يقول الزمخشري مكافحين لقوله (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) بأن يقولوا : لا ولا كرامة ، ولا يخلق الله ما نعمل نحن ، لأنا إنما عملنا التشكيل والتصوير وهذا لم يخلقه الله ، وكانوا يجدون الذريعة إلى اقتحام الحجة ، ويأبى الله إلا أن تكون لنا الحجة البالغة ولهم الأكاذب الفارغة ، فهذا إلزام بل إلجام لمن خالف السنة ، وغل بعنقه ، وعقر بكتفه ، وضرب على يده ، حتى يرجع إلى الحق آئبا ، ويعترف بخطئه تائبا.
(٢) قوله «فان قلت فما أنكرت»؟ لعله : لم أنكرت. (ع)
(٣) قوله «كما تقول المجبرة» يريد أهل السنة حيث ذهبوا إلى أنه لا خالق إلا الله ، فهو الخالق لعمل العبد ـ
بحجج العقل والكتاب : أن معنى الاية يأباه إباء جليا ، وينبو عنه نبوّا ظاهرا ، وذلك أن الله عز وجل قد احتج عليهم بأنّ العابد والمعبود جميعا خلق الله ، فكيف يعبد المخلوق المخلوق ، على أن العابد منهما هو الذي عمل صورة المعبود وشكله ، ولولاه لما قدر أن يصوّر نفسه ويشكلها ، ولو قلت : والله خلقكم وخلق عملكم ، ولم يكن محتجا عليهم (١) ولا كان لكلامك طباق. وشيء آخر : وهو أن قوله (ما تَعْمَلُونَ) ترجمة عن قوله (ما تَنْحِتُونَ) و (ما) في (ما تَنْحِتُونَ) موصولة لا مقال فيها فلا يعدل بها عن أختها إلا متعسف متعصب لمذهبه ، من غير نظر في علم البيان ، ولا تبصر لنظم القرآن. فإن قلت : اجعلها موصولة حتى لا يلزمني ما ألزمت ، وأريد : وما تعملونه من أعمالكم. قلت : بل الإلزامان في عنقك لا يفكهما إلا الإذعان للحق ، وذلك أنك وإن جعلتها موصولة ، فإنك في إرادتك بها العمل غير محتج على المشركين ، كحالك وقد جعلتها مصدرية ، وأيضا فإنك قاطع بذلك الصلة بين ما تعملون وما تنحتون ، حيث تخالف بين المرادين بهما ، فتريد بما تنحتون : الأعيان التي هي الأصنام ، وبما تعملون : المعاني التي هي الأعمال ، وفي ذلك فك النظم وتبتيره ، كما إذا جعلتها مصدرية.
(قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ)(٩٨)
(الْجَحِيمِ) النار الشديدة الوقود ، وقيل : كل نار على نار وجمر فوق جمر ، فهي جحيم. والمعنى : أن الله تعالى غلبه عليهم في المقامين جميعا ، وأذلهم بين يديه : أرادوا أن يغلبوه بالحجة فلقنه الله وألهمه ما ألقمهم به الحجر ، وقهرهم فمالوا إلى المكر ، فأبطل الله مكرهم وجعلهم الأذلين الأسفلين لم يقدروا عليه.
(وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ)(١٠١)
أراد بذهابه إلى ربه : مهاجرته إلى حيث أمره بالمهاجرة إليه من أرض الشام ، كما قال :
__________________
ـ والمعتزلة يقولون : إن العبد هو الخالق لعمل نفسه ، فجعلوا العبد شريكا لله في الخالقية ، مع أنهم سموا أنفسهم أهل العدل والتوحيد ، قالوا : لو كان الله هو الخالق لفعل العبد لكان تعذيبه للعبد على المعاصي ظلما لا عدلا ، قال أهل السنة : يعذبه عليها كما يثيبه على الطاعة ، لما له فيهما من الكسب والاختيار ، فلا ظلم ، لكن المعتزلة لم ينظروا في التوحيد تمام النظر ، ولم يتبصروا في أدلته تمام التبصر. (ع)
(١) قوله «لم يكن محتجا عليهم» يكفى في الاحتجاج أن الله هو الخالق لهم ولأعمالهم في الأصنام وغيرها ، والأصنام لا تخلق شيئا ، بل الانفراد بالخالقية أدل على الانفراد بالالهية. (ع)
إنى مهاجر إلى ربى. (سَيَهْدِينِ) سيرشدنى إلى ما فيه صلاحي في دينى ويعصمني ويوفقني ، كما قال موسى عليه السلام (كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ) كأن الله وعده وقال له : سأهديك ، فأجزى كلامه على سنن موعد ربه. أو بناء على عادة الله تعالى معه في هدايته وإرشاده. أو أظهر بذلك توكله وتفويضه أمره إلى الله. ولو قصد الرجاء والطمع لقال ، كما قال موسى عليه السلام (عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ). (هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) هب لي بعض الصالحين ، يريد الولد ، لأنّ لفظ الهبة غلب في الولد وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى (وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا) قال عزّ وجل (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ* وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى) وقال على بن أبى طالب لابن عباس رضى الله عنهم ـ حين هنأه بولده علىّ أبى الأملاك ـ : شكرت الواهب ، وبورك لك في الموهوب. ولذلك وقعت التسمية بهبة الله ، وبموهوب ، ووهب ، وموهب. وقد انطوت البشارة على ثلاث : على أن الولد غلام ذكر ، وأنه يبلغ أوان الحلم ، وأنه يكون حليما ، وأى حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح ، فقال : ستجدني إن شاء الله من الصابرين ، ثم استسلم لذلك. وقيل : ما نعت الله الأنبياء عليهم السلام بأقل مما نعتهم بالحلم ، وذلك لعزة وجوده. ولقد نعت الله به إبراهيم في قوله (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) ، (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) لأنّ الحادثة شهدت بحلمهما جميعا.
(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)(١٠٢)
فلما بلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه. فإن قلت : (مَعَهُ) بم يتعلق؟ قلت : لا يخلو إما أن يتعلق ببلغ ، أو بالسعي ، أو بمحذوف ، فلا يصح تعلفه ببلغ لاقتضائه بلوغهما معا حدّ السعى ، ولا بالسعي لأنّ صلة المصدر لا تتقدم عليه ، فبقى أن يكون بيانا ، كأنه لما قال : فلما بلغ السعى أى الحدّ الذي يقدر فيه على السعى قيل : مع من؟ فقال مع أبيه. والمعنى في اختصاص الأب أنه أرفق الناس به ، وأعطفهم عليه ، وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله ، لأنه لم تستحكم قوته ولم يصلب عوده ، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة. والمراد : أنه على غضاضة سنه وتقلبه في حد الطفولة ، كان فيه من رصانة الحلم وفسحة الصدر ما جسره على احتمال تلك البلية العظيمة والإجابة بذلك الجواب الحكيم : أتى في المنام فقيل له : اذبح ابنك ، ورؤيا الأنبياء وحى كالوحى في اليقظة ، فلهذا قال (إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) فذكر تأويل الرؤيا ، كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب في سفينة : رأيت في المنام أنى ناج من هذه المحنة ، وقيل : رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له : إنّ الله يأمرك بذبح
ابنك هذا ، فلما أصبح روّى في ذلك من الصباح إلى الرواح ، أمن الله هذا الحلم أو من الشيطان؟ فمن ثم سمى يوم التروية ، فلما أمسى رأى مثل ذلك ، فعرف أنه من الله ، فمن ثم سمى يوم عرفة ، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة ، فهم بنحره فسمى اليوم يوم النحر. وقيل : إنّ الملائكة حين بشرته بغلام حليم قال : هو إذن ذبيح الله. فلما ولد وبلغ حد السعى معه قيل له : أوف بنذرك (فَانْظُرْ ما ذا تَرى) من الرأى على وجه المشاورة. وقرئ : ما ذا ترى (١) ، أى : ما ذا تبصر من رأيك وتبديه. وما ذا ترى ، على البناء للمفعول ، أى : ما ذا تريك نفسك من الرأى (افْعَلْ ما تُؤْمَرُ) أى ما تؤمر به ، فحذف الجار كما حذف من قوله :
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به (٢)
أو أمرك على إضافة المصدر إلى المفعول ، وتسمية المأمور به أمرا. وقرئ : ما تؤمر به. فإن قلت : لم شاوره في أمر هو حتم من الله؟ قلت : لم يشاوره ليرجع إلى رأيه ومشورته ، ولكن ليعلم ما عنده فيما نزل به من بلاء الله ، فيثبت قدمه ويصبره إن جزع ، ويأمن عليه الزلل إن صبر وسلم ، وليعلمه حتى يراجع نفسه فيوطنها ويهون عليها ، ويلقى البلاء وهو كالمستأنس به ، ويكتسب المثوبة بالانقياد لأمر الله قبل نزوله : ولأنّ المغافصة (٣) بالذبح مما يستسمج ، وليكون سنة في المشاورة ، فقد قيل : لو شاور آدم الملائكة في أكله من الشجرة لما فرط منه ذلك. فإن قلت : لم كان ذلك بالمنام دون اليقظة؟ قلت : كما أرى يوسف عليه السلام سجود أبويه وإخوته له في المنام من غير وحى إلى أبيه ، وكما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم دخول المسجد الحرام في المنام ، وما سوى ذلك من منامات الأنبياء ، وذلك لتقوية الدلالة على كونهم صادقين مصدوقين ، لأنّ الحال إما حال يقظة أو حال منام ، فإذا تظاهرت الحالتان على الصدق كان ذلك أقوى للدلالة من انفراد أحدهما.
(فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ)(١١١)
__________________
(١) قوله «وقرئ ما ذا ترى» لعله بضم التاء وكسر الراء ، من أراه يريه ، فليحرر. (ع)
(٢) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثاني صفحة ٥٩٠ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٣) قوله «المغافصة» في الصحاح : غافصت الرجل ، أى : أخذته على غرة. (ع)
يقال : سلم لأمر الله ، وأسلم ، واستسلم بمعنى واحد. وقد قرئ بهنّ جميعا إذا تنقاد له ، وخضع ، وأصلها من قولك : سلم هذا لفلان إذا خلص له. ومعناه : سلم من أن ينازع فيه ، وقولهم : سلم لأمر الله ، وأسلم له منقولان منه ، وحقيقة معناهما : أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له خالصة ، وكذلك معنى : استسلم : استخلص نفسه لله. وعن قتادة في (أَسْلَما) أسلم هذا ابنه وهذا نفسه (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) صرعه على شقه ، فوقع أحد جبينيه على الأرض تواضعا (١) على مباشرة الأمر بصبر وجلد ، ليرضيا الرحمن ويخزيا الشيطان. وروى أن ذلك كان عند الصخرة التي بمنى ، وعن الحسن : في الموضع المشرف على مسجد منى. وعن الضحاك : في المنحر الذي ينحر فيه اليوم. فإن قلت : أين جواب لما؟ قلت : هو محذوف تقديره : فلما أسلما وتله للجبين (وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا) كان ما كان مما تنطق به الحال ولا يحيط به الوصف من استبشارهما واغتباطهما ، وحمدهما لله وشكرهما على ما أنعم به عليهما ، من دفع البلاء العظيم بعد حلوله ، وما اكتسبا في تضاعيفه بتوطين الأنفس عليه من الثواب والأعواض ورضوان الله الذي ليس وراءه مطلوب ، وقوله (إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) تعليل لتخويل ما خوّلهما من الفرج بعد الشدّة ، والظفر بالبغية بعد اليأس (الْبَلاءُ الْمُبِينُ) الاختبار البين الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. أو المحنة البينة الصعوبة التي لا محنة أصعب منها. الذبح : اسم ما يذبح. وعن ابن عباس رضى الله عنهما : هو الكبش الذي قرّبه هابيل فقبل منه ، وكان يرعى في الجنة حتى فدى به إسماعيل. وعن الحسن : فدى بو على (٢) أهبط عليه من ثبير. وعن ابن عباس : لو تمت تلك الذبيحة لكانت سنة وذبح الناس أبناءهم (٣) (عَظِيمٍ) ضخم الجثة سمين ، وهي السنة في الأضاحى. وقوله عليه السلام «استشرفوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم» وقيل : لأنه وقع فداء عن ولد إبراهيم. وروى أنه هرب من إبراهيم عليه السلام عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتّى أخذه ، فبقيت سنة في الرمي. وروى أنه رمى الشيطان حين تعرض له بالوسوسة عند ذبح ولده : وروى أنه لما ذبحه قال جبريل : الله أكبر الله أكبر ، فقال الذبيح : لا إله إلا الله والله أكبر ، فقال إبراهيم عليه السلام : الله أكبر ولله الحمد (٤) ، فبقى سنة : وحكى في قصة الذبيح أنه حين أراد ذبحه وقال : يا بنى خذ الحبل والمدية وانطلق بنا إلى الشعب نحتطب ، فلما توسط شعب ثبير أخبره بما أمر ، فقال : اشدد رباطى لا أضطرب ، واكفف عنى ثيابك
__________________
(١) قوله «تواضعا على مباشرة الأمر» أى توافقا. (ع)
(٢) قوله «بو عل» في الصحاح : الوعل : الأروى اه ، ويقال : التيس الجبلي. (ع)
(٣) لم أجده.
(٤) لم أجده.
لا ينتضح عليها شيء من دمى فينقص أجرى وتراه أمى فتحزن ، واشحذ شفرتك وأسرع إمرارها على حلقى حتى تجهز علىّ ، ليكون أهون فإنّ الموت شديد ، واقرأ على أمى سلامى ، وإن رأيت أن تردّ قميصي على أمى فافعل ، فإنه عسى أن يكون أسهل لها ، فقال إبراهيم عليه السلام : نعم العون أنت يا بنىّ على أمر الله ، ثم أقبل عليه يقبله وقد ربطه ، وهما يبكيان ، ثم وضع السكين على حلقه فلم تعمل. لأنّ الله ضرب صفيحة من نحاس على حلقه ، فقال له : كبني على وجهى فإنك إذا نظرت وجهى رحمتني وأدركتك رقة تحول بينك وبين أمر الله ، ففعل ، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين ، ونودي : يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ، فنظر فإذا جبريل عليه السلام معه كبش أقرن أملح ، فكبر جبريل والكبش ، وإبراهيم وابنه ، وأتى المنحر من منى فذبحه : وقيل : لما وصل موضع السجود منه إلى الأرض جاء الفرج. وقد استشهد أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية فيمن نذر ذبح ولده : أنه يلزمه ذبح شاة ، فإن قلت : من كان الذبيح من ولديه؟ قلت : قد اختلف فيه ، فعن ابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وجماعة من النابعين : أنه إسماعيل. والحجة فيه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «أنا ابن الذبيحين» وقال له أعرابى : يا ابن الذبيحين ، فتبسم ، فسئل عن ذلك فقال : إنّ عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله : لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده ، فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا له أفد ابنك بمائة من الإبل ففداه بمائة من الإبل والثاني إسماعيل» (١) وعن محمد بن كعب القرظي قال : كان مجتهد بنى إسرائيل يقول إذا دعا : اللهم إله إبراهيم وإسماعيل وإسرائيل ، فقال موسى عليه السلام : يا رب ، ما لمجتهد بنى إسرائيل إذا دعا قال : اللهم إله إبراهيم وإسماعيل وإسرائيل ، وأنا بين أظهرهم فقد أسمعتنى كلامك واصطفيتني برسالتك؟ قال : يا موسى ، لم يحبني أحد حب إبراهيم قط ، ولا خير بيني وبين شيء قط إلا اختارني. وأمّا إسماعيل فإنه جاد بدم نفسه. وأمّا إسرائيل ، فإنه لم ييأس من روحي في شدّة نزلت به قط ، ويدل عليه أنّ الله تعالى لما أتم قصة الذبيح قال : (وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا) وعن محمد بن كعب أنه قال لعمر بن عبد العزيز : هو إسماعيل ، فقال عمر : إنّ هذا شيء ما كنت أنظر فيه ، وإنى لأراه كما قلت ، ثم أرسل إلى يهودى قد أسلم فسأله ، فقال : إن اليهود لتعلم أنه إسماعيل ، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب ، ويدل عليه أن قرني الكبش كانا منوطين في الكعبة في أيدى بنى إسماعيل إلى أن احترق البيت. وعن الأصمعى قال : سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال : يا أصمعى أين عزب عنك عقلك ، ومتى كان إسحاق بمكة ، وإنما كان إسماعيل بمكة ، وهو الذي بنى البيت مع أبيه ، والمنحر بمكة.
__________________
(١) أخرجه الحاكم والثعلبي من رواية الصنابحى عن معاوية رضى الله عنه وفيه قصة.
ومما يدل عليه أنّ الله تعالى وصفه بالصبر دون أخيه إسحاق في قوله (وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ) وهو صبره على الذبح ، ووصفه بصدق الوعد في قوله (إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ) لأنه وعد أباه الصبر من نفسه على الذبح فوفى به ، ولأن الله بشره بإسحاق وولده يعقوب في قوله (فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) فلو كان الذبيح إسحاق لكان خلفا للموعد في يعقوب. وعن على بن أبى طالب وابن مسعود والعباس وعطاء وعكرمة وجماعة من التابعين : أنه إسحاق. والحجة فيه أن الله تعالى أخبر عن خليله إبراهيم حين هاجر إلى الشام بأنه استوهبه ولدا ، ثم أتبع ذلك البشارة بغلام حليم ، ثم ذكر رؤياه بذبح ذلك الغلام المبشر به. ويدل عليه كتاب يعقوب إلى يوسف : من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله ابن ابراهيم خليل الله (١). فإن قلت : قد أوحى إلى إبراهيم صلوات الله عليه في المنام بأن يذبح ولده ولم يذبح ، وقيل له : قد صدقت الرؤيا ، وإنما كان يصدقها لو صح منه الذبح ، ولم يصح (٢)
__________________
(١) أخرجه الترمذي في النوادر في الحادي والعشرين بعد المائتين : حدثنا عمر بن أبى عمر حدثنا عصام بن المثنى الحمصي عن أبيه عن وهب بن منبه قال «كتب يعقوب كتابا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم. من يعقوب نبى الله إلى آخره» وأخرج الدارقطني في غرائب مالك من رواية إسحاق بن وهب الطوسي عن ابن وهب عن مالك عن نافع عن ابن عمر رفعه «أوحى إلى ملك الموت أن ائت يعقوب فسلم عليه فذكر الحديث ـ وفيه فقال : اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد فانا أهل بيت فذكره مطولا. قال الدارقطني : هذا موضوع. وإسحاق كان يضع الحديث على ابن وهب. وقد تقدم في يوسف من وجه آخر.
(٢) قال محمود : «فان قلت قد أوحى إلى إبراهيم في المنام أن يذبح ولده ولم يذبح ، وقيل له : قد صدقت الرؤيا وإنما كان يصدقها لو صح منه الذبح ، ولم يصح. فأجاب بأنه قد بذل وسعه وفعل ما يفعله الذابح من بطحه على شقه وإمرار الشفرة على حلقه ، ولكن الله سبحانه منع الشفرة أن تمضى فيه وهذا لا يقدح في فعل إبراهيم ، ألا ترى أنه لا يسمى عاصيا ولا مفرطا بل يسمى مطيعا ومجتهدا ، كما لو مضت فيه الشفرة وفرت الأوداج وأنهرت الدم ، وليس هذا من ورود النسخ على المأمور به قبل الفعل ولا قل أوان الفعل في شيء ، كما يسبق إلى بعض الأوهام حتى يشتغل بالكلام عليه. انتهى كلامه» قال أحمد : كل ما ذكر دندنة حول امتناع النسخ قبل التمكن من الفعل ، وتلك قاعدة المعتزلة. وأما أهل السنة فيثبتون جوازه ، لأن التكليف ثابت قبل التمكن من الفعل ، فجاز رفعه كالموت. وأيضا فكل نسخ كذلك ، لأن القدرة على الفعل عندنا مقارنة لا متقدمة ، ثم يثبتون وقوعه بهذه الآية. ووجه الدليل منها أن إبراهيم عليه السلام أمر بالذبح بدليل (افْعَلْ ما تُؤْمَرُ) ونسخ قبل التمكن بدليل العدول إلى الفداء ، فمن ثم تحوم الزمخشري على أنه فعل غاية وسعه من بطحه على شقه وإمرار الشفرة على حلقه ، وإنما امتنعت بأمر من الله تعالى ، وغرضه بذلك أحد أمرين : إما أن يكون الأمر إنما توجه عليه بمقدمات الذبح وقد حصلت لا بنفس الذبح ، أو توجه الأمر بنفس الذبح وتعاطيه ، ولكن لم يتمكن. وكلا الأمرين لا يخلصه. أما قوله : أمر بمقدمات الذبح فباطل بقوله (إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) وقوله (افْعَلْ ما تُؤْمَرُ) وأما قوله : لم يتمكن لأن الشفرة منعت بأمر من الله تعالى بعد تسليم الأمر بالذبح ، فحاصله أنه لم يتمكن من الذبح المأمور به ، فكان النسخ إذا قبل التمكن ، وهو عين ما أنكره المعتزلة ، ولما لم يكن في هذين الجوابين لهم خلاص : لجأ بعضهم إلى تسليم أنه أمر بالذبح ، ودعوى أنه ذبح ولكنه كان يلتحم ، وهو باطل لا ثبوت له. وسياق الآية يخل دعواه ويفل ثنياه.
قلت. قد بذل وسعه وفعل ما يفعل الذابح : من بطحه على شقه وإمرار الشفرة على حلقه ، ولكن الله سبحانه جاء بما منع الشفرة أن تمضى فيه ، وهذا لا يقدح في فعل إبراهيم عليه السلام ، ألا ترى أنه لا يسمى عاصيا ولا مفرطا ، بل يسمى مطيعا ومجتهدا ، كما لو مضت فيه الشفرة وفرت الأوداج وأنهرت الدم ، وليس هذا من ورود النسخ على المأمور به قبل الفعل ، ولا قبل أوان الفعل في شيء ، كما يسبق إلى بعض الأوهام ، حتى يشتغل بالكلام فيه. فإن قلت : الله تعالى هو المفتدى منه : لأنه الآمر بالذبح ، فكيف يكون فاديا حتى قال (وَفَدَيْناهُ)؟ قلت : الفادي هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، والله عز وجل وهب له الكبش ليفدى به وإنما قال (وَفَدَيْناهُ) إسنادا للفداء إلى السبب الذي هو الممكن من الفداء بهبته. فإن قلت : فإذا كان ما أتى به إبراهيم من البطح وإمرار الشفرة في حكم الذبح. فما معنى الفداء ، والفداء إنما هو التخليص من الذبح ببدل؟ قلت : قد علم بمنع الله أن حقيقة الذبح لم تحصل من فرى الأوداج وانهار الدم ، فوهب الله له الكبش ليقيم ذبحه مقام تلك الحقيقة حتى لا تحصل تلك الحقيقة في نفس إسماعيل ، ولكن في نفس الكبش بدلا منه. فإن قلت : فأى فائدة في تحصل تلك الحقيقة ، وقد استغنى عنها بقيام ما وجد من إبراهيم مقام الذبح من غير نقصان؟ قلت : الفائدة في ذلك أن يوجد ما منع منه في بدله حتى يكمل منه الوفاء بالمنذور وإيجاد المأمور به من كل وجه. فإن قلت : لم قيل هاهنا (كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) وفي غيرها من القصص : إنا كذلك؟ قلت : قد سبقه في هذه القصة : إنا كذلك ، فكأنما استخف بطرحه اكتفاء بذكره مرة عن ذكره ثانية.
(وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ)(١١٣)
(نَبِيًّا) حال مقدرة ، كقوله تعالى (فَادْخُلُوها خالِدِينَ). فإن قلت : فرق بين هذا وبين قوله (فَادْخُلُوها خالِدِينَ) وذلك أنّ المدخول موجود مع وجود الدخول ، والخلود غير موجود معهما ، فقدرت مقدرين الخلود فكان مستقيما ، وليس كذلك المبشر به ، فإنه معدوم وقت وجود البشارة ، وعدم المبشر به أوجب عدم حاله لا محالة ، لأنّ الحال حلية ، والحلية لا تقوم إلا بالمحلى ، وهذا المبشر به الذي هو إسحاق حين وجد لم توجد النبوّة أيضا بوجوده ، بل تراخت عنه مدّة متطاولة ، فكيف يجعل نبيا حالا مقدّرة ، والحال صفة الفاعل أو المفعول عند وجود الفعل منه أو به ، فالخلود وإن لم يكن صفتهم عند دخول الجنة ، فتقديرها (١) صفتهم ، لأنّ المعنى مقدّرين
__________________
(١) قوله «فتقديرها صفتهم» لعله : فتقديره. (ع)
الخلود ، وليس كذلك النبوّة ، فإنه لا سبيل إلى أن تكون موجودة أو مقدّرة وقت وجود البشارة بإسحاق لعدم إسحاق. قلت : هذا سؤال دقيق السلك ضيق المسلك ، والذي يحل الإشكال : أنه لا بد من تقدير مضاف محذوف ، وذلك قولك : وبشرناه بوجود إسحاق نبيا ، أى بأن يوجد مقدّرة نبوّته ، فالعامل في الحال الوجود لا فعل البشارة ، وبذلك يرجع ، نظير قوله تعالى (فَادْخُلُوها خالِدِينَ). (مِنَ الصَّالِحِينَ) حال ثانية ، وورودها على سبيل الثناء والتقريظ ، لأنّ كل نبى لا بد أن يكون من الصالحين. وعن قتادة : بشره الله بنبوّة إسحاق بعد ما امتحنه بذبحه ، وهذا جواب من يقول الذبيح إسحاق لصاحبه عن تعلقه بقوله (وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ) قالوا : ولا يجوز أن يبشره الله بمولده ونبوّته معا ، لأن الامتحان بذبحه لا يصح مع علمه بأنه سيكون نبيا (وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ) وقرئ : وبركنا ، أى : أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا ، كقوله (وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) وقيل : باركنا على إبراهيم في أولاده ، وعلى إسحاق بأن أخرجنا أنبياء بنى إسرائيل من صلبه. وقوله (وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ) نظيره : (قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي؟ قالَ : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيب لا يجرى أمرهما على العرق والعنصر ، فقد يلد البر الفاجر ، والفاجر البر. وهذا مما يهدم أمر الطبائع والعناصر ، وعلى أن الظلم في أعقابهما لم يعد عليهما بعيب ولا نقيصة ، وأنّ المرء إنما يعاب بسوء فعله ويعاتب على ما اجترحت يداه ، لا على ما وجد من أصله أو فرعه.
(وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) (١٢٢)
(مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) من الغرق. أو من سلطان فرعون وقومه وغشمهم (١) (وَنَصَرْناهُمْ) الضمير لهما ولقومهما في قوله (وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما). (الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ) البليغ في بيانه وهو التوراة ، كما قال (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ) وقال : من جوز أن تكون التوراة
__________________
(١) قوله «وغشمهم» في الصحاح «الغشم» : الظلم. (ع)
عربية أن تشتق (١) من ورى الزند «فوعلة» منه ، على أنّ التاء مبدلة من واو (الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) صراط أهل الإسلام ، وهي صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
(وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلاَّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ)(١٣٢)
قرئ إلياس ، بكسر الهمزة ، والياس : على لفظ الوصل : وقيل : هو إدريس النبي. وقرأ ابن مسعود : وإنّ إدريس ، في موضع إلياس. وقرئ : إدراس : وقيل : هو إلياس بن ياسين ، من ولد هرون أخى موسى (أَتَدْعُونَ بَعْلاً) أتعبدون بعلا ، وهو علم لصنم كان لهم كمناة وهبل. وقيل : كان من ذهب ، وكان طوله عشرين ذراعا ، وله أربعة أوجه ، فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن ، وجعلوهم أنبياءه ، فكان الشيطان يدخل في جوف ـ بعل ـ ويتكلم بشريعة الضلالة ، والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس ، وهم أهل بعلبك من بلاد الشام ، وبه سميت مدينتهم بعلبك. وقيل : البعل الرب ، بلغة اليمن ، يقال : من بعل هذه الدار ، أى : من ربها؟ والمعنى : أتعبدون بعض البعول وتتركون عبادة الله (اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ) قرئ بالرفع على الابتداء ، وبالنصب على البدل ، وكان حمزة إذا وصل نصب ، وإذا وقف رفع : وقرئ : على الياسين. وإدريسين. وادراسين. وإدرسين ، على أنها لغات في إلياس وإدريس. ولعل لزيادة الياء والنون في السريانية معنى. وقرئ : على الياسين بالوصل ، على أنه جمع يراد به إلياس وقومه ، كقولهم : الخبيبون والمهلبون. فإن قلت : فهلا حملت على هذا إلياسين على القطع وأخواته؟ قلت : لو كان جمعا لعرف بالألف واللام. وأما من قرأ : على آل ياسين ، فعلى أنّ ياسين اسم أبى الياس ، أضيف إليه الآل.
(وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاَّ عَجُوزاً فِي
__________________
(١) قوله «أن تشتق» لعله : يجوز أن تشتق. (ع)
الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ)(١٣٨)
(مُصْبِحِينَ) داخلين في الصباح ، يعنى : تمرون على منازلهم في متاجركم إلى الشام ليلا ونهارا ، فما فيكم عقول تعتبرون بها.
(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ)(١٤٨)
قرئ : يونس ، بضم النون وكسرها. وسمى هربه من قومه بغير إذن ربه : إباقا على طريقة المجاز. والمساهمة : المقارعة. ويقال : استهم القوم ، إذا اقترعوا. والمدحض : المغلوب المقروع. وحقيقته : المزلق عن مقام الظفر والغلبة. روى أنه حين ركب في السفينة وقفت ، فقالوا : هاهنا عبد أبق من سيده ، وفيما يزعم البحارون أنّ السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر ، فاقترعوا ، فخرجت القرعة على يونس فقال : أنا الآبق ، وزجّ بنفسه في الماء (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ) داخل في الملامة. يقال : ربّ لائم مليم ، أى يلوم غيره وهو أحق منه باللوم. وقرئ : مليم ، بفتح الميم ، من ليم فهو مليم ، كما جاء : مشيب في مشوب ، مبنيا على شيب. ونحوه : مدعى ، بناء على دعى (مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) من الذاكرين الله كثيرا بالتسبيح والتقديس. وقيل : هو قوله في بطن الحوت (لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) وقيل : من المصلين. وعن ابن عباس : كل تسبيح في القرآن فهو صلاة (١). وعن قتادة : كان كثير الصلاة في الرخاء. قال : وكان يقال : إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر ، وإذا صرع وجد متكأ. وهذا ترغيب من الله عز وجل في إكثار المؤمن من ذكره بما هو أهله ، وإقباله على عبادته ، وجمع همه لتقييد
__________________
(١) أخرجه الطبري وابن مردويه من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما ـ قوله ورواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة موقوفا
نعمته بالشكر في وقت المهلة والفسحة ، لينفعه ذلك عنده تعالى في المضايق والشدائد (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ) الظاهر لبثه فيه حيا إلى يوم البعث. وعن قتادة : لكان بطن الحوت له قبرا إلى يوم القيامة. وروى أنه حين ابتلعه أوحى الله إلى الحوت : إنى جعلت بطنك له سجنا ، ولم أجعله لك طعاما. واختلف في مقدار لبثه ، فعن الكلبي : أربعون يوما ، وعن الضحاك : عشرون يوما. وعن عطاء سبعة. وعن بعضهم : ثلاثة. وعن الحسن : لم يلبث إلا قليلا ، ثم أخرج من بطنه بعيد الوقت الذي التقم فيه. وروى أنّ الحوت سار مع السفينة رافعا رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح ، ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر ، فلفظه سالما لم يتغير منه شيء ، فأسلموا : وروى أن الحوت قذفه بساحل قرية من الموصل. والعراء : المكان الخالي لا شجر فيه ولا شيء يغطيه (وَهُوَ سَقِيمٌ) اعتلّ مما حلّ به. وروى أنه عاد بدنه كبدن الصبى حين يولد. واليقطين : كل ما ينسدح على وجه الأرض ولا يقوم على ساق كشجر البطيخ والقثاء والحنظل ، وهو «يفعيل» من قطن بالمكان إذا أقام به. وقيل : هو الدباء. وفائدة الدباء أن الذباب لا يجتمع عنده ـ وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك لتحب القرع. قال «أجل هي شجرة أخى يونس» (١) وقيل : هي التين ، وقيل : شجرة الموز ، تغطى بورقها ، واستظلّ بأغصانها ، وأفطر على ثمارها. وقيل : كان يستظل بالشجرة وكانت وعلة (٢) تختلف إليه ، فيشرب من لبنها. وروى أنه مرّ زمان على الشجرة فيبست ، فبكى جزعا ، فأوحى الله إليه : بكيت على شجرة ولا تبكى على مائة ألف في يد الكافر ، فإن قلت : ما معنى (وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً)؟ قلت : أنبتناها فوقه مظلة له ، كما يطنب البيت على الإنسان (وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ) المراد به ما سبق من إرساله إلى قومه وهم أهل نينوى. وقيل : هو إرسال ثان بعد ما جرى عليه إلى الأولين. أو إلى غيرهم وقيل : أسلموا فسألوه أن يرجع إليهم فأبى ، لأن النبىّ إذا هاجر عن قومه لم يرجع إليهم مقيما فيهم ، وقال لهم : إن الله باعث إليكم نبيا (أَوْ يَزِيدُونَ) في مرأى الناظر ؛ أى. إذا رآها الرائي قال : هي مائة ألف أو أكثر ، والغرض : الوصف بالكثرة (إِلى حِينٍ) إلى أجل مسمى وقرئ : ويزيدون ، بالواو. وحتى حين.
(فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ
__________________
(١) لم أجده. وأخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود في قصة يونس قال عبد الله : قال النبي صلى الله عليه وسلم ... واليقطين القرع.
(٢) قوله «وكانت وعلة» يقال : هي شاة جبلية. (ع)
مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)(١٥٧)
(فَاسْتَفْتِهِمْ) معطوف على مثله في أوّل السورة ، وإن تباعدت بينهما المسافة : أمر رسوله باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أوّلا ، ثم ساق الكلام موصولا بعضه ببعض ، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها ، حيث جعلوا لله الإناث ولأنفسهم الذكور في قولهم : الملائكة بنات الله ، مع كراهتهم الشديدة لهنّ ، ووأدهم ، واستنكافهم من ذكرهنّ. ولقد ارتكبوا في ذلك ثلاثة أنواع من الكفر ، أحدها : التجسيم ، لأن الولادة مختصة بالأجسام والثاني : تفضيل أنفسهم على ربهم حين جعلوا أوضع الجنسين له وأرفعهما لهم ، كما قال (وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ) ، (أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ) والثالث : أنهم استهانوا بأكرم خلق الله عليه وأقربهم إليه ، حيث أنثوهم ولو قيل لأقلهم وأدناهم : فيك أنوثة. أو شكلك شكل النساء ، للبس لقائله جلد النمر ، ولانقلبت حماليقه (١) وذلك في أهاجيهم بين مكشوف ، فكرّر الله سبحانه الأنواع كلها في كتابه مرّات ، ودل على فظاعتها في آيات : (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا. تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) ، (وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ، (بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ) ، (أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللهُ) ، (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً) ، (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ) ، (أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ) ، (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ) ، (أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ) ، (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ) ، (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً). (أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ). فإن قلت. لم قال و (هُمْ شاهِدُونَ) فخصّ علم المشاهدة؟ قلت : ما هو إلا استهزاء بهم وتجهيل ، وكذلك قوله (أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ) ونحوه قوله (ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) وذلك أنهم كما لم يعلموا ذلك بطريق المشاهدة ، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم ، ولا بإخبار صادق ، ولا بطريق استدلال ونظر. ويجوز أن يكون المعنى : أنهم يقولون ذلك ، كالقائل قولا عن ثلج صدر وطمأنينة نفس لإفراط جهلهم ، كأنهم قد شاهدوا خلقهم. وقرئ : ولد الله ، أى الملائكة ولده. والولد
__________________
(١) قوله «ولانقلبت حماليقه» في الصحاح «حملاق العين» : باطن أجفانها الذي يسوده الكحل اه. (ع)
«فعل» بمعنى مفعول ، يقع على الواحد والجمع ، والمذكر والمؤنث. تقول : هذه ولدى ، وهؤلاء ولدى. فإن قلت : (أَصْطَفَى الْبَناتِ) بفتح الهمزة : استفهام على طريق الإنكار والاستبعاد ، فكيف صحت قراءة أبى جعفر بكسر الهمزة على الإثبات؟ قلت : جعله من كلام الكفرة بدلا عن قولهم (وَلَدَ اللهُ) وقد قرأ بها حمزة والأعمش رضى الله عنهما. وهذه القراءة ـ وإن كان هذا محملها ـ فهي ضعيفة ، والذي أضعفها : أن الإنكار قد اكتنف هذه الجملة من جانبيها ، وذلك قوله (وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ). (ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)؟ فمن جعلها للإثبات ، فقد أوقعها دخيلة بين نسيبين. وقرئ تذكرون ، من ذكر (أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ) أى حجة نزلت عليكم من السماء وخبر بأن الملائكة بنات الله (فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ) الذي أنزل عليكم في ذلك ، كقوله تعالى (أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ) وهذه الآيات صادرة عن سخط عظيم ، وإنكار فظيع ، واستبعاد لأقاويلهم شديد ، وما الأساليب التي وردت عليها إلا ناطقة بتسفيه أحلام قريش ، وتجهيل نفوسها ، واستركاك عقولها ، مع استهزاء وتهكم وتعجيب ، من أن يخطر مخطر مثل ذلك على بال ويحدّث به نفسا ، فضلا أن يجعله معتقدا ويتظاهر به مذهبا.
(وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاَّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ)(١٦٠)
(وَجَعَلُوا) بين الله وبين الجنة وأراد الملائكة (نَسَباً) وهو زعمهم أنهم بناته ، والمعنى : وجعلوا بما قالوا نسبة بين الله وبينهم ، وأثبتوا له بذلك جنسية جامعة له وللملائكة. فإن قلت : لم سمى الملائكة جنة؟ قلت : قالوا الجنس واحد ، ولكن من خبث من الجن ومرد وكان شرا كله فهو شيطان ، ومن طهر منهم ونسك وكان خيرا كله فهو ملك ، فذكرهم في هذا الموضع باسم جنسهم ، وإنما ذكرهم بهذا الاسم وضعا منهم وتقصيرا بهم. وإن كانوا معظمين في أنفسهم أن يبلغوا منزلة المناسبة التي أضافوها إليهم. وفيه إشارة إلى أن من صفته الاجتنان والاستتار ، وهو من صفات الأجرام لا يصلح أن يناسب من لا يجوز عليه ذلك. ومثاله : أن تسوّى بين الملك وبين بعض خواصه ومقرّبيه ، فيقول لك : أتسوّي بيني وبين عبدى. وإذا ذكره في غير هذا المقام وقره وكناه. والضمير في (إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) للكفرة. والمعنى : أنهم يقولون ما يقولون في الملائكة ، وقد علم الملائكة أنهم في ذلك كاذبون مفترون ، وأنهم محضرون النار معذبون بما يقولون ، والمراد المبالغة في التكذيب. حيث أضيف إلى علم الذين ادّعوا لهم تلك النسبة. وقيل : قالوا إنّ الله صاهر الجن فخرجت الملائكة. وقيل : قالوا. إنّ الله والشيطان أخوان.
وعن الحسن : أشركوا الجن في طاعة الله. ويجوز إذا فسر الجنة بالشياطين : أن يكون الضمير في (إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) لهم ، والمعنى أن الشياطين عالمون بأنّ الله يحضرهم النار ويعذبهم ، ولو كانوا مناسبين له أو شركاء في وجوب الطاعة لما عذبهم (إِلَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ) استثناء منقطع من المحضرين : معناه ولكن المخلصين ناجون. وسبحان الله : اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه. ويجوز أن يقع الاستثناء من الواو في يصفون ، أى : يصفه هؤلاء بذلك ، ولكن المخلصون برآء من أن يصفوه به.
(فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ)(١٦٣)
والضمير في (عَلَيْهِ) لله عز وجلّ ومعناه : فإنكم ومعبوديكم ما أنتم وهم جميعا بفاتنين على الله إلا أصحاب النار الذين سبق في علمه أنهم لسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها. فإن قلت : كيف يفتنونهم على الله؟ قلت. يفسدونهم عليه بإغوائهم واستهزائهم ، من قولك يفتن فلان على فلان امرأته ، كما تقول : أفسدها عليه وخيبها عليه. ويجوز أن يكون الواو في (وَما تَعْبُدُونَ) بمعنى مع ، مثلها في قولهم : كل رجل وضيعته ، فكما جاز السكوت على كل رجل وضيعته ، وأنّ كل رجل وضيعته ، جاز أن يسكت على قوله (فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ) لأن قوله (وَما تَعْبُدُونَ) سادّ مسدّ الخبر ، لأن معناه : فإنكم مع ما تعبدون. والمعنى : فإنكم مع آلهتكم ، أى : فإنكم قرناؤهم وأصحابهم لا تبرحون تعبدونها ، ثم قال : ما أنتم عليه ، أى على ما تعبدون (بِفاتِنِينَ) بباعثين أو حاملين على طريق الفتنة والإضلال (إِلَّا مَنْ هُوَ) ضال مثلكم. أو يكون في أسلوب قوله :
|
فإنّك والكتاب إلى علىّ |
|
كدا بغة وقد حلم الأديم (١) |
وقرأ الحسن : صال الجحيم ، بضم اللام. وفيه ثلاثة أوجه ، أحدها : أن يكون جمعا وسقوط واوه لالتقاء الساكنين هي ولام التعريف «فإن قلت» كيف استقام الجمع مع قوله (مَنْ هُوَ)؟ قلت من موحد اللفظ مجموع المعنى فحمل هو على لفظه والصالحون على معناه كما حمل في مواضع من التنزيل
__________________
(١) لعمرو بن العاص. وقيل للوليد بن عقبة بن أبى معيط ، يحرض معاوية على حرب على بن أبى طالب ، وحلم الجلد حلما ، كتعب تعبا : إذا فسد ودود وتنقب. وحلم بالضم ، حلما بالكسر : عفى مع القدرة. وحلم بالفتح ، حلما بالضم : رأى في منامه شيئا. يقول : فإنك وكتابك الواصل إلى على ترجو به استقامته ، كرجل كثير الدبغ للجلد ، أو كامرأة دابغة له والحال أنه قد فسد ولم ينفع فيه الدبغ. والمقصود : تشبيه حالة بأخرى. ويجوز أن الواو للمعية لا للعطف ، فالمعنى تشبيه معاوية بالدابغة.
على لفظ من ومعناه في آية واحدة. والثاني أن يكون أصله صائل على القلب ، ثم يقال صال في صائل ، كقولهم شاك في شائك. والثالث أن تحذف لام صال تخفيفا ويجرى الإعراب على عينه ، كما حذف من قولهم : ما باليت به بالة ، وأصلها بالية من بالي ، كعافية من عافى. ونظيره قراءة من قرأ : (وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ) بإجراء الإعراب على العين.
(وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ)(١٦٦)
(وَما مِنَّا) أحد (إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه ، كقوله :
أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا (١)
بكفّى كان من أرمى البشر (٢)
مقام معلوم في العبادة ، والانتهاء إلى أمر الله مقصور عليه لا يتجاوزه ، كما روى : فمنهم راكع لا يقيم صلبه ، وساجد لا يرفع رأسه (لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) نصف أقدامنا في الصلاة ، أو أجنحتنا في الهواء. منتظرين ما نؤمر. وقيل : نصف أجنحتنا حول العرش داعين للمؤمنين. وقيل : إنّ المسلمين إنما اصطفوا في الصلاة منذ نزلت هذه الآية. وليس يصطف أحد من أهل الملل في صلاتهم غير المسلمين (الْمُسَبِّحُونَ) المنزهون أو المصلون. والوجه أن يكون هذا وما قبله من قوله (سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ) من كلام الملائكة حتى يتصل بذكرهم في قوله (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ) كأنه قيل : ولقد علم الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزة وقالوا : سبحان الله ، فنزهوه عن ذلك ، واستثنوا عباد الله المخلصين وبرؤهم منه ، وقالوا للكفرة فإذا صحّ ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحدا من خلقه وتضلوه ، إلا من كان مثلكم ممن علم الله ـ لكفرهم ، لا لتقديره وإرادته (٣) ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ـ أنهم من أهل النار ، وكيف نكون مناسبين لرب العزة ويجمعنا وإياه جنسية واحدة؟ وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه ، لكل منا مقام من الطاعة لا يستطيع أن يزل عنه ظفرا ، خشوعا لعظمته
__________________
(١) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثاني صفحة ٣٠٥ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٢) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثاني صفحة ٦١٦ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٣) قوله «لا لتقديره وإرادته تعالى» مبنى على مذهب المعتزلة أن الله لا يقدر الشر ولا يريده. وقال أهل السنة : إن كل كائن فهو بقضاء الله وقدره كما بين في علم التوحيد. (ع)
وتواضعا لجلاله ، ونحن الصافون أقدامنا لعبادته وأجنحتنا ، مذعنين خاضعين مسبحين ممجدين ، وكما يجب على العباد (١) لربهم. وقيل : هو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعنى : وما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم يوم القيامة على قدر عمله ، من قوله تعالى (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) ثم ذكر أعمالهم وأنهم هم الذين يصطفون في الصلاة يسبحون الله وينزهونه مما يضيف إليه من لا يعرفه مما لا يجوز عليه.
(وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)(١٧٠)
هم مشركو قريش كانوا يقولون (لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً) أى كتابا (مِنَ) كتب (الْأَوَّلِينَ) الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل ، لأخلصنا العبادة لله ، ولما كذبنا كما كذبوا ، ولما خالفنا كما خالفوا ، فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار ، والكتاب الذي هو معجز من بين الكتب ، فكفروا به. ونحوه (فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً) فسوف يعلمون مغبة تكذيبهم وما يحل بهم من الانتقام. وإن : هي المخففة من الثقيلة ، واللام هي الفارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولونه مؤكدين للقول جادّين فيه ، فكم بين أوّل أمرهم وآخره.
(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ)(١٧٣)
الكلمة : قوله : (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ) وإنما سماها كلمة وهي كلمات عدّة ، لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة. وقرئ : كلماتنا : والمراد الموعد بعلوهم على عدوهم في مقاوم الحجاج وملاحم القتال في الدنيا ، وعلوهم عليهم في الآخرة ، كما قال (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) ولا يلزم انهزامهم (٢) في بعض المشاهد ، وما جرى عليهم من القتل فإن الغلبة كانت لهم ولمن بعدهم في العاقبة ، وكفى بمشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين مثلا يحتذى عليها وعبرا يعتبر بها. وعن الحسن رحمه الله : ما غلب نبىّ في حرب ولا قتل فيها ، ولأن قاعدة أمرهم وأساسه والغالب منه : الظفر والنصرة ـ وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة ـ والحكم للغالب. وعن ابن عباس رضى الله
__________________
(١) قوله «وكما يجب على العباد لربهم» لعله كما يجب. كعبارة النسفي. (ع)
(٢) قوله «ولا يلزم انهزامهم» أى لا يرد نقضا للغلبة والنصر. (ع)
عنهما : إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة. وفي قراءة ابن مسعود : على عبادنا ، على تضمين سبقت معنى حقت.
(فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ)(١٧٥)
(فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) فأعرض عنهم وأغض (١) على أذاهم (حَتَّى حِينٍ) إلى مدة يسيرة وهي مدّة الكف عن القتال. وعن السدى : إلى يوم بدر. وقيل إلى الموت. وقيل : إلى يوم القيامة (وَأَبْصِرْهُمْ) وما يقضى عليهم من الأسر والقتل والعذاب في الآخرة ، فسوف يبصرونك وما يقضى لك من النصرة والتأييد والثواب في العاقبة. والمراد بالأمر بإبصارهم على الحال المنتظرة الموعودة : الدلالة على أنها كائنة واقعة لا محالة ، وأنّ كينونتها قريبة كأنها قدام ناظريك. وفي ذلك تسلية له وتنفيس عنه. وقوله (فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) للوعيد كما سلف لا للتبعيد.
(أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ)(١٧٩)
مثل العذاب النازل بهم بعد ما أنذروه فأنكروه بجيش أنذر بهجومه قومه بعض نصاحهم فلم يلتفتوا إلى إنذاره ، ولا أخذوا أهبتهم ، ولا دبروا أمرهم تدبيرا ينجيهم ، حتى أناخ بفنائهم بغتة ، فشنّ عليهم الغارة وقطع دابرهم ، وكانت عادة مغاويرهم أن يغيروا صباحا ، فسميت الغارة صباحا وإن وقعت في وقت آخر ، وما فصحت هذه الآية ولا كانت لها الروعة التي تحس بها ويروقك موردها على نفسك وطبعك ، إلا لمجيئها على طريقة التمثيل ، وقرأ ابن مسعود : فبئس صباح. وقرئ : نزل بساحتهم ، على إسناده إلى الجار والمجرور كقولك : ذهب بزيد ونزل ، على : ونزل العذاب. والمعنى : فساء صباح المنذرين صباحهم ، واللام في المنذرين مبهم في جنس من أنذروا ، لأنّ ساء وبئس يقتضيان ذلك. وقيل : هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. وعن أنس رضى الله عنه : لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ـ وكانوا خارجين إلى مزارعهم وممهم المساحي ـ قالوا : محمد والخميس ، ورجعوا إلى حصنهم. فقال عليه الصلاة والسلام : «الله أكبر خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» (٢) وإنما ثنى (وَتَوَلَّ عَنْهُمْ) ليكون تسلية على تسلية ، وتأكيدا لوقوع الميعاد إلى تأكيد. وفيه فائدة زائدة وهي إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول ، وأنه يبصروهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من صنوف
__________________
(١) قوله «وأغض على أذاهم» في الصحاح «الاغضاء» : إدناء الجفون. (ع)
(٢) متفق عليه
المسرة وأنواع المساءة. وقيل : أريد بأحدهما عذاب الدنيا ، وبالآخر عذاب الآخرة.
(سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)(١٨٢)
أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها كأنه قيل : ذو العزة ، كما تقول : صاحب صدق ، لاختصاصه بالصدق. ويجوز أن يراد أنه ما من عزة لأحد من الملوك وغيرهم إلا وهو ربها ومالكها ، كقوله تعالى (تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ) : اشتملت السورة على ذكر ما قاله المشركون في الله ونسبوا إليه مما هو منزه عنه ، وما عاناه المرسلون من جهتهم ، وما خوّلوه في العاقبة من النصرة عليهم ، فختمها بجوامع ذلك من تنزيه ذاته عما وصفه به المشركون ، والتسليم على المرسلين (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) على ما قيض لهم من حسن العواقب ، والغرض تعليم المؤمنين أن يقولوا ذلك ولا يخلوا به ولا يغفلوا عن مضمنات كتابه الكريم ومودعات قرآنه المجيد. وعن علىّ رضى الله عنه : «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة ، فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه : سبحان ربك رب العرة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين (١)
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ والصافات أعطى من الأجر عشر حسنات بعدد كل جنى وشيطان وتباعدت عنه مردة الشياطين وبريء من الشرك وشهد له حافظاه يوم القيامة أنه كان مؤمنا بالمرسلين» (٢).
__________________
(١) أخرجه عبد الرزاق والثعلبي من رواية الأصبغ بن نباتة عن على موقوفا. ورواه ابن أبى حاتم من رواية الشعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا.
(٢) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي من طرف عن أبى بن كعب رضى الله عنه.
سورة ص
مكية ، وهي ست وثمانون آية ، وقيل ثمان وثمانون آية
[نزلت بعد القمر]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ)(٢)
(ص) على الوقف وهي أكثر القراءة. وقرئ بالكسر والفتح لالتقاء الساكنين ، ويجوز أن ينتصب بحذف حرف القسم وإيصال فعله ، كقولهم : الله لأفعلنّ ، كذا بالنصب ، أو بإضمار حرف القسم ، والفتح في موضع الجرّ ، كقولهم : الله لأفعلنّ ، بالجرّ وامتناع الصرف للتعريف والتأنيث ، لأنها بمعنى السورة ، وقد صرفها من قرأ (ص) بالجرّ والتنوين على تأويل الكتاب والتنزيل : وقيل : فيمن كسر هو من المصاداة وهي المعارضة والمعادلة. ومنها الصدى وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الخالية من الأجسام الصلبة ، ومعناه : ما عارض القرآن بعملك فاعمل بأوامره وانته عن نواهيه. فإن قلت : قوله : (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ) كلام ظاهره متنافر غير منتظم ، فما وجه انتظامه؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما : أن يكون قد ذكر اسم هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل التحدّى والتنبيه على الإعجاز كما مرّ في أوّل الكتاب ، ثم أتبعه القسم محذوف الجواب لدلالة التحدّى عليه ، كأنه قال (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) إنه لكلام معجز. والثاني : أن يكون (ص) خبر مبتدأ محذوف ، على أنها اسم للسورة ، كأنه قال : هذه ص ، يعنى : هذه السورة التي أعجزت العرب ، والقرآن ذى الذكر ، كما تقول : هذا حاتم والله ، تريد : هذا هو المشهور بالسخاء والله ، وكذلك إذا أقسم بها كأنه قال : أقسمت بص والقرآن ذى الذكر إنه لمعجز ، ثم قال : بل الذين كفروا في عزة واستكبار عن الإذعان لذلك والاعتراف بالحق وشقاق لله ورسوله ، وإذا جعلتها مقسما بها وعطفت عليها (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) جاز لك أن تريد بالقرآن التنزيل كله ، وأن تريد السورة بعينها. ومعناه : أقسم بالسورة الشريفة والقرآن ذى الذكر ، كما تقول : مررت بالرجل الكريم وبالنسمة المباركة ، ولا تريد بالنسمة غير الرجل. والذكر : الشرف والشهرة ، من قولك : فلان مذكور ، وإنه
لذكر لك ولقومك. أو الذكرى والموعظة ، أو ذكر ما يحتاج إليه في الدين من الشرائع وغيرها ، كأقاصيص الأنبياء والوعد والوعيد. والتنكير في (عِزَّةٍ وَشِقاقٍ) للدّلالة على شدّتهما وتفاقمهما. وقرئ : في غرّة ، أى : في غفلة عما يجب عليهم من النظر واتباع الحق.
(كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ)(٣)
(كَمْ أَهْلَكْنا) وعيد لذوي العزة والشقاق (فَنادَوْا) فدعوا واستغاثوا ، وعن الحسن. فنادوا بالتوبة (وَلاتَ) هي لا المشبهة بليس ، زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على رب ، وثم للتوكيد ، وتغير بذلك حكمها حيث لم تدخل إلا على الأحيان ولم يبرز إلا أحد مقتضيها : إمّا الاسم وإما الخبر ، وامتنع بروزهما جميعا ، وهذا مذهب الخليل وسيبويه. وعند الأخفش : أنها لا النافية للجنس زيدت عليها التاء ، وخصت بنفي الأحيان. و (حِينَ مَناصٍ) منصوب بها ، كأنك قلت : ولا حين مناص لهم. وعنه : أنّ ما ينتصب بعده بفعل مضمر ، أى : ولا أرى حين مناص ، ويرتفع بالابتداء : أى ولا حين مناص كائن لهم ، وعندهما أنّ النصب على : ولات الحين حين مناص أى وليس حين مناص ، والرفع على ولات حين مناص حاصلا لهم. وقرئ : حين مناص ، بالكسر ، ومثله قول أبى زبيد الطائي :
|
طلبوا صلحنا ولات أوان |
|
فأجبنا أن لات حين بقاء (١) |
فإن قلت : ما وجه الكسر في أوان؟ قلت : شبه بإذ في قوله : وأنت إذ صحيح ، في أنه زمان قطع منه المضاف إليه وعوض التنوين : لأنّ الأصل : ولات أوان صلح. فإن قلت : فما تقول في حين مناص والمضاف إليه قائم؟ قلت : نزل قطع المضاف إليه من مناص ، لأنّ
__________________
|
(١) بعثوا حربنا عليهم وكانوا |
|
في مقام لو أبصروا ورخاء |
|
ثم لما تشذرت وأنافت |
|
وتصلوا منها كريه الصلاء |
|
طلبوا صلحتا ولات أوان |
|
فأجبنا أن لات حين بقاء |
لأبى زبيد الطائي ، استعار البعث للتسبب. وتنوين مقام ورخاء للتعظيم. والتشذر : التهيؤ للقتال ، والتشمر بأطراف الثوب ، والتطاول ، والوعيد ، والركوب من خلف المركوب. والانافة : الارتفاع ، وكل هذا ترشيح لاستعارة البعث. ويجوز أنه شبه الحرب بفارس على طريق المكنية. والبعث والتشذر والانافة : تخييل. وشبهها بالنار أيضا فأثبت لهاء التصلى وهو التدفؤ بالنار تخييلا. أو استعار التصلى لاقتحام المكاره تصريحية ، وطلبوا : جواب لما ، أى : لما ذاقوا بأسنا طلبوا صلحنا ، والحال أنه ليس الأوان أوان صلح ، فأجبناهم بأن هذا ليس وقت بقاء ، بل وقت فناء. وأوان : منى على الكسر لنية الاضافة. وقيل : إنه مبنى على الكسر أيضا لنية الاضافة ، ونون للضرورة. وشبهه بنزال في الوزن. وقيل : مجرور على إضمار «من» الاستغراقية الزائدة. وزعم الفراء أن لات هنا حرف جر ، وعليها فتنوين أوان للتمكين. وزعم الزمخشري أنه على البناء تنوين عوض ، ورد بأنه لو كان كذلك لأعرب ، وحين نصب على أنه خبر لات في بقاء ، ثم تنزيلها منزلة نيتها في حين ، لأن التقدير : أن لات حين بقائكم ، وهو بعيد عن المعنى الجزل.
أصله حين مناصهم منزلة قطعه من حين ، لاتحاد المضاف والمضاف إليه ، وجعل تنوينه عوضا من الضمير المحذوف ، ثم بنى الحين لكونه مضافا إلى غير متمكن. وقرئ : ولات بكسر التاء على البناء ، كجير. فإن قلت : كيف يوقف على لات؟ قلت : يوقف عليها بالتاء ، كما يوقف على الفعل الذي يتصل به تاء التأنيث. وأمّا الكسائي فيقف عليها بالهاء كما يقف على الأسماء المؤنثة. وأمّا قول أبى عبيد : إنّ التاء داخلة على حين فلا وجه له. واستشهاده بأنّ التاء ملتزقة بحين في الإمام لا متشبث به ، فكم وقعت في المصحف أشياء خارجة عن قياس الخط. والمناص : المنجا والفوت. يقال : ناصه ينوصه إذا فاته. واستناص : طلب المناص. قال حارثة بن بدر :
|
غمر الجراء إذا قصرت عنانه |
|
بيدي استناص ورام جري المسحل (١) |
(وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ) (٥)
(مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) رسول من أنفسهم (وَقالَ الْكافِرُونَ) ولم يقل : وقالوا ، إظهارا للغضب عليهم ، ودلالة على أنّ هذا القول لا يجسر عليه إلا الكافرون المتوغلون في الكفر المنهمكون في الغىّ الذين قال فيهم (أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا) وهل ترى كفرا أعظم وجهلا أبلغ من أن يسموا من صدّقه الله بوحيه كاذبا ، ويتعجبوا من التوحيد ، وهو الحق الذي لا يصح غيره ، ولا يتعجبوا من الشرك وهو الباطل الذي لا وجه لصحته. روى أنّ إسلام عمر رضى الله تعالى عنه فرح به المؤمنون فرحا شديدا ، وشق على قريش وبلغ منهم ، فاجتمع خمسة وعشرون نفسا من صناديدهم ومشوا إلى أبى طالب وقالوا : أنت شيخنا وكبيرنا (٢) ، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء ، يريدون : الذين دخلوا في الإسلام ، وجئناك لتقضى بيننا وبين ابن أخيك ، فاستحضر أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا ابن أخى ، هؤلاء قومك يسألونك السؤال (٣) فلا تمل كل الميل على قومك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ذا يسألوننى؟ قالوا ارفضنا
__________________
(١) لحارثة بن بدر ، يصف فرسا بأنه كثير المجاراة لغيره من الأفراس ، إذا قصرت : أى جذبت عنانه ، استناص : أى طلب النوص والهرب والنجاء من الأعداء. وشبه الفرس بمن تصح منه الارادة على طريق المكنية ، والروم تخييل ، أى : أراد جريا كجرى السحل وهو حمار الوحش ، سمي به لكثرة سحاله ، أى شهيقه.
(٢) ذكره الثعلبي بغير سند. وروى الترمذي والنسائي وابن حبان وأحمد وإسحاق وأبو يعلى والطبري وابن أبى حاتم وغيرهم من طريق يحيى بن عمارة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال «مرض أبو طالب فجاءته قريش وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ....... الحديث نحوه» وليس فيه أوله.
(٣) قوله «يسألونك السؤال فلا تمل» لعله السواء ، كما في عبارة النسفي. (ع)
وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك ، فقال عليه السلام : أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أمعطىّ أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟ فقالوا : نعم وعشرا ، أى نعطيكها وعشر كلمات معها ، فقال : قولوا لا إله إلا الله فقاموا وقالوا (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ) أى : بليغ في العجب. وقرئ : عجاب ، بالتشديد ، كقوله تعالى (مَكْراً كُبَّاراً) وهو أبلغ من المخفف. ونظيره : كريم وكرام وكرام : وقوله (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً) مثل قوله (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً) في أن معنى الجعل التصيير في القول على سبيل الدعوى والزعم ، كأنه قال : أجعل الجماعة واحدا في قوله ، لأنّ ذلك في الفعل محال.
(وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ)(٧)
(الْمَلَأُ) أشراف قريش ، يريد : وانطلقوا عن مجلس أبى طالب بعد ما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجواب العتيد ، قائلين بعضهم لبعض (امْشُوا وَاصْبِرُوا) فلا حيلة لكم في دفع أمر محمد (إِنَّ هذا) الأمر (لَشَيْءٌ يُرادُ) أى يريده الله تعالى ويحكم بإمضائه ، وما أراد الله كونه فلا مردّ له ولا ينفع فيه إلا الصبر ، أو أن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر يراد بنا فلا انفكاك لنا منه : أو أن دينكم لشيء يراد ، أى : يطلب ليؤخذ منكم وتغلبوا عليه. و (أَنِ) بمعنى أى ، لأنّ المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم ، فكان انطلاقهم مضمنا معنى القول. ويجوز أن يراد بالانطلاق : الاندفاع في القول ، وأنهم قالوا : امشوا ، أى أكثروا واجتمعوا ، من مشت المرأة إذا كثرت ولادتها. ومنه : الماشية ، للتفاؤل ، كما قيل لها : الفاشية : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) «ضموا فواشيكم» (٢) ومعنى (وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ) : واصبروا على عبادتها والتمسك بها حتى لا تزالوا عنها ، وقرئ : وانطلق الملأ منهم امشوا ، بغير (أَنِ) على إضمار القول. وعن ابن مسعود : وانطلق الملأ منهم يمشون أن اصبروا (فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ) في ملة عيسى التي هي آخر الملل ، لأنّ النصارى يدعونها وهم مثلثة غير موحدة. أو في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا. أو ما سمعنا بهذا كائنا في الملة الآخرة ، على أن يجعل في الملة الآخرة حالا من هذا ولا تعلقه بما سمعنا كما في الوجهين. والمعنى : أنا لم نسمع من أهل الكتاب ولا من الكهان أنه يحدث في الملة الآخرة توحيد الله. ما (هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ) أى : افتعال وكذب.
__________________
(١) أخرجه ابن حبان من حديث جابر رضى الله عنه بلفظ «كفوا» وأصله في مسلم.
(٢) قوله «ضموا فواشيكم» بقيته في الصحاح : «حتى تذهب فحمة العشاء» (ع)
(أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ)(١١)
أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم ورؤسائهم وينزل عليه الكتاب من بينهم ، كما قالوا : (لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) وهذا الإنكار ترجمة عما كانت تغلى به صدورهم من الحسد على ما أوتى من شرف النبوّة من بينهم (بَلْ هُمْ فِي شَكٍ) من القرآن ، يقولون في أنفسهم : إما وإما. وقولهم (إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ) كلام مخالف لاعتقادهم فيه يقولونه على سبيل الحسد (بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ) بعد فإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم من الشك والحسد (١) حينئذ ، يعنى : أنهم لا يصدقون به إلا أن يمسهم العذاب مضطرين إلى تصديقه (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ) يعنى ما هم بما لكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاءوا ويصرفوها عمن شاءوا ، ويتخيروا للنبوّة بعض صناديدهم ، ويترفعوا بها عن محمد عليه الصلاة والسلام. وإنما الذي يملك الرحمة وخزائنها : العزيز القاهر على خلقه ، الوهاب الكثير المواهب المصيب بها مواقعها ، الذي يقسمها على ما تقتضيه حكمته وعدله ، كما قال (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا) ثم رشح هذا المعنى فقال (أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) حتى يتكلموا في الأمور الربانية والتدابير الإلهية التي يختص بها رب العزة والكبرياء ، ثم تهكم بهم غاية التهكم فقال : وإن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق والتصرف في قسمة الرحمة ، وكانت عندهم الحكمة التي يميزون بها بين من هو حقيق بإيتاء النبوّة دون من لا تحق له (فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ) فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصل بها إلى العرش ، حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم وملكوت الله ، وينزلوا الوحى إلى من يختارون ويستصوبون ، ثم خسأهم خساءة (٢) عن ذلك بقوله
__________________
(١) قال محمود : «معناه لم يذوقوه بعد ، فإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم ... الخ» قلت : ويؤخذ منه أن لما لائقة بالجواب ، وإنما ينفى بها فعل يتوقع وجوده ، كما يقول سيبويه ، وفرق بينها وبين لم بأن لم نفى لفعل يتوقع وجوده لم يقبل مثبته قد ، ولما نفى لما يتوقع وجوده أدخل على مثبته قد ، وإنما ذكرت ذلك لأنى حديث عهد بالبحث في قوله عليه الصلاة والسلام «الشفعة فيما لم يقسم» فانى استدللت به على أن الشفعة خاصة بما يقبل القسمة ، فقيل لي : إن غايته أنه أثبت الشفعة فيما نفى عنه القسمة ، فاما أنها لا تقبل قسمة ، وإما أنها تقبل ولم تقع القسمة ، فأبطلت ذلك بأن آلة النفي المذكورة «لم» ومقتضاها قبول المحل الفعل المنفي وتوقع وجوده. ألا تراك تقول : الحجر لا يتكلم» ولو قلت : الحجر لم يتكلم ، لكان ركيكا من القول ، لافهامه قبوله للكلام ،
(٢) قوله «ثم خسأهم خسأة» في الصحاح : خسأت الكلب خسأ : طردته. وخسأ بنفسه يتعدى ولا يتعدى. (ع)
(جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ) يريد ما هم إلا جيش من الكفار المتحزبين على رسل الله ، مهزوم مكسور عما قريب (١) فلا تبال بما يقولون ، ولا تكترث لما به يهذون. و (ما) مزيدة ، وفيها معنى الاستعظام ، كما في قول امرئ القيس :
وحديث ما على قصره (٢)
إلا أنه على سبيل الهزء ، و (هُنالِكَ) إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم ، من قولهم لمن ينتدب لأمر ليس من أهله : لست هنالك.
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤) وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ)(١٥)
(ذُو الْأَوْتادِ) أصله من ثبات البيت المطنب بأوتاده ، قال :
|
والبيت لا يبتنى إلّا على عمد |
|
ولا عماد إذا لم ترس أوتاد (٣) |
__________________
(١) قال محمود : «ثم تهكم بهم غاية التهكم فقال : إن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق والتصرف في قسمة الرحمة فكانت عندهم المعرفة التي يميزون بها بين من هو حقيق بإيتاء النبوة دون من لا يستحق ، فليرتقوا في المعارج والطرق الموصلة إلى العرش حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم وملكوت الله تعالى ، وينزلوا الوحى على من يختارونه. قال : ثم خسأهم بقوله (جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ) معناه : إن هؤلاء إلا جند متحزبون على النبي صلى الله عليه وسلم عما قليل يهزمون ويولون الأدبار» قال أحمد : الاستواء المنسوب لله : ليس مما يتوصل إليه بالصعود في المعارج والوصول إلى العرش والاستقرار عليه والتمكن فوقه ، لأن الاستواء المنسوب إلى الله تعالى ليس استواء استقرار بجسم ـ تعالى الله عن ذلك ـ وإنما هو صفة فعل ، أى فعل فيه فعلا سماء استواء ، هذا تأويل القاضي أبى بكر. وليست عبارة الزمخشري في هذا الفصل مطابقة للمفصل على جارى عاداته في تحرير العبارة على مراده.
|
(٢) جد بالوفاق لمشتاق إلى سهره |
|
إن لم تجد فحديث ما على قصره |
المراد بالوفاق : الوصال. وضمير «سهره» للمشتاق أو للوفاق. وحديث : مبتدأ خبره محذوف ، أى : تجود به.
وما زائدة التعميم. ويجوز أنها للتعظيم. لكن الأول أوفق بالمقام. وعلى بمعنى مع ، وضمير «قصره» : للحديث.
|
(٣) والبيت لا يبتنى إلا بأعمدة |
|
ولا عماد إذا لم ترس أوتاد |
|
فان تجمع أسباب وأعمدة |
|
وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا |
للرافدة الأودى ، يقول : لا ينال الأمر إلا بتوافر أسبابه ، فالبيت من باب التمثيل : شبه توقف الأمر على أسبابه وتوقف أسبابه على أسبابها ، يتوقف ضرب الخيمة على انتصاب الأعمدة ، وتوقف انتصابها على إثبات الأوتاد المشدودة بالحبال ، ثم قال : فان اجتمعت الحبال المشدودة بالأوتاد الثابتة وانتصبت الأعمدة ووجد الساكن بلغ مراده ، وهو بمعنى الجمع ، فصح جمع ضميره ، وكاده كيدا عالجه علاجا ، أى : بلغوا الأمر الذي كادوه ، أي عالجوه لتحصيله.
فاستعير لثبات العز والملك واستقامة الأمر ، كما قال الأسود :
في ظل ملك ثابت الأوتاد (١)
وقيل : كان يشبح (٢) المعذب بين أربع سوار : كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيه وتد من حديد ، ويتركه حتى يموت. وقيل : كان يمدّه بين أربعة أوتاد في الأرض ويرسل عليه العقارب والحيات. وقيل : كانت له أوتاد وحبال يلعب بها بين يديه (أُولئِكَ الْأَحْزابُ) قصد بهذه لإشارة الإعلام بأنّ الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هم ، وأنهم هم الذين وجد منهم التكذيب (٣). ولقد ذكر تكذيبهم أولا في الجملة الخبرية على وجه الإبهام ، ثم جاء بالجملة الاستثنائية فأوضحه فيها : بأنّ كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل ، لأنهم إذا كذبوا واحدا منهم فقد كذبوهم جميعا. وفي تكرير التكذيب وإيضاحه بعد إبهامه ، والتنويع في تكريره بالجملة الخبرية أوّلا وبالاستثنائية ثانيا ، وما في الاستثنائية من الوضع على وجه التوكيد والتخصيص : أنواع من المبالغة المسجلة عليهم باستحقاق أشد العقاب وأبلغه ، ثم قال (فَحَقَّ عِقابِ) أى فوجب لذلك أن أعاقبهم حق عقابهم (هؤُلاءِ) أهل مكة. ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأحزاب
__________________
|
(١) ما ذا أؤمل بعد آل محرق |
|
تركوا منازلهم وبعد أياد |
|
جرت الرياح على مقر ديارهم |
|
فكأنهم كانوا على ميعاد |
|
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة |
|
في ظل ملك ثابت الأوتاد |
|
فإذا النعيم وكل ما يلهي به |
|
يوما يصير إلى بلى ونفاد |
للأسود بن يعفر. يقول : لا أتمنى شيئا بعدهم من الدنيا. ومحرق : هو امرؤ القيس بن عمرو بن عدى اللخمي. والاياد ـ في الأصل ـ : تراب يجمع حول الحوض والبيت ، يحفظه عن المطر والسيول ، من الأيدى : وهو القوة. وإياد : علم على ابن نزار بن معد ، فهو أخو مضر وربيعة. والمراد به هنا القبيلة. وروى : وآل إياد ، عطفا على آل محرق. وغنى بالمكان ، كرضى : أقام به. والبلى : الانمحاق. والنفاد : الفناء. يقول : تركوا منازلهم : جملة مستأنفة لبيان نفى التأميل ، واعتراضية بين المتعاطفين. وقوله «جرت الرياح» مستأنف لبيان حال القبيلتين ، يقول : تفانوا فجرت الرياح على محل ديارهم ، وجريان الرياح على مقر الديار ، لانهدام الجدران التي كانت تمنع الرياح ، وذلك كناية عن موتهم ، وأفاد أن فناءهم كان سريعا كأنه دفعة واحدة بقوله : فكأنهم كانوا على ميعاد واحد ، ولقد أقاموا بأرغد عيشة ، وشبه الملك الذي به عزهم وصونهم بخيمة مضروبة عليهم ، والظل : الترشيح ، والأوتاد تخييل. وإذا معناها المفاجأة. أى فظهر بغتة أن كل نعيم لا محالة زائل ، أى : فأدركهم المحاق والفناء.
(٢) قوله «وقيل كان يشبح المعذب» أى يمده ، أفاده الصحاح. (ع)
(٣) قال محمود : «قصد بهذه الاشارة الاعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هم ، وأنهم الذين وجد التكذيب منهم» قال أحمد : وفي تكرار تكذيبهم فائدة أخرى : وهي أن الكلام لما طال بتعديد آحاد المكذبين ، ثم أريد ذكر ما حاق بهم من العذاب جزاء لتكذيبهم ، كرر ذلك مصحوبا بالزيادة المذكورة ، ليلي قوله تعالى (فَحَقَّ عِقابِ) على سبيل التطرية المعتادة عند طول الكلام وهو كما قدمته في قوله (وَكُذِّبَ مُوسى) حيث كرر الفعل ليقترن بقوله (فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ).
لاستحضارهم بالذكر. أو لأنهم كالحضور عند الله. والصيحة : النفخة (ما لَها مِنْ فَواقٍ) وقرئ بالضم : ما لها من توقف مقدار فواق ، وهو ما بين حلبتى الحالب ورضعتى الراضع. يعنى : إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان ، كقوله تعالى (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً) وعن ابن عباس : مالها من رجوع ، وترداد ، من أفاق المريض إذا رجع إلى الصحة. وفواق الناقة : ساعة ترجع الدرّ إلى ضرعها ، يريد : أنها نفخة واحدة فحسب لا تثنى ولا تردد.
(وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ)(١٦)
القط : القسط من الشيء ، لأنه قطعة منه ، من قطه إذا قطعه. ويقال لصحيفة الجائزة : قط ، لأنها قطعة من القرطاس ، وقد فسر بهما قوله تعالى (عَجِّلْ لَنا قِطَّنا) أى نصيبنا من العذاب الذي وعدته ، كقوله تعالى (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ) وقيل : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد الله المؤمنين الجنة ، فقالوا على سبيل الهزء : عجل لنا نصيبنا منها. أو عجل لنا صحيفة أعمالنا ننظر فيها.
(اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ)(٢٠)
فإن قلت : كيف تطابق قوله (اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ) وقوله (وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ) حتى عطف أحدهما على صاحبه؟ قلت : كأنه قال لنبيه عليه الصلاة والسلام : اصبر على ما يقولون ، وعظم أمر معصية الله في أعينهم بذكر قصة داود ، وهو أنه نبىّ من أنبياء الله تعالى قد أولاه ما أولاه من النبوّة والملك ، لكرامته عليه وزلفته لديه ، ثم زل زلة فبعث إليه الملائكة ووبخه عليها. على طريق التمثيل والتعريض ، حتى فطن لما وقع فيه فاستغفر وأناب ، ووجد منه ما يحكى من بكائه الدائم وغمه الواصب (١) ، ونقش جنايته في بطن كفه حتى لا يزال يجدد النظر إليها والندم عليها فما الظنّ بكم مع كفركم ومعاصيكم؟ أو قال له صلى الله عليه وسلم : اصبر على ما يقولون وصن نفسك وحافظ عليها أن تزل فيما كلفت من مصابرتهم وتحمل أذاهم ، واذكر أخاك داود وكرامته على الله كيف زلّ تلك الزلة اليسيرة فلقى من توبيخ الله وتظليمه ونسبته إلى البغي ما لقى (ذَا الْأَيْدِ) ذا القوّة في الدين المضطلع بمشاقه وتكاليفه ، كان على نهوضه بأعباء
__________________
(١) قوله «وغمه الواصب» أى : الدائم. (ع)
النبوّة والملك يصوم يوما ويفطر يوما وهو أشدّ الصوم ، ويقوم نصف الليل. يقال : فلان أيد ، وذو أيد ، وذو آد. وأياد كل شيء : ما يتقوّى به (أَوَّابٌ) توّاب رجاع إلى مرضاة الله فإن قلت : ما ذلك على أنّ الأيد القوّة في الدين؟ قلت : قوله تعالى (إِنَّهُ أَوَّابٌ) لأنه تعليل لذي الأيد (وَالْإِشْراقِ) وقت الإشراق ، وهو حين تشرق الشمس ، أى : تضيء ويصفو شعاعها وهو وقت الضحى. وأما شروقها فطلوعها ، يقال : شرقت الشمس ، ولما تشرق (١). وعن أمّ هانئ : دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى وقال : يا أمّ هانئ هذه صلاة الإشراق (٢). وعن طاوس عن ابن عباس قال : هل تجدون ذكر صلاة الضحى في القرآن؟ قالوا لا ، فقرأ : إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق وقال : كانت صلاة يصليها داود عليه السلام. وعنه : ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية. وعنه : لم يزل في نفسي من صلاة الضحى شيء حتى طلبتها فوجدتها بهذه الآية (يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ) وكان لا يصلى صلاة الضحى ، ثم صلاها بعد. وعن كعب أنه قال لابن عباس : إنى لا أجد في كتب الله صلاة بعد طلوع الشمس ، فقال : أنا أوجدك ذلك في كتاب الله تعالى ، يعنى هذه الآية. ويحتمل أن يكون من أشرق القوم إذا دخلوا في الشروق ، ومنه قوله تعالى (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) وقول أهل الجاهلية : أشرق (٣) ثبير ، ويراد وقت صلاة الفجر لانتهائه بالشروق. ويسبحن : في معنى ومسبحات على الحال. فإن قلت : هل من فرق بين يسبحن ومسبحات (٤)؟ قلت : نعم ، وما اختير يسبحن على مسبحات إلا لذلك ، وهو الدلالة
__________________
(١) قال محمود : «الاشراق حين تشرق الشمس ، أى يصفو نورها وهو وقت الضحى. وأما شروقها فطلوعها. يقال : شرقت الشمس ولما تشرق. ومنه أخذ ابن عباس صلاة الضحى. قال : ويحتمل أن يكون من أشرق القوم إذا دخلوا في وقت الشروق ، ويكون المراد وقت صلاة الفجر لانتهائه بشروق الشمس» قال أحمد : الوجه الثاني يفرق بين العشى والاشراق ، فان العشى ظرف بلا إشكال ، فلو حمل الاشراق على الدخول في وقت الشروق لكان مصدرا ، مع أن المراد به الظرف ، لأنه فعل الشمس وصفتها التي تستعمل ظرفا كالطلوع والغروب وشبههما.
(٢) أخرجه ابن مردويه والثعلبي والواحدي والبغوي والطبراني كلهم من رواية أبى بكر الهذلي عن عطاء عن ابن عباس : حدثتني أم هانئ. ورواه الحاكم من وجه آخر عن عبد الله بن الحرث عن ابن عباس «كان لا يصلى الضحى حتى أدخلناه على أم هانئ فقلت لها : أخبرى ابن عباس قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فصلى صلاة الضحى ثمان ركعات. قال : فخرج ابن عباس وهو يقول : هذه صلاة الاشراق» هذا موقوف وهو أصح.
(٣) قوله «أشرق ثبير» كانوا يقولون : أشرق ثبير كيما نغير ، كما في الصحاح. (ع)
(٤) قال محمود : «إن قلت لم اختار يسبحن على مسبحات وأيهما وقع كان حالا ، وأجاب بأن اختيارهما لمعنى وهو الدلالة على حدوث التسبيح شيئا بعد شيء كأن السامع محاضر لها فيسمعها تسبح. ومنه قول الأعشى :
إلى ضوء نار في يفاع تحرق
ولو قال : محرقة لم يكن شيئا. قال أحمد : ولهذه النكتة فرق سحنون من أصحابنا بين : أنا محرم يوم أفعل كذا «بصيغة
على حدوث التسبيح من الجبال شيئا بعد شيء وحالا بعد حال ، وكأن السامع محاضر تلك الحال يسمعها تسبح. ومثله قول الأعشى :
إلى ضوء نار في يفاع تحرق (١)
ولو قال : محرقة ، لم يكن شيئا. وقوله (مَحْشُورَةً) في مقابلة : يسبحن : إلا أنه لما لم يكن في الحشر ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئا بعد شيء ، جيء به اسما لا فعلا. وذلك أنه لو قيل : وسخرنا الطير يحشرن ـ على أنّ الحشر يوجد من حاشرها شيئا بعد شيء. والحاشر هو الله عز وجل ـ لكان خلفا ، لأنّ حشرها جملة واحدة أدلّ على القدرة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح ، واجتمعت إليه الطير فسبحت ، فذلك حشرها. وقرئ : والطير محشورة. بالرفع (كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) كل واحد من الجبال والطير لأجل داود ، أى : لأجل تسبيحه مسبح ، لأنها كانت تسبح بتسبيحه. ووضع الأوّاب موضع المسبح : إمّا لأنها كانت ترجع التسبيح ، والمرجع رجاع ، لأنه يرجع إلى فعله رجوعا بعد رجوع وإمّا لأن الأواب ـ وهو التوّاب الكثير الرجوع إلى الله وطلب مرضاته ـ من عادته أن يكثر ذكر الله ويديم تسبيحه وتقديسه. وقيل : الضمير لله ، أى : كل من داود والجبال والطير لله أؤاب ، أى مسبح مرجع للتسبيح (وَشَدَدْنا مُلْكَهُ) قوّيناه ، قال تعالى (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ) وقرئ شددنا على المبالغة. قيل : كان يبيت حول محرابه أربعون ألف مستلئم (٢) يحرسونه وقيل : الذي شدّ الله به ملكه وقذف في قلوب قومه الهيبة : أنّ رجلا ادّعى عنده على آخر بقرة ، وعجز عن إقامة البينة ، فأوحى الله تعالى إليه في المنام : أن اقتل المدّعى عليه ، فقال : هذا منام ، فأعيد الوحى في اليقظة ، فأعلم الرجل فقال : إنّ الله عزّ وجلّ لم يأخذنى بهذا الذنب ، ولكن بأنى قتلت أبا هذا غيلة ، فقتله ، فقال الناس : إن أذنب أحد ذنبا أظهره الله عليه ، فقتله ،
__________________
(١) تقدم شرح هذا الشاهد ضمن أبيات بالجزء الثالث صفحة ٦٣ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٢) قوله «مستلئم» أى : لا بس اللأمة ، وهي الدرع. أفاده الصحاح. (ع)
فهابوه (الْحِكْمَةَ) الزبور وعلم الشرائع. وقيل : كل كلام وافق الحق فهو حكمة. الفصل : التمييز بين الشيئين. وقيل للكلام البين : فصل ، بمعنى المفصول كضرب الأمير ، لأنهم قالوا : كلام ملتبس ، وفي كلامه لبس. والملتبس : المختلط ، فقيل في نقيضه : فصل ، أى مفصول بعضه من بعض ، فمعنى فصل الخطاب : البين من الكلام الملخص الذي يتبينه من يخاطب به لا يلتبس عليه ، ومن فصل الخطاب وملخصه : أن لا يخطئ صاحبه مظانّ الفصل والوصل ، فلا يقف في كلمة الشهادة على المستثنى منه ، ولا يتلو قوله (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) إلا موصولا بما بعده ، ولا (وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ) حتى يصله بقوله (لا تَعْلَمُونَ) ونحو ذلك ، وكذلك مظانّ العطف وتركه ، والإضمار والإظهار والحذف والتكرار ، وإن شئت كان الفصل بمعنى الفاصل ، كالصوم والزور ، وأردت بفصل الخطاب : الفاصل من الخطاب الذي يفصل بين الصحيح والفاسد ، والحق والباطل ، والصواب والخطأ ، وهو كلامه في القضايا والحكومات وتدابير الملك والمشورات. وعن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه. هو قوله : البينة على المدّعى واليمين على المدّعى عليه ، وهو من الفصل بين الحق والباطل ، ويدخل فيه قول بعضهم : هو قوله «أمّا بعد» لأنه يفتتح إذا تكلم في الأمر الذي له شأن بذكر الله وتحميده ، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق إليه : فصل بينه وبين ذكر الله بقوله : أمّا بعد. ويجوز أن يراد الخطاب القصد الذي ليس فيه اختصار مخلّ ولا إشباع مملّ. ومنه ما جاء في صفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم : فصل لا نذر ولا هذر (١).
(وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ)(٢٢)
كان أهل زمان داود عليه السلام يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته ، فيتزوّجها إذا أعجبته وكانت لهم عادة في المواساة بذلك قد اعتادوها. وقد روينا أن الأنصار كانوا يواسون المهاجرين بمثل ذلك ، فاتفق أن عين داود وقعت على امرأة رجل يقال له أوريا ، فأحبها ، فسأله النزول له عنها ، فاستحيا أن يردّه ، ففعل ، فتزوّجها وهي أمّ سليمان ، فقيل له : إنك مع عظم منزلتك وارتفاع مرتبتك وكبر شأنك وكثرة نسائك : لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلا ليس له إلا امرأة واحدة النزول ، بل كان الواجب عليك مغالبة هواك وقهر نفسك والصبر
__________________
(١) هو حديث أم معيد. وقد تقدم في سورة الأعراف ، وفي الأدب لأبى داود من حديث عائشة «كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلا يفهمه من سمعه».
على ما امتحنت به. وقيل : خطبها أوريا ثم خطبها داود ، فآثره أهلها ، فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن ، مع كثرة نسائه. وأمّا ما يذكر أنّ داود عليه السلام تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال : يا رب إنّ آبائي قد ذهبوا بالخير كله ، فأوحى إليه : إنهم ابتلوا ببلايا فصبروا عليها : قد ابتلى ابراهيم بنمروذ وذبح ولده ، وإسحاق بذبحه وذهاب بصره ، ويعقوب بالحزن على يوسف. فسأل الابتلاء فأوحى الله إليه : إنك لمبتلى في يوم كذا وكذا ، فاحترس ، فلما حان ذلك اليوم دخل محرابه وأغلق بابه وجعل يصلى ويقرأ الزبور ، فجاءه الشيطان في صورة حمامة من ذهب ، فمدّ يده ليأخذها لابن له صغير ، فطارت ، فامتدّ إليها ، فطارت فوقعت في كوّة ، فتبعها ، فأبصر امرأة جميلة قد نقضت شعرها فغطى بدنها ، وهي امرأة أوريا وهو من غزاة البلقاء ، (١) فكتب إلى أيوب بن صوريا وهو صاحب بعث البلقاء. أن ابعث أوريا وقدمه على التابوت ، وكان من يتقدم على التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يفتح الله على يده أو يستشهد ، ففتح الله على يده وسلم ، فأمر بردّه مرة أخرى ، وثالثة ، حتى قتل ، فأتاه خبر قتله فلم يحزن كما كان يحزن على الشهداء ، وتزوج امرأته. فهذا ونحوه مما يقبح أن يحدث به عن بعض المتسمين بالصلاح من أفناء المسلمين ، (٢) فضلا عن بعض أعلام الأنبياء. وعن سعيد ابن المسيب والحرث الأعور : أنّ علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه قال : من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وهو حد الفرية على الأنبياء (٣). وروى أنه حدث بذلك عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من أهل الحق ، فكذب المحدث به وقال : إن كانت القصة على ما في كتاب الله فما ينبغي أن يلتمس خلافها ، وأعظم بأن يقال غير ذلك. وإن كانت على ما ذكرت وكف الله عنها سترا على نبيه فما ينبغي إظهارها عليه. فقال عمر : لسماعى هذا الكلام أحب إلىّ مما طلعت عليه الشمس. والذي يدل عليه المثل الذي ضربه الله لقصته عليه السلام ليس إلا طلبه إلى زوج المرأة أن ينزل له عنها فحسب. فإن قلت : لم جاءت على طريقة التمثيل والتعريض دون التصريح؟ قلت : لكونها أبلغ في التوبيخ ، من قبل أن التأمل إذا أدّاه إلى الشعور بالمعرض به ، كان أوقع في نفسه ، أشد تمكنا من قلبه ، وأعظم أثرا فيه ، وأجلب لاحتشامه وحيائه ، وأدعى إلى التنبه على الخطإ فيه من أن يبادره به صريحا ، مع مراعاة حسن الأدب بترك المجاهرة. ألا ترى إلى الحكماء كيف أوصوا في سياسة الولد إذا
__________________
(١) قوله «من غزاة البلقاء» في الصحاح : مدينة بالشام. (ع)
(٢) قوله «من أفناء المسلمين» في الصحاح : يقال : هو من أفناء الناس إذا لم يعلم ممن هو. وعبارة النسفي بدل قوله : فهذا ونحوه ... الخ : فلا يليق من المتسمين ... الخ. (ع)
(٣) لم أجده
وجدت منه هنة منكرة أن يعرض له بإنكارها عليه ولا يصرح. وأن تحكى له حكاية ملاحظة لحاله إذا تأملها استسمج حال صاحب الحكاية فاستسمج حال نفسه ، وذلك أزجر له لأنه ينصب ذلك مثالا لحاله ومقياسا لشأنه ، فيتصور قبح ما وجد منه بصورة مكشوفة ، مع أنه أصون لما بين الوالد والولد من حجاب الحشمة. فإن قلت : فلم كان ذلك على وجه التحاكم إليه؟ قلت : ليحكم بما حكم به من قوله (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ) حتى يكون محجوجا بحكمه ومعترفا على نفسه بظلمه (وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ) ظاهره الاستفهام. ومعناه الدلالة على أنه من الأنباء العجيبة التي حقها أن تشيع ولا تخفى على أحد ، والتشويق إلى استماعه. والخصم : الخصماء ، وهو يقع على الواحد والجمع ، كالضيف. قال الله تعالى (حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) لأنه مصدر في أصله ، تقول : خصمه خصما ، كما تقول : ضافه ضيفا. فإن قلت : هذا جمع. وقوله (خَصْمانِ) تثنية فكيف استقام ذلك؟ قلت : معنى خصمان : فريقان خصمان ، والدليل عليه قراءة من قرأ : خصمان بغى بعضهم على بعض : ونحوه قوله تعالى (هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ). فإن قلت : فما تصنع بقوله (إِنَّ هذا أَخِي) وهو دليل على اثنين؟ قلت : هذا قول البعض المراد بقوله بعضنا على بعض. فإن قلت : فقد جاء في الرواية أنه بعث إليه ملكان. قلت : معناه أن التحاكم كان بين ملكين ، ولا يمنع ذلك أن يصحبهما آخرون. فإن قلت : فإذا كان التحاكم بين اثنين كيف سماهم جميعا خصما في قوله (نَبَأُ الْخَصْمِ) و (خَصْمانِ)؟ قلت : لما كان صحب كل واحد من المتحاكمين في صورة الخصم صحت التسمية به. فإن قلت : بم انتصب (إِذْ)؟ قلت : لا يخلو إما أن ينتصب بأتاك ، أو بالنبإ ، أو بمحذوف فلا يسوغ انتصابه بأتاك ، لأن إتيان النبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقع إلا في عهده لا في عهد داود ، ولا بالنبإ ، لأن النبأ الواقع في عهد داود لا يصح إتيانه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن أردت بالنبإ : القصة في نفسها لم يكن ناصبا ، فبقى أن ينتصب بمحذوف ، وتقديره : وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم. ويجوز أن ينتصب بالخصم لما فيه من معنى الفعل. وأما إذ الثانية فبدل من الأولى (تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ) تصعدوا سوره ونزلوا إليه. والسور : الحائط المرتفع ونظيره في الأبنية : تسنمه ، إذ علا سنامه ، وتذرّاه : إذا علا ذروته. روى أنّ الله تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين ، فطلبا أن يدخلا عليه ، فوجداه في يوم عبادته ، فمنعهما الحرس فتسوّرا عليه المحراب ، فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان (فَفَزِعَ مِنْهُمْ) قال ابن عباس : إنّ داود عليه السلام جزأ زمانه أربعة أجزاء : يوما للعبادة ، ويوما للقضاء ، ويوما للاشتغال بخواص أموره ، ويوما يجمع بنى إسرائيل فيعظهم ويبكيهم ، فجاءوه في غير يوم القضاء ففزع منهم ، ولأنهم نزلوا عليه من فوق ، وفي يوم الاحتجاب ، والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه (خَصْمانِ)
خبر مبتدإ محذوف ، أى : نحن خصمان (وَلا تُشْطِطْ) ولا تجر. وقرئ : ولا تشطط ، أى : ولا تبعد عن الحق. وقرئ : ولا تشطط. ولا تشاطط ، وكلها من معنى الشطط : وهو مجاوزة الحدّ وتخطى الحق. و (سَواءِ الصِّراطِ) وسطه ومحجته : ضربه مثلا لعين الحق ومحضه.
(إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ)(٢٣)
(أَخِي) بدل من هذا أو خبر لإنّ. والمراد أخوّة الدين ، أو أخوّة الصداقة والألفة ، أو أخوة الشركة والخلطة ، لقوله تعالى (وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ) كل واحدة من هذه الأخوات تدلى بحق مانع من الاعتداء والظلم. وقرئ : تسع وتسعون ، بفتح التاء. ونعجة ، بكسر النون وهذا من اختلاف اللغات ، نحو نطع ونطع ، ولقوة ولقوة (١) (أَكْفِلْنِيها) ملكنيها. وحقيقته : اجعلنى أكفلها كما أكفل ما تحت يدي (وَعَزَّنِي) وغلبني. يقال : عزه يعزه. قال :
|
قطاة عزّها شرك فباتت |
|
تجاذبه وقد علق الجناح (٢) |
يريد : جاءني بحجاج لم أقدر أن أورد عليه ما أردّه به. وأراد بالخطاب : مخاطبة المحاج المجادل : أو أراد : خطبت المرأة وخطبها هو فخاطبني خطابا ، أى : غالبني في الخطبة فغلبني ، حيث زوّجها دوني. وقرئ : وعازني ، من المعازة وهي المغالبة. وقرأ أبو حيوة : وعزنى ، بتخفيف الزاى طلبا للخفة ، وهو تخفيف غريب ، وكأنه قاسه على نحو : ظلت ، ومست. فإن قلت : ما معنى ذكر النعاج؟ قلت : كأن تحاكمهم في نفسه تمثيلا وكلامهم تمثيلا ، لأنّ التمثيل أبلغ في التوبيخ لما ذكرنا ، وللتنبيه على أمر يستحيا من كشفه ، فيكنى عنه كما يكنى عما يستسمج الإفصاح به ، وللستر على داود عليه السلام والاحتفاظ بحرمته. ووجه التمثيل فيه أن مثلت قصة أوريا مع داود بقصة رجل له نعجة واحدة ولخليطه تسع وتسعون ، فأراد صاحبه تتمة المائة فطمع في نعجة خليطه وأراده على الخروج من ملكها إليه ، وحاجه في ذلك محاجة حريص على بلوغ
__________________
(١) قوله «نحو نطع ونطع ، ولقوة ولقوة» في الصحاح : «النطع» فيه أربع لغات. وفيه «اللقوة» : داء في الوجه ، والناقة السريعة اللقاح ، والعقاب : الأنثى ، واللقوة ـ بالكسر ـ : مثله. (ع)
|
(٢) كأن القلب ليلة قيل يفدى |
|
بليلى العامرية أو يراح |
|
قطاة عزها شرك فباتت |
|
تعالجه وقد علق الجناح |
لقيص بن الملوح مجنون ليلى العامرية ، وقطاة : خبر كأن. وعزها : بمهملة فمعجمة ، بمعنى : غلبها وحبسها ، يقال : عز يعز بالكسر : تعظم ، وبالفتح : قوى. وعزه يعزه ـ بالضم ـ : غلبه ، وما هنا من الثالث : شبه قلبه حين سمع برحيلها بحمامة أمسك الشرك جناحها في كثرة الخفقان والاضطراب.
مراده ، والدليل عليه قوله (وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ) وإنما خص هذه القصة لما فيها من الرمز إلى الغرض بذكر النعجة. فإن قلت : إنما تستقيم طريقة التمثيل إذا فسرت الخطاب بالجدال ، فإن فسرته بالمفاعلة من الخطبة لم يستقم. قلت : الوجه مع هذا التفسير أن أجعل النعجة استعارة عن المرأة ، كما استعاروا لها الشاة في نحو قوله :
يا شاة ما قنص لمن حلّت له (١)
فرميت غفلة عينه عن شاته (٢)
وشبهها بالنعجة من قال :
كنعاج الملا تعسّفن رملا (٣)
__________________
|
(١) يا شاة ما قنص لمن حلت له |
|
حرمت علىّ وليتها لم تحرم |
لعنترة من معلقته يتذكر محبوبته بعد وقوع الحرب بينه وبين قبيلتها ، فلذلك حرمت عليه. وقيل : كان تزوجها أبوه فحرمت عليه ، شبهها بالشاة الوحشية في الحسن والجمال والفرة عن الرجال ، وأن كلا يصطاد بالاحتيال على طريق الاستعارة التصريحية ، وذكر القنص ترشيح ، لأنه يلائم الشاة. وما زائدة ، أى يا شاة القنص تعالى ، فهذا وقت التفكر في شأنك. وقيل : المنادى محذوف ، أى : يا قوم أحضروا شاة قنص ، وتعجبوا من حالها. والقنص : الصيد ، والقنص ـ بالتحريك ـ والقنيص : المصيد. ويروى : يا شاة من قنص ، فقيل : من زائدة ، بناء على مذهب الكوفيين ، من جواز زيادة الأسماء. وقيل : نكرة موصوفة. وقنص صفتها من باب الوصف بالمصدر ، أى : يا شاة إنسان قابص. ولمن حلت : متعلق بمحذوف صفة لها ، وحرمت على : التفات على القول بندائها ، وهو صفة لها ، أو استئناف بين به شأنها ، وتمنى عدم حرمتها : ندم على ما وقع من سبب الحرمة.
|
(٢) قد كنت رائدها وشاة محاذر |
|
حذر يقل بعينه إغفالها |
|
فظللت أرعاها وظل يحوطها |
|
حتى دنوت إذا الظلام دنا لها |
|
فرميت غفلة عينه عن شاته |
|
فأصبت حبة قلها وطحالها |
للأعشى. وقيل : لعمر بن أبى ربيعة. وضمير رائدها مرجعه في البيت قبله كامرأة أو مفازة ، ثم قال : ورب شاة رجل محاذر ، فاستعار الشاة للمرأة الجميلة على طريق التصريحية. والمحاذر : الذي يحاذر غيره ويخاف مكره. والحذر : كثير الحذر مستمره ، يقل : بضم أوله ، من أقل الرباعي. وإغفالها ، أى : إغفال عينه ، فظللت أراقب الشاة وظل هو يحفظها ، حتى قربت لها حين قرب الظلام ودخل الليل ، فرميت شاته حين غفلة عينه عن شاته التي كان يحفظها وفيه نوع تهكم به ، وأضاف الغفلة إلى العين دون الشخص لأنها المذكورة أولا ، وللدلالة على قصر الزمن وسرعة الظفر ، ولأن القلب لا يغفل عنها لعزتها عنده ، بل يذكرها في النوم. وأما العين فتغفل ، فأصبت حبة ملبها أى وسطه ، وأصبت طحالها ، والرمي ترشيح للاستعارة ، لأنه من ملائمات الشاة. ويصح أن يكون هذا البيت استعارة تمثيلية ، حيث شبه حالة ظفره بمراده على حين غفلة من الرقيب وإصابة أحشاء المرأة بالحب ، بحال من ظفر برمي الشاة بالسهم على غفلة من الراعي ، بل يصح أن يكون قوله : وشاة محاذر ... إلى آخر الأبيات : استعارة تمثيلية لتلك الحال ، ولا استعارة في الشاة وحدها على هذا.
|
(٣) قلت إذا أقبلت وزهر تهادى |
|
كنعاج الفلا تعسفن رملا |
|
وتنقبن بالحرير وأبدين |
|
عيونا حور المداعج نجلا |
لو لا أنّ الخلطاء تأباه ، إلا أن يضرب داود الخلطاء ابتداء مثلا لهم ولقصتهم (١). فإن قلت. الملائكة عليهم السلام كيف صح منهم أن يخبروا عن أنفسهم بما لم يتلبسوا منه بقليل ولا كثير ولا هو من شأنهم؟ قلت : هو تصوير للمسألة وفرض لها ، فصوّروها في أنفسهم وكانوا في صورة الأناسى ، كما تقول في تصوير المسائل : زيد له أربعون شاة ، وعمرو له أربعون ، وأنت تشير إليهما ، فخلطاها وحال عليها الحول ، كم يجب فيها؟ وما لزيد وعمرو سبد ولا لبد (٢) وتقول أيضا في تصويرها : لي أربعون شاة وأربعون فخلطناها. وما لكما من الأربعين أربعة ولاربعها فإن قلت : ما وجه قراءة ابن مسعود : ولي نعجة أنثى (٣)؟ قلت : يقال لك امرأة أنثى للحسناء الجميلة. والمعنى : وصفها بالعراقة في لين الأنوثة وفتورها ، وذلك أملح لها وأزيد في تكسرها وتثنيها. ألا ترى إلى وصفهم لها بالكسول والمكسال. وقوله :
__________________
ـ لعمر بن أبى ربيعة. وزهر : عطف على ضمير الفاعل المتصل ، ومجيئه بلا فصل قليل. وتهادى : أصله تتهادى ، حذف منه إحدى التاءين ، وهو صفة زهر. وشبههن بالنعاج الوحشية في حسن المشية وسعة العيون وسوادها. والزهر : جمع زهراء ، أى : بيضاء ، والفلا : القفر الخالي. والتعسف : الميل عن سواء السبيل ، وهو حال من النعاج. ورملا : نصب على نزع الخافض ، أى : تمايلن في رمل. وتنقبت المرأة : لبست النقاب. وحور : جمع حوراء ، أى : صافيات. والمداعج : الحدقات ، من الدعج وهو اتساع سواد العين. والنجل : جمع نجلاء ، أى : واسعات.
(١) قال محمود : «فان قلت : طريقة التمثيل إنما تستعمل على جعل الخطاب من الخطابة ، فان كان من الخطبة فما وجهه؟ قال : الوجه حينئذ أن تجعل النعجة استعارة للمرأة ، كما استعاروا لها الشاة في قوله :
يا شاة ما قنص لمن حلت له
إلا أن لفظ الخلطاء يأباه : اللهم إلا أن يكون ابتداء مثل من داود عليه السلام» قال أحمد : والفرق بين التمثيل والاستعارة : أنه على التمثيل ، يكون الذي سبق إلى فهم داود عليه السلام : أن التحاكم على ظاهره ، وهو التخاصم في النعاج التي هي الهائم ، ثم انتقل بواسطة التنبيه إلى فهم أنه تمثيل لحاله. وعلى الاستعارة يكون فهم عنهما : التحاكم في النساء المعبر عنهن بالنعاج كناية ، ثم استشعر أنه هو المراد بذلك.
(٢) قوله «وما لزيد وعمرو سبد ولا لبد» في الصحاح : ما له سبد ولا لبد ، أى : لا قليل ولا كثير. والسبد : من الشعر ، واللبد : من الصوف. (ع)
(٣) قال محمود : «فان قلت : فما وجه قراءة ابن مسعود : ولي نعجة أنثى. وأجاب بأنه يقال : امرأة أنثى للحسناء الجميلة ، ومعناه : وصفها بالعراقة في لين الأنوثة وفتورها وذلك أملح لها وأزيد في تكسرها وتثنيها. ألا ترى إلى وصفهم إياها بالكسول والمكسال ، كقوله :
فتور القيام قطيع الكلام
قال أحمد : ولكن قوله (وَلِيَ نَعْجَةٌ) إنما أورده على سبيل التقليل لما عنده والتحقير ، ليستجل على خصمه بالبغي لطلبه هذا القليل الحقير وعنده الجم الغفير ، فكيف يليق وصف ما عنده والمراد تقليله بصفة الحسن التي توجب إقامة عذر ما لخصمه ، ولذلك جاءت القراءة المشهورة على الاقتصار على ذكر النعجة ، وتأكيد قلتها بقوله (واحِدَةٌ) فهذا إشكال على قراءة ابن مسعود ، يمكن الجواب عنه بأن القصة الواقعة لما كانت امرأة أوريا الممثلة بالنعجة فيها مشهورة بالحسن ، وصف مثالها في قصة الخصمين بالحسن زيادة في التطبيق ، لتأكيد التنبيه على أنه هو المراد بالتمثيل.
فتور القيام قطيع الكلام (١)
وقوله :
تمشى رويدا تكاد تنغرف (٢)
(قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (٢٤) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ)(٢٥)
(لَقَدْ ظَلَمَكَ) جواب قسم محذوف. وفي ذلك استنكار لفعل خليطه وتهجين لطمعه. والسؤال : مصدر مضاف إلى المفعول ، كقوله تعالى (مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ) وقد ضمن معنى الإضافة فعدّى تعديتها ، كأنه قيل بإضافة (نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ) على وجه السؤال والطلب. فإن قلت : كيف سارع إلى تصديق أحد الخصمين حتى ظلم الآخر قبل استماع كلامه (٣)؟ قلت : ما قال ذلك إلا بعد اعتراف صاحبه ، ولكنه لم يحك في القرآن لأنه معلوم. ويروى أنه قال : أنا أريد أن
__________________
|
(١) فتور القيام قطوع الكلام |
|
لعوب العشاء إذا لم تنم |
|
تبذ النساء بحسن الحديث ودل رخيم وخلق عمم |
||
الفترة : ضعف حركة الأعضاء في العمل ، فهي كثيرة الفترة في القيام. وقطوع الكلام : أى قليلته ، أو كأنها لا تقدر على إتمام الألفاظ للينها واستحيائها ، فكأنها تقطعها تقطيعا ، كثيرة اللعب في وقت العشاء مع زوجها ، وإذا لم تنم : إشارة إلى أنها قد تنام من أول الليل ، وهو وصف لها بالكسل الذي هو من توابع اللين والأنوثة.
وبذ الرجل : إذا ساء خلقه ورث حاله وبذه الرجل : إذا غلبه ، أى تغلبهن بحسن الحديث ، والدل والدلال ، والتيه ، والتغنج ، والتشكل ، والتكسر ، والرخاوة ، والرخامة ، ورقة الصوت ولينه ، والتمنع مع الرضاء. واعتم النبت : طال ، واعتم الشيء : تم ، وجسم عميم : تام ، والجمع عمم ، كسرير وسرر ، ورجل عمم ـ بالافراد ـ : أى تام ، فالمراد أن خلقها أى جسمها تام حسن.
|
(٢) ما أنس سلمى غداة تنصرف |
|
تمشى رويدا تكاد تنغرف |
حذف ألف أنس للوزن ، أى : لا أنساها ، بل أتذكرها وقت انصرافها ، وتمشى : بدل مما قبله. وعبر بالمضارع لاستحضار الصورة المستحسنة. ورويدا : نصب بتمش ، أى : مشيا بتؤدة وأناة ، تكاد تنغرف : أى تنقطع وتنكسر.
وغرفته فانغرف. قطعته فانقطع ، أو تكاد تؤخذ من الأرض ، كما يغرف الماء باليد ، فكأنها ماء لتنكلها وتقطعها في تبخترها. وفرس غروف : كثير الأخذ من الأرض بقوائمه.
(٣) قال محمود : «فان قلت كيف سارع بتصديق أحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر ، وأجاب بأن ذلك كان بعد اعتراف خصمه ولكنه لم يحك في القرآن لأنه معلوم» قال أحمد : ويحتمل أن يكون ذلك من داود على سبيل الفرض والتقدير ، أى : إن صح ذلك فقد ظلمك.
آخذها منه وأكمل نعاجى مائة ، فقال داود : إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا ، وأشار إلى طرف الأنف والجبهة ، فقال : يا داود أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا ، وأنت فعلت كيت وكيت ، ثم نظر داود فلم ير أحدا ، فعرف ما وقع فيه و (الْخُلَطاءِ) الشركاء الذين خلطوا أموالهم ، الواحد : خليط ، وهي الخلطة ، وقد غلبت في الماشية ، والشافعي رحمه الله يعتبرها ، فإذا كان الرجلان خليطين في ماشية بينهما غير مقسومة ، أو لكل واحد منهما ماشية على حدة إلا أنّ مراحهما ومساقهما وموضع حلبهما والراعي والكلب واحد والفحولة مختلطة : فهما يزكيان زكاة الواحد ؛ فإن كان لهما أربعون شاة فعليهما شاة. وإن كانوا ثلاثة ولهم مائة وعشرون لكل واحد وأربعون ، فعليهم واحدة كما لو كانت لواحد. وعند أبى حنيفة : لا تعتبر الخلطة ، والخليط والمنفرد عنده واحد ، ففي أربعين بين خليطين : لا شيء عنده ، وفي مائة وعشرين بين ثلاثة : ثلاث شياه. فإن قلت : فهذه الخلطة ما تقول فيها؟ قلت : عليهما شاة واحدة ، فيجب على ذى النعجة أداء جزء من مائة جزء من الشاة عند الشافعي رحمه الله ، وعند أبى حنيفة لا شيء عليه ، فإن قلت : ما ذا أراد بذكر حال الخلطاء في ذلك المقام؟ قلت : قصد به الموعظة الحسنة والترغيب في إيثار عادة الخلطاء الصلحاء الذين حكم لهم بالقلة ، وأن يكرّه إليهم الظلم والاعتداء الذي عليه أكثرهم ، مع التأسف على حالهم ، وأن يسلى المظلوم عما جرى عليه من خليطه ، وأنّ له في أكثر الخلطاء أسوة. وقرئ : ليبغى بفتح الياء على تقدير النون الخفيفة ، وحذفها كقوله :
اضرب عنك الهموم طارقها (١)
وهو جواب قسم محذوف. وليبغ : بحذف الياء ، اكتفاء منها بالكسرة ، و (ما) في (وَقَلِيلٌ ما هُمْ) للإبهام. وفيه تعجب من قلتهم. وإن أردت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها ، من قول امرئ القيس :
وحديث ما على قصره (٢)
__________________
|
(١) اضرب عنك الهموم طارقها |
|
ضربك بالسوط قونس الفرس |
لطرفة بن العبد ، وقال أبو حاتم وابن برى : هو مصنوع عليه. واضرب فعل أمر بنى على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة تقديرا ، وحذفها لغير وقف ولالتقاء الساكنين قليل. وقيل ضرورة كما هنا. والمعنى : ادفع عنك الهموم ، فهو استعارة مضرحة. وضربك بالسوط ، أى : كضربك به ترشيح ، وطارقها : بدل من الهموم ، أى الفاشي لك منها ، والسوط : معمول من جلد تساق به الفرس. ويروى : بالسيف ، لكنه غير ملائم للفرس ، بل للفارس. وقونسها : أعلى رأسها. وقيل : شعر عنقها. ويجوز تشبيه الهموم بحيوان يصح ضربه على طريق المكنية ، والضرب تخييل ، والطروق ترشيح.
(٢) تقدم شرح هذا الشاهد بهذا الجزء صفحة ٧٥ فراجعه إن شئت اه مصححه.
وانظر هل بقي له معنى قط. لما كان الظنّ الغالب يدانى العلم ، استعير له. ومعناه : وعلم داود وأيقن (أَنَّما فَتَنَّاهُ) أنا ابتليناه لا محالة بامرأة أوريا ، هل يثبت أو يزل؟ وقرئ : فتناه ، بالتشديد للمبالغة. وأفتناه ، من قوله :
لئن فتنتني لهى بالأمس أفتنت (١)
وفتناه وفتناه ، على أن الألف ضمير الملكين. وعبر بالراكع عن الساجد ، لأنه ينحنى ويخضع كالساجد. وبه استشهد أبو حنيفة وأصحابه في سجدة التلاوة ، على أنّ الركوع يقوم مقام السجود. وعن الحسن : لأنه لا يكون ساجدا حتى يركع ، ويجوز أن يكون قد استغفر الله لذنبه وأحرم بركعتي الاستغفار والإنابة ، فيكون المعنى : وخرّ للسجود راكعا أى مصليا ، لأنّ الركوع يجعل عبارة عن الصلاة (وَأَنابَ) ورجع إلى الله تعالى بالتوبة والتنصل. وروى أنه بقي ساجدا أربعين يوما وليلة لا يرفع رأسه إلا لصلاة مكتوبة أو ما لا بدّ منه ولا يرقأ دمعه حتى نبت العشب من دمعه إلى رأسه ، ولم يشرب ماء إلا وثلثاه دمع ، وجهد نفسه راغبا إلى الله تعالى في العفو عنه حتى كاد يهلك ، واشتغل بذلك عن الملك حتى وثب ابن له يقال له إيشا على ملكه ودعا إلى نفسه ، واجتمع إليه أهل الزيغ من بنى إسرائيل ، فلما غفر له حاربه فهزمه. وروى أنه نقش خطيئته في كفه حتى لا ينساها. وقيل : إنّ الخصمين كانا من الإنس ، وكانت الخصومة على الحقيقة بينهما : إما كانا خليطين في الغنم ، وإما كان أحدهما موسرا وله نسوان كثيرة من المهائر والسراري ، والثاني معسرا ماله إلا امرأة واحدة ، فاستنزله عنها وإنما فزع لدخولهما عليه في غير وقت الحكومة أن يكونا مغتالين ، وما كان ذنب داود إلا أنه صدّق أحدهما على الآخر وظلمه قبل مسألته (٢)
__________________
|
(١) لئن فتنتني لهى بالأمس أفتنت |
|
سعيدا فأمسى قد قلى كل مسلم |
|
وألقى مصابيح القراءة واشترى |
|
وصال الغواني بالكتاب المنمنم |
للأعشى الهمداني. وفتنته المرأة ـ بالتخفيف والتشديد ـ وأفتنته : دلهته وحيرته. و «لهى بالأمس أفتنت» جواب القسم المدلول عليه باللام في قوله : لئن فتنتني. وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم. والمعنى : إن فتنتني فلا أحزن ولا أتعجب ، فان تلك عادتها من قبل ، فالمراد بالأمس : الزمن الماضي. وسعيد : هو ابن جبير ، كان عالما تقيا. وقلى كل مسلم ، أى : بغض كل مسلم سواها. وعبر بالمسلم ، لأنه يبعد بغضه. والمصابيح : يجوز أنها حقيقة ، وأنها مجاز عن الكتب. والغواني : الجميلات. والمنمنم : المحسن بنقوش الكتابة.
(٢) قال محمود : «ونقل بعضهم أن هذه القصة لم تكن من الملائكة وليست تمثيلا وإنما كانت من البشر إما خليطين في الغنم حقيقة ، وإما كان أحدهما موسرا وله نسوان كثيرة من المهاتر والسراري والثاني معسرا وماله إلا امرأة واحدة ، فاستنزله عنها ، وفزع داود ، وخوفه أن يكونا مغتالين لأنهما دخلا عليه في غير وقت القضاء ، وما كان ذنب داود إلا أنه صدق أحدهما على الآخر ونسبه إلى الظلم قبل مسألته» قال أحمد : مقصود هذا القائل
(يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ)(٢٦)
(خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) أى استخلفناك على الملك في الأرض ، كمن يستخلفه بعض السلاطين على بعض البلاد ويملكه عليها. ومنه قولهم : خلفاء الله في أرضه. وجعلناك خليفة ممن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق. وفيه دليل على أنّ حاله بعد التوبة بقيت على ما كانت عليه لم تتغير (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ) أى بحكم الله تعالى إذ كنت خليفته (وَلا تَتَّبِعِ) هوى النفس في قضائك وغيره مما تتصرف فيه من أسباب الدين والدنيا (فَيُضِلَّكَ) الهوى فيكون سببا لضلالك (عَنْ سَبِيلِ اللهِ) عن دلائله التي نصبها في العقول ، وعن شرائعه التي شرعها وأوحى بها. و (يَوْمَ الْحِسابِ) متعلق بنسوا ، أى : بنسيانهم يوم الحساب ، أو بقوله لهم ، أى : لهم عذاب يوم القيامة بسبب نسيانهم وهو ضلالهم عن سبيل الله. وعن بعض خلفاء بنى مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز أو للزهري : هل سمعت ما بلغنا؟ قال : وما هو؟ قال : بلغنا أن الخليفة لا يجرى عليه القلم ولا تكتب عليه معصية. فقال : يا أمير المؤمنين ، الخلفاء أفضل أم الأنبياء؟ ثم تلا هذه الآية.
(وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ)(٢٧)
(باطِلاً) خلقا باطلا ، لا لغرض صحيح وحكمة بالغة. أو مبطلين عابثين ، كقوله تعالى (وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِ) وتقديره : ذوى باطل. أو عبثا ، فوضع باطلا موضعه ، كما وضعوا هنيئا موضع المدر ، وهو صفة ، أى ما خلقناهما وما بينهما للعبث واللعب ، ولكن للحق المبين ، وهو أن خلقناها نفوسا (١) أودعناها العقل
__________________
تنزيه داود عن ذنب يبعثه عليه شهوة النساء ، فأخذ الآية على ظاهرها وصرف الذنب إلى العجلة في نسبة الظلم إلى المدعى عليه ، لأن الباعث على ذلك في الغالب إنما هو التهاب الغضب وكراهيته أخف مما يكون الباعث عليه الشهوة والهوى ، ولعل هذا القائل يؤكد رأيه في الآية بقوله تعالى عقبها وصية لداود عليه السلام : (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى) فما جرت العناية بتوصيته فيما يتعلق بالأحكام إلا والذي صدر منه أولا وبان منه من قبيل ما وقع له في الحكم بين الناس ، وقد التزم المحققون من أئمتنا أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام : داود وغيره ـ منزهون من الوقوع في صغائر الذنوب مبرؤن من ذلك ، والتمسوا المحامل الصحيحة لأمثال هذه القصة ، وهذا هو الحق الأبلج ، والسبيل الأبهج ، إن شاء الله تعالى.
(١) قوله «وهو أن خلقنا نفوسا» عبارة النسفي : وهو أنا خلقنا نفوسا. (ع)
والتمييز ، ومنحناها التمكين ، وأزحنا عللها ثم عرضناها للمنافع العظيمة بالتكليف ، وأعددنا لها عاقبة وجزاء على حسب أعمالهم. و (ذلِكَ) إشارة إلى خلقها باطلا ، والظن : بمعنى المظنون ، أى : خلقها للعبث لا للحكمة هو مظنون الذين كفروا. فإن قلت : إذا كانوا مقرين بأن الله خالق السماوات والأرض وما بينهما بدليل قوله : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) فبم جعلوا ظانين أنه خلقها للعبث لا للحكمة. قلت : لما كان إنكارهم للبعث والحساب والثواب والعقاب ، مؤديا إلى أن خلقها عبث وباطل ، جعلوا كأنهم يظنون ذلك ويقولونه ، لأنّ الجزاء هو الذي سبقت إليه الحكمة في خلق العالم من رأسها ، فمن جحده فقد جحد الحكمة من أصلها ، ومن جحد الحكمة في خلق العالم فقد سفه الخالق ، وظهر بذلك أنه لا يعرفه ولا يقدره حق قدره ، فكان إقراره بكونه خالقا كلا إقرار.
(أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)(٢٨)
(أَمْ) منقطعة. ومعنى الاستفهام فيها الإنكار ، والمراد : أنه لو بطل الجزاء كما يقول الكافرون لاستوت عند الله أحوال من أصلح وأفسد ، وأتقى وفجر ، ومن سوّى بينهم كان سفيها ولم يكن حكيما.
(كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ)(٢٩)
وقرئ : مباركا ، وليتدبروا : على الأصل ، ولتدبروا : على الخطاب. وتدبر الآيات : التفكر فيها ، والتأمل الذي يؤدى إلى معرفة ما يدبر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة ، لأن من اقتنع بظاهر المتلوّ ، لم يحل منه بكثير طائل ، (١) وكان مثله كمثل من له لقحة درور لا يحلبها ، ومهرة نثور لا يستولدها. وعن الحسن : قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله : حفظوا حروفه وضيعوا حدوده ، حتى إن أحدهم ليقول : والله لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفا ، وقد والله أسقطه كله ، ما يرى للقرآن عليه أثر في خلق ولا عمل ، والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده ، والله ما هؤلاء بالحكماء ولا الوزعة ، (٢) لا كثر
__________________
(١) قوله لم يحل منه بكثير طائل» في الصحاح : قولهم «لم يحل منه بطائل» أى : لم يستفد منه كبير فائدة وفيه : اللقح ـ بالكسر ـ : الإبل بأعيانها ، الواحدة : لقوح ، وهي الحلوب ، مثل : فلوص وقلاص : واللقحة : اللقوح ، والجمع لقح مثل قربة قرب ، وفيه : ناقة درور ، أى : كثيرة اللبن. وفيه : النثور ، أى : كثيرة الولد.
(٢) قوله «ولا الوزعة» جمع وازع ، وهو الذي يكف عن الضرر ، والذي يتقدم الصف فيصلحه بالتقديم والتأخير. أفاده الصحاح. (ع)
الله في الناس مثل هؤلاء. اللهم اجعلنا من العلماء المتدبرين ، وأعذنا من القراء المتكبرين.
(وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ)(٣٣)
وقرئ : نعم العبد ، على الأصل ، (١) والمخصوص بالمدح محذوف. وعلل كونه ممدوحا بكونه أوّابا رجاعا إليه بالتوبة. أو مسبحا مؤوّبا للتسبيح مرجعا له ، لأن كل مؤوّب أوّاب. والصافن : الذي في قوله :
|
ألف الصّفون فما يزال كأنّه |
|
ممّا يقوم على الثّلاث كسيرا (٢) |
وقيل : الذي يقوم على طرف سنبك يد أو رجل : هو المتخيم. وأما الصافن : فالذي يجمع بين يديه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «من سره أن يقوم الناس له صفونا فليتبوّأ مقعده من النار» (٣) أى : واقفين كما خدم الجبابرة. فإن قلت : ما معنى وصفها بالصفون؟ قلت : الصفون لا يكاد يكون في الهجن ، وإنما هو في العراب الخلص. وقيل : وصفها بالصفون والجودة ، ليجمع لها بين الوصفين المحمودين : واقفة وجارية ، يعنى : إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها ، وإذا جرت كانت سراعا خفافا في جريها. وروى أن سليمان عليه السلام غزا أهل دمشق ونصيبين ، فأصاب ألف فرس. وقيل : ورثها من أبيه وأصابها أبوه من العمالقة. وقيل : خرجت من البحر لها أجنحة ، فقعد يوما بعد ما صلى الأولى على كرسيه (٤) واستعرضها ، فلم
__________________
(١) قوله «وقرئ نعم العبد على الأصل» لعله بفتح النون وكسر العين ، كما يفيده الصحاح. (ع)
(٢) لامرئ القيس. وقيل : للعجاج يصف فرسا. والصفون ـ بالمهملة ـ : الوقوف على سنبك يد أو رجل. والسنبك : طرف حافر الفرس. والصفون ـ بالمعجمة ـ : الجمع بين اليدين في الوقوف ، ومما يقوم : خبر كان ، أى : أحب الصفون ، كأنه من الجنس الذي يقوم على ثلاث قوائم. أو كأنه مخلوق من القيام على ثلاثة كخلق الإنسان من عجل ، حال كونه مكسور القائمة الرابعة ، أو كاسرها أى ثانيها ، فما موصولة أو مصدرية. وكسيرا : حال ، والجملة : خبر يزال ، وهذا ما استقر عليه رأى ابن الحاجب في الأمالى بعد كلام طويل ، ولو جعلت ما مصدرية ، وكسيرا : خبر كأن ، كان حقه الرفع ، ولو جعلته خبر يزال كما اختاره ابن هشام ، لكان المعنى : فلا يزال كسيرا ، كأنه مما يقوم على الثلاث على ما مر. ويجوز أن يكون المعنى : فلا يزال كسيرا من قيامه على الثلاث ، وكأنه اعتراض ، وخبره محذوف ، أى كأنه كسير. وفائدته الاحتراس.
(٣) لم أجده هكذا وفي السنن حديث معاوية «من سره أن يتمثل الناس له قياما» وفي الغريب لأبى عبيد من حديث البراء رضى الله عنه «كنا إذا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه قمنا معه صفوفا.
(٤) قوله «بعد ما صلى الأولى على كرسيه» عبارة النسفي. صلى الظهر. (ع)
تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وغفل عن العصر أو عن ورد من الذكر كان له وقت العشى ، وتهيبوه فلم يعلموه ، فاغتم لما فاته ، فاستردها وعقرها مقربا (١) لله ، وبقي مائة ، فما بقي في أيدى الناس من الجياد فمن نسلها ، وقيل : لما عقرها أبدله الله خيرا منها ، وهي الريح تجرى بأمره. فإن قلت : ما معنى (أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي)؟ قلت : أحببت : مضمن معنى فعل يتعدى بعن ، كأنه قيل : أنبت حب الخير عن ذكر ربى. أو جعلت حب الخير مجزيا أو مغنيا عن ذكر ربى. وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب التبيان : أن «أحببت» بمعنى : لزمت ، من قوله :
مثل بعير السوء إذ أحبّا (٢)
وليس بذاك. والخير : المال ، كقوله (إِنْ تَرَكَ خَيْراً) وقوله (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) والمال : الخيل التي شغلته. أو سمى الخيل خيرا كأنها نفس الخير لتعلق الخير بها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة (٣)» وقال في زيد الخيل حين وفد عليه وأسلم : «ما وصف لي رجل فرأيته إلا كان دون ما بلغني إلا زيد الخيل» (٤) وسماه زيد الخير. وسأل رجل بلالا رضى الله عنه عن قوم يستبقون : من السابق؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له الرجل : أردت الخيل. فقال : وأنا أردت الخير (٥).
__________________
(١) قوله «وعقر ما مقربا لله» عبارة النسفي : تقربا. (ع)
|
(٢) كيف قربت عمك القرشبا |
|
حين أتاك لاغبا مخبا |
|
حلت عليه بالقفيل ضربا |
|
تبا لمن بالهون قد ألبا |
|
مثل بعير السوء إذ أحبا |
||
لأبى محمد الفقعسي. والقرشب ـ بكسر أوله وفتح ثالثه ـ : المسن ، واللاغب ، من اللغوب : وهو التعب. والمخب من أخبه : إذا حمله على الخبب ، وهو نوع من السير. أو من أخب : إذا لزم المكان كما قيل. وحلت : أى قمت ووثبت عليه. والقفيل : السوط. وضربا : بمعنى ضاربا. أو تضربه ضربا. والتب : الهلاك ، وهو دعاء عليه ، وفعله محذوف وجوبا. والهون ـ بالضم ـ : الهوان. وألب بالمكان : أقام به ، ورواه الأصمعى هكذا :
|
كيف قربت شيخك الأذبا |
|
لما أتاك يابسا قرشبا |
|
قمت عليه بالقفيل ضربا |
|
مثل بعير السوء إذ أحبا |
والذيب : كثرة الشعر وطوله. والأذب : البعير الذي نبت على حاجبيه شعيرات ، فإذا ضربته الريح نفر وماج.
وقال الجوهري : الاخباب : البروك. وهو في الإبل كالحران في الخبل.
(٣) متفق عليه من حديث ابن عمر رضى الله عنهما.
(٤) ذكره ابن إسحاق في المغازي بغير سند ، والبيهقي في الدلائل من طريقه. وذكره ابن سعد عن الواقدي بأسانيد له مقطوعة
(٥) أخرجه ابراهيم الحربي من رواية مغيرة عن الشعبي قال «كان رهان. فقال رجل لبلال : من سبق ، قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال : فمن صلى؟ قال : أبو بكر. قال : إنما أعنى في الخيل» قال : وأنا أعنى في الخير»
والتواري بالحجاب : مجاز في غروب الشمس عن توارى الملك. أو المخبأة بحجابهما. والذي دل على أن الضمير للشمس مرور ذكر العشى ، ولا بد للمضمر من جرى ذكر أو دليل ذكر. وقيل : الضمير للصافنات ، أى : حتى توارت بحجاب الليل يعنى الظلام. ومن بدع التفاسير : أن الحجاب جبل دون قاف بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه (فَطَفِقَ مَسْحاً) فجعل يمسح مسحا ، أى يمسح بالسيف بسوقها وأعناقها ، يعنى : يقطعها. يقال : مسح علاوته ، إذا ضرب عنقه ، ومسح المسفر الكتاب (١) إذا قطع أطرافه بسيفه. وعن الحسن : كسف عراقيبها وضرب أعناقها ، أراد بالكسف : القطع ، ومنه : الكسف في ألقاب الزحاف في العروض. ومن قاله بالشين المعجمة فمصحف. وقيل : مسحها بيده استحسانا لها وإعجابا بها. فإن قلت : بم اتصل قوله (رُدُّوها عَلَيَ)؟ قلت : بمحذوف تقديره : قال ردّوها علىّ ، فأضمر وأضمر ما هو جواب له ، كأن قائلا قال : فما ذا قال سليمان؟ لأنه موضع مقتض للسؤال اقتضاء ظاهرا ، وهو اشتغال نبىّ من أنبياء الله بأمر الدنيا ، حتى تفوته الصلاة عن وقتها. وقرئ : بالسؤق ، بهمز الواو لضمتها ، كما في أدؤر. ونظيره : الغئور ، في مصدر غارت الشمس. وأما من قرأ بالسؤق فقد جعل الضمة في السين كأنها في الواو للتلاصق ، كما قيل : مؤسى : ونظير ساق وسوق : أسد وأسد. وقرئ : بالساق ، اكتفاء بالواحد عن الجمع ، لأمن الإلباس.
(وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ)(٣٤)
قيل : فتن سليمان بعد ما ملك عشرين سنة. وملك بعد الفتنة عشرين سنة. وكان من فتنته : أنه ولد له ابن ، فقالت الشياطين : إن عاش لم ننفك من السخرة ، فسبيلنا أن نقتله أو نخبله ، فعلم ذلك ، فكان يغذوه في السحابة (٢) فما راعه إلا أن ألقى على كرسيه ميتا ، فتنبه على خطئه في أن لم يتوكل فيه على ربه ، فاستغفر ربه وتاب إليه. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم : قال سليمان : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة ، كل واحدة تأتى بفارس يجاهد في سبيل الله ، ولم يقل : إن شاء الله ، فطاف عليهنّ فلم يحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل ، والذي نفسي بيده ، لو قال : إن شاء الله ، لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون (٣) ، فذلك قوله تعالى (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ). وهذا ونحوه مما لا بأس به. وأما ما يروى من حديث الخاتم والشياطين وعبادة
__________________
(١) قوله «ومسح المسفر الكتاب» الذي في الصحاح : سفرت الكتاب أسفره سفرا. وسفرت المرأة : كشفت عن وجهها. وأسفر الصبح : أى أضاء. وأسفر وجهه حسنا ، أى : أشرق ، فليحرر. (ع)
(٢) قوله «فكان يغذوه» في الصحاح : غذوت الصبي باللبن ، أى ربيته به فاغتذى. (ع)
(٣) متفق عليه من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.
الوثن في بيت سليمان ، فالله أعلم بصحته (١) حكوا أن سليمان بلغه خبر صيدون وهي مدينة في بعض الجزائر ، وأنّ بها ملكا عظيم الشأن لا يقوى عليه لتحصنه بالبحر ، فخرج إليه تحمله الريح حتى أناخ بها بجنوده من الجن والإنس ، فقتل ملكها وأصاب بنتا له اسمها جرادة من أحسن الناس وجها ، فاصطفاها لنفسه وأسلمت وأحبها ، وكانت لا يرقأ دمعها حزنا على أبيها ، فأمر الشياطين فمثلوا لها صورة أبيها ، فكستها مثل كسوته وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدن له كعادتهنّ في ملكه ، فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة وعاقب المرأة ، ثم خرج وحده إلى فلاة وفرش له الرماد ، فجلس عليه تائبا إلى الله متضرّعا ، وكانت له أمّ ولد يقال لها أمينة ، إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها ، وكان ملكه في خاتمه ، فوضعه عندها يوما وأتاها الشيطان صاحب البحر ـ وهو الذي دلّ سليمان على الماس حين أمر ببناء بيت المقدس واسمه صخر ـ على صورة سليمان فقال : يا أمينة خاتمي ، فتختم به وجلس على كرسي سليمان ، وعكفت عليه الطير والجنّ والإنس ، وغير سليمان عن هيئته فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته ، فعرف أنّ الخطيئة قد أدركته ، فكان يدور على البيوت يتكفف ، فإذا قال : أنا سليمان حثوا عليه التراب وسبوه ، ثم عمد إلى السماكين ينقل لهم السمك فيعطونه كلّ يوم سمكتين ، فمكث على ذلك أربعين صباحا عدد ما عبد الوثن في بيته ، فأنكر آصف وعظماء بنى إسرائيل حكم الشيطان ، وسأل آصف نساء سليمان فقلنا : ما يدع امرأة منا في دمها ولا يغتسل من جنابة. وقيل : بل نفذ حكمه في كل شيء إلا فيهنّ ، ثم طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر ، فابتلعته سمكة ووقعت السمكة في يد سليمان ، فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم ، فتختم به ووقع ساجدا ، ورجع إليه ملكه ، وجاب صخرة لصخر (٢) فجعله فيها ، وسدّ عليه بأخرى ثم أوثقهما بالحديد والرصاص وقذفه في البحر. وقيل : لما افتتنن كان يسقط الخاتم من يده لا يتماسك فيها ، فقال له آصف : إنك لمفتون بذنبك والخاتم لا يقرّ في يدك ، فتب إلى الله عز وجل. ولقد أبى العلماء المتقنون قبوله وقالوا : هذا من أباطيل اليهود ، والشياطين لا يتمكنون من مثل هذه الأفاعيل. وتسليط الله إياهم على عباده حتى يقعوا في تغيير الأحكام ، وعلى نساء الأنبياء حتى يفجروا بهنّ : قبيح ، وأما اتخاذ التماثيل فيجوز أن تختلف فيه الشرائع. ألا ترى إلى قوله (مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ) وأما السجود للصورة فلا يظن بنبىّ الله أن يأذن فيه ، وإذا كان بغير علمه فلا عليه. وقوله (وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً) ناب عن إفادة معنى إنابة الشيطان منابه نبوّا ظاهرا.
__________________
(١) أخرجه النسائي في التفسير من رواية المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وإسناده قوى وأخرجه ابن أبى حاتم من حديث ابن عباس قريبا مما أورده المصنف.
(٢) قوله «وجاب صخرة لصخر» أى : خرق أو قطع أفاده الصحاح. (ع)
(قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)(٣٥)
قدّم الاستغفار على استيهاب الملك جريا على عادة الأنبياء والصالحين في تقديمهم أمر دينهم على أمور دنياهم (لا يَنْبَغِي) لا يتسهل ولا يكون. ومعنى (مِنْ بَعْدِي) دوني. فإن قلت : اما يشبه الحسد والحرص على الاستبداد بالنعمة أن يستعطى الله ما لا يعطيه غيره؟ قلت : كان سليمان عليه السلام ناشئا في بيت الملك والنبوّة ووارثا لهما ، فأراد أن يطلب من ربه معجزة ، فطلب على حسب ألفه ملكا زائدا على الممالك زيادة خارقة للعادة بالغة حد الإعجاز ، ليكون ذلك دليلا على نبوّته قاهرا للمبعوث إليهم ، وأن يكون معجزة حتى يخرق العادات ، فذلك معنى قوله (لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) وقيل : كان ملكا عظيما ، فخاف أن يعطى مثله أحد فلا يحافظ على حدود الله فيه ، كما قالت الملائكة (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) وقيل : ملكا لا أسلبه ولا يقوم غيرى فيه مقامي ، كما سلبته مرّة وأقيم مقامي غيرى. ويجوز أن يقال : علم الله فيما اختصه به من ذلك الملك العظيم مصالح في الدين ، وعلم أنه لا يضطلع بأعبائه غيره ، وأوجبت الحكمة استيهابه ، فأمره أن يستوهبه إياه ، فاستوهبه بأمر من الله على الصفة التي علم الله أنه لا يضبطه عليها إلا هو وحده دون سائر عباده. أو أراد أن يقول ملكا عظيما فقال (لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) ، ولم يقصد بذلك إلا عظم الملك وسعته ، كما تقول : لفلان ما ليس لأحد من الفضل والمال ، وربما كان للناس أمثال ذلك ، ولكنك تريد تعظيم ما عنده. وعن الحجاج أنه قيل له : إنك حسود ، فقال : أحسد منى من قال (هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) وهذا من جرأته على الله وشيطنته ، كما حكى عنه : طاعتنا أوجب من طاعة الله ، لأنه شرط في طاعته فقال (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وأطلق طاعتنا فقال (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ).
(فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ)(٤٠)
قرئ : الريح ، والرياح (رُخاءً) لينة طيبة لا تزعزع. وقيل : طيعة له لا تمتنع عليه (حَيْثُ أَصابَ) حيث قصد وأراد. حكى الأصمعى عن العرب : أصاب الصواب فأخطأ الجواب. وعن
رؤبة أنّ رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن هذه الكلمة ، فخرج إليهما فقال : أين تصيبان؟ فقالا : هذه طلبتنا ورجعا ، ويقال : أصاب الله بك خيرا (وَالشَّياطِينَ) عطف على الريح (كُلَّ بَنَّاءٍ) بدل من الشياطين (وَآخَرِينَ) عطف على كل داخل في حكم البدل ، وهو بدل الكل من الكل : كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية ، ويغوصون له فيستخرجون اللؤلؤ ، وهو أوّل من استخرج الدرّ من البحر ، وكان يقرّن مردة الشياطين بعضهم مع بعض في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد. وعن السدى : كان يجمع أيديهم إلى أعناقهم مغللين في الجوامع (١). والصفد القيد ، وسمى به العطاء لأنه ارتباط للمنعم عليه. ومنه قول علىّ رضى الله عنه : من برّك فقد أسرك ، ومن جفاك فقد أطلقك. ومنه قول القائل : غل يدا مطلقها ، وأرقّ رقبة معتقها. وقال حبيب : إنّ العطاء إسار ، وتبعه من قال :
ومن وجد الإحسان قيدا تقيّدا (٢)
وفرقوا بين الفعلين فقالوا : صفده قيده ، وأصفده أعطاه ، كوعده وأوعده ، أى (هذا) الذي أعطيناك من الملك والمال والبسطة (عَطاؤُنا) بغير حساب ، يعنى : جما كثيرا لا يكاد يقدر على حسبه وحصره (فَامْنُنْ) من المنة وهي العطاء ، أى : فأعط منه ما شئت (أَوْ أَمْسِكْ) مفوّضا إليك التصرف فيه. وفي قراءة ابن مسعود : هذا فامنن أو أمسك عطاؤنا بغير حساب ، أو هذا التسخير عطاؤنا ، فامنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق ، وأمسك من شئت منهم في الوثاق بغير حساب ، أى لا حساب عليك في ذلك.
(وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ
__________________
(١) قوله «في الجوامع» في الصحاح «الجامعة» : الغل ، لأنها تجمع اليدين إلى العنق. (ع)
|
(٢) وقيدت نفسي في ذراك محبة |
|
ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا |
للمتنبي ، يقول : تركت سير الليل وراء ظهري ، أى : بالغت في تركه لمن قل ماله ، لأنه لا زال يبتغيه ، واكتفيت بنعمتك العظمى ، وشبه الآمال التي امتدت إليه وبلغت مناها ، بأفراس منعلة بالذهب على طريق التصريحية والانعال ترشيح. ويجوز أن ذلك كناية عن عظم النعمة ، واستعار التقييد للمنع عن التطلع لغير الممدوح وقصر المدح عليه. ويجوز أنه شبه نفسه بحيوان ، والتقييد : تخييل. والذرا ـ بالفتح ـ : كل ما ستر الشيء ، يقال : أنا في ظل الجبل وفي ذراه ، أو في ظل فلان وفي ذراه ، أى : في كنفه وحماه ، ومحبة : مفعول لأجله ، وشبه الإحسان بالقيد لأنه سبب استملاك النفس.
مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)(٤٤)
(أَيُّوبَ) عطف بيان. و (إِذْ) بدل اشتمال منه (أَنِّي مَسَّنِيَ) بأنى مسنى : حكاية لكلامه الذي ناداه بسببه ، ولو لم يحك لقال بأنه مسه : لأنه غائب. وقرئ (بِنُصْبٍ) بضم النون وفتحها مع سكون الصاد ، وبفتحهما ، وضمهما ، فالنصب والنصب : كالرشد والرشد ، والنصب : على أصل المصدر ، والنصب : تثقيل نصب ، والمعنى واحد ، وهو التعب والمشقة. والعذاب : الألم ، يريد مرضه وما كان يقاسى فيه من أنواع الوصب (١). وقيل : الضرّ في البدن ، والعذاب في ذهاب الأهل والمال فإن قلت : لم نسبه إلى الشيطان ، ولا يجوز أن يسلطه الله على أنبيائه ليقضى من إتعابهم وتعذيبهم وطره ، ولو قدر على ذلك لم يدع صالحا إلا وقد نكبه وأهلكه ، وقد تكرّر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة فحسب؟ قلت : لما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس سببا فيما مسه الله به من النصب والعذاب ، نسبه إليه ، وقد راعى الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى الله في دعائه ، مع أنه فاعله ولا يقدر عليه إلا هو. وقيل : أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء ، ويغريه على الكراهة والجزع ، فالتجأ إلى الله تعالى في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء ، أو بالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل. وروى أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين ، فارتدّ أحدهم ، فسأل عنه فقيل ألقى إليه الشيطان : إن الله لا يبتلى الأنبياء والصالحين ، وذكر في سبب بلائه أنّ رجلا استغاثه على ظالم فلم يغثه. وقيل : كانت مواشيه في ناحية ملك كافر ، فداهنه ولم يغزه. وقيل : أعجب بكثرة ماله (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ) حكاية ما أجيب به أيوب ، أى : اضرب برجلك الأرض. وعن قتادة : هي أرض الجابية (٢) فضربها ، فنبعت عين فقيل (هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ) أى هذا ماء تغتسل به وتشرب منه ، فيبرأ باطنك وظاهرك ، وتنقلب مآبك قلبة (٣). وقيل : نبعت له عينان ، فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى ، فذهب الداء من ظاهره وباطنه بإذن الله ، وقيل : ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها ، ثم باليسرى فنبعت باردة فشرب منها (رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى) مفعول لهما. والمعنى : أنّ الهبة كانت للرحمة له ولتذكير أولى الألباب ، لأنهم إذا سمعوا بما
__________________
(١) قوله «من أنواع الوصب» في الصحاح «الوصب» : المرض. (ع)
(٢) قوله «هي أرض الجابية» مدينة بالشام كما في الصحاح. (ع)
(٣) قوله «وتنقلب ما بك قلبة» في الصحاح «القلاب» داء يأخذ البعير. وقولهم : ما به قلبة ، أى : ليست به علة. (ع)
أنعمنا به عليه لصبره ، رغبهم في الصبر على البلاء وعاقبة الصابرين وما يفعل الله بهم (وَخُذْ) معطوف على اركض. والضغث : الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو غير ذلك. وعن ابن عباس : قبضة من الشجر ، كان حلف في مرضه ليضربنّ امرأته مائة إذا برأ ، فحلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها ، وهذه الرخصة باقية. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه أتى بمخدج (١) قد خبث بأمة ، فقال : «خذوا عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة» (٢) ويجب أن يصيب المضروب كل واحد من المائة ، إمّا أطرافها قائمة ، وإما أعراضها مبسوطة مع وجود صورة الضرب ، وكان السبب في يمينه أنها أبطأت عليه ذاهبة في حاجة فحرج صدره ، وقيل : باعت ذؤابتيها برغيفين وكانتا متعلق أيوب إذا قام. وقيل : قال لها الشيطان اسجدي لي سجدة فأردّ عليكم ما لكم وأولادكم ، فهمت بذلك فأدركتها العصمة ، فذكرت ذلك له ، فحلف. وقيل : أوهمها الشيطان أن أيوب إذا شرب الخمر برأ ، فعرضت له بذلك. وقيل : سألته أن يقرب للشيطان بعناق (وَجَدْناهُ صابِراً) علمناه صابرا. فإن قلت : كيف وجده صابرا وقد شكا إليه ما به واسترحمه؟ قلت : الشكوى إلى الله عز وعلا لا تسمى جزعا ، ولقد قال يعقوب عليه السلام : (إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ) وكذلك شكوى العليل إلى الطبيب ، وذلك أن أصبر الناس على البلاء لا يخلو من تمنى العافية وطلبها ، فإذا صحّ أن يسمى صابرا مع تمنى العافية وطلب الشفاء ، فليسم صابرا مع اللجإ إلى الله تعالى ، والدعاء بكشف ما به ومع التعالج ومشاورة الأطباء ، على أن أيوب عليه السلام كان يطلب الشفاء خيفة على قومه من الفتنة. حيث كان الشيطان بوسوس إليهم كما كان يوسوس اليه أنه لو كان نبيا لما ابتلى بمثل ما ابتلى به ، وإرادة القوة على الطاعة ، فقد بلغ أمره إلى أن لم يبق منه إلا القلب واللسان. ويروى أنه قال في مناجاته : إلهى قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبي ، ولم يتبع قلبي بصرى ، ولم يهبني ما ملكت يمينى ، (٣) ولم آكل إلا ومعى يتيم ، ولم أبت شبعان ولا كاسيا ومعى جائع أو عريان ، فكشف الله عنه.
__________________
(١) قوله «إنه أتى بمخدج» الخداج : النقصان ، وأخدجت الناقة : إذا جاءت بولدها ناقص الخلق ، وإن كانت أيامه تامة فهي مخدج ، والولد مخدج ، كذا في الصحاح. (ع)
(٢) أخرجه النسائي وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة والبزار والطبراني من رواية أبى أمامة بن سهل عن سعيد بن عبادة. قال «كان بين أبياتنا رجل ضعيف مخدج ، فلم يرع الحي إلا وهو على أمة من إمائهم يخبث بها ـ الحديث» قال البزار : لم يرد إلا هذا ، واختلف في إسناده. فقيل هكذا. وقيل عن أبى الزناد عن أبى أمامة مرسلا ورواه أبو داود من وجه آخر عن أبى أمامة أنه أخبره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
(٣) قوله «ولم يهبني ما ملكت يميني» أى لم ينشطنى ولم يهيجني ، من هبت الريح : أى هاجت ، وهب البعير:أى نشط ، كما في الصحاح. (ع)
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ)(٤٧)
(إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ) عطف بيان لعبادنا. ومن قرأ : عبدنا ، جعل إبراهيم وحده عطف بيان له ، ثم عطف ذريته على عبدنا ، وهي إسحاق ويعقوب ، كقراءة ابن عباس : وإله أبيك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق. لما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدى غلبت ، فقيل في كل عمل هذا مما عملت أيديهم ، وإن كان عملا لا يتأتى فيه المباشرة بالأيدى. أو كان العمال جذما لا أيدي لهم ، وعلى ذلك ورد قوله عز وعلا (أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ) يريد : أولى الأعمال والفكر ، كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ، ولا يجاهدون في الله ، ولا يفكرون أفكار ذوى الديانات ولا يستبصرون في حكم الزمنى الذين لا يقدرون على أعمال جوارحهم والمسلوبى العقول الذين لا استبصار بهم. وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله ، ولا من المستبصرين في دين الله ، وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل مع كونهم متمكنين منهما. وقرئ : أولى الأيادى ، على جمع الجمع. وفي قراءة ابن مسعود : أولى الأيد ، على طرح الياء والاكتفاء بالكسرة. وتفسيره بالأيد ـ من التأييد ـ : قلق غير متمكن (أَخْلَصْناهُمْ) جعلناهم خالصين (بِخالِصَةٍ) بخصلة خالصة لا شوب فيها ، ثم فسرها بذكرى الدار ، شهادة لذكرى الدار بالخلوص والصفاء وانتفاء الكدورة عنها. وقرئ على الإضافة. والمعنى : بما خلص من ذكرى الدار ، على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بهمّ آخر ، إنما همهم ذكرى الدار لا غير. ومعنى (ذِكْرَى الدَّارِ) : ذكراهم الآخرة دائبا ، ونسيانهم اليها ذكر الدنيا. أو تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها ، وتزهيدهم في الدنيا ، كما هو شأن الأنبياء وديدنهم. وقيل. ذكرى الدار. الثناء الجميل في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم. فإن قلت : ما معنى (أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ)؟ قلت : معناه : أخلصناهم بسبب هذه الخصلة ، وبأنهم من أهلها. أو أخلصناهم بتوفيقهم لها ، واللطف بهم في اختيارها. وتعضد الأوّل قراءة من قرأ : بخالصتهم (الْمُصْطَفَيْنَ) المختارين من أبناء جنسهم. و (الْأَخْيارِ) جمع خير ، أو خير ، على التخفيف ، كالأموات في جمع ميت أو ميت.
(وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ) (٤٨)
(وَالْيَسَعَ) كأن حرف التعريف دخل على يسع. وقرئ : والليسع ، كأن حرف التعريف
دخل على ليسع ، فيعل من اللسع. والتنوين في (وَكُلٌ) عوض من المضاف اليه ، معناه : وكلهم من الأخيار.
(هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ)(٥٢)
(هذا ذِكْرٌ) أى : هذا نوع من الذكر وهو القرآن ، لما أجرى ذكر الأنبياء وأتمه ، وهو باب من أبواب التنزيل ، ونوع من أنواعه ، وأراد أن يذكر على عقبه بابا آخر ، وهو ذكر الجنة وأهلها ، (١) قال : هذا ذكر ، ثم قال (وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ) كما يقول الجاحظ في كتبه : فهذا باب ، ثم يشرع في باب آخر ، ويقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر : هذا وقد كان كيت وكيت ، والدليل عليه : أنه لما أتم ذكر أهل الجنة وأراد أن يعقبه بذكر أهل النار. قال : هذا وإن للطاغين. وقيل : معناه هذا شرف وذكر جميل يذكرون به أبدا. وعن ابن عباس رضى الله عنه : هذا ذكر من مضى من الأنبياء (جَنَّاتِ عَدْنٍ) معرفة لقوله (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ) وانتصابها على أنها عطف بيان لحسن مآب. و (مُفَتَّحَةً) حال ، والعامل فيها ما في (لِلْمُتَّقِينَ) من معنى الفعل. وفي (مُفَتَّحَةً) ضمير الجنات. والأبواب بدل من الضمير ، تقديره : مفتحة هي الأبواب ، كقولهم : ضرب زيد اليد والرجل ، وهو من بدل الاشتمال. وقرئ : جنات عدن مفتحة ، بالرفع ، على أن جنات عدن مبتدأ ، ومفتحة خبره. أو كلاهما خبر مبتدإ محذوف ، أى : هو جنات عدن هي مفتحة لهم ، كأن اللدات سمين أترابا ، لأن التراب مسهن في وقت واحد ، وانما جعلن على سنّ واحدة ، لأن التحاب بين الأقران أثبت. وقيل : هنّ أتراب لأزواجهن ، أسنانهنّ كأسنانهم :
(هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ) (٥٤)
قرئ : يوعدون ، بالتاء والياء (لِيَوْمِ الْحِسابِ) لأجل يوم الحساب ، كما تقول : هذا ما تدخرونه ليوم الحساب ، أى : ليوم تجزى كل نفس ما عملت.
__________________
(١) قال محمود : «إنما قال : هذا ذكر ليذكر عقبه ذكرا آخر ، وهو ذكر الجنة وأهلها ، كما يقول الجاحظ في كتبه : فهذا باب ، ثم يشرع في باب آخر» قال أحمد : وكما ما يقول الفقيه إذا ذكر أدلة المسألة عند تمام الدليل الأول : هذا دليل ثان كذا وكذا إلى آخر ما في نفسه ، ويدل عليه أنه عند انقضاء ذكر أهل الجنة قال : (هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ) فذكر أهل النار.
(هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ)(٦١)
(هذا) أى الأمر هذا : أو هذا كما ذكر (فَبِئْسَ الْمِهادُ) كقوله (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ) شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفترشه النائم ، أى : هذا حميم فليذوقوه. أو العذاب هذا فليذوقوه ، ثم ابتدأ فقال : هو (حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) أو : هذا فليذوقوه بمنزلة (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) أى ليذوقوا هذا فليذوقوه ، والغساق ـ بالتخفيف والتشديد ـ : ما يغسق من صديد أهل النار ، يقال : غسقت العين ، إذا سال دمعها. وقيل : الحميم يحرق بحرّه ، والغساق يحرق ببرده. وقيل : لو قطرت منه قطرة في المشرق لنتنت أهل المغرب ، ولو قطرت منه قطرة في المغرب لنتنت أهل المشرق. وعن الحسن رضى الله عنه. الغساق : عذاب لا يعلمه إلا الله تعالى. إن الناس أخفوا لله طاعة فأخفى لهم ثوابا في قوله (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) وأخفوا معصية فأخفى لهم عقوبة (وَآخَرُ) ومذوقات أخر من شكل هذا المذوق من مثله في الشدة والفظاعة (أَزْواجٌ) أجناس. وقرئ : وآخر ، أى : وعذاب آخر. أو مذوق آخر. وأزواج : صفة لآخر ، لأنه يجوز أن يكون ضروبا. أو صفة للثلاثة وهي حميم وغساق وآخر من شكله. وقرئ : من شكله ، بالكسر (١) وهي لغة. وأما الغنج (٢) فبالكسر لا غير (هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ) هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار ، أى دخل النار في صحبتكم وقرانكم ، والاقتحام : ركوب الشدة والدخول فيها. والقحمة : الشدة. وهذه حكاية كلام الطاغين بعضهم مع بعض ، أى : يقولون هذا. والمراد بالفوج : أتباعهم الذين اقتحموا معهم الضلالة ، فيقتحمون معهم العذاب (لا مَرْحَباً بِهِمْ) دعاء منهم على أتباعهم. تقول لمن تدعو له : مرحبا ، أى : أتيت رحبا من البلاد لا ضيقا : أو رحبت بلادك رحبا ، ثم تدخل عليه «لا» في دعاء السوء.
__________________
(١) قوله وقرئ «من شكله بالكسر وهي لغة» أى في الشكل بمعنى المثل. (ع)
(٢) «وأما الغنج فبالكسر لا غير» في الصحاح : الغنج والغنج : الشكل ، وقد غنجت الجارية وتغنجت ، فهي غنجة. وفيه : الشكل ـ بالفتح ـ : المثل ، وبالكسر : الدل ، يقال : امرأة ذات شكل. (ع)
و (بِهِمْ) بيان للمدعو عليهم (إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ) تعليل لاستيجابهم للدعاء عليهم. ونحوه قوله تعالى (كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها) وقيل : هذا فوج مقتحم معكم : كلام الخزنة لرؤساء الكفرة في أتباعهم. و (لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ) كلام الرؤساء. وقيل : هذا كله كلام الخزنة (قالُوا) أى الأتباع (بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ) يريدون الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به ، وعللوا ذلك بقولهم (أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا) والضمير للعذاب أو لصلبهم. فإن قلت : ما معنى تقديمهم العذاب لهم؟ قلت : المقدم هو عمل السوء. قال الله تعالى (ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) ولكن الرؤساء لما كانوا السبب فيه بإغوائهم وكان العذاب جزاءهم عليه : قيل أنتم قدمتموه لنا ، فجعل الرؤساء هم المقدمين وجعل الجزاء هو المقدّم ، فجمع بين مجازين ، لأن العاملين هم المقدمون في الحقيقة لا رؤساؤهم ، والعمل هو المقدم لاجزاؤه. فإن قلت : فالذي جعل قوله (لا مَرْحَباً بِهِمْ) من كلام الخزنة ما يصنع بقوله (بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ) والمخاطبون ـ أعنى رؤساءهم ـ لم يتكلموا بما يكون هذا جوابا لهم؟ قلت : كأنه قيل : هذا الذي دعا به علينا الخزنة أنتم يا رؤساء أحق به منا لإغوائكم إيانا ونسببكم فيما نحن فيه من العذاب ، وهذا صحيح كما لو زين قوم لقوم بعض المساوى فارتكبوه فقيل للمزينين : أخزى الله هؤلاء ما أسوأ فعلهم؟ فقال المزين لهم للمزينين : بل أنتم أولى بالخزي منا ، فلو لا أنتم لم نرتكب ذلك (قالُوا) هم الأتباع أيضا (فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً) أى مضاعفا ، ومعناه : ذا ضعف : ونحوه قوله تعالى (رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً) وهو أن يزيد على عذابه مثله فيصير ضعفين ، كقوله عز وجل (رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ) (١) وجاء في التفسير (عَذاباً ضِعْفاً) : حيات وأفاعى (٢).
(وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ)(٦٣)
(وَقالُوا) الضمير للطاغين (رِجالاً) يعنون فقراء المسلمين الذين لا يؤبه لهم (مِنَ الْأَشْرارِ) من الأراذل الذين لا خير فيهم ولا جدوى ، ولأنهم كانوا على خلاف دينهم ، فكانوا عندهم أشرارا (أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا) قرئ بلفظ الإخبار على أنه صفة لرجالا ، مثل قوله (كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ
__________________
(١) قوله تعالى (قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً) وقال في موضع آخر (آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً) والقصة واحدة. قال أحمد : وفيه دليل على أن الضعفين اثنان من شيء واحد ، خلافا لمن قال غير ذلك ، لأنه في موضع قال (فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً) والمراد : مثل عذابه ، فيكونا عذابين. وقال في موضعين (ضِعْفَيْنِ) والمراد : ذا عذابين.
(٢) قوله «وجاء في التفسير ... الخ» عبارة الخازن : قال ابن عباس : حيات وأفاعى (ع)
الْأَشْرارِ) وبهمزة الاستفهام على أنه إنكار على أنفسهم وتأنيب لها (١) في الاستسخار منهم. وقوله (أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ) له وجهان من الاتصال ، أحدهما : أن يتصل بقوله (ما لَنا) أى : مالنا لا نراهم في النار؟ كأنهم ليسوا فيها بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها : قسموا أمرهم بين أن يكونوا من أهل الجنة ، وبين أن يكونوا من أهل النار. إلا أنه خفى عليهم مكانهم. والوجه الثاني : أن يتصل باتخذناهم سخريا ، إما أن تكون أم متصلة على معنى : أى الفعلين فعلنا بهم الاستسخار منهم ، أم الازدراء بهم والتحقير ، وأن أبصارنا كانت تعلو عنهم وتقتحمهم ، على معنى إنكار الأمرين جميعا على أنفسهم ، وعن الحسن : كل ذلك قد فعلوا ، اتخذوهم سخريا وزاغت عنهم أبصارهم محقرة لهم. وإما أن تكون منقطعة بعد مضى اتخذناهم سخريا على الخبر أو الاستفهام ، كقولك : إنها إبل أم شاء ، وأزيد عندك أم عندك عمرو : ولك أن تقدّر همزة الاستفهام محذوفة فيمن قرأ بغير همزته ، لأنّ «أم» تدل عليها ، فلا تفترق القراءتان : إثبات همزة الاستفهام وحذفها. وقيل : الضمير في (وَقالُوا) لصناديد قريش كأبى جهل والوليد وأضرابهما ، والرجال : عمار وصهيب وبلال وأشباههم. وقرئ : سخريا ، بالضم والكسر.
(إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ)(٦٤)
(إِنَّ ذلِكَ) أى الذي حكينا عنهم (لَحَقٌ) لا بد أن يتكلموا به ، ثم بين ما هو فقال هو (تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) وقرئ بالنصب على أنه صفة لذلك ، لأن أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس. فإن قلت : لم سمى ذلك تخاصما؟ قلت : شبه تقاولهم وما يجرى بينهم من السؤال والجواب بما يجرى بين المتخاصمين من نحو ذلك (٢) ولأنّ قول الرؤساء : لا مرحبا بهم ، وقول أتباعهم : بل أنتم لا مرحبا بكم ، من باب الخصومة ، فسمى التقاول كله تخاصما لأجل اشتماله على ذلك.
(قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ)(٦٦)
__________________
(١) قوله «وتأنيب لها» أى : تعنيف ولوم. أفاده الصحاح. (ع)
(٢) قال محمود : «إن قلت لم سمي ذلك تخاصما؟ قلت : شبه تقاولهم وما يجرى بينهم من السؤال والجواب بما يجرى بين المتخاصمين من نحو ذلك ، ولأن قول الرؤساء : لا مرحبا بهم ، وقول أتباعهم : بل أنتم لا مرحبا بكم ، من باب الخصومة» قال أحمد : هذا يحقق أن ما تقدم من قوله (لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ) من قول المتكبرين الكفار ، وقوله تعالى (بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ) من قول الأتباع ، فالخصومة على هذا التأويل حصلت من الجهتين ، فيتحقق التخاصم ، خلافا لمن قال : إن الأول من كلام خزنة جهنم ، والثاني : من كلام الأتباع ، فانه على هذا التقدير إنما تكون الخصومة من أحد الفريقين فالتفسير الأول أمكن وأثبت.
(قُلْ) يا محمد لمشركي مكة : ما أنا إلا رسول (مُنْذِرٌ) أنذركم عذاب الله للمشركين ، وأقول لكم : إنّ دين الحق توحيد الله ، وأن يعتقد أن لا إله إلا الله (الْواحِدُ) بلا ندّ ولا شريك (الْقَهَّارُ) لكل شيء ، وأنّ الملك والربوبية له في العالم كله وهو (الْعَزِيزُ) الذي لا يغلب إذا عاقب العصاة ، وهو مع ذلك (الْغَفَّارُ) لذنوب من التجأ إليه. أو قل لهم ما أنا إلا منذر لكم ما أعلم ، وأنا أنذركم عقوبة من هذه صفته ، فإنّ مثله حقيق بأن يخاف عقابه كما هو حقيق بأن يرجى ثوابه.
(قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ)(٧٠)
(قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ) أى هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولا منذرا وأن الله واحد لا شريك له : نبأ عظيم لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة. ثم احتج لصحة نبوّته بأنّ ما ينبئ به عن الملإ الأعلى واختصامهم أمر ما كان له به من علم قط ، ثم علمه ولم يسلك الطريق الذي يسلكه الناس في علم ما لم يعلموا ، وهو الأخذ من أهل العلم وقراءة الكتب ، فعلم أنّ ذلك لم يحصل إلا بالوحي من الله (إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ) أى لأنما أنا نذير. ومعناه : ما يوحى إلىّ إلا للإنذار ، فحذف اللام وانتصب بإفضاء الفعل إليه. ويجوز أن يرتفع على معنى : ما يوحى إلىّ إلا هذا ، وهو أن أنذر وأبلغ ولا أفرط في ذلك ، أى ما أو مر إلا بهذا الأمر وحده ، وليس إلىّ غير ذلك. وقرئ إنما بالكسر على الحكاية ، أى : إلا هذا القول ، وهو أن أقول لكم : إنما أنا نذير مبين ولا أدعى شيئا آخر. وقيل : النبأ العظيم : قصص آدم عليه السلام والإنباء به من غير سماع من أحد. وعن ابن عباس : القرآن. وعن الحسن : يوم القيامة. فإن قلت : بم يتعلق (إِذْ يَخْتَصِمُونَ)؟ قلت : بمحذوف ، لأن المعنى : ما كان لي من علم بكلام الملإ الأعلى وقت اختصامهم ، و (إِذْ قالَ) بدل من (إِذْ يَخْتَصِمُونَ). فإن قلت : ما المراد بالملإ الأعلى؟ قلت : أصحاب القصة الملائكة وآدم وإبليس ، لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم : فإن قلت : ما كان التقاول بينهم إنما كان بين الله تعالى وبينهم ، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي قال لهم وقالوا له ، فأنت بين أمرين : إما أن تقول الملأ الأعلى هؤلاء ، وكان التقاول بينهم ولم يكن التفاؤل بينهم وإما أن تقول : التقاول كان بين الله وبينهم ، فقد جعلته من الملإ الأعلى. قلت : كانت مقاولة الله سبحانه بواسطة ملك ، فكان المقاول في الحقيقة هو الملك المتوسط ، فصح أن التقاول كان
بين الملائكة وآدم وإبليس ، وهم الملأ الأعلى. والمراد بالاختصام : التقاول على ما سبق.
(إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ)(٧٤)
فإن قلت : كيف صح أن يقول لهم (إِنِّي خالِقٌ بَشَراً) وما عرفوا ما البشر ولا عهدوا به قبل؟ قلت : وجهه أن يكون قد قال لهم : إنى خالق خلقا من صفته كيت وكيت ، ولكنه حين حكاه اقتصر على الاسم (فَإِذا سَوَّيْتُهُ) فإذا أتممت خلقه وعدلته (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) وأحييته وجعلته حساسا متنفسا (فَقَعُوا) فخروا ، كل : للإحاطة. وأجمعون : للاجتماع ، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم ما بقي منهم ملك إلا سجد ، وأنهم سجدوا جميعا في وقت واحد غير متفرّقين في أوقات. فإن قلت : كيف ساغ السجود لغير الله؟ قلت : الذي لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة ، فأما على وجه التكرمة والتبجيل فلا يأباه العقل ، إلا أن يعلم الله فيه مفسدة فينهى عنه. فإن قلت : كيف استثنى إبليس من الملائكة وهو من الجنّ؟ قلت : قد أمر بالسجود معهم فغلبوا عليه في قوله (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ) ثم استثنى كما يستثنى الواحد منهم استثناء متصلا (وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ) أريد وجود كفره ذلك الوقت وإن لم يكن قبله كافرا ، لأن (كانَ) مطلق في جنس الأوقات الماضية ، فهو صالح لأيها شئت. ويجوز أن يراد : وكان من الكافرين في الأزمنة الماضية في علم الله.
(قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)(٧٦)
فإن قلت : ما وجه قوله (خَلَقْتُ بِيَدَيَ) : قلت : قد سبق لنا أنّ ذا اليدين يباشر أكثر أعماله بيديه ، فغلب العمل باليدين على سائر الأعمال التي تباشر بغيرهما ، حتى قيل في عمل القلب : هو مما عملت يداك ، وحتى قيل ممن لا يدي له : يداك أوكتا (١) وفوك نفخ ، وحتى لم يبق فرق بين قولك : هذا مما عملته ، وهذا مما عملته يداك. ومنه قوله تعالى (مِمَّا عَمِلَتْ
__________________
(١) قوله «يداك أوكتا» في الصحاح : أوكى على ما في سقائه : إذا شده بالوكاء. (ع)
أَيْدِينا) و (لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ). فإن قلت : فما معنى قوله (ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ)؟ قلت : الوجه الذي استنكر له إبليس السجود لآدم ، واستنكف منه أنه سجود لمخلوق ، فذهب بنفسه ، وتكبر أن يكون سجوده لغير الخالق ، وانضم إلى ذلك أنّ آدم مخلوق من طين وهو مخلوق من نار. ورأى للنار فضلا على الطين فاستعظم أن يسجد لمخلوق مع فضله عليه في المنصب ، وزلّ عنه أنّ الله سبحانه حين أمر به أعزّ عباده عليه (١) وأقربهم منه زلفى وهم الملائكة ، وهم أحق بأن يذهبوا بأنفسهم عن التواضع للبشر الضئيل ، ويستنكفوا من السجود له من غيرهم ، ثم لم يفعلوا وتبعوا امر الله وجعلوه قدّام أعينهم ، ولم يلتفتوا إلى التفاوت بين الساجد والمسجود له ، تعظيما لأمر ربهم وإجلالا لخطابه : كان هو مع انحطاطه عن مراتبهم حرى بأن يقتدى بهم ويقتفى أثرهم ، ويعلم أنهم في السجود لمن هو دونهم بأمر الله ، أو غل في عبادته منهم في السجود له ، لما فيه من طرح الكبرياء وخفض الجناح ، فقيل له : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدىّ ، أى : ما منعك من السجود لشيء هو كما تقول مخلوق خلفته بيدي ـ لا شكّ في كونه مخلوقا ـ امتثالا لأمرى وإعظاما لخطابى كما فعلت الملائكة ، فذكر له ما تركه من السجود مع ذكر العلة التي تشبث بها في تركه ، وقيل له : لم تركته مع وجود هذه العلة ، وقد أمرك الله به ، يعنى : كان عليك أن تعتبر أمر الله ولا تعتبر هذه العلة ، ومثاله : أن يأمر الملك وزيره أن يزور بعض سقاط الحشم فيمتنع اعتبارا لسقوطه ، فيقول له : ما منعك أن تتواضع لمن لا يخفى علىّ سقوطه (٢) ، يريد : هلا اعتبرت أمرى وخطابي وتركت
__________________
(١) قوله «حين أمر به أعز عباده» مبنى على مذهب المعتزلة : أن الملك أفضل من البشر. وعند أهل السنة : البشر أفضل من الملك. (ع)
(٢) قال محمود : «لما كان ذو اليدين يباشر أكثر أعماله بيديه : غلب العمل باليدين على سائر الأعمال التي تباشر بغير اليدين ، حتى قيل في عمل القلب : هذا مما عملت يداك. قال ومعناه أن الوجه الذي استنكر له إبليس السجود لآدم واستنكف بسببه : أنه سجود لمخلوق ، مع أنه دون الساجد ، لأن آدم من طين ، وإبليس من نار ، فرأى للنار فضلا على الطين ، وزل عنه أن الله سبحانه حين أمر أعز عباده عليه وأقربهم منه وهم الملائكة أن يسجدوا لهذا البشر : لم يمتنعوا ولم يذهبوا بأنفسهم إلى التكبر ، مع انحطاطه عن مراتبهم ، فقيل له : ما منعك أن تسجد لهذا الذي هو مخلوق بيدي كما وقع لك ، مع أنه لا شك أن في ذلك امتثالا لأمرى وإعظاما لخطابى كما فعلت الملائكة ، فذكر له العلة التي منعته من السجود ، وقيل له : ما حملك على اعتبار هذه العلة دون اعتبار أمرى ، ومثاله : أن يأمر الملك وزيره أن يزور بعض سقاط الحشم ، فيمتنع اعتبارا لسقوطه. فيقول له : ما منعك أن تتواضع لمن لا يخفى على سقوطه ، يريد : علا اعتبرت أمرى وخطابي وتركت اعتبار سقوطه ، انتهى المقصود من الآية بعد تطويل وإطناب وإكثار وإسهاب. قال أحمد : إنما أطال القول هنا ليفر من معتقدين لأهل السنة تشتمل عليهما هذه الآية : أحدهما : أن اليدين من صفات الذات أثبتهما السمع ، هذا مذهب أبى الحسن والقاضي ، بعد إبطالهما حمل اليدين على القدرة ، فان قدرة الله تعالى واحدة ، واليدان مذكورتان بصيغة التثنية ، وأبطلا حملهما على النعمة بأن نعم الله
اعتبار سقوطه ، وفيه : أنى خلقته بيدي ، فأنا أعلم بحاله ، ومع ذلك أمرت الملائكة بأن يسجدوا له لداعي حكمة دعاني إليه : من إنعام عليه بالتكرمة السنية وابتلاء للملائكة ، فمن أنت حتى يصرفك عن السجود له ، ما لم يصرفني عن الأمر بالسجود له. وقيل : معنى (لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ) لما خلقت بغير واسطة. وقرئ : بيدىّ ، كما قرئ : بمصرخىّ. وقرئ: بيدي ، على التوحيد (مِنَ الْعالِينَ) ممن علوت وفقت ، فأجاب بأنه من العالين حيث (قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) وقيل : استكبرت الآن ، أم لم تزل منذ كنت من المستكبرين. ومعنى الهمزة : التقرير. وقرئ : استكبرت بحذف حرف الاستفهام ، لأنّ أم تدل عليه. أو بمعنى الإخبار. هذا على سبيل الأولى ، أى : لو كان مخلوقا من نار لما سجدت له ، لأنه مخلوق مثلي ، فكيف أسجد لمن هو دوني لأنه من طين والنار تغلب الطين وتأكله ، وقد جرت الجملة الثانية من الأولى وهي (خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ) مجرى المعطوف عطف البيان من المعطوف عليه في البيان والإيضاح.
(قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ)(٧٨)
(مِنْها) من الجنة ، وقيل : من السماوات. وقيل : من الخلقة التي أنت فيها ، لأنه كان يفتخر بخلقته فغير الله خلقته ، فاسودّ بعد ما كان أبيض وقبح بعد ما كان حسنا ، وأظلم بعد ما كان نورانيا. والرجيم : المرجوم. ومعناه : المطرود ، كما قيل له : المدحور والملعون ، لأنّ من طرد رمى بالحجارة على أثره. والرجم : الرمي بالحجارة. أو لأنّ الشياطين يرجمون بالشهب.
__________________
لا تحصى ، فكيف تحصر بالتثنية. وغيرهما من أهل السنة كامام الحرمين وغيره يجوز حملهما على القدرة والنعمة ، ويجيب عما ذكراه بأن المراد نعمة الدنيا والآخرة ، وهذا مما يحقق تفضيله على إبليس ، إذ لم يخلق إبليس لنعمة الآخرة ، وعلى أن المراد القدرة ، فالتثنية تعظيم ، ومثل ذلك يوجد في اللغة كثيرا. المعتقد الثاني : أن النبي أفضل من الملك ، والزمخشري شديد العصبية في هذه المسألة والإنكار على من قال بذلك من أهل السنة ، لا جرم أنه أجرم في بسط كلامه على آدم عليه السلام ، فمثل قصته في انحطاط مرتبته على زعمه عن مرتبة الملائكة بقول الملك لوزيره. زر بعض سقاط الحشم ، فجعل سقاط حشم الملك مثالا لآدم الذي هو عنصر الأنبياء عليهم السلام ، وأقام لإبليس عذره وصوب اعتقاده. أنه أفضل من آدم لكونه من نار وآدم من طين ، وإنما غلطه من جهة أخرى. وهو أنه لم يقس نفسه على الملائكة إذ سجدوا له ، على علمهم أنه بالنسبة إليهم محطوط الرتبة ساقط المنزلة ، وجعل قوله تعالى (لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ) إنما ذكر تقريرا للعلة التي منعت إبليس من السجود ، وهو كونه دونه ، وهذا ـ نسأل الله العصمة ـ المراد منه ضد ما فهم الزمخشري ، وإنما ذكر ذلك تعظيما لمعصية إبليس ، إذ امتنع من تعظيم من عظمه الله إذ خلقه بيده ، وذلك تعظيم لآدم لا تحقير منه. ويدل عليه الحديث الوارد في الشفاعة ، إذ يقول له الناس عند ما يقصدونه فيها : أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته ، فإنما يذكرون ذلك في سياق تعديد كراماته وخصائصه ، لا فيما يحط منه ، معاذ الله وإياه نسأل أن يعصمنا من مهاوي الهوى ومهالكه ، وأن يرشدنا إلى سبيل الحق ومسالكه ، إنه ولى التوفيق ، وبالاجابة حقيق.
فإن قلت : قوله (لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ) كأن لعنة إبليس غايتها يوم الدين ثم تنقطع؟ قلت : كيف تنقطع وقد قال الله تعالى (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) ولكن المعنى : أن عليه اللعنة في الدنيا ، فإذا كان يوم الدين اقترن له باللعنة ما ينسى عنده اللعنة ، فكأنها انقطعت.
(قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ)(٨١)
فإن قلت : ما الوقت المعلوم الذي أضيف إليه اليوم؟ قلت : الوقت الذي تقع فيه النفخة الأولى. ويومه : اليوم الذي وقت النفخة جزء من أجزائه. ومعنى المعلوم : أنه معلوم عند الله معين ، لا يستقدم ولا يستأخر.
(قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)(٨٣)
(فَبِعِزَّتِكَ) إقسام بعزة الله تعالى وهي سلطانه وقهره.
(قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) (٨٥)
قرئ : فالحق والحق ، منصوبين على أن الأول مقسم به كالله في
إن عليك الله أن تبايعا
وجوابه (لَأَمْلَأَنَ) والحق أقول : اعتراض بين المقسم به والمقسم عليه ، ومعناه : ولا أقول إلا الحق. والمراد بالحق : إمّا اسمه عزّ وعلا الذي في قوله (أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) أو الحق الذي هو نقيض الباطل : عظمه الله بإقسامه به. ومرفوعين على أن الأوّل مبتدأ محذوف الخبر ، كقوله (لَعَمْرُكَ) أى : فالحق قسمي لأملأنّ. والحق أقول ، أى : أقوله كقوله كله لم أصنع ، ومجرورين : على أن الأوّل مقسم به قد أضمر حرف قسمه ، كقولك : الله لأفعلنّ. والحق أقول ، أى : ولا أقول إلا الحق على حكاية لفظ المقسم به. ومعناه : التوكيد والتشديد. وهذا الوجه جائز في المنصوب والمرفوع أيضا. وهو وجه دقيق حسن. وقرئ يرفع الأوّل وجرّه مع نصب الثاني ، وتخريجه على ما ذكرنا (مِنْكَ) من جنسك وهم الشياطين (وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ) من ذرّية آدم. فإن قلت : (أَجْمَعِينَ) تأكيد لما ذا؟ قلت : لا يخلو أن يؤكد به الضمير في منهم ، أو الكاف في منك مع من تبعك. ومعناه : لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين ، لا أترك منهم أحدا. أو لأملأنها من الشياطين وممن تبعهم من جميع الناس ، لا تفاوت في ذلك بين ناس وناس بعد وجود الأتباع منهم من أولاد الأنبياء وغيرهم.
(قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ)(٨٨)
(عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) الضمير للقرآن أو للوحى (وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) من الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله ، وما عرفتموني قط متصنعا ولا مدّعيا ما ليس عندي ، حتى أنتحل النبوّة وأتقوّل القرآن (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ) من الله (لِلْعالَمِينَ) للثقلين. أوحى إلىّ فأنا أبلغه. وعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «للمتكلف ثلاث علامات : ينازع من فوقه ، ويتعاطى ما لا ينال ، ويقول ما لا يعلم (١)» (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ) أى ما يأتيكم عند الموت ، أو يوم القيامة ، أو عند ظهور الإسلام وفشوه ، من صحة خبره ، وأنه الحق والصدق. وفيه تهديد. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة ص كان له بوزن كل جبل سخره الله لداود عشر حسنات وعصمه أن يصرّ على ذنب صغير أو كبير»(٢).
__________________
(١) أخرجه الثعلبي من طريق محمد بن عون حدثنا محمد بن المصلى حدثنا حيوة بن شريح عن أرطاة بن المنذر عن ضمرة بن حبيب عن سلمة بن نفيل مرفوعا به. ورواه البيهقي في الشعب في الثالث والثلاثين من رواية بقية عن أرطاة قوله ورواه أبو نعيم عن وهب بن منبه قوله.
(٢) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي من حديث أبى رضى الله عنه.
سورة الزمر
مكية ، إلا قوله (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا ...) الآية وتسمى سورة الغرف وهي خمس وسبعون آية. وقيل ثنتان وسبعون آية [نزلت بعد سورة سبإ] (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)
(تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ)(٤)
(تَنْزِيلُ الْكِتابِ) قرئ بالرفع على أنه مبتدأ أخبر عنه بالظرف. أو خبر مبتدإ محذوف والجار صلة التنزيل ، كما تقول : نزل من عند الله. أو غير صلة ، كقولك : هذا الكتاب من فلان إلى فلان ، فهو على هذا خبر بعد خبر. أو خبر مبتدإ محذوف ، تقديره :
هذا تنزيل الكتاب ، هذا من الله ، أو حال من التنزيل عمل فيها معنى الإشارة ، وبالنصب على إضمار فعل ، نحو : اقرأ ، والزم. فإن قلت : ما المراد بالكتاب؟ قلت : الظاهر على الوجه الأول أنه القرآن ، وعلى الثاني : أنه السورة (مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ) ممحضا له الدين من الشرك والرياء بالتوحيد وتصفية السر. وقرئ : الدين ، بالرفع. وحق من رفعه أن يقرأ مخلصا ـ بفتح اللام ـ كقوله تعالى (وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ) حتى يطابق قوله (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ) والخالص والمخلص : واحد ، إلا أن يصف الدين بصفة صاحبه على الإسناد المجازى ، كقولهم :
شعر شاعر. وأما من جعل (مُخْلِصاً) حالا من العابد ، و (لَهُ الدِّينَ) مبتدأ وخبرا ، فقد جاء بإعراب رجع به الكلام إلى قولك : لله الدين (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ) أى : هو الذي وجب اختصاصه بأن يخلص له الطاعة من كل شائبة كدر ، لاطلاعه على الغيوب والأسرار ، ولأنه الحقيق بذلك ، لخلوص نعمته عن استجرار المنفعة بها. وعن قتادة : الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله. وعن الحسن : الإسلام (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا) يحتمل المتخذين وهم الكفرة ، والمتخذين وهم الملائكة وعيسى واللات والعزى : عن ابن عباس رضى الله عنهما ، فالضمير في (اتَّخَذُوا) على الأوّل راجع إلى الذين ، وعلى الثاني إلى المشركين ، ولم يجر ذكرهم لكونه مفهوما ، والراجع إلى الذين محذوف والمعنى : والذين اتخذهم المشركون أولياء ، (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا) في موضع الرفع على الابتداء. فإن قلت : فالخبر ما هو؟ قلت : هو على الأوّل إما (إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) أو ما أضمر من القول قبل قوله (ما نَعْبُدُهُمْ). وعلى الثاني : أن الله يحكم بينهم. فإن قلت : فإذا كان (إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) الخبر ، فما موضع القول المضمر؟ قلت : يجوز أن يكون في موضع الحال ، أى : قائلين ذلك. ويجوز أن يكون بدلا من الصلة فلا يكون له محل ، كما أنّ المبدل منه كذلك. وقرأ ابن مسعود بإظهار القول قالوا (ما نَعْبُدُهُمْ) وفي قراءة أبىّ : ما نعبدكم إلا لتقربونا على الخطاب ، حكاية لما خاطبوا به آلهتهم. وقرئ : نعبدهم ، بضم النون اتباعا للعين كما تتبعها الهمزة في الأمر ، والتنوين في (عَذابٍ ارْكُضْ) والضمير في (بَيْنَهُمْ) لهم ولأوليائهم. والمعنى : أن الله يحكم بينهم بأنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة ، ويدخلهم النار مع الحجارة التي نحتوها وعبدوها من دون الله يعذبهم بها حيث يجعلهم وإياها حصب جهنم ، واختلافهم : أن الذين يعبدون موحدون وهم مشركون ، وأولئك يعادونهم ويلعنونهم ، وهم يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله زلفى. وقيل : كان المسلمون إذا قالوا لهم : من خلق السماوات والأرض ، أقروا وقالوا : الله ، فإذا قالوا لهم : فما لكم تعبدون الأصنام؟ قالوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، فالضمير في (بَيْنَهُمْ) عائد إليهم وإلى المسلمين. والمعنى : أن الله يحكم يوم القيامة بين المتنازعين من الفريقين. والمراد بمنع الهداية : منع اللطف تسجيلا عليهم بأن لا لطف لهم ، وأنهم في علم الله من الهالكين (١). وقرئ : كذاب وكذوب. وكذبهم : قولهم في بعض من اتخذوا من دون الله أولياء : بنات الله ، ولذلك عقبه محتجا عليهم بقوله (لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا
__________________
(١) قال محمود : «المراد بمنع الهدآية منع اللطف تسجيلا عليهم بأن لا يلطف بهم ، وأنه في علمه من الهالكين» قال أحمد : مذهب أهل السنة حمل هذه الآية وأمثالها على الظاهر ، فان معتقدهم أن معنى هداية الله تعالى للمؤمن خلق الهدى فيه ، ومعنى إضلاله للكافر إزاحته عن الهدى وخلق الكفر له ، ومع ذلك فيجوز عند أهل السنة أن يخلق الله تعالى للكافر لطفا يؤمن عنده طائعا ، خلافا للقدرية ، وغرضنا التنبيه على مذهب أهل الحق لا غيره.
يَخْلُقُ ما يَشاءُ) يعنى : لو أراد اتخاذ الولد لامتنع ولم يصح ، لكونه محالا ، ولم يتأت إلا أن يصطفى من خلقه بعضه ويختصهم ويقربهم ، كما يختص الرجل ولده ويقربه. وقد فعل ذلك بالملائكة فافتتنتم به وغركم اختصاصه إياهم ، فزعمتم أنهم أولاده ، جهلا منكم به وبحقيقته المخالفة لحقائق الأجسام والأعراض ، كأنه قال : لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما يشاء من خلقه وهم الملائكة ، إلا أنكم لجهلكم به حسبتم اصطفاءهم اتخاذهم أولادا ، ثم تماديتم في جهلكم وسفهكم فجعلتموهم بنات ، فكنتم كذابين كفارين متبالغين في الافتراء (١) على الله وملائكته ، غالبين (٢) في الكفر ، ثم قال (سُبْحانَهُ) فنزه ذاته عن أن يكون له أحد ما نسبوا إليه من الأولاد والأولياء. ودلّ على ذلك بما ينافيه ، وهو أنه واحد ، فلا يجوز أن يكون له صاحبة ، لأنه لو كانت له صاحبة لكانت من جنسه ولا جنس له : وإذا لم يتأت أن يكون له صاحبة لم يتأت أن يكون له ولد ، وهو معنى قوله (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ). وقهار غلاب لكل شيء ، ومن الأشياء آلهتهم ، فهو يغلبهم ، فكيف يكونون له أولياء وشركاء؟
(خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ)(٥)
ثم دلّ بخلق السماوات والأرض ، وتكوير كل واحد من الملوين على الآخر ، وتسخير النيرين ، وجريهما لأجل مسمى ، وبث الناس على كثرة عددهم من نفس واحدة ، وخلق الأنعام على أنه واحد لا يشارك ، قهار لا يغالب. والتكوير : اللف واللىّ ، يقال : كار العمامة على رأسه وكوّرها. وفيه أوجه ، منها : أن الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويغشى مكانه هذا ، وإذا غشى مكانه فكأنما ألبسه والف عليه كما يلف اللباس على اللابس. ومنه قول ذى الرمة في وصف السراب :
|
تلوى الثّنايا بأحقيها حواشيه |
|
لىّ الملاء بأبواب التّفاريج (٣) |
__________________
(١) قوله «متبالغين في الافتراء» لعله : مبالغين. (ع)
(٢) قوله «غالبين في الكفر» لعله : غالين. (ع)
|
(٣) وراكد الشمس أجاج نصب له |
|
قواضب القوم بالمهرية العوج |
|
إذا تنازع حالا مجهل قذف |
|
أطراف مطره بالخز منسوج |
|
تلوى الثنايا بحقويها حواشيه |
|
لي الملاء بأبواب التفاريج |
|
كأنه والرهاة الموت يركضه |
|
أعراف أزهر تحت الريخ منتوج |
لذي الرمة يصف السراب. وراكد الشمس : ما يتساقط منها على الأرض. والأجاج : صفة مبالغة ، أى : كثير الأجيج ، يقال : أجت النار أجيجا : اشتعلت ، والحر : اشتد. وأج الظليم أجا : أسرع وله حفيف. وأج الأمر : اختلط. والأج : طير أبيض سريع الطيران يشبه النعام. ويرى السراب عند شدة الحر أبيض كأنه يسير ، فيجوز ـ
ومنها أنّ كل واحد منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه ، فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار. ومنها : أن هذا يكر على هذا كرورا متتابعا ، فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على أثر بعض (أَلا هُوَ الْعَزِيزُ) الغالب القادر على عقاب المصرين (الْغَفَّارُ) لذنوب التائبين (١). أو الغالب الذي يقدر على أن يعاجلهم بالعقوبة وهو يحلم عنهم ويؤخرهم إلى أجل مسمى ، فسمى الحلم عنهم : مغفرة.
(خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)(٦)
فإن قلت : ما وجه قوله (ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها) وما يعطيه من معنى التراخي؟ قلت : هما آيتان (٢) من جملة الآيات التي عدّدها دالا على وحدانيته وقدرته : تشعيب هذا الخلق الفائت
__________________
ـ أنه من الأولين. ويجوز أنه منسوب للأخير ، لأنه يشبهه ، وللام للتوقيت ، وللقواضب : السيوف النواطع. والمهرية : الخيل المنسوبة لمهر بن حيدان أبى قبيلة من اليمن ، خيلها أنجب الخيل. والعوج : جمع عوجاء نوع جيد منها أيضا. والحالان : ارتفاع الأرض وانخفاضها. والمجهل : الموضع الذي يجهله المسافر. والقذف ـ كسبب ـ : الذي يقذف ما فيه فلا أحد فيه. والمطرد : السراب المستوى ، شبه بالخز المنسوج في الاستواء والبياض. والثنايا : العقبات. والحقو : الخصر والإزار ، وشده عليه استعارة لجانب العقبة ، وحواشي السراب : جوانبه. والملاء بالضم والمد : اسم جمع ملاءة وهي الجلباب. والتفراج : الباب الصغير والثوب من الديباج. والرهاة ـ جمع رهو ـ : المكان المرتفع ، ويطلق على المنخفض أيضا. وقيل : اسم موضع. والموت : القفر. والركض : ضرب الدابة بالرجل والضرب مطلقا ، وهو هنا مجاز على طريق التصريحية. والأعراف : جمع عرف. وعرف الديك والفرس : أعلى شعر العنق وأعرف البحر والسيل : إذا تراكم موجه وارتفع كالأعراف ، والأزهر : السحاب الأبيض والماء الأبيض ، وهو الأنسب بكونه تحت الريح ، لأن ظاهر الأول يخالف قوله تعالى (أَقَلَّتْ سَحاباً) والمنتوج : الذي تنتجه الريح وتسوقه حتى يقطر ، يقول : ورب راكد من الشمس ، يعنى السراب شديد الحر أو السير ، نصبت مستقبلا لوقته سيوف قومي مع الخيل الجياد إذا تجاذب المنخفض والمرتفع من الأرض القفرة أطراف الآل وهو السراب ، وشبه إحاطة جوانبه وتراكمه في جوانب العقبة بلىّ الجلباب في أبواب التفاريج ، وتلوى : يحتمل أنه جواب ذا وأنه صفة لمطرد وجوابها ، دل عليه ما قبلها وأسند اللى للثنايا لأنها سبب الالتواء ، ولى الملا : مفعول مطلق ، وأعراف : خبر كأنه ، والرهاة : جملة حالية ، وفاعل يركض إما ضمير الآل ، أو ضمير الرهاة ، لأنهما كأنهما يتضاربان. وروى : تطرده ، وفاعله ضمير الرهاة جزما ، لأن الآل هو المطرود ، وبيت الكشاف : يلوى الثنايا بأحقيها. والحقو : جمعه أحق ، وأصل وزنه : أفعل.
(١) قال محمود : «أى لذنوب التائبين» قال أحمد : الحق أنه تعالى غفار للتائبين ولمن يشاء من المصرين على ما دون الشرك وقنوطهم من رحمة الله تعالى. ولقد قيد الزمخشري الآية بما ترى.
(٢) قال محمود : «فان قلت : ما وجه العطف بثم في قوله (ثُمَّ جَعَلَ) وأجاب بأتهما آيتان ... الخ» قال أحمد إنما منعه من حمل ثم على التراخي في الوجود أنها وقعت بين خلق الذرية من آدم ، وخلق حواء منه ، وهو متقدم ـ
للحصر من نفس آدم ، وخلق حواء من قصيراه ، إلا أن إحداهما جعلها الله عادة مستمرّة ، والأخرى لم تجربها العادة ، ولم تخلق أنثى غير حواء من قصيرى رجل ، فكانت أدخل في كونها آية ، وأجلب لعجب السامع ، فعطفها بثم على الآية الأولى ، للدلالة على مباينتها لها فضلا ومزية ، وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادة كونها آية ، فهو من التراخي في الحال والمنزلة ، لا من التراخي في الوجود. وقيل : ثم متعلق بمعنى واحدة ، كأنه قيل : خلقكم من نفس وحدت ، ثم شفعها الله بزوج. وقيل : أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر ، ثم خلق بعد ذلك حواء (وَأَنْزَلَ لَكُمْ) وقضى لكم وقسم ، لأنّ قضاياه وقسمه موصوفة بالنزول (١) من السماء ، حيث كتب في اللوح : كل كائن يكون. وقيل : لا تعيش الأنعام إلا بالنبات ، والنبات لا يقوم إلا بالماء. وقد أنزل الماء ، فكأنه أنزلها. وقيل : خلقها في الجنة ثم أنزلها. (ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) ذكرا وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز. والزوج : اسم لواحد معه آخر ، فإذا انفرد فهو فرد ووتر. قال الله تعالى : (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى). (خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ) حيوانا سويا ، من بعد عظام مكسوة لحما ، من بعد عظام عارية ، من بعد مضغ ، من بعد علق ، من بعد نطف. والظلمات الثلاث : البطن والرحم والمشيمة. وقيل :
الصلب والرحم والبطن (ذلِكُمُ) الذي هذه أفعاله هو (اللهُ رَبُّكُمْ ...... فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) فكيف يعدل بكم عن عبادته إلى عبادة غيره؟
(إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)(٧)
(فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ) عن إيمانكم وإنكم المحتاجون إليه ، لاسضراركم بالكفر واستنفاعكم بالإيمان (وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ) رحمة لهم ، لأنه يوقعهم في الهلكة (وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) أى يرض الشكر لكم ، لأنه سبب فوزكم وفلاحكم ، فإذن ما كره كفركم ولا رضى شكركم
__________________
ـ على الذرية فضلا عن كونه متراخيا عن خلق الذرية ، فلم يستقم حملها على تراخى الوجود لما جعلها في الوجه الآخر متعلقة بمعنى واحدة ، على تقدير : خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ، يعنى : شفعها بزوجها ، فكانت هاهنا على بابها لتراخى الوجود ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
(١) قال محمود : «إنما جعلها منزلة لأن قضاياه تعالى وقسمه موصوفة بالنزول ... الخ» قال أحمد : ومن هذا النمط بعينه قول الراجز :
أسنمة الآبال في سحابة
.
إلا لكم ولصلاحكم (١) ، لا لأنّ منفعة ترجع إليه ، لأنه الغنى الذي لا يجوز عليه الحاجة. ولقد نمحل بعض الغواة ليثبت لله تعالى (٢) ما نفاه عن ذاته من الرضا لعباده الكفر فقال : هذا من العام الذي أريد به الخاص ، وما أراد إلا عباده الذين عناهم في قوله (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) يريد المعصومين ، كقوله تعالى (عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ) ، تعالى الله عما يقول الظالمون وقرئ «برضه» بضم الهاء بوصل وبغير وصل ، وبسكونها (خَوَّلَهُ) أعطاه. قال أبو النجم :
|
أعطى فلم يبخل ولم يبخّل |
|
كوم الذّرى من خول المخول (٣) |
وفي حقيقته وجهان ، أحدهما : جعله خائل مال ، من قولهم : هو خائل مال ، وخال مال : إذا كان متعهدا له حسن القيام به. ومنه : ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه كان
__________________
(١) حمل الزمخشري الرضا على الارادة ، والعباد على العموم ... الخ» قال أحمد : إن المصر على هذا المعتقد على قلبه رين ، أو في ميزان عقله غين ، أليس يدعى أو يدعى له أنه الخريت في مغاثر العبارات ، وبديع الزمان في صناعة البديع ، فكيف نبا عن جادة الا جادة فهما ، وأعار منادى الحذاقة أذنا صما ، اللهم إلا أن يكون الهوى إذا تمكن أرى الباطل حقا ، وغطى سنى مكشوف العبارة فسحقا سحقا ، أليس مقتضى العربية فضلا عن القوانين العقلية أن المشروط مرتب على الشرط ، لا يتصور وجود المشروط قبل الشرط عقلا ، ولا مضيه واستقبال الشرط لغة وعقلا ، واستقر باتفاق الفريقين أهل السنة وشيعة البدعة : أن إرادة الله تعالى لشكر عباده مثلا مقدمة على وجود الشكر منهم ، فحينئذ كيف ساغ حمل الرضا على الارادة ، وقد جعل في الآية مشروطا وجزاء ، وجعل وقوع الشكر شرطا ومجزيا ، واللازم من ذلك عقلا : تقدم المراد وهو الشكر ، على الارادة وهي الرضا ، ولغة : تقدم المشروط على الشرط. والزمخشري أخص من قال : إن المشروط متى كان ماضيا محضا لزمته ألفا. وقد ، كقولك : إن تكر منى فقد أكرمتك قبل ، وقد عريت الآية عن الحرفين المذكورين ، على أنه لا بد من تأويل يصحح الشرطية مع ذلك فإذا ثبت بطلان حمل الرضا على الارادة عقلا ونقلا ، تعين التماس المحمل الصحيح له ، وهو المجازاة على الشكر بما عهد أن يجازى به المرضى عنه من الثواب والكرامة ، فيكون معنى الآية ـ والله أعلم ـ : وإن تشكروا يجازكم على شكركم جزاء المرضى عنه ، ولا شك أن المجازاة مستقبلة بالنسبة إلى الشكر ، فجرى الشرط والجزاء على مقتضاهما لغة ، وانتظم ذلك بمقتضى الأدلة العقلية على بطلان تقدم المراد على الارادة عقلا ، ومثل هذا يقدر في قوله (وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ) أى لا يجازى غير الكافر مجازاة المغضوب عليه من النكال والعقوبة.
(٢) قوله «لينبت لله تعالى ... الخ» إنما يتم لو كان الرضاء بمعنى الارادة ، وهو مذهب المعتزلة. وعند أهل السنة : هو غيرها ، فكفر الكافر مراد غير مرضى ، وعند المعتزلة : غير مراد ولا مرضى. (ع)
|
(٣) الحمد لله الوهوب المجزل |
|
أعطى فلم يبخل ولم يبخل |
|
كوم الذرى من خول المخول |
||
الوهوب : الوهاب. والمجزل : المكثر العطاء ، وبينه بقوله : أعطى السائلين فلم يبخل عليهم ، ولم يبخل : مشدد مبنى للمجهول ، أى : لم يتهم بالبخل. وقيل : هو توكيد. ويروى بناؤه للفاعل ، أى لم يجعل من أعطاهم بخلاء ، بل جعلهم كرماء. وكوم الذرى : نصب بأعطى ، أى : نوقا عظيمات السنام. والكوم : جمع كوماء. والذرى :
جمع ذروة. والمخول بالتشديد المعطي ، وهو الله عز وجل.
يتخول أصحابه بالموعظة (١) والثاني : جعله يخول من خال يخول إذا اختال وافتخر ، وفي معناه قول العرب :
إنّ الغنىّ طويل الذّيل ميّاس
(وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ)(٨)
(ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ) أى نسى الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه. وقيل : نسى ربه الذي كان يتضرع إليه ويبتهل إليه ، وما بمعنى من ، كقوله تعالى (وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى) وقرئ : ليضل ، بفتح الباء وضمها ، بمعنى أنّ نتيجة جعله لله أندادا ضلاله عن سبيل الله أو إضلاله. والنتيجة : قد تكون غرضا في الفعل ، وقد تكون غير غرض. وقوله (تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ) من باب الخذلان والتخلية ، كأنه قليل له : إذ قد أبيت قبول ما أمرت به من الإيمان والطاعة ، فمن حقك ألا تؤمر به بعد ذلك ، وتؤمر بتركه : مبالغة في خذلانه وتخليته وشأنه. لأنه لا مبالغة في الخذلان ، لأن أشدّ من أن يبعث على عكس ما أمر به. ونظيره في المعنى قوله (مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ).
(أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ)(٩)
قرئ. أمن هو قانت بالتخفيف على إدخال همزة الاستفهام على من ، وبالتشديد على إدخال «أم» عليه. ومن مبتدأ خبره محذوف ، تقديره : أمن هو قانت كغيره ، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه ، وهو جرى ذكر الكافر قبله. وقوله بعده (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) وقيل : معناه أمن هو قانت أفضل أمن هو كافر. أو أهذا أفضل أمن هو قانت على الاستفهام المتصل. والقانت : القائم بما يجب عليه من الطاعة. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام «أفضل الصلاة طول القنوت» (٢) وهو القيام فيها. ومنه القنوت في الوتر ، لأنه دعاء المصلى
__________________
(١) متفق عليه من حديث ابن مسعود وأتم منه.
(٢) أخرجه مسلم من طريق أبى الزبير عن جابر. ورواه الطحاوي من هذا الوجه بلفظ «طول القيام» وكذا هو في حديث عبد الله بن جعفر بلفظ «سئل أى الصلاة أفضل؟ قال : طول القيام».
قائما (ساجِداً) حال. وقرئ : ساجد وقائم ، على أنه خبر بعد خبر ، والواو للجمع بين الصفتين. وقرئ : ويحذر عذاب الآخرة. وأراد بالذين يعلمون : العاملين من علماء الديانة ، كأنه جعل من لا يعمل غير عالم. وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ، ثم لا يقتنون ويفتنون ، ثم يفتنون بالدنيا ، فهم عند الله جهلة ، حيث جعل القانتين هم العلماء ، ويجوز أن يرد على سبيل التشبيه ، أى : كما لا يستوي العالمون والجاهلون ، كذلك لا يستوي القانتون والعاصون. وقيل نزلت في عمار بن ياسر رضى الله عنه وأبى حذيفة بن المغيرة المخزومي. وعن الحسن أنه سئل عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو (١) ، فقال : هذا تمنّ ، وإنما الرجاء قوله : وتلا هذه الاية. وقرى : إنما يذكر ، بالإدغام.
(قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ)(١٠)
(فِي هذِهِ الدُّنْيا) متعلق بأحسنوا لا بحسنة ، معناه : الذين أحسنوا في هذه الدنيا فلهم حسنة في الآخرة. وهي دخول الجنة ، أى : حسنة غير مكتنهة بالوصف. وقد علقه السدى بحسنة ، ففسر الحسنة بالصحة والعافية. فإن قلت : إذا علق الظرف بأحسنوا فإعرابه ظاهر ، فما معنى تعليقه بحسنة؟ ولا يصح أن يقع صفة لها لتقدمه. قلت : هو صفة لها إذا تأخر ، فإذا تقدم كان بيانا لمكانها فلم يخل التقدم بالتعلق ، وإن لم يكن التعلق وصفا ومعنى (وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ) أن لا عذر للمفرطين في الإحسان البتة ، حتى إن اعتلوا بأوطانهم وبلادهم ، وأنهم لا يتمكنون فيها من التوفر على الإحسان ، وصرف الهمم إليه قيل لهم : فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة ، فلا تجتمعوا مع العجز ، وتحوّلوا إلى بلاد أخر ، واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا إحسانا إلى إحسانهم وطاعة إلى طاعتهم. وقيل : هو الذين كانوا في بلد المشركين فأمروا بالمهاجرة عنه ، كقوله تعالى (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها) وقيل : هي أرض الجنة. و (الصَّابِرُونَ) الذين صبروا على مفارقة
__________________
(١) قال محمود : «سئل الحسن عمن يتمادى على المعاصي ويرجو ... الخ» قال أحمد : كلام الحسن رضى الله عنه صحيح غير منزل على كلام الزمخشري بقرينة حاله ، فان الحسن أراد أن المتمادى على المعصية مصرا عليها غير تائب إذا غلب رجاؤه خوفه كان متمنيا ، لأن اللائق بهذا أن يغلب خوفه رجاؤه ، ولم يرد الحسن إقناط هذا من رحمة الله تعالى وحاشاه ، وأما قرينة حال الزمخشري فإنها تم على ما أضمره من إيراد هذه المقالة ، فان معتقده أن مثل هذا العاصي وإن كان موحدا يجب خلوده في نار جهنم ، ولا معنى لرجائه ، ولتنميته صحة هذا المعتقد أورد مقالة الحسن كالتزام إلى تتميم هذه النزعة ، وعما قليل يقرع سمعه ما في أنباء هذه السورة.
أوطانهم وعشائرهم ، وعلى غيرها. من تجرّع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وازدياد الخير (بِغَيْرِ حِسابٍ) لا يحاسبون عليه. وقيل : بغير مكيال وغير ميزان يغرف لهم غرفا ، وهو تمثيل للتكثير. وعن ابن عباس رضى الله عنهما : لا يهتدى إليه حساب الحساب ولا يعرف. وعن النبىّ صلى الله عليه وسلم : «ينصب الله الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ، ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين. ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين ، ويؤتى بأهل البلاء ، فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ، ويصب عليهم الأجر صبا ، قال الله تعالى (إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ) حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أنّ أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل» (١).
(قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ) (١٥)
(قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ) بإخلاص الدين (وَأُمِرْتُ) بذلك لأجل (لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) أى مقدمهم وسابقهم في الدنيا والآخرة. ولمعنى : أنّ الإخلاص له السبقة في الدين ، فمن أخلص كان سابقا. فإن قلت : كيف عطف (أُمِرْتُ) على (أُمِرْتُ) وهما واحد (٢)؟ قلت : ليسا بواحد لاختلاف جهتيهما ، وذلك أنّ الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء ، والأمر به ليحرز القائم به قصب السبق في الدين شيء ، وإذا اختلف وجها الشيء وصفتاه ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين
__________________
(١) أخرجه الثعلبي وابن مردويه ، من حديث أنس رضى الله عنه. وإسناده ضعيف جدا. وأورده أبو نعيم في الحلية في ترجمة جابر بن زيد عن الطبراني. وهو في معجمه بإسناده إلى قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضى الله عنهما مختصرا.
(٢) قال محمود : «فان قلت : كيف عطف أمرت على أمرت وهما واحد ، وأجاب بأنه ليس بتكرير ... الخ» قال أحمد : ولقد أحسن في تقوية هذا المعنى في هذه الآية بقوله (فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ) دونه فان مقابلته بعدم الحصر توجب كونه للحصر ، والله أعلم. وما أحسن ما بين وجوه المبالغة في وصف الله تعالى لفظاعة خسرانهم فقال : استأنف الجملة وصدرها بحرف التنبيه ، ووسط الفصل بين المبتدإ والخبر ، وعرف الخسران ونعته بالمبين ، وبين في تسمية الشيطان طاغوتا وجوها ثلاثة من المبالغة ، أحدها : تسمينه بالمصدر كأنه نفس الطغيان ، الثاني : بناؤه على فعلوت وهي صيغة مبالغة كالرحموت ، وهي الرحمة الواسعة والملكوت وشبهه. الثالث : تقديم لامه على عينه ليفيد اختصاص الشيطان بهذه التسمية.
ولك أن تجعل اللام مزيدة مثلها في أردت لأن أفعل ، ولا تزاد إلا مع أن خاصة دون الاسم الصريح ، كأنها زيدت عوضا من ترك الأصل إلى ما يقوم مقامه ، كما عوّض السين في اسطاع عوضا من ترك الأصل الذي هو أطوع ، والدليل على هذا الوجه مجيئه بغير لام في قوله (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) و (أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ، و (أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) وفي معناه أوجه : أن أكون أوّل من أسلم في زماني ومن قومي ، لأنه أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام وحطمها. وأن أكون أوّل الذين دعوتهم إلى الإسلام إسلاما. وأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره ، لأكون مقتدى بى في قولي وفعلى جميعا ، ولا تكون صفتي صفة الملوك الذين يأمرون بما لا يفعلون ، وأن أفعل ما أستحق به الأوّلية من أعمال السابقين دلالة على السبب بالمسبب يعنى : أن الله أمرنى أن أخلص له الدين من الشرك والرياء وكلّ شوب ، بدليل العقل والوحى. فإن عصيت ربى بمخالفة الدليلين ، استوجبت عذابه فلا أعصيه ولا أتابع أمركم ، وذلك حين دعوه إلى دين آبائه. فإن قلت : ما معنى التكرير في قوله (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ) وقوله (قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي) قلت : ليس بتكرير ، لأنّ الأوّل إخبار بأنه مأمور من جهة الله بإحداث العبادة والإخلاص. والثاني : إخبار بأنه يختص الله وحده دون غيره بعبادته مخلصا له دينه ، ولدلالته على ذلك قدّم المعبود على فعل العبادة وأخره في الأوّل فالكلام أوّلا واقع في الفعل نفسه وإيجاده ، وثانيا فيمن يفعل الفعل لأجله ، ولذلك رتب عليه قوله (فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ) والمراد بهذا الأمر الوارد على وجه التخيير : المبالغة في الخذلان والتخلية ، على ما حققت فيه القول مرتين. قل إنّ الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه وأسبابه : هم (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) لوقوعها في هلكة لا هلكة بعدها (وَ) خسروا (أَهْلِيهِمْ) لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم ، وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا رجوع بعده إليهم. وقيل : وخسروهم (١) لأنهم لم يدخلوا مدخل المؤمنين الذين لهم أهل في الجنة ، يعنى : وخسروا أهليهم الذين كانوا يكونون لهم لو آمنوا ، ولقد وصف خسرانهم بغاية الفظاعة في قوله (أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ) حيث استأنف الجملة وصدرها بحرف التنبيه ، ووسط الفصل بين المبتدأ والخبر ، وعرف الخسران ونعته بالمبين.
(لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ)(١٦)
__________________
(١) قوله «وخسروهم» لعله «خسروهم» بدون واو. (ع)
(وَمِنْ تَحْتِهِمْ) أطباق من النار هي (ظُلَلٌ) لآخرين (ذلِكَ) العذاب هو الذي يتوعد الله (بِهِ عِبادَهُ) ويخوّفهم ، ليجتنبوا ما يوقعهم فيه (يا عِبادِ فَاتَّقُونِ) ولا تتعرّضوا لما يوجب سخطى ، وهذه عظة من الله تعالى ونصيحة بالغة. وقرئ : يا عبادي.
(وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ)(١٨)
(الطَّاغُوتَ) فعلوت من الطغيان كالملكوت والرحموت ، إلا أن فيها قلبا بتقديم اللام على العين ، أطلقت على الشيطان أو الشياطين ، لكونها مصدرا وفيها مبالغات ، وهي التسمية بالمصدر ، كأن عين الشيطان طغيان ، وأنّ البناء بناء مبالغة ، فإنّ الرحموت : الرحمة الواسعة ، والملكوت : الملك المبسوط ، والقلب وهو للاختصاص ، إذ لا تطلق على غير الشيطان ، والمراد بها هاهنا الجمع. وقرئ : الطواغيت (أَنْ يَعْبُدُوها) بدل من الطاغوت بدل الاشتمال (لَهُمُ الْبُشْرى) هي البشارة بالثواب ، كقوله تعالى (لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ) الله عزّ وجل يبشرهم بذلك في وحيه على ألسنة رسله ، وتتلقاهم الملائكة عند حضور الموت مبشرين ، وحين يحشرون. قال الله تعالى (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ) وأراد بعباده (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم ، وإنما أراد بهم أن يكونوا مع الاجتناب والإنابة على هذه الصفة ، فوضع الظاهر موضع الضمير ، وأراد أن يكونوا نقادا في الدين يميزون بين الحسن والأحسن والفاضل والأفضل ، فإذا اعترضهم أمران : واجب وندب ، اختاروا الواجب ، وكذلك المباح والندب ، حرّاصا على ما هو أقرب عند الله وأكثر ثوابا ، ويدخل تحته المذاهب واختيار أثبتها على السبك وأقواها عند السبر (١) ، وأبينها دليلا أو أمارة ، وأن لا تكون في مذهبك ، كما قال القائل :
ولا تكن مثل عير قيد فانقادا (٢)
__________________
(١) قال محمود : «يدخل تحت هذا المذاهب واختيار أثبتها على السبك وأقواها عند السبر ... الخ» قال أحمد : لقد كنت أطمع لعله رجع عما ضمن هذا الكتاب من المذاهب الرديئة والمعتقدات الفاسدة ، حتى حققت من كلامه هذا أن ذلك التصميم كان متمكنا من فؤاده الصميم ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
|
(٢) شمر وكن في أمور الدين مجتهدا |
|
ولا تكن مثل عير قيد فانقادا |
للزمخشري. تشمير الثياب عن الساعد : كناية عن ترك الكسل ، ثم قال : واجتهد في أحكام الدين ولا تقلد غيرك ، فتكون مثل حمار قاده الشخص فانقاد وطاوعه أينما يوجهه. ويحتمل أن المعنى : اجتهد في العمل ولا تطع الشيطان.
يريد المقلد ، وقيل : يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن. وقيل : يستمعون أوامر الله فيتبعون أحسنها ، نحو القصاص والعفو ، والانتصار والإغضاء ، والإبداء والإخفاء لقوله تعالى (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) ، (وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) وعن ابن عباس رضى الله عنهما : هو الرجل يجلس مع القوم فيسمع الحديث فيه محاسن ومساو ، فيحدّث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه. ومن الوقفة من يقف على : فبشر عبادي ، ويبتدئ : الذين يستمعون ، يرفعه على الابتداء ، وخبره (أُولئِكَ).
(أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ)(١٩)
أصل الكلام : أمّن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه ، جملة شرطية دخل عليها همزة الإنكار والفاء فاء الجزاء ، ثم دخلت الفاء التي في أوّلها للعطف على محذوف يدل عليه الخطاب ، تقديره : أأنت مالك أمرهم ، فمن حق عليه العذاب فأنت تنقذه ، والهمزة الثانية هي الأولى ، كرّرت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد ، ووضع (مَنْ فِي النَّارِ) موضع الضمير ، فالآية على هذا جملة واحدة. ووجه آخر : وهو أن تكون الآية جملتين : أفمن حق عليه العذاب فأنت تخلصه؟ أفأنت تنقذ من في النار؟ وإنما جاز حذف : فأنت تخلصه ، لأن (أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ) يدل عليه : نزل استحقاقهم العذاب وهم في الدنيا منزلة دخولهم النار ، حتى نزل اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكدّه نفسه في دعائهم إلى الإيمان : منزلة إنقاذهم من النار. وقوله (أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ) يفيد أنّ الله تعالى هو الذي يقدر على الإنقاذ من النار وحده ، لا يقدر على ذلك أحد غيره ، فكما لا تقدر أنت أن تنقذ الداخل في النار من النار ، لا تقدر أن تخلصه مما هو فيه من استحقاق العذاب بتحصيل الإيمان فيه.
(لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ)(٢٠)
(غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ) علالي بعضها فوق بعض. فإن قلت : ما معنى قوله (مَبْنِيَّةٌ)؟ قلت : معناه ـ والله أعلم ـ : أنها بنيت بناء المنازل التي على الأرض وسوّيت تسويتها (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) كما تجرى من تحت المنازل ، من غير تفاوت بين العلوّ والسفل (وَعْدَ اللهِ) مصدر مؤكد ، لأنّ قوله لهم غرف في معنى ، وعدهم الله ذلك.
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ)(٢١)
(أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً) هو المطر. وقيل : كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة ، ثم يقسمه الله (فَسَلَكَهُ) فأدخله ونظمه (يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ) عيونا ومسالك ومجارى كالعروق في الأجساد (مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ) هيئاته من خضرة وحمرة وصفرة وبياض وغير ذلك ، وأصنافه من برّ وشعير وسمسم وغيرها (يَهِيجُ) يتم جفافه ، عن الأصمعى ، لأنه إذا تم جفافه حان له أن يثور عن منابته ويذهب (حُطاماً) فتاتا ودرينا (١) (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى) لتذكيرا وتنبيها ، على أنه لا بدّ من صانع حكيم ، وأن ذلك كائن عن تقدير وتدبير ، لا عن تعطيل وإهمال. ويجوز أن يكون مثلا للدنيا ، كقوله تعالى (إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا) ، (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا). وقرئ : مصفارّا.
(أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(٢٢)
(أَفَمَنْ) عرف الله أنه من أهل اللطف فلطف به حتى انشرح صدره للإسلام ورغب فيه وقبله كمن لا لطف له فهو حرج الصدر قاسى القلب ، ونور الله : هو لطفه ، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقيل يا رسول الله : كيف انشراح الصدر؟ قال «إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح (٢) فقيل : يا رسول الله ، فما علامة ذلك؟ قال «الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والتأهب للموت قبل نزول الموت» وهو نظير قوله : (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ) في حذف الخبر (مِنْ ذِكْرِ اللهِ) من أجل ذكره ، أى : إذا ذكر الله عندهم أو آياته اشمأزوا وازدادت قلوبهم قساوة ، كقوله تعالى (فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ) وقرئ : عن ذكر الله. فإن قلت : ما الفرق بين من وعن في هذا؟ «قلت» : إذا قلت : قسا قلبه من ذكر الله ، فالمعنى ما ذكرت ، من أن القسوة من أجل الذكر وبسببه ، وإذا قلت : عن ذكر الله ، فالمعنى : غلظ عن قبول الذكر وجفا عنه. ونظيره : سقاه من العيمة ، أى من أجل عطشه ، وسقاه عن العيمة : إذا أرواه حتى أبعده عن العطش.
(اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ
__________________
(١) قوله «فتاتا ودرينا» في الصحاح «الدرين» : خطام المرعى إذا قدم ، وهو ما يلي من الحشيش. (ع)
(٢) أخرجه الثعلبي والحاكم والبيهقي في الشعب من حديث ابن مسعود. وفيه أبو فروة الرهاوي فيه كلام. ورواه الترمذي الحكيم في النوادر في الأصل السادس والثمانين. وفي إسناده إبراهيم بن [بياض بالأصل.] وهو ضعيف.
يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ) (٢٣)
عن ابن مسعود رضى الله عنه : أنّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة ، فقالوا له : حدثنا فنزلت ، وإيقاع اسم الله مبتدأ وبناء (نَزَّلَ) عليه : فيه تفخيم لأحسن الحديث ، ورفع منه ، واستشهاد على حسنه ، وتأكيد لاستناده إلى الله وأنه من عنده ، وأن مثله لا يجوز أن يصدر إلا عنه ، وتنبيه على أنه وحى معجز مباين لسائر الأحاديث. و (كِتاباً) بدل من أحسن الحديث. ويحتمل أن يكون حالا منه و (مُتَشابِهاً) مطلق في مشابهة بعضه بعضا ، فكان متناولا لتشابه معانيه في الصحة والإحكام ، والبناء على الحق والصدق ومنفعة الخلق ، وتناسب ألفاظه وتناصفها في التخير والإصابة ، وتجاوب نظمه وتأليفه في الإعجاز والتبكيت ، ويجوز أن يكون (مَثانِيَ) بيانا لكونه متشابها ، لأن القصص المكررة لا تكون إلا متشابهة. والمثاني جمع مثنى بمعنى مردّد ومكرّر ، ولما ثنى من قصصه وأنبائه ، وأحكامه ، وأوامره ونواهيه ، ووعده ووعيده ، ومواعظه. وقيل : لأنه يثنى في التلاوة ، فلا يمل كما جاء في وصفه لا يتفه ولا يتشان (١) ولا يخلق على كثرة الرّد. ويجوز أن يكون جمع مثنى مفعل ، من التثنية بمعنى التكرير. والإعادة كما كان قوله تعالى (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) بمعنى كرّة بعد كرّة ، وكذلك : لبيك وسعديك ، وحنانيك. فإن قلت : كيف وصف الواحد بالجمع؟ قلت : إنما صحّ ذلك لأنّ الكتاب جملة ذات تفاصيل ، وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير. ألا تراك تقول : القرآن أسباع وأخماس ، وسور وآيات ، وكذلك تقول : أقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات ، ونظيره قولك : الإنسان عظام وعروق وأعصاب ، إلا أنك تركت الموصوف إلى الصفة ، وأصله : كتابا متشابها فصولا مثاني. ويجوز أن يكون كقولك : برمة أعشار ، وثوب أخلاق. ويجوز أن لا يكون مثاني صفة ، ويكون منتصبا على التمييز من متشابها ، كما تقول : رأيت رجلا حسنا شمائل ، والمعنى : متشابهة مثانيه. فإن قلت : ما فائدة التثنية والتكرير؟ قلت ، النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة ، فما لم يكرر عليها عودا عن بدء لم يرسخ فيها ولم يعمل عمله ، ومن ثم كانت عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكرر عليهم ما كان يعظ به وينصح ثلاث مرات وسبعا ، (٢) ليركزه في قلوبهم
__________________
(١) قوله «لا يتفه ولا يتشان» في الصحاح «التافه» : الحقير اليسير : وفيه تشانت القربة : أخلقت ، وتشان الجلد : يبس وتشنج. (ع)
(٢) لم أجده. وفي البخاري عن أنس رضى الله عنه «كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا ـ الحديث» وزاد أحمد «وكان يستأذن ثلاثا».
ويغرسه في صدورهم. اقشعر الجلد : إذا تقبض تقبضا شديدا ، وتركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس ، مضموما إليها حرف رابع وهو الراء ، ليكون رباعيا ودالا على معنى زائد. يقال : اقشعر جلده من الخوف وقف شعره ، (١) وهو مثل في شدّة الخوف ، فيجوز أن يريد به الله سبحانه التمثيل ، تصويرا لإفراط خشيتهم ، وأن يريد التحقيق. والمعنى : أنهم إذا سمعوا بالقرآن وبآيات وعيده : أصابتهم خشية تقشعر منها جلودهم ، ثم إذا ذكروا الله ورحمته وجوده بالمغفرة : لانت جلودهم وقلوبهم وزال عنها ما كان بها من الخشية والقشعريرة. فإن قلت : ما وجه تعدية «لان» بإلى؟ قلت : ضمن معنى فعل متعدّ بإلى ، كأنه قيل : سكنت. أو اطمأنت إلى ذكر الله لينة غير متقبضة ، راجية غير خاشية. فإن قلت : لم اقتصر على ذكر الله من غير ذكر الرحمة؟ قلت : لأنّ أصل أمره الرحمة والرأفة ، ورحمته هي سابقة غصبه ، فلأصالة رحمته إذا ذكر لم يخطر بالبال قبل كل شيء من صفاته إلا كونه رءوفا رحيما. فإن قلت : لم ذكرت الجلود وحدها أوّلا ، ثم قرنت بها القلوب ثانيا؟ قلت : إذا ذكرت الخشية التي محلها القلوب ، فقد ذكرت القلوب ، فكأنه قيل : تقشعر جلودهم من آيات الوعيد ، وتخشى قلوبهم في أوّل وهلة ، فإذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والمرحمة : استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم ، وبالقشعريرة لينا في جلودهم (ذلِكَ) إشارة إلى الكتاب ، وهو (هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ) يوفق به من يشاء ، يعنى : عباده المتقين ، حتى يخشوا تلك الخشية ويرجوا ذلك الرجاء ، كما قال : هدى للمتقين (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ) ومن يخذله من الفساق (٢) والفجرة (فَما لَهُ مِنْ هادٍ) أو ذلك الكائن من الخشية والرجاء هدى الله ، أى : أثر هداه وهو لطفه ، فسماه هدى لأنه حاصل بالهدى (يَهْدِي بِهِ) بهذا الأثر من يشاء من عباده ، يعنى : من صحب أولئك ورءاهم خاشين راجين ، فكان ذلك مرغبا لهم في الاقتداء بسيرتهم وسلوك طريقتهم (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ) : ومن لم يؤثر فيه ألطافه لقسوة قلبه وإصراره على فجوره ، (فَما لَهُ مِنْ هادٍ) من مؤثر فيه بشيء قط.
(أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ)(٢٦)
__________________
(١) قوله «وقف شعره» أى : قام من الفزع ، كذا في الصحاح. (ع)
(٢) قوله «ومن يخذله من الفساق» تأويل الضلال بذلك مبنى على مذهب المعتزلة أن الله لا يخلق الشر. وعند أهل السنة : أنه يخلقه كالخير ، فالاضلال : خلق الضلال في القلب. (ع)
يقال : اتقاه بدرقته : استقبله بها فوقى بها نفسه إياه واتقاه بيده. وتقديره : (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ) كمن أمن العذاب (١) ، فحذف الخبر كما حذف في نظائره : وسوء العذاب : شدّته. ومعناه : أن الإنسان إذا لقى مخوفا من المخاوف استقبله بيده ، وطلب أن يقي بها وجهه ، لأنه أعز أعضائه عليه والذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه ، فلا يتهيأ له أن يتقى النار إلا بوجهه الذي كان يتقى المخاوف بغيره ، وقاية له ومحاماة عليه. وقيل : المراد بالوجه الجملة ، وقيل : نزلت في أبى جهل. وقال لهم خزنة النار (ذُوقُوا) وبال (ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ......) (مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) من الجهة التي لا يحتسبون ، ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها ، بينا هم آمنون رافهون إذ فوجئوا من مأمنهم. والخزي : الذل والصغار ، كالمسخ والخسف والقتل والجلاء ، وما أشبه ذلك من نكال الله.
(وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(٢٨)
(قُرْآناً عَرَبِيًّا) حال مؤكدة كقولك : جاءني زيد رجلا صالحا وإنسانا عاقلا. ويجوز أن ينتصب على المدح (غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) مستقيما بريئا من التناقض والاختلاف. فإن قلت : فهلا قيل : مستقيما : أو غير معوج؟ قلت : فيه فائدتان ، إحداهما : نفى أن يكون فيه عوج قط ، كما قال : (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً) والثانية : أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان. وقيل : المراد بالعوج : الشك واللبس. وأنشد :
|
وقد أتاك يقين غير ذى عوج |
|
من الإله وقول غير مكذوب (٢) |
(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)(٢٩)
واضرب لقومك مثلا ، وقل لهم : ما تقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء بينهم
__________________
(١) قال محمود : «معناه كمن هو آمن ، فحذف الخبر أسوة أمثله ... الخ» قال أحمد : الملقى في النار والعياذ بالله ، لم يقصد الاتقاء بوجهه ، ولكنه لم يجد ما يتقى به النار غير وجهه ، ولو وجد لفعل ، فلما لقيها بوجهه كانت حاله حال المتقى بوجهه ، فعبر عن ذلك بالاتقاء من باب المجاز التمثيلى ، والله أعلم.
(٢) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمراد باليقين والقول : القرآن. أو اليقين : الأسرار ، والقول : القرآن. أو اليقين : القرآن ، والقول : ما عداه من الأوامر والنواهي ، و «من الاله» متعلق بأتاك. والمعنى : أن ذاك من الشك واللبس ، ومن الكذب ، فالعوج : استعارة تصريحية.
اختلاف وتنازع : كل واحد منهم يدعى أنه عبده ، فهم يتجاذبونه ويتعاورونه في مهن شتى ومشاده ، وإذا عنت له حاجة تدافعوه ، فهو متحير في أمره سادر ، (١) قد تشعبت الهموم قلبه وتوزعت أفكاره ، لا يدرى أيهم يرضى بخدمته؟ وعلى أيهم يعتمد في حاجاته. وفي آخر : قد سلم لمالك واحد وخلص له ، فهو معتنق لما لزمه من خدمته ، معتمد عليه فيما يصلحه ، فهمه واحد وقلبه مجتمع ، أى هذين العبدين أحسن حالا وأجمل شأنا؟ والمراد : تمثيل حال من يثبت آلهة شتى ، وما يلزمه على قضية مذهبه من أن يدعى كل واحد منهم عبوديته ، ويتشاكسوا في ذلك ويتغالبوا ، كما قال تعالى (وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ) ويبقى هو متحيرا ضائعا لا يدرى أيهم يعبد؟ وعلى ربوبية أيهم يعتمد؟ وممن يطلب رزقه؟ وممن يلتمس رفقه؟ فهمه شعاع ، (٢) وقلبه أوزاع ، وحال من لم يثبت إلا إلها واحدا ، فهو قائم بما كلفه ، عارف بما أرضاه وما أسخطه ، متفضل عليه في عاجله ، مؤمل للثواب في آجله. و (فِيهِ) صلة شركاء ، كما تقول : اشتركوا فيه. والتشاكس والتشاخس : الاختلاف ، تقول : تشاكست أحواله ، وتشاخست أسنانه (سَلَماً لِرَجُلٍ) خالصا. وقرئ : سلما ، بفتح الفاء والعين ، وفتح الفاء وكسرها مع سكون العين ، وهي مصادر سلم. والمعنى : ذا سلامة لرجل ، أى : ذا خلوص له من الشركة ، من قولهم : سلمت له الضيعة. وقرئ بالرفع على الابتداء ، أى : وهناك رجل سالم لرجل ، وإنما جعله رجلا ليكون أفطن لما شقى به أو سعد ، فإن المرأة والصبى قد يغفلان عن ذلك (هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً) هل يستويان : صفة على التمييز. والمعنى : هل يستوي صفتاهما وحالاهما ، وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس. وقرئ : مثلين ، كقوله تعالى (وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً) مع قوله (أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) ويجوز فيمن قرأ : مثلين ، أن يكون الضمير في (يَسْتَوِيانِ) للمثلين ، لأن التقدير : مثل رجل ومثل رجل. والمعنى : هل يستويان فيما يرجع إلى الوصفية ، كما تقول : كفى بهما رجلين (الْحَمْدُ لِلَّهِ) الواحد الذي لا شريك له دون كل معبود سواه ، أى : يجب أن يكون الحمد متوجها إليه وحده والعبادة ، فقد ثبت أنه لا إله إلا هو (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) فيشركون به غيره.
(إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (٣٣)
__________________
(١) قوله «في أمره سادر» في الصحاح «السادر» : المتحير. (ع)
(٢) قوله «فهمه شعاع ... الخ» بالفتح أى متفرق. وقولهم : بها أوزاع من الناس ، أى : جماعات كذا في الصحاح. (ع)
كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم موته ، فأخبر أن الموت يعمهم ، فلا معنى للتربص ، وشماتة الباقي بالفاني. وعن قتادة : نعى إلى نبيه نفسه ، ونعى إليكم أنفسكم : (١) وقرئ : مائت ومائتون (٢). والفرق بين الميت والمائت : أن الميت صفة لازمة كالسيد. وأما المائت ، فصفة حادثة. تقول : زيد مائت غدا ، كما تقول : سائد غدا ، أى سيموت وسيسود. وإذا قلت : زيد ميت ، فكما تقول : حى في نقيضه ، فيما يرجع إلى اللزوم والثبوت. والمعنى في قوله (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) إنك وإياهم ، وإن كنتم أحياء فأنتم في عداد الموتى ، لأن ما هو كائن فكأن قد كان (ثُمَّ إِنَّكُمْ) ثم إنك وإياهم ، فغلب ضمير المخاطب على ضمير الغيب (تَخْتَصِمُونَ) فتحتج أنت عليهم بأنك بلغت فكذبوا ، فاجتهدت في الدعوة فلجوا في العناد ، ويعتذرون بما لا طائل تحته ، تقول الأتباع : أطعنا سادتنا وكبراءنا ، وتقول السادات : أغوتنا الشياطين وآباؤنا الأقدمون ، وقد حمل على اختصام الجميع وأن الكفار يخاصم بعضهم بعضا ، حتى يقال لهم : لا تختصموا لدىّ ، والمؤمنون الكافرين يبكتونهم بالحجج ، وأهل القبلة يكون بينهم الخصام. قال عبد الله بن عمر : لقد عشنا برهة من دهرنا ونحن نرى أن هذه الآية أنزلت فينا وفي أهل الكتاب؟ قلنا : كيف نختصم ونبينا واحد وديننا واحد وكتابنا واحد؟ حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف ، فعرفت أنها نزلت فينا (٣) وقال أبو سعيد الخدري : كنا نقول : ربنا واحد ونبينا واحد وديننا واحد ، فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صفين وشدّ بعضنا على بعض بالسيوف ، قلنا : نعم هو هذا (٤). وعن إبراهيم النخعي قالت الصحابة : ما خصومتنا ونحن إخوان؟ فلما قتل عثمان رضى الله عنه قالوا : هذه خصومتنا (٥). وعن أبى العالية : نزلت في أهل القبلة. والوجه الذي يدل عليه كلام الله هو ما قدمت أولا. ألا ترى إلى قوله تعالى (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ) وقوله تعالى (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) وما هو إلا بيان وتفسير للذين يكون بينهم الخصومة (كَذَبَ عَلَى اللهِ) افترى عليه بإضافة
__________________
(١) قوله «ونعى إليكم أنفسكم» لعله : إليهم أنفسهم. (ع)
(٢) قال محمود : «قرئ : إنك ميت ومائت ... الخ» قال أحمد : فاستعمال ميت مجاز ، إذ الخطاب مع الأحياء واستعمال مائت حقيقة إذ لا يعطى اسم الفاعل وجود الفعل حال الخطاب. ونظيره قوله تعالى (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها) يعنى : توفى الموت (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها) أى يتوفاها حين المنام ، تشبيها للنوم بالموت ، كقوله (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) فيمسك الأنفس التي قضى عليها الموت الحقيقي ، أى : لا يردها في وقتها حية (وَيُرْسِلُ الْأُخْرى) أى النائمة إلى الأجل الذي سماه ، أى قدره لموتها الحقيقي. هذا أوضح ما قيل في تفسير الآية ، والله أعلم.
(٣) أخرجه الحاكم من رواية القاسم بن عوف عن ابن عمر رضى الله عنهما.
(٤) ذكره الثعلبي. قال : وروى خلف بن خليفة عن أبى هاشم عن الخدري.
(٥) أخرجه عبد الرزاق والطبري والثعلبي من رواية عبد الله بن عوف عن إبراهيم بهذا.
الولد والشريك إليه (وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ) بالأمر الذي هو الصدق بعينه ، وهو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم (إِذْ جاءَهُ) فاجأه بالتكذيب لما سمع به من غير وقفة ، لإعمال روية واهتمام بتمييز بين حق وباطل ، كما يفعل أهل النصفة فيما يسمعون (مَثْوىً لِلْكافِرِينَ) أى لهؤلاء الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق ، واللام في (لِلْكافِرِينَ) إشارة إليهم.
(وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ)(٣٥)
(وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) هو رسول الله صلى الله عليه وسلم : جاء بالصدق وآمن به ، وأراد به إياه ومن تبعه ، كما أراد بموسى إياه وقومه في قوله (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) فلذلك قال (أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) إلا أن هذا في الصفة وذاك في الاسم. ويجوز أن يريد : والفوج أو الفريق الذي جاء بالصدق وصدق به ، وهم الرسول الذي جاء بالصدق ، وصحابته الذين صدقوا به. وفي قراءة ابن مسعود : والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به. وقرئ : وصدق به. بالتخفيف ، أى : صدق به الناس ولم بكذبهم به ، يعنى : أداه إليهم كما نزل عليه من غير تحريف. وقيل : صار صادقا به ، أى : بسببه ، لأنّ القرآن معجزة ، والمعجزة تصديق من الحكيم الذي لا يفعل القبيح لمن يجريها على يده ، ولا يجوز أن يصدق إلا الصادق ، فيصير لذلك صادقا بالمعجزة ، وقرئ : وصدّق به. فإن قلت : ما معنى إضافة الأسوإ والأحسن إلى الذي عملوا ، وما معنى التفضيل فيهما؟ قلت : أما الإضافة فما هي من إضافة أفعل إلى الجملة التي يفضل عليها ، ولكن من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل ، كقولك : الأشج أعدل بنى مروان. وأما التفضيل فإيذان بأن السيء الذي يفرط منهم من الصغائر والزلات المكفرة ، هو عندهم الأسوأ لاستعظامهم المعصية ، والحسن الذي يعملونه هو عند الله الأحسن ، لحسن إخلاصهم فيه ، فلذلك ذكر سيئهم بالأسوإ وحسنهم بالأحسن. وقرئ : أسواء الذي عملوا جمع سوء.
(أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ)(٣٧)
(أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ) أدخلت همزة الإنكار على كلمة النفي ، فأفيد معنى إثبات الكفاية وتقريرها. وقرئ : بكاف عبده ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبكاف عباده وهم الأنبياء ، وذلك أن قريشا قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا ، وإنا نخشى عليك معرّتها (١) لعيبك إياها. ويروى : أنه بعث خالدا إلى العزى ليكسرها ، فقال له سادنها : أحذركها يا خالد ، إن لها لشدّة لا يقوم لها شيء ، فعمد خالد إليها فهشم أنفها. فقال الله عز وجل : أليس الله بكاف نبيه أن يعصمه من كل سوء ويدفع عنه كل بلاء في مواطن الخوف. وفي هذا تهكم بهم ، لأنهم خوّفوه ما لا يقدر على نفع ولا ضر. أو أليس الله بكاف أنبياءه ولقد قالت أممهم نحو ذلك ، فكفاهم الله وذلك قول قوم هود (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ) ويجوز أن يريد : العبد والعباد على الإطلاق ، لأنه كافيهم في الشدائد وكافل مصالحهم. وقرئ : بكافى عباده ، على الإضافة. ويكافي عباده ، ويكافي : يحتمل أن يكون غير مهموز مفاعلة من الكفاية ، كقولك : يجازى في يجزى ، وهو أبلغ من كفى ، لبنائه على لفظ المبالغة. والمباراة : أن يكون مهموزا ، من المكافأة وهي المجازاة ، لما تقدم من قوله (وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ) ، (بِالَّذِينَمِنْ دُونِهِ) أراد : الأوثان التي اتخذوها آلهة من دونه (بِعَزِيزٍ) بغالب منيع (ذِي انْتِقامٍ) ينتقم من أعدائه ، وفيه وعيد لقريش ووعد للمؤمنين بأنه ينتقم لهم منهم ، وينصرهم عليهم.
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ)(٣٨)
قرئ : كاشفات ضرّه ، وممسكات رحمته بالتنوين على الأصل ، وبالإضافة للتخفيف.
فإن قلت : لم فرض المسألة في نفسه دونهم؟ قلت : لأنهم خوّفوه معرّة الأوثان وتخبيلها ، فأمر بأن يقرّرهم أوّلا بأنّ خالق العالم هو الله وحده. ثم يقول لهم بعد التقرير : فإذا أرادنى خالق العالم الذي أقررتم به بضرّ من مرض أو فقر أو غير ذلك من النوازل. أو برحمة من صحة أو غنى أو نحوهما ، هل هؤلاء اللاتي خوّفتمونى إياهن كاشفات عنى ضره أو ممسكات رحمته ، حتى إذا ألقمهم الحجر وقطعهم حتى لا يحيروا ببنت شفة قال (حَسْبِيَ اللهُ) كافيا لمعرّة أوثانكم (عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) وفيه تهكم. ويروى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سألهم فسكتوا ، فنزل (قُلْ
__________________
(١) قوله «معرتها» أى : إثمها. أفاده الصحاح. (ع)
حَسْبِيَ اللهُ) فإن قلت. لم قيل : كاشفات ، وممسكات ، على التأنيث بعد قوله تعالى (وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)؟ قلت : أنثهن وكن إناثا وهن اللات والعزى ومناة. قال الله تعالى (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى) ليضعفها ويعجزها زيادة تضعيف وتعجيز عما طالبهم به من كشف الضر وإمساك الرحمة ، لأنّ الأنوثة من باب للين والرخاوة ، كما أنّ الذكورة من باب الشدّة والصلابة ، كأنه قال : الإناث اللاتي هنّ اللات والعزى ومناة أضعف مما تدعون لهنّ وأعجز. وفيه تهكم أيضا.
(قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ)(٤٠)
(عَلى مَكانَتِكُمْ) على حالكم التي أنتم عليها وجهتكم من العداوة التي تمكنتم منها. والمكانة بمعنى المكان ، فاستعيرت عن العين للمعنى كما يستعار هنا. وحيث للزمان ، وهما للمكان. فإن قلت : حق الكلام : فإنى عامل على مكانتى. فلم حذف؟ قلت : للاختصار ، ولما فيه من زيادة الوعيد ، والإيذان بأنّ حاله لا تقف ، وتزداد كل يوم قوّة وشدّة ، لأنّ الله ناصره ومعينه ومظهره على الدين كله. ألا ترى إلى قوله (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ) كيف توعدهم بكونه منصورا عليهم غالبا عليهم في الدنيا والآخرة ، لأنهم إذا أتاهم الخزي والعذاب فذاك عزه وغلبته ، من حيث أن الغلبة تتم له بعز عزيز من أوليائه ، وبذل ذليل من أعدائه (يُخْزِيهِ) مثل مقيم في وقوعه صفة للعذاب ، أى : عذاب مخز له ، وهو يوم بدر ، وعذاب دائم وهو عذاب النار. وقرئ : مكاناتكم.
(إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ)(٤١)
(لِلنَّاسِ) لأجلهم ولأجل حاجتهم إليه ، ليبشروا وينذروا ، فتقوى دواعيهم إلى اختيار الطاعة على المعصية. ولا حاجة لي إلى ذلك فأنا الغنى ، فمن اختار الهدى فقد نفع نفسه ، ومن اختار الضلالة فقد ضرها. وما وكلت عليهم لتجبرهم على الهدى ، فإنّ التكليف مبنى على الاختيار دون الإجبار.
(اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(٤٢)
(الْأَنْفُسَ) الجمل كما هي. وتوفيها : إماتتها ، وهو أن يسلب ما هي به حية حساسة درّاكة : من صحة أجزائها وسلامتها ، لأنها عند سلب الصحة كأن ذاتها قد سلبت (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها) يريد ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها ، أى : يتوفاها حين تنام ، تشبيها للنائمين بالموتى. ومنه قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) حيث لا يميزون ولا يتصرفون ، كما أنّ الموتى كذلك (فَيُمْسِكُ) الأنفس (الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ) الحقيقي ، أى : لا يردّها في وقتها حية (وَيُرْسِلُ الْأُخْرى) النائمة (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) إلى وقت ضربه لموتها. وقيل : يتوفى الأنفس يستوفيها ويقضيها ، وهي الأنفس التي تكون معها الحياة والحركة ، ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها ، وهي أنفس التمييز. قالوا : فالتي تتوفى في النوم هي نفس التمييز لا نفس الحياة ، لأنّ نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس ، والنائم يتنفس. ورووا عن ابن عباس رضى الله عنهما في ابن آدم «نفس وروح» بينهما مثل شعاع الشمس ، فالنفس التي بها العقل والتمييز والروح التي بها النفس والتحرك ، فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه» (١) والصحيح ما ذكرت أوّلا ، لأنّ الله عز وعلا علق التوفي والموت والمنام جميعا بالأنفس ، وما عنوا بنفس الحياة والحركة ونفس العقل والتمييز غير متصف بالموت والنوم ، وإنما الجملة هي التي تموت وهي التي تنام (إِنَّ فِي ذلِكَ) إن في توفى الأنفس مائتة ونائمة وإمساكها وإرسالها إلى أجل لآيات على قدرة الله وعلمه ، لقوم يجيلون فيه أفكارهم ويعتبرون. وقرئ : قضى عليها الموت ، على البناء للمفعول.
(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(٤٤)
(أَمِ اتَّخَذُوا) بل اتخذ قريش ، والهمزة للإنكار (مِنْ دُونِ اللهِ) من دون إذنه (شُفَعاءَ) حين قالوا : (هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ) ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه. ألا ترى إلى قوله تعالى (قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً) أى هو مالكها ، فلا يستطيع أحد شفاعة إلا بشرطين : أن يكون المشفوع له مرتضى ، وأن يكون الشفيع مأذونا له. وهاهنا الشرطان مفقودان جميعا (أَوَلَوْ كانُوا) معناه : أيشفعون ولو كانوا (لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ) أى : ولو كانوا على هذه الصفة لا يملكون شيأ قط ، حتى يملكوا الشفاعة ولا عقل لهم (لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)
__________________
(١) لم أجده.
تقرير لقوله تعالى (لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً) لأنه إذا كان له الملك كله والشفاعة من الملك ، كان مالكا لها. فإن قلت : بم يتصل قوله (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)؟ قلت : بما يليه ، معناه : له ملك السماوات والأرض اليوم ثم إليه ترجعون يوم القيامة ، فلا يكون الملك في ذلك اليوم إلا له. فله ملك الدنيا والآخرة.
(وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)(٤٥)
مدار المعنى على قوله وحده ، أى : إذا أفرد الله بالذكر ولم يذكر معه آلهتهم اشمأزوا ، أى : نفروا وانقبضوا (وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) وهم آلهتهم ذكر الله معهم أو لم يذكر استبشروا ، لافتتانهم بها ونسيانهم حق الله إلى هو أهم فيها. وقيل : إذا قيل لا إله إلا الله وحده لا شريك له نفروا ، لأن فيه نفيا لآلهتهم. وقيل : أراد استبشارهم بما سبق إليه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكر آلهتهم حين قرأ «والنجم» عند باب الكعبة ، فسجدوا معه لفرحهم ، ولقد تقابل الاستبشار والاشمئزاز ، إذ كل واحد منهما غاية في بابه ، لأنّ الاستبشار أن يمتلئ قلبه سرورا حتى تنبسط له بشرة وجهه ويتهلل. والاشمئزاز : أن يمتلئ غما وغيظا حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه. فإن قلت : ما العامل في (إِذا ذُكِرَ)؟ قلت : العامل في إذا المفاجأة ، تقديره وقت ذكر الذين من دونه ، فاجئوا وقت الاستبشار.
(قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)(٤٦)
بعل (١) رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم ، وبشدّة شكيمتهم في الكفر والعناد ، فقيل له : ادع الله بأسمائه العظمى ، وقل : أنت وحدك تقدر على الحكم بيني وبينهم ، ولا حيلة لغيرك فيهم. وفيه وصف لحالهم وإعذار لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتسلية له ووعيد لهم. وعن الربيع بن خثيم (٢) وكان قليل الكلام. أنه أخبر بقتل الحسين ـ رضى الله عنه ، وسخط على قاتله ـ وقالوا : الآن يتكلم ، فما زاد على أن قال : آه أوقد فعلوا؟ وقرأ هذه الآية. وروى أنه قال على أثره : قتل من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسه في حجره ويضع فاه على فيه.
__________________
(١) قوله «بعل رسول الله» في الصحاح : «بعل الرجل» بالكسر ، أى : دهش. (ع)
(٢) قوله «وعن الربيع بن خثيم» في النسفي : خيثم. (ع)
(وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)(٤٨)
(وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ) وعيد لهم لا كنه لفظاعته وشدّته ، وهو نظير قوله تعالى في الوعد (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ) والمعنى : وظهر لهم من سخط الله وعذابه ما لم يكن قط في حسابهم ولم يحدءوا به نفوسهم. وقيل : عملوا أعمالا حسبوها حسنات ، فإذا هي سيئات. وعن سفيان الثوري أنه قرأها فقال : ويل لأهل الرياء ، ويل لأهل الرياء. وجزع محمد بن المنكدر عند موته فقيل له ، فقال : أخشى آية من كتاب الله ، وتلاها ، فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أحتسبه (وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا) أى سيئات أعمالهم التي كسبوها. أو سيئات كسبهم ، حين تعرض صحائفهم ، وكانت خافية عليهم ، كقوله تعالى (أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ) أو أراد بالسيآت : أنواع العذاب التي يجازون بها على ما كسبوا ، فسماها سيئات ، كما قال (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها). (وَحاقَ بِهِمْ) ونزل بهم وأحاط جزاء هزئهم.
(فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)(٤٩)
التخويل : مختص بالتفضل. يقال : خولني ، إذا أعطاك على غير جزاء (عَلى عِلْمٍ) أى على علم منى أنى سأعطاه ، لما فىّ من فضل واستحقاق. أو على علم من الله بى وباستحقاقى (١) أو على علم منى بوجوه الكسب ، كما قال قارون (عَلى عِلْمٍ عِنْدِي). فإن قلت : لم ذكر الضمير في (أُوتِيتُهُ) وهو للنعمة؟ قلت : ذهابا به إلى المعنى ، لأنّ قوله (نِعْمَةً مِنَّا) شيئا من النعم وقسما منها. ويحتمل أن تكون «ما» في إنما موصولة لا كافة ، فيرجع إليها الضمير. على معنى : أن الذي أوتيته على علم (بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ) إنكار لقوله كأنه قال : ما خوّلناك ما خولناك من النعمة لما تقول ،
__________________
(١) قال محمود : «معناه على علم من الله بى وباستحقاقى ... الخ» قال أحمد : كذلك يقول على قدرى تمنى على الله أن يثيبه في الآخرة : أن الفرق بين حمد الدنيا وحمد الآخرة أن حمد الدنيا واجب على العبد ، لأنه على نعمة متفضل بها ، وحمد الآخرة ليس بواجب عليه ، لأنه على نعمة واجبة على الله عز وجل ، ولقد صدق الله إذ يقول : وهي فتنة إنما سلم منها أهل السنة ، إذ يعتقدون أن الثواب بفضل الله وبرحمته لا باستحقاق ، ويتبعون في ذلك قول سيد البشر صلى الله عليه وسلم : لا يدخل أحد الجنة بعمله. قيل : ولا أنت يا رسول الله؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمته ، فما أحمق من منى نفسه وركب رأسه ، وطمع أنه يستحق على الله الجنة.
بل هي فتنة ، أى : ابتلاء وامتحان لك ، أتشكر أم تكفر؟ فإن قلت : كيف ذكر الضمير ثم أنثه؟ قلت : حملا على المعنى أوّلا ، وعلى اللفظ آخرا ، ولأن الخبر لما كان مؤنثا أعنى (فِتْنَةٌ) ساغ تأنيث المبتدإ لأجله لأنه في معناه ، كقولهم : ما جاءت حاجتك. وقرئ : بل هو فتنة على وفق (إِنَّما أُوتِيتُهُ). فإن قلت : ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء وعطف مثلها في أوّل السورة بالواو؟ قلت : السبب في ذلك أنّ هذه وقعت مسببة عن قوله (وَإِذا ذُكِرَ اللهُ) (١) (وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ) على معنى أنهم يشمئزون عن ذكر الله ويستبشرون بذكر الآلهة ، فإذا مس أحدهم ضر دعا من اشمأزّ من ذكره ، دون من استبشر بذكره ، وما بينهما من الاى اعتراض. فإن قلت : حق الاعتراض أن يؤكد المعترض بينه وبينه (٢). قلت : ما في الاعتراض من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بأمر منه وقوله (أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ) ثم ما عقبه من الوعيد العظيم : تأكيد لإنكار اشمئزازهم واستبشارهم ورجوعهم إلى الله في الشدائد دون آلهتهم ، كأنه قيل : قل يا رب لا يحكم بيني وبين هؤلاء الذين يجترءون عليك مثل هذه الجرأة ، ويرتكبون مثل هذا المنكر إلا أنت. وقوله (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) متناول لهم ولكل ظالم إن جعل مطلقا. أو إياهم خاصة إن عنيتهم به ، كأنه قيل : ولو أنّ لهؤلاء الظالمين ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به. حين أحكم عليهم بسوء العذاب ، وهذه الأسرار والنكت لا يبرزها إلا علم النظم ، وإلا بقيت محتجبة في أكمامها. وأما الآية الأولى فلم تقع مسببة وما هي إلا جملة ناسبت جملة قبلها فعطفت عليها بالواو ، كقولك : قام زيد وقعد عمرو. فإن قلت : من أى وجه وقعت مسببة؟ والاشمئزاز عن ذكر الله ليس بمقتض لالتجائهم إليه ، بل هو مقتض لصدوفهم (٣) عنه. قلت : في هذا التسبيب لطف ، وبيانه أنك تقول : زيد مؤمن بالله ، فإذا مسه ضر التجأ إليه ، فهذا تسبيب ظاهر لا لبس فيه ، ثم تقول : زيد كافر بالله ، فإذا مسه ضر التجأ إليه ، فتجيء بالفاء مجيئك به ثمة ، كأنّ الكافر حين التجأ إلى الله التجاء المؤمن إليه ، مقيم كفره مقام الإيمان ، ومجريه مجراه في جعله سببا في الالتجاء ، فأنت تحكى ما عكس فيه الكافر. ألا ترى أنك تقصد بهذا الكلام الإنكار والتعجب من فعله؟
(قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ
__________________
(١) قال محمود : «فان قلت : لم عطفت هذه الآية على التي قبلها بالفاء ، والآية التي قبلها في أول السورة بالواو؟ وأجاب بأن هذه الآية مسببة عن قوله وإذا ذكر الله ... الخ» قال أحمد : كلام جليل فافهمه ، فضلا عن مشبه قليل.
(٢) قوله «المعترض بينه وبينه» لعل قوله «وبينه» مزيد من بعض الناسخين. (ع)
(٣) قوله «لصدوفهم عنه» أى : إعراضهم. أفاده الصحاح. (ع)
ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)(٥٢)
الضمير في (قالَهَا) راجع إلى قوله (إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ) لأنها كلمة أو جملة من القول. وقرئ : قد قاله على معنى القول والكلام ، وذلك والذين من قبلهم : هم قارون وقومه ، حيث قال : إنما أوتيته على علم عندي وقومه راضون بها ، فكأنهم قالوها. ويجوز أن يكون في الأمم الخالية آخرون قائلون مثلها (فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) من متاع الدنيا ويجمعون منه (مِنْ هؤُلاءِ) من مشركي قومك (سَيُصِيبُهُمْ) مثل ما أصاب أولئك ، فقتل صناديدهم ببدر ، وحبس عنهم الرزق ، فقحطوا سبع سنين ، ثم بسط لهم فمطروا سبع سنين ، فقيل لهم (أَوَلَمْ يَعْلَمُوا) أنه لا قابض ولا باسط إلا الله عزّ وجلّ.
(قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (٥٣)
(أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) جنوا عليها بالإسراف في المعاصي والغلوّ فيها (لا تَقْنَطُوا) قرئ بفتح النون وكسرها وضمها (إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) يعنى بشرط التوبة ، (١) وقد تكرّر ذكر هذا الشرط في القرآن ، فكان ذكره فيما ذكر فيه ذكرا له فيما لم يذكر فيه ، لأنّ القرآن في حكم كلام واحد ، ولا يجوز فيه التناقض. وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود : يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء ، والمراد بمن يشاء : من تاب ، لأنّ مشيئة الله تابعة لحكمته وعدله ، لا لملكه وجبروته. وقيل في قراءة النبىّ صلى الله عليه وسلم وفاطمة رضى الله عنها : يغفر الذنوب جميعا ولا يبالى. ونظير نفى المبالاة نفى الخوف في قوله تعالى (وَلا يَخافُ عُقْباها) وقيل : قال أهل مكة : يزعم محمد أنّ من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرّم الله لم يغفر له ، فكيف ولم نهاجر وقد عبدنا الأوثان وقتلنا النفس التي حرّم الله فنزلت. وروى أنه أسلم عياش بن أبى ربيعة والوليد بن الوليد ونفر معهما ، ثم فتنوا وعذبوا ، فافتتنوا ، فكنا نقول : لا يقبل الله لهم صرفا ولا عدلا أبدا ، فنزلت. فكتب بها عمر رضى الله عنه إليهم ، فأسلموا وهاجروا. وقيل نزلت في وحشى قاتل حمزة رضى الله عنه. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أحب أنّ لي
__________________
(١) قوله «يعنى بشرط التوبة» عند التوبة فالعموم شامل للشرك ، وعند عدمها فلا غفران للكبائر عند المعتزلة. ويجوز بالشفاعة وبمجرد الفضل عند أهل السنة (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) كما تقرر في علم التوحيد : فارجع إليه. (ع)
الدنيا وما فيها بهذه الآية» فقال رجل : يا رسول الله ، ومن أشرك؟ فسكت ساعة ثم قال: «ألا ومن أشرك» (١) ثلاث مرّات.
(وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ)(٥٩)
(وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ) وتوبوا إليه (وَأَسْلِمُوا لَهُ) وأخلصوا له العمل ، وإنما ذكر الإنابة على أثر المغفرة لئلا يطمع طامع في حصولها بغير توبة ، وللدلالة على أنها شرط فيها لازم لا تحصل بدونه (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) مثل قوله (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ). (وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) أى يفجؤكم وأنتم غافلون ، كأنكم لا تخشون شيئا لفرط غفلتكم وسهوكم (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ) كراهة أن تقوّل. فإن قلت : لم نكرت؟ قلت : لأنّ المراد بها بعض الأنفس ، وهي نفس الكافر. ويجوز أن يراد : نفس متميزة من الأنفس : إما بلجاج في الكفر شديد. أو بعذاب عظيم. ويجوز أن يراد التكسير ، كما قال الأعشى :
|
وربّ بقيع لو هتفت بحوه |
|
أتانى كريم ينفض الرّأس مغضبا (٢) |
__________________
(١) أخرجه الطبري والطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب في السابع والأربعين من حديث ثوبان. وفيه ابن لهيعة عن أبى قبيل وهما ضعيفان.
|
(٢) دعا قومه حولي فجاءوا لنصره |
|
وناديت قوما بالمسناة غيبا |
|
ورب بقيع لو هتفت بحوه |
|
أتانى كريم ينفض الرأس مغضبا |
للأعشى وقيل : لأبى عمرو بن العلاء ، يصف قومه بالجبن حتى كأنهم أموات مقبورون ، صارت الأحجار مسناة فوقهم. وسنيت الشيء سهلته ، أى : منعمة مملسة. أو بالية مفتتة. ويجوز أن أصله مسننة ، فقلبت النون الثانية ألفا. وسننت الحجر حددته وملسته. وفي وصف القبور بذلك مبالغة في وصف قومه بالجبن ، بل هم دون تلك ـ
وهو بريد : أفواجا من الكرام ينصرونه ، لا كريما واحدا. ونظيره : ربّ بلد قطعت ، ورب بطل قارعت. وقد اختلس الطعنة ولا يقصد إلا التكسير. وقرئ : يا حسرتى ، على الأصل. ويا حسرتاى ، على الجمع بين العوض والمعوّض منه. والجنب : الجانب ، يقال : أنا في جنب فلان وجانبه وناحيته ، وفلان لين الجنب والجانب ، ثم قالوا : فرّط في جنبه وفي جانبه ، يريدون في حقه. قال سابق البربري :
|
أما تتّقين الله في جنب وامق |
|
له كبد حرّى عليك تقطّع (١) |
وهذا من باب الكناية ، لأنك إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه ، فقد أثبته فيه. ألا ترى إلى قوله :
|
إنّ السّماحة والمروءة والنّدى |
|
في قبّة ضربت على ابن الحشرج (٢) |
ومنه قول الناس : لمكانك فعلت كذا ، يريدون : لأجلك. وفي الحديث : «من الشرك الخفىّ أن يصلى الرجل لمكان الرجل» (٣) وكذلك : فعلت هذا من جهتك. فمن حيث لم يبق فرق فيما يرجع إلى أداء الغرض بين ذكر المكان وتركه : قيل (فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ) على معنى : فرطت في ذات الله. فإن قلت : فمرجع كلامك إلى أن ذكر الجنب كلا ذكر سوى ما يعطى من حسن الكناية وبلاغتها ، فكأنه قيل : فرّطت في الله. فما معنى فرّطت في الله؟ قلت : لا بدّ من تقدير مضاف محذوف ، سواء ذكر الجنب أو لم يذكر : والمعنى : فرّطت في طاعة الله
__________________
ـ الأموات ، فرب بقيع : أى موضع فيه أروم الشجر من ضروب شتى ، والمراد مقبرة ، لا بقيع الغرقد بالغين وهو مقبرة المدينة بعينها ، لو هتفت بحوه ، أى : ناديت شجاعهم لجاءنى كريم ينفض رأسه من تراب القبر. أو من الغضب لما نالني من المكروه ، وليس المراد كريما واحدا ، بل كرماء كثيرة بمعونة المقام. والحو ـ بالمهملة ـ : الشجاع ، وبالمعجمة : العسل ، وبالجيم : ما غلظ وارتفع من الأرض.
|
(١) أما تتقين الله في جنب وامق |
|
له كبد حرى عليك تقطع |
|
غريب مشوق مولع بادكاركم |
|
وكل غريب الدار بالشوق مولع |
لجميل بن معمر يستعطف صاحبته بثينة ويتوجع إليها مما نابه فيها ، أى : أما تخافين الله في جنب وامق ، أى : في حقه الواجب عليك ، فالجنب : كناية عن ذلك. والوامق : الشديد المحبة ، يعنى نفسه. وحرى : أى ذات حر واحتراق.
وتقطع : أصله تتقطع ، والادكار : أصله الاذتكار ، قلبت تاؤه دالا مهملة ، وأدغمت الذال المعجمة فيها ، وخاطبها خطاب جمع المذكر تعظيما. وفي البيت رد العجز على الصدر ، وهو من بديع الكلام.
(٢) لزيادة الأعجم يمدح عبد الله بن الحشرج أمير نيسابور ، وهو من باب الكناية التي قصد بها النسبة ، يعنى أنه مختص بهذه الصفات لا توجد في غيره ، ولا خيمة هناك ولا ضرب أصلا.
(٣) أخرجه أحمد وإسحاق والبزار والحاكم والبيهقي. من رواية ربيح بن عبد الرحمن بن أبى سعيد عن أبيه عن جده قال» خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما. ونحن نتذاكر الدجال. فقال غير الدجال أخوف عليكم : الشرك الخفي : أن يعمل الرجل لمكان الرجل» لفظ الحاكم.
وعبادة الله ، وما أشبه ذلك. وفي حرف عبد الله وحفصة : في ذكر الله. وما في ما فرّطت مصدرية مثلها في (بِما رَحُبَتْ) ، (وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) قال قتادة : لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها ، ومحل (وَإِنْ كُنْتُ) النصب على الحال ، كأنه قال : فرّطت وأنا ساخر ، أى : فرّطت في حال سخريتي. وروى أنه كان في بنى إسرائيل عالم ترك علمه وفسق. وأتاه إبليس وقال له : تمتع من الدنيا ثم تب ، فأطاعه ، وكان له مال فأنفقه في الفجور ، فأتاه ملك الموت في ألذ ما كان فقال : يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ، ذهب عمرى في طاعة الشيطان ، وأسخطت ربى فندم حين لم ينفعه الندم ، فأنزل الله خبره في القرآن (لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي) لا يخلو : إما أن يريد الهداية (١) بالإلجاء أو بالألطاف أو بالوحي ، فالإلجاء خارج عن الحكمة ، ولم يكن من أهل الألطاف فيلطف به. وأما الوحى فقد كان ، ولكنه عرض ولم يتبعه حتى يهتدى ، وإنما يقول هذا تحيرا في أمره وتعللا بما لا يجدى عليه ، كما حكى عنهم التعلل بإغواء الرؤساء والشياطين ونحو ذلك ونحوه (لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ) وقوله (بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي) ردّ من الله عليه ، معناه : بلى قد هديت بالوحي فكذبت به واستكبرت عن قبوله ، وآثرت الكفر على الإيمان ، والضلالة على الهدى. وقرئ بكسر التاء (٢) على مخاطبة النفس. فإن قلت : هلا قرن الجواب بما هو جواب له ، وهو قوله (لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي) ولم يفصل بينهما بآية؟ قلت : لأنه لا يخلو : إما أن يقدّم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن. وإما أن تؤخر القرينة الوسطى ، فلم يحسن الأوّل لما فيه من تبتير النظم بالجمع بين القرائن. وأما الثاني فلما فيه من نقص الترتيب وهو التحسر على التفريط في الطاعة ، ثم التعلل بفقد الهداية ، تم تمنى الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه ، وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ، ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب. فإن قلت : كيف صح أن تقع بلى جوابا لغير منفي؟ قلت : (لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي) فيه معنى : ما هديت.
(وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ)(٦٠)
(كَذَبُوا عَلَى اللهِ) وصفوه بما لا يجوز عليه تعالى ، وهو متعال (٣) عنه ، فأضافوا إليه
__________________
(١) قوله «لا يخلو إما أن يريد به الهداية» تمحل لتطبيق الآية على مذهب المعتزلة ، ولكن خلق الهداية لا يصل إلى حد الإلجاء ، لأنه لا يسلب الاختيار عند أهل السنة ، كخلق التقوى والطاعة وغيرها من الأفعال الاختيارية ، لما أثبتوه للعبد من الكسب فيها وإن كان فاعلها في الحقيقة هو الله تعالى ، كما تقرر في علم التوحيد. (ع)
(٢) قوله «وقرئ بكسر التاء» لعل من كسرها كسر الكاف أيضا. (ع)
(٣) قال محمود : «يعنى الذين وصفوه تعالى بما لا يجوز عليه وهو متعال عنه ... الخ» قال أحمد : قد عدا طور التفسير لمرض في قلبه لا دواء له إلا التوفيق الذي حرمه ، ولا يعافيه منه إلا الذي قدر عليه هذا الضلال وحتمه ،
الولد والشريك ، وقالوا : هؤلاء شفعاؤنا ، وقالوا : (لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ) ، وقالوا (وَاللهُ أَمَرَنا بِها) ولا يبعد عنهم قوم يسفهونه بفعل القبائح (١) ، وتجويز أن يخلق خلقا لا لغرض ، ويؤلم
__________________
وسنقيم عليه حد الرد ، لأنه قد أبدى صفحته ، ولو لا شرط الكتاب لأضربنا عنه صفحا ولوينا عن الالتفات إليه كشحا ، وبالله التوفيق فنقول : أما تعريضه بأن أهل السنة يعتقدون أن القبائح من فعل الله تعالى ، فيرجمه باعتقادهم المشار إليه قوله تعالى بعد آيات من هذه السورة (اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) أما الزمخشري وإخوانه القدرية ، فيغيرون وجه هذه الآية ويقولون : ليس خالق كل شيء ، لأن القبائح أشياء وليست مخلوقة له. فاعتقدوا أنهم نزهوا ، وإنما أشركوا. وأما تعريضه لهم في أنهم يجوزون أن يخلق خلقا لا لغرض ، فذلك لأن أفعاله تعالى لا تعلل ، لأنه الفعال لما يشاء. وعند القدرية ليس فعالا لما يشاء ؛ لأن الفعل إما منطو على حكمة ومصلحة ، فيجب عليه أن يفعله عندهم ، وإما عار عنها فيجب عليه أن لا يفعله فأين أثر المشيئة إذا. وأما اعتقاده أن في تكليف مالا يطاق تظليما لله تعالى ، فاعتقاد باطل ، لأن ذلك إنما ثبت لازما لاعتقادهم أن الله تعالى خالق أفعال عبيده ، فالتكليف بها تكليف بما ليس مخلوقا لهم ، والقاعدة الأولى حق ، ولازم الحق حق ، ولا معنى للظلم إلا التصرف في ملك الغير بغير إذنه ، والعباد ملك الله تعالى ، فكيف يتصور حقيقة الظلم منه ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وأما تعريضه بأنهم يجوزون أن يؤلم لا لعوض ، فيقال له : ما قولك أيها الظنين في إيلام البهائم والأطفال ، ولا أعواض لها ، وليس مرتبا على استحقاق سابق خلافا للقدرية إذ يقولون : لا بد في الألم من استحقاق سابق أو عوض. وأما اعتقاده أن تجويز رؤية الله تعالى يستلزم اعتقاد الجسمية ، فانه اغترار في اعتقاده بأدلة العقل المجوزة لذلك ، مع البراءة من اعتقاد الجسمية ، ولم يشعر أنه يقابل بهداية قول نبى الهدى عليه الصلاة والسلام : «إنكم سترون ربكم كالقمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» فهذا النص الذي ينبو عن التأويل ولا يردع المتمسك به شيء من التهويل. وأما قوله إنهم يتسترون بالبلكفة ، فيعنى به قولهم «بلا كيف» أجل إنها لستر لا تهتكه يد الباطل البتراء ، ولا تبعد عن الهدى عين الضلال العوراء. وأما تعريضه بأنهم يجعلون لله أندادا باثباتهم معه قدماء ، فنفى لاثباتهم صفات الكمال ، كلا والله ، إنما جعل لله أندادا القدرية إذ جعلوا أنفسهم يخلقون ما يريدون ويشتهون على خلاف مراد ربهم. حتى قالوا : إن ما شاءوه كان وما شاء الله لا يكون. وأما أهل السنة فلم يزيدوا على أن اعتقدوا أن لله تعالى علما وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا وكلاما وحياة ، حسبما دل عليه العقل وورد به الشرع وأى مخلص للقدرى إذا سمع قوله تعالى (وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) إلا اعتقاد أن لله تعالى علما أو جحد آيات الله وإطفاء نوره ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. وأما قوله : إنهم يثبتون لله تعالى يدا وقدما ووجها ، فذلك فرية ما فيها مرية ، ولم يقل بذلك أحد من أهل السنة. وإنما أثبت القاضي أبو بكر صفات سمعية وردت في القرآن : اليدان والعينان والوجه ، ولم يتجاوز في إثباتها ما وردت عليه في كتاب الله العزيز ، على أن غيره من أهل السنة حمل اليدين على القدرة والنعمة ، والوجه على الذات ، وقد مر ذلك في مواضع من الكتاب ، فقد اتصف في هذه المباحثة بحال من بحث بظلفه على حتفه ، وتعريضه معتقده الفاسد لهتك ستره وكشفه ، وإنما حملني على إغلاظ مخاطبته الغضب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وأهل سنته ، فانه قد أسناء عليهم الأدب ، ونسيهم بكذبه إلى الكذب ، والله الموفق.
(١) قوله «قوم يسفهونه بفعل القبائح» يريد بهم أهل السنة ، حيث ذهبوا إلى أنه تعالى هو الخالق لأفعال العباد ولو معاصى ، وأن فعله لا لغرض بل لحكمة ، وإيلام الأطفال لا يستوجب عليه عوضا ، وتظليمه نسبته إلى الظلم بتجويز تكليف المحال كما في علم الأصول ، وجوزوا عليه الرؤية وهي غير مختصة بالأجسام عندهم ، وجوز السلف أن يكون له يد ونحوها ، لكن لا كالأيدى. وأراد بالقدماء صفات المعاني : كالقدرة والارادة ، حيث قال أهل السنة : إنها موجودة بوجودات زائدة على وجود الذات ، وتحقيق ذلك في التوحيد والأصول ، فانظره. والبلكفة : قولهم «بلا كيف». (ع)
لا لعوض ، ويظلمونه بتكليف ما لا يطاق ، ويجسمونه بكونه مرئيا معاينا مدركا بالحاسة ، ويثبتون له يدا وقدما وجنبا متسترين بالبلكفة ، ويجعلون له أندادا بإثباتهم معه قدماء (وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) جملة في موضع الحال إن كان ترى من رؤية البصر ، ومفعول ثان إن كان من رؤية القلب.
(وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)(٦١)
قرئ : ينجى وينجى (بِمَفازَتِهِمْ) بفلاحهم ، يقال : فاز بكذا إذا أفلح به وظفر بمراده منه. وتفسير المفازة قوله (لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) كأنه قيل : ما مفازتهم؟ فقيل : لا يمسهم السوء ، أى ينجيهم بنفي السوء والحزن عنهم. أو بسبب منجاتهم ، من قوله تعالى (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ) أى بمنجاة منه ، لأنّ النجاة من أعظم الفلاح ، وسبب منجاتهم العمل الصالح ولهذا فسر ابن عباس رضى الله عنهما المفازة بالأعمال الحسنة ، ويجوز : بسبب فلاحهم ، لأنّ العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة. ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه : مفازة ، لأنه سببها. وقرئ : بمفازاتهم ، على أن لكل متق مفازة. فإن قلت : (لا يَمَسُّهُمُ) ما محله من الإعراب على التفسيرين؟ قلت : أما على التفسير الأوّل فلا محل له ، لأنه كلام مستأنف. وأما على الثاني فمحله النصب على الحال.
(اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ)(٦٣)
(لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أى هو مالك أمرها وحافظها ، وهو من باب الكناية ، لأنّ حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي يملك مقاليدها ، ومنه قولهم : فلان ألقيت إليه مقاليد الملك وهي مفاتيح ، ولا واحد لها من لفظها. وقيل : مقليد. ويقال : إقليد ، وأقاليد ، والكلمة أصلها فارسية. فإن قلت. ما للكتاب العربي المبين وللفارسية؟ قلت : التعريب أحالها عربية ، كما أخرج الاستعمال المهمل من كونه مهملا. فإن قلت : بما اتصل قوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) قلت : بقوله (وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا) أى ينجى الله المتقين بمفازتهم ، والذين كفروا هم الخاسرون. واعترض بينهما بأنه خالق الأشياء كلها ، وهو مهيمن عليها ، فلا بخفي عليه شيء من أعمال المكلفين فيها وما يستحقون عليها من الجزاء ، وقد جعل متصلا بما يليه على أن كل شيء في السماوات والأرض فالله خالقه وفاتح بابه والذين كفروا وجحدوا أن يكون الأمر كذلك أولئك هم الخاسرون وقيل : سأل عثمان رضى الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى (لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ، فقال : «يا عثمان» ما سألنى عنها أحد قبلك ، تفسيرها : لا إله إلا الله والله
أكبر ، وسبحان الله وبحمده ، وأستغفر الله ولا حول ولا قوّة إلا بالله ، هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير» (١) وتأويله على هذا ، أن لله هذه الكلمات يوحد بها ويمجد ، وهي مفاتيح خير السماوات والأرض : من تكلم بها من المتقين أصابه ، والذين كفروا بآيات الله وكلمات توحيده وتمجيده ، أولئك هم الخاسرون.
(قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ)(٦٤)
(أَفَغَيْرَ اللهِ) منصوب بأعبد. و (تَأْمُرُونِّي) اعتراض. ومعناه ، أفغير الله أعبد بأمركم ، وذلك حين قال له المشركون : استلم بعض آلهتنا ونؤمن بإلهك. أو ينصب بما يدل عليه جملة قوله (تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ) لأنه في معنى تعبدوننى وتقولون لي : اعبد ، والأصل : تأمروننى أن أعبد ، فحذف «أن» ورفع الفعل ، كما في قوله :
ألا أيهذا الزّاجرى أحضر الوغى (٢)
ألا تراك تقول : أفغير الله تقولون لي اعبده ، وأ فغير الله تقولون لي أعبد ، فكذلك أفغير الله تأمروننى أن أعبده. وأ فغير الله تأمروننى أن أعبد ، والدليل على صحة هذا الوجه : قراءة من قرأ (أَعْبُدُ) بالنصب. وقرئ : تأمروننى ، على الأصل. وتأمرونى ، على إدغام النون أو حذفها.
(وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ)(٦٦)
قرئ : ليحبطنّ عملك ، وليحبطنّ : على البناء للمفعول. ولنحبطنّ ، بالنون والياء ، أى : ليحبطنّ الله. أو الشرك. فإن قلت : الموحى إليهم جماعة ، فكيف قال (لَئِنْ أَشْرَكْتَ) على التوحيد؟ قلت : معناه أوحى إليك لئن أشركت ليحبطنّ عملك ، وإلى الذين من قبلك مثله ، أو أوحى إليك وإلى كل واحد منهم : لئن أشركت كما تقول كسانا حلة ، أى : كل واحد منا : فإن قلت : ما الفرق بين اللامين؟ قلت : الأولى موطئة للقسم المحذوف ، والثانية لام الجواب ، وهذا الجواب سادّ مسدّ الجوابين ، أعنى : جوابي القسم والشرط. فإن قلت : كيف صح هذا
__________________
(١) أخرجه أبو يعلى وابن أبى حاتم والعقيلي والبيهقي في الأسماء والطبراني في الدعاء كلهم من رواية أغلب بنى تميم حدثنا مخلد أبو الهذيل عن عبد الرحيم. وعبد الرحمن بن عدى عن عبد الله بن عمر به ، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات من هذا الوجه. وله وجه آخر عند ابن مردويه. من طريق كلب بن وائل عن عمر ورواه ابن مردويه عن الطبراني بإسناد آخر إلى ابن عباس «أن عثمان ـ فذكره» وفيه سلام بن وهب الجندي عن أبيه ولا أعرفهما.
(٢) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ١٥٩ فراجعه إن شئت اه مصححه.
الكلام مع علم الله تعالى أنّ رسله لا يشركون ولا تحبط أعمالهم؟ قلت : هو على سبيل الفرض ، والمحالات يصح فرضها لأغراض ، فكيف بما ليس بمحال. ألا ترى إلى قوله (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً) يعنى على سبيل الإلجاء ، ولن يكون ذلك لامتناع الداعي إليه ووجود الصارف عنه. فإن قلت : ما معنى قوله (وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ)؟ قلت : يحتمل ولتكونن من الخاسرين بسبب حبوط العمل. ويحتمل : ولتكونن في الآخرة من جملة الخاسرين الذين خسروا أنفسهم إن مت على الردة. ويجوز أن يكون غضب الله على الرسول أشدّ ، فلا يمهله بعد الردة : ألا ترى إلى قوله تعالى (إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ) ، (بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ) رد لما أمروه به من استلام بعض آلهتهم ، كأنه قال : لا تعبد ما أمروك بعبادته ، بل إن كنت عاقلا فاعبد الله ، فحذف الشرط وجعل تقديم المفعول عوضا منه (١) (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) على ما أنعم به عليك ، من أن جعلك سيد ولد آدم. وجوّز الفراء نصبه بفعل مضمر هذا معطوف عليه ، تقديره : بل الله أعبد فاعبد.
(وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ)(٦٧)
لما كان العظيم من الأشياء إذا عرفه الإنسان حق معرفته وقدره في نفسه حق تقديره عظمه حق تعظيمه قيل (وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) وقرئ بالتشديد على معنى : وما عظموه كنه تعظيمه ، ثم نبههم على عظمته وجلالة شأنه على طريقة التخييل فقال (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) والغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله لا غير ، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين (٢)
__________________
(١) قال محمود : «أصل الكلام : إن كنت عابدا فاعبد الله ، فحذف الشرط وجعل تقديم المفعول عوضا منه.
اه كلامه» قال أحمد : مقتضى كلام سيبويه في أمثال هذه الآية : أن الأصل فيه فاعبد الله ، ثم حذفوا الفعل الأول اختصارا ، فلما وقعت الفاء أولا استنكروا الابتداء بها ، ومن شأنها التوسط بين المعطوف والمعطوف عليه ، فقدموا المفعول وصارت متوسطة لفظا ودالة على أن ثم محذوفا اقتضى وجودها ، ولتعطف عليه ما بعدها وينضاف إلى هذه الغاية في التقديم فائدة الحصر ، كما تقدم من إشعار التقديم بالاختصاص.
(٢) قال محمود : «الغرض من هذا الكلام تصوير عظمته تعالى والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز ، وكذلك حكم ما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن حبرا جاء إليه فقال : يا أبا القاسم ، إن الله يمسك السماوات يوم القيامة على أصبع والأرضين على أصبع والجبال على أصبع والشجر على أصبع وسائر الخلق على أصبع ، ثم يهزهن فيقول : أنا الملك ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعجب مما قال الحبر ثم قرأ هذه الآية تصديقا له ، فإنما ضحك أفصح العرب لأنه لم يفهم منه إلا ما فهمه علماء البيان من غير تصوير إمساك ولا هز ولا شيء من ذلك ، ولكن فهمه وقع أول شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي ـ
إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز ، وكذلك حكم ما يروى أن جبريل (١) جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أبا القاسم ، إن الله يمسك السماوات يوم القيامة على أصبع والأرضين على أصبع والجبال على أصبع والشجر على أصبع وسائر الخلق على أصبع ، ثم يهزهنّ فيقول أنا الملك (٢) فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا مما قال ثم قرأ تصديقا له (وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ...) الآية وإنما ضحك أفصح العرب صلى الله عليه وسلم وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصوّر إمساك ولا أصبع ولا هز ولا شيء من ذلك ، ولكن فهمه وقع أوّل شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة ، وأن الأفعال العظام التي تتحير فيها الأفهام والأذهان ولا تكتنهها الأوهام هينة عليه هوانا لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه ، إلا إجراء العبارة في مثل هذه الطريقة من التخييل ، ولا ترى بابا في علم البيان أدق ولا أرق ولا ألطف من هذا الباب ، ولا أنفع وأعون على تعاطى تأويل المشتبهات من كلام الله تعالى في القرآن وسائر الكتب السماوية وكلام الأنبياء ، فإنّ أكثره وعليته (٣) تخييلات قد زلت فيها الأقدام قديما ، وما أتى الزالون (٤) إلا من قلة عنايتهم بالبحث والتنقير ، حتى يعلموا أن في عداد العلوم الدقيقة علما لو قدروه حق قدره ، لما خفى عليهم أنّ العلوم كلها مفتقرة إليه وعيال عليه ، إذ لا يحل عقدها الموربة ولا يفك قيودها المكربة إلا هو ، وكم آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث الرسول ، قد ضيم وسيم الخسف بالتأويلات الغثة (٥) والوجوه الرثة ، لأنّ من تأول ليس من هذا العلم في عير ولا نفير ، ولا يعرف قبيلا منه من دبير (٦). والمراد بالأرض : الأرضون السبع ، يشهد لذلك شاهدان : قوله (جَمِيعاً) وقوله
__________________
ـ هي الدلالة على القدرة الباهرة التي لا يوصل السامع إلى الوقوف عليها إلا إجراء العبارة على مثل هذه الطريقة من التخييل ، ثم قال : وأكثر كلام الأنبياء والكتب السماوية وعليتها تخييل قد زلت فيه الأقدام قديما. اه كلامه» قال أحمد : إنما عنى بما أجراه هاهنا من لفظ التخييل التمثيل ، وإنما العبارة موهمة منكرة في هذا المقام لا تليق به بوجه من الوجوه ، والله أعلم.
(١) قوله «أن جبريل جاء إلى رسول الله» قيل : الصواب أنه حبر من أحبار اليهود لا جبريل. ويدل عليه ما في البخاري ومسلم والترمذي ، كذا بهامش. ويؤيده أن «يا أبا القاسم» عادة اليهود في ندائه صلى الله عليه وسلم. (ع)
(٢) متفق عليه من حديث ابن مسعود. «تنبيه» وقع عنده أن جبريل وهو تصحيف. والذي في الصحيح «جاء حبر من اليهود» وفي رواية «أن يهوديا» وفي رواية «أن رجلا من أهل الكتاب».
(٣) قوله «وعليته» أى معظمه. (ع)
(٤) قوله «وما أتى الزالون» أى أجيبوا (ع)
(٥) قوله «بالتأويلات الغثة» في الصحاح «الغث» نبت يختبز حبه ويؤكل في الجوع ، وتكون خبزته غليظة شبيهة يخبز الملة. (ع)
(٦) قوله «قبيلا منه من دبير» في الصحاح «القبيل» : ما تقبل به المرأة من غزلها حين تفتله. وفيه «الدبير»: ما تدبره به المرأة من غزلها حين تفتله. ومنه قيل : فلان ما يعرف قبيلا من دبير. (ع)
(وَالسَّماواتُ) ولأنّ الموضع موضع تفخيم وتعظيم ، فهو مقتض للمبالغة ، ومع القصد إلى الجمع وتأكيده بالجميع أتبع الجميع مؤكدة قبل مجيء الخبر ، ليعلم أوّل الأمر أن الخبر الذي يرد لا يقع عن أرض واحدة ، ولكن عن الأراضى كلهن. والقبضة : المرة من القبض (فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ) والقبضة ـ بالضم ـ : المقدار المقبوض بالكف ، ويقال أيضا : أعطنى قبضة من كذا : تريد معنى القبضة تسمية بالمصدر ، كما روى : (١) أنه نهى عن خطفة السبع ، (٢) وكلا المعنيين محتمل. والمعنى : والأرضون جميعا قبضته ، أى : ذوات قبضته يقبضهن قبضة واحدة ، يعنى أنّ الأرضين مع عظمهن وبسطتهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته ، كأنه يقبضها قبضة بكف واحدة ، كما تقول : الجزور أكلة لقمان ، والقلة جرعته ، أى : ذات أكلته وذات جرعته ، تريد : أنهما لا يفيان إلا بأكلة فذة من أكلاته ، وجرعة فردة من جرعاته. وإذا أريد معنى القبضة فظاهر ، لأن المعنى : أن الأرضين بجملتها مقدار ما يقبضه بكف واحدة. فإن قلت. ما وجه قراءة من قرأ (قَبْضَتُهُ) بالنصب؟ قلت : جعلها ظرفا مشبها للمؤقت بالمبهم : (مَطْوِيَّاتٌ) من الطى الذي هو ضدّ النشر ، كما قال تعالى (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) وعادة طاوى السجل أن يطويه بيمينه. وقيل : قبضته : ملكه بلا مدافع ولا منازع ، وبيمينه : بقدرته. وقيل : مطويات بيمينه مفنيات بقسمه ، لأنه أقسم أن يفنيها ، ومن اشتم رائحة من علمنا هذا فليعرض عليه هذا التأويل ليتلهى بالتعجب منه ومن قائله ، ثم يبكى حمية لكلام الله المعجز بفصاحته ، وما منى (٣) به من أمثاله ، وأثقل منه على الروح ، وأصدع للكبد تدوين العلماء قوله ، واستحسانهم له ، وحكايته على فروع المنابر ، واستجلاب الاهتزاز به من السامعين. وقرئ : مطويات على نظم السماوات في حكم الأرض ، ودخولها تحت القبضة ، ونصب مطويات على الحال (سُبْحانَهُ وَتَعالى) ما أبعد من هذه قدرته وعظمته ، وما أعلاه عما يضاف إليه من الشركاء.
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ)(٦٨)
__________________
(١) لم أجده هكذا. وروى أحمد وإسحاق وأبو يعلى من رواية سهل عن عبد الله بن يزيد عن شيخ لقيه سعيد ابن المسيب أنه سمع أبا الدرداء يقول «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل خطفة ونهبة والمجثمة وكل ذى ناب من السباع» ورواه أبو يعلى من رواية الإفريقي ورواه الدارمي والطبراني والنسائي في الكنى من رواية أبى أوس عن الزهري عن أبى إدريس عن أبى ثعلبة ، بلفظ «نهي عن الخطفة والمجثمة والنهبة ، وكل ذى ناب من السباع».
(٢) قوله «نهى عن خطفة السبع» أى : والمراد مخطوفه. (ع)
(٣) قوله «وما منى به» أى ابتلى. (ع)
فإن قلت : (أُخْرى) ما محلها من الإعراب؟ قلت : يحتمل الرفع والنصب : أما الرفع فعلى قوله (فَإِذا نُفِخَ) (١) (فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ) وأما النصب فعلى قراءة من قرأ (نَفْخَةٌ واحِدَةٌ) والمعنى : ونفخ في الصور نفخة واحدة ، ثم نفخ فيه أخرى. وإنما حذفت لدلالة أخرى عليها ، ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان. وقرئ : قياما ينظرون : يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب. وقيل : ينظرون ما ذا يفعل بهم. ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجمود في مكان لتحيرهم.
(وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ)(٧٠)
قد استعار الله عز وجل النور للحق والقرآن والبرهان في مواضع من التنزيل ، وهذا من ذاك. والمعنى (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ) بما يقيمه فيها من الحق والعدل ، ويبسطه من القسط في الحساب ووزن الحسنات والسيئات ، وينادى عليه بأنه مستعار إضافته إلى اسمه ، لأنه هو الحق العدل. وإضافة اسمه إلى الأرض ، لأنه يزينها حيث ينشر فيها عدله ، وينصب فيها موازين قسطه ، ويحكم بالحق بين أهلها ، ولا ترى أزين للبقاع من العدل ، ولا أعمر لها منه. وفي هذه الإضافة أن ربها وخالقها هو الذي يعدل فيها ، وإنما يجوز فيها غير ربها ، ثم ما عطف على إشراق الأرض من وضع الكتاب والمجيء بالنبيين والشهداء والقضاء بالحق وهو النور المذكور. وترى الناس يقولون للملك العادل : أشرقت الآفاق بعدلك ، وأضاءت الدنيا بقسطك ، كما تقول : أظلمت البلاد بجور فلان. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الظلم ظلمات يوم القيامة» (٢) وكما فتح الآية بإثبات العدل ، ختمها بنفي الظلم. وقرئ : وأشرقت على البناء للمفعول ، من شرقت بالضوء تشرق : إذا امتلأت به واغتصت. وأشرقها الله ، كما تقول : ملأ الأرض عدلا وطبقها عدلا. و (الْكِتابُ) صحائف الأعمال ، ولكنه اكتفى باسم الجنس ، وقيل : اللوح المحفوظ (الشُّهَداءِ) الذين يشهدون للأمم وعليهم من الحفظة والأخيار. وقيل : المستشهدون في سبيل الله
__________________
(١) قوله «أما الرفع فعلى قوله فإذا نفخ» أى في الحافة. وقوله «من قرأ» أى : هناك. وقوله «حذفت» أى هنا. (ع)
(٢) متفق عليه من حديث ابن عمر. ولمسلم عن جابر والنسائي وأبى داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص
(وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)(٧٢)
الزمر : الأفواج المتفرقة بعضها في أثر بعض ، وقد تزمروا (١) : قال :
حتّي احزألّت زمر بعد زمر (٢)
وقيل في زمر الذين اتقوا : هي الطبقات المختلفة : الشهداء ، والزهاد ، والعلماء ، والقرّاء وغيرهم وقرئ : نذر منكم. فإن قلت : لم أضيف إليهم اليوم؟ قلت : أرادوا لقاء وقتكم هذا ، وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة. وقد جاء استعمال اليوم والأيام مستفيضا في أوقات الشدّة (قالُوا بَلى) أتونا وتلوا علينا ، ولكن وجبت علينا كلمة الله لأملأنّ جهنم ، لسوء أعمالنا ، كما قالوا : غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين. فذكروا عملهم الموجب لكلمة العذاب وهو الكفر والضلال. واللام في المتكبرين للجنس ، لأنّ (مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) فاعل بئس ، وبئس فاعلها : اسم معرف بلام الجنس. أو مضاف إلى مثله ، والمخصوص بالذم محذوف ، تقديره : فبئس مثوى المتكبرين جهنم.
(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ)(٧٤)
__________________
(١) قوله «وقد تزمروا» وفي نسخة أخرى : تزامروا. وفي الصحاح : احزألت الإبل في السير : ارتفعت. (ع)
|
(٢) إن العفاة بالسيوب قد غمر |
|
حتى احزألت زمر بعد زمر |
«السيوب» في الأصل : السيول ، استعيرت للعطايا الكثيرة على طريق التصريحية. والغمر : ترشيح ، أى : أن طلاب الرزق قد عمهم الممدوح بالعطايا. واحزألت : ارتفعت سائرة من عنده «زمر» : أى أفواج بعد أفواج. ويروى : زمرا ، على الحال ، أى : احزألت العفاة حال كونها أفواجا متتابعة. وعلى الأول ففيه إظهار في موضع الإضمار ، دلالة على التكثير.
(حَتَّى) هي التي تحكى بعدها الجمل والجملة المحكية بعدها هي الشرطية ، إلا أنّ جزاءها محذوف ، وإنما حذف لأنه صفة ثواب أهل الجنة ، فدل بحذفه على أنه شيء لا يحيط به الوصف ، وحق موقعه ما بعد خالدين. وقيل : حتى إذا جاؤها ، جاؤها وفتحت أبوابها ، أى مع فتح أبوابها. وقيل : أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها. وأما أبواب الجنة فمتقدّم فتحها ، بدليل قوله (جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ) فلذلك جيء بالواو ، كأنه قيل : حتى إذا جاؤها وقد فتحت أبوابها. فإن قلت : كيف عبر عن الذهاب بالفريقين جميعا بلفظ السوق؟ قلت : المراد بسوق أهل النار : طردهم إليها بالهوان والعنف ، كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل. والمراد بسوق أهل الجنة : سوق مراكبهم ، لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين ، وحثها إسراعا بهم إلى دار الكرامة والرضوان ، كما يفعل بمن يشرف ويكرّم من الوافدين على بعض الملوك ، فشتان ما بين السوقين (طِبْتُمْ) من دنس المعاصي ، وطهرتم من خبث الخطايا (فَادْخُلُوها) جعل دخول الجنة مسببا عن الطيب والطهارة ، فما هي إلا دار الطيبين ومثوى الطاهرين ، لأنها دار طهرها الله من كل دنس ، وطيبها من كل قذر ، فلا يدخلها إلا مناسب لها موصوف بصفتها ، فما أبعد أحوالنا من تلك المناسبة ، وما أضعف سعينا في اكتساب تلك الصفة ، إلا أن يهب لنا الوهاب الكريم توبة نصوحا ، تنقى أنفسنا من درن الذنوب ، وتميط وضر هذه القلوب (خالِدِينَ) مقدرين الخلود (الْأَرْضَ) عبارة عن المكان الذي أقاموا فيه واتخذوه مقرا ومتبوّأ ، وقد أورثوها : أى ملكوها وجعلوا ملوكها ، وأطلق تصرفهم فيها كما يشاؤن ، تشبيها بحال الوارث وتصرفه فيما يرثه واتساعه فيه ، وذهابه في إنفاقه طولا وعرضا. فإن قلت : ما معنى قوله (حَيْثُ نَشاءُ) وهل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ قلت : يكون لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة وزيادة على الحاجة ، فيتبوأ من جنته حيث يشاء ولا يحتاج إلى جنة غيره.
(وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)(٧٥)
(حَافِّينَ) محدقين من حوله (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) يقولون : سبحان الله والحمد لله ، متلذذين لا متعبدين. فإن قلت : إلام يرجع الضمير في قوله (بَيْنَهُمْ)؟ قلت : يجوز أن يرجع إلى العباد كلهم ، وأن إدخال بعضهم النار وبعضهم الجنة لا يكون إلا قضاء بينهم بالحق والعدل ، وأن يرجع إلى الملائكة ، على أن ثوابهم ـ وإن كانوا معصومين جميعا ـ لا يكون على سنن واحد ، ولكن يفاضل بين مراتبهم على حسب تفاضلهم في أعمالهم ، فهو القضاء بينهم بالحق. فإن قلت :
قوله (وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ) من القائل ذلك؟ قلت : المقضى بينهم إما جميع العباد وإما الملائكة ، كأنه قيل : وقضى بينهم بالحق ، وقالوا الحمد لله على قضائه بيننا بالحق ، وإنزال كل منا منزلته التي هي حقه. عن عائشة رضى الله عنها : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ كل ليلة بنى إسرائيل والزمر (١)
سورة المؤمن
مكية. قال الحسن : إلا قوله وسبح بحمد ربك ، لأن الصلوات نزلت بالمدينة وقد قيل في الحواميم كلها : أنها مكيات : عن ابن عباس وابن الحنفية وهي خمس وثمانون آية ، وقيل ثنتان وثمانون [نزلت بعد الزمر]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ)(٣)
قرئ بإمالة ألف «حا» وتفخيمها ، وبتسكين الميم وفتحها. ووجه الفتح : التحريك لالتقاء الساكنين ، وإيثار أخف الحركات ، نحو أين وكيف أو النصب بإضمار اقرأ ومنع الصرف للتأنيث والتعريف أو للتعريف وأنها على زنة أعجمى نحو قابيل وهابيل. التوب والثوب والأوب : أخوات في معنى الرجوع والطول والفضل والزياد. يقال : لفلان على فلان طول ، والإفضال. يقال : طال عليه وتطوّل ، إذا تفضل. فإن قلت : كيف اختلفت هذه الصفات تعريفا وتنكيرا ، والموصوف معرفة يقتضى أن يكون مثله معارف؟ قلت : أمّا غافر الذنب وقابل التوب فمعرفتان ، لأنه لم يرد بهما حدوث الفعلين ، وأنه يغفر الذنب ويقبل التوب الآن. أو غدا حتى يكونا في
__________________
(١) أخرجه النسائي من رواية حماد بن زيد عن أبى أمامة عن عائشة في أثناء حديث ، وأخرجه أحمد وإسحاق وأبو يعلى والترمذي والحاكم والبيهقي في الشعب في التاسع عشر من هذا الوجه.
تقدير الانفصال ، فتكون إضافتهما غير حقيقية ، وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه ، فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب العرش. وأما شديد العقاب فأمره مشكل ، لأنه في تقدير : شديد عقابه لا ينفك من هذا التقدير ، وقد جعله الزجاج بدلا. وفي كونه بدلا وحده بين الصفات نبوّ ظاهر. والوجه أن يقال : لما صودف بين هؤلاء المعارف هذه النكرة الواحدة ، فقد آذنت بأنّ كلها أبدال غير أوصاف ، ومثال ذلك قصيدة جاءت تفاعيلها كلها على مستفعلن ، فهي محكوم عليها بأنها من بحر الرجز ، فإن وقع فيها جزء واحد على متفاعلن كانت من الكامل (١) ولقائل أن يقول : هي صفات ، وإنما حذف الألف واللام من شديد العقاب ليزاوج ما قبله وما بعده لفظا ، فقد غيروا كثيرا من كلامهم عن قوانينه لأجل الازدواج ، حتى قالوا : ما يعرف سحادليه من عنادليه ، فثنوا ما هو وتر لأجل ما هو شفع ، على أنّ الخليل قال في قولهم ما يحسن بالرجل مثلك أن يفعل ذلك ، وما يحسن بالرجل خير منك أن يفعل أنه على نية الألف واللام كما كان الجماء الغفير على نية طرح الألف واللام ومما سهل ذلك الأمن من اللبس وجهالة الموصوف. ويجوز أن يقال : قد تعمد تنكيره ، وإبهامه للدلالة على فرط الشدة وعلى ما لا شيء أدهى منه وأمر لزيادة الإنذار. ويجوز أن يقال : هذه النكتة هي الداعية إلى اختيار البدل على الوصف إذا سلكت طريقة الإبدال. فإن قلت : ما بال الواو في قوله (وَقابِلِ التَّوْبِ)؟ قلت : فيها نكتة جليلة ، وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين : بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات. وأن يجعلها محاءة للذنوب ، كأن لم يذنب ، كأنه قال : جامع المغفرة والقبول. وروى أنّ عمر رضى الله عنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام ، فقيل له : تتابع في هذا الشراب ، فقال عمر لكاتبه : اكتب ، من عمر إلى فلان : سلام عليك ، وأنا أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو : بسم الله الرحمن الرحيم : حم إلى قوله إليه المصير. وختم الكتاب وقال لرسوله : لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا ، ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة. فلما أتته الصحيفة
__________________
(١) قال محمود : «فان قلت لما اختلفت هذه الصفات تعريفا وتنكيرا والموصوف معرفة يقتضى أن يكون مثله معارف؟ وأجاب بأن غافر الذنب وقابل التوب معرفان ، لأنهما صفتان لازمتان ، وليستا لحدوث الفعل حتى يكونا حالا أو استقبالا ، بل إضافتهما حقيقة. وأما شديد العقاب فلا شك في أن إضافته غير حقيقية ، يريد : لأنه من الصفات المشبهة ، ولا تكون إضافتها محضة أبدا. عاد كلامه قال : وجعله الزجاج بدلا وحده ، وانفراد البدل من بين الصفات فيه نبو ظاهر. والوجه أن يقال : إن جميعها أبدال غير أوصاف ، لوقوع هذه النكرة التي لا يصح أن تكون صفة كما لو جاءت قصيدة تفاعيلها كلها على مستفعل ، قضى عليها بأنها من بحر الرجز ، فان وقع فيها جزء واحد على متفاعلن : كانت من الكامل» قال أحمد : وهذا لأن دخول مستفعلن في الكامل يمكن ، لأن متفاعلن يصير بالاضمار إلى مستفعلن ، وليس وقوع متفاعلن في الرجز ممكنا ، إذ لا يصبر إليه مستفعلن البتة ، فما يفضى إلى الجمع بينهما فانه يتعين ، وهذا كما يقضى الفقهاء بالخاص على العام لأنه الطريق في الجمع بين الدليلين.
جعل يقرؤها ويقول : قد وعدني الله أن يغفر لي ، وحذرني عقابه ، فلم يبرح يردّدها حتى بكى ، ثم نزع فأحسن النزوع وحسنت توبته ، فلما بلغ عمر أمره قال : هكذا فاصنعوا ، إذا رأيتم أخاكم قد زلّ زلة فسدّدوه ووقفوه ، وادعوا له الله أن يتوب عليه ، ولا تكونوا أعوانا للشياطين عليه (١).
(ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ)(٤)
سجل على المجادلين في آيات الله بالكفر : والمراد : الجدال بالباطل ، من الطعن فيها ، والقصد إلى إدحاض الحق وإطفاء نور الله ، وقد دلّ على ذلك (وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَ) فأما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها وحل مشكلها ، ومقادحة أهل العلم في استنباط معانيها ورد أهل الزيغ بها وعنها ، فأعظم جهاد في سبيل الله ، وقوله صلى الله عليه وسلم : «إنّ جدالا في القرآن كفر» (٢) وإيراده منكرا ، وإن لم يقل : إنّ الجدال ، تمييز منه بين جدال وجدال. فإن قلت : من أين تسبب لقوله (فَلا يَغْرُرْكَ) ما قبله؟ قلت : من حيث إنهم لما كانوا مشهودا عليهم من قبل الله بالكفر ، والكافر لا أحد أشقى منه عند الله : وجب على من تحقق ذلك أن لا نرجح أحوالهم في عينه ، ولا يغره إقبالهم في دنياهم وتقلبهم في البلاد بالتجارات النافقة والمكاسب المربحة ، وكانت قريش كذلك يتقلبون في بلاد الشام واليمن ، ولهم الأموال يتجرون فيها ويتربحون ، فانّ مصير ذلك وعاقبته إلى الزوال ، ووراءه شقاوة الأبد. ثم ضرب لتكذيبهم وعداوتهم للرسل وجدالهم بالباطل وما ادّخر لهم من سوء العاقبة مثلا : ما كان من نحو ذلك من الأمم ، وما أخذهم به من عقابه وأحله بساحتهم من انتقامه. وقرئ : فلا يغرّك.
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ)(٥)
(الْأَحْزابُ) الذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم وهم عاد وثمود وفرعون وغيرهم (وَهَمَّتْ
__________________
(١) أخرجه أبو نعيم في ترجمة يزيد الأصم من روآية كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن يزيد الأصم «أن رجلا كان ذا بأس ـ فذكره بتمامه» ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن كثير بن هشام باختصار. وكذا ابن أبى حاتم والثعلبي.
(٢) أخرجه الطيالسي. ومن طريقه البيهقي في الشعب في التاسع عشر من حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما بلفظ «لا تجادلوا في القرآن فان جدالا فيه كفر» وفي الباب عن أبى هريرة بلفظ «مراه في القرآن كفر» في الصحيح والسنن
كُلُّ أُمَّةٍ) من هذه الأمم التي هي قوم نوح والأحزاب (بِرَسُولِهِمْ) وقرئ برسولها (لِيَأْخُذُوهُ) ليتمكنوا منه ، ومن الإيقاع به وإصابته بما أرادوا من تعذيب أو قتل. ويقال للأسير : أخيذ (فَأَخَذْتُهُمْ) يعنى أنهم قصدوا أخذه ، فجعلت جزاءهم على إرادة أخذه أن أخذتهم (فَكَيْفَ كانَ عِقابِ) فإنكم تمرون على بلادهم ومساكنهم فتعاينون أثر ذلك. وهذا تقرير فيه معنى التعجيب
(وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ)(٦)
(أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ) في محل الرفع بدل من (كَلِمَةُ رَبِّكَ) أى مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار. ومعناه : كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل ، كذلك وجب إهلاكهم بعذاب النار في الآخرة ، أو في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل. والذين كفروا : قريش ، ومعناه. كما وجب إهلاك أولئك الأمم ، كذلك وجب إهلاك هؤلاء ، لأن علة واحدة تجمعهم أنهم من أصحاب النار. قرئ: كلمات.
(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(٩)
روى أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق الله من الملائكة» (١) فإن خلقا من الملائكة يقال له إسرافيل : زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى ، وقد مرق رأسه من سبع سماوات ، وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوصع (٢). وفي الحديث : إن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا
__________________
(١) أخرجه الثعلبي. وروى شهر بن حوشب : أن ابن عباس رفعه بهذا تعليقا ، وهو في كتاب العظمة لأبى الفتح.
(٢) قوله «كأنه الوصع» طائر أصغر من العصفور. (ع)
ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلا لهم على سائر الملائكة (١). وقيل : خلق الله العرش من جوهرة خضراء ، وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام. وقيل حول العرش سبعون ألف صنف من الملائكة ، يطوفون به مهللين مكبرين ، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام ، قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير ، ومن ورائهم مائه ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل ، ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر. وقرأ ابن عباس : العرش بضم العين. فإن قلت : ما فائدة قوله (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) ولا يخفى على أحد أنّ حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمد ربهم مؤمنون؟ (٢) قلت : فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله ، والترغيب فيه كما وصف الأنبياء في غير موضع من كتابه بالصلاح لذلك ، وكما عقب أعمال الخير بقوله تعالى (ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) فأبان بذلك فضل الإيمان. وفائدة أخرى : وهي التنبيه على أن الأمر لو كان كما تقول المجسمة (٣) ، لكان حملة العرش ومن حوله مشاهدين معاينين ، ولما وصفوا بالإيمان ، لأنه إنما يوصف بالإيمان : الغائب ، فلما وصفوا به على سبيل الثناء عليهم ، علم أنّ إيمانهم وإيمان من في الأرض وكل من غاب عن ذلك المقام سواء : في أنّ إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال لا غير ، إلا هذا ، وأنه لا طريق إلى معرفته إلا هذا ، وأنه منزه عن صفات الأجرام. وقد روعي التناسب في قوله (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) كأنه قيل : ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم وصفتهم. وفيه تنبيه على أنّ الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة ، وأبعثه على إمحاض الشفقة وإن تفاوتت الأجناس وتباعدت الأماكن. فإنه
__________________
(١) لم أجده.
(٢) قال محمود : «إن قلت. ما قائدة قوله (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) ولا يخفى على أحد أن حملة العرش ومن حوله من الملائكة مؤمنون بالله تعالى ... الخ» قال أحمد : كلام حسن إلا استدلاله بقوله (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) على أنهم ليسوا مشاهدين ، فهذا لا يدل ، لأن الايمان هو التصديق غير مشروط فيه غيبة المصدق به ، بدليل صحة إطلاق الايمان بالآيات مع أنها مشاهدة ، كانشقاق القمر وقلب العصاحية. وإنما نقب الزمخشري بهذا التكلف عما في قلبه من مرض ، لكنه طاح بعيدا عن الغرض ، فقرر أن حملة العرش غير مشاهدين ، بدليل قوله تعالى (وَيُؤْمِنُونَ) لأن معنى الايمان عنده التصديق بالغائب. ثم يأخذ من كونهم غير مشاهدين : أن الباري عز وجل لو صحت رؤيته لرأوه ، فحيث لم يروه لزم أن تكون رؤيته تعالى مما لا يصححه العقل ، وقد أبطلنا ما ادعاه من أن الايمان مستلزم عدم الرؤية ، ولو سلمناه فلا نسلم أنه يلزم من كون حملة العرش غير مشاهدين له تعالى أن تكون رؤيته غير صحيحة ، وقوله : ولو كانت صحيحة لرأوه : شرطية عقيمة الانتاج ، لأن الرؤية عبارة عن إدراك : يخلق الله تعالى هذا الإدراك لحملة العرش ، إلا أن يذهب بالزمخشرى الوهم إلى أن مصححى الرؤية يعتقدون الجسمية والاستقرار على العرش ، فيلزمهم رؤية حملة العرش له تعالى الله عن ذلك ، وحاشى أهل السنة ومصححى الرؤية من ذلك.
(٣) قوله «كما تقول المجسمة» يريد أهل السنة ، لأنهم لما جوزوا رؤيته تعالى معاينة : لزمهم القول بأنه تعالى جسم ، ولكن الرؤية لا تستلزم الجسمية ، خلافا للمعتزلة ، كما بين في علم التوحيد. (ع)
لا تجانس بين ملك وإنسان ، ولا بين سماوي وأرضى قط ، ثم لما جاء جامع الإيمان جاء معه التجانس الكلى والتناسب الحقيقي ، حتى استغفر من حول العرش لمن فوق الأرض. قال الله تعالى (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ). أى يقولون (رَبَّنا) وهذا المضمر يحتمل أن يكون بيانا ليستغفرون مرفوع المحل مثله ، وأن يكون حالا. فإن قلت : تعالى الله عن المكان ، فكيف صحّ أن يقال : وسع كل شيء؟ قلت : الرحمة والعلم هما اللذان وسعا كل شيء في المعنى. والأصل : وسع كل شيء رحمتك وعلمك ، ولكن أزيل الكلام عن أصله بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم ، وأخرجا منصوبين على التمييز للإغراق في وصفه بالرحمة والعلم ، كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء. فإن قلت : قد ذكر الرحمة والعلم فوجب أن يكون ما بعد الفاء مشتملا على حديثهما جميعا ، وما ذكر إلا الغفران وحده؟ قلت : معناه فاغفر للذين علمت منهم التسوية واتباع سبيلك (١). وسبيل الله : سبيل الحق التي نهجها (٢) لعباده ودعا إليها (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أى الملك الذي لا يغلب : وأنت مع ملكك وعزتك لا تفعل شيئا إلا بداعي الحكمة وموجب حكمتك أن تفي بوعدك (وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ) أى العقوبات. أو جزاء السيئات. فحذف المضاف على أن السيئات هي الصغائر أو الكبائر المتوب عنها. والوقاية منها : التكفير أو قبول التوبة : فإن قلت : ما الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون موعودون المغفرة والله لا يخلف الميعاد؟ قلت : هذا بمنزلة الشفاعة ، وفائدته زيادة الكرامة والثواب. وقرئ : جنة عدن. وصلح ، بضم اللام ، والفتح أفصح. يقال : صلح فهو صالح ، وصلح فهو صليح ، وذريتهم.
__________________
(١) قال محمود : «فان قلت قد ذكر أولا الرحمة والعلم ، ثم ذكر ما توجبه الرحمة وهو الغفران ، فأين موجب العلم؟ وأجاب بأن معناه فاغفر للذين علمت منهم التوبة واتباع سبيلك ... الخ» قال أحمد : كلامه هاهنا محشو بأنواع الاعتزال : منها اعتقاد وجوب مراعاة المصلحة ودواعي الحكم على الله تعالى. ومنها اعتقاد أن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر وجوبا وإن لم يكن توبة. ومنها اعتقاد امتناع غفران الله تعالى للكبائر التي لم يتب عنها. ومنها اعتقاد وجوب قبول التوبة على الله تعالى. ومنها جحد الشفاعة ، واعتقاد أهل السنة أن الله تعالى لا يجب عليه مراعاة المصلحة ، وأنه يجوز أن يعذب على الصغائر وإن اجتنب الكبائر ، وأنه يجوز أن يغفر الكبائر ما عدا الشرك وإن لم يتب منها ، وأن قبول التوبة بفضله ورحمته ، لا بالوجوب عليه ، وأنها تنال أهل الكبائر المصرين من الموحدين ، فهذه جواهر خمسة نسأل الله تعالى أن يقلد عقائل عقائدنا بها إلى الخاتمة ، وأن لا يحرمنا ألطافه ومراحمه آمين. وجميع ما يحتاج إلى تزييفه مما ذكره على قواعد الاعتزال في هذا الموضع قد تقدم ، غير أنه جدد هاهنا قوله : إن فائدة الاستغفار كفائدة الشفاعة ، وذلك مزيد الكرامة لا غير ، يريد : أن المغفرة للتائب واجبة على الله فلا تسئل ، وهذا الذي قاله مما يجعل لنفسه فيه الفضيحة ، زادت على بطلانه هذه الآية بالألسن الفصيحة ، كيف يجعل المسئول مزيدة الكرامة لا غير. ونص الآية : فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ، فهي ناطقة بأنهم يسألون من الله تعالى المغفرة للتائب ووقاية عذاب الجحيم ، وهو الذي أنكر الزمخشري كونه مسؤلا.
(٢) قوله «التي نهجها» أى : أبانها وأوضحها. أفاده الصحاح. (ع)
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ)(١٢)
أى ينادون يوم القيامة ، فيقال لهم : (لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ) والتقدير : لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم ، فاستغنى بذكرها مرة. و (إِذْ تُدْعَوْنَ) منصوب بالمقت الأوّل. والمعنى : أنه يقال لهم يوم القيامة : كان الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر ، حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان ، فتأبون قبوله وتختارون عليه الكفر أشدّ مما تمقتونهن اليوم وأنتم في النار إذا أوقعتكم فيها باتباعكم هواهنّ. وعن الحسن : لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم ، فنودوا لمقت الله. وقيل : معناه لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض ، كقوله تعالى (يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) و (إِذْ تُدْعَوْنَ) : تعليل. والمقت : أشدّ البغض ، فوضع في موضع أبلغ الإنكار وأشدّه (اثْنَتَيْنِ) إماتتين وإحياءتين. أو موتتين وحياتين. وأراد بالإماتتين : خلقهم أمواتا أوّلا ، وإماتتهم عند انقضاء آجالهم ، وبالإحياءة الإحياءة الأولى وإحياءة البعث. وناهيك تفسيرا لذلك قوله تعالى (وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) وكذا عن ابن عباس رضى الله عنهما. فإن قلت : كيف صح أن يسمى خلقهم أمواتا : إماتة؟ قلت : كما صح أن تقول : سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل! وقولك للحفار : ضيق فم الركية ووسع أسفلها ، وليس ثم نقل من كبر إلى صغر ولا من صغر إلى كبر ، ولا من ضيق إلى سعة ، ولا من سعة إلى ضيق. وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات ، والسبب في صحته أن الصغر والكبر جائزان معا على المصنوع الواحد ، من غير ترجح لأحدهما ، وكذلك الضيق والسعة. فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكن منهما (١) على السواء فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر ، فجعل صرفه عنه كنقله
__________________
(١) قال محمود : «إحدى الإماتتين خلقهم أمواتا أولا ، والأخرى إماتتهم عند انقضاء آجالهم ، ثم قال : فان قلت كيف سمى خلقه لهم أمواتا إماته ، وأجاب بأنه كما يقال : سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل ، وكما يقال للحفار : ضيق فم الركية ووسع أسفلها ، وليس ثم نقل من صغر إلى كبر ولا عكسه ، ولا من ضيق إلى سعة ولا عكسه. وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات. والسبب في صحته أن الكبر والصغر جائزان معا على المصنوع الواحد ، وكذلك الضيق والسعة ، فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكن من الآخر ، جعل صرفا عن الآخر وهو متمكن منه» قال أحمد : ما أسد كلامه هاهنا حيث صادق التمسك بأذيال نظر مالك رحمه الله في مسألة ما إذا باعه إحدى وزنتين معينتين على اللزوم لإحداهما والخيرة في عينها ، فانه منع من ذلك ، لأن المشترى لما كان ـ
منه ، ومن جعل الإماتتين التي بعد حياة حياة الدنيا والتي بعد حياة القبر لزمه إثبات ثلاث إحياآت ، وهو خلاف ما في القرآن ، إلا أن يتمحل فيجعل إحداها غير معتدّ بها. أو يزعم أن الله تعالى يحييهم في القبور ، وتستمرّ بهم تلك الحياة فلا يموتون بعدها ، ويعدّهم في المستثنين من الصعقة في قوله تعالى (إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ). فإن قلت : كيف تسبب هذا لقوله تعالى (فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا)؟ قلت : قد أنكروا البعث فكفروا ، وتبع ذلك من الذنوب ما لا يحصى ، لأن من لم يخش العاقبة تخرق (١) في المعاصي ، فلما رأوا الإماتة والإحياء قد تكرّرا عليهم ، علموا بأن الله قادر على الإعادة قدرته على الإنشاء ، فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها من إنكار البعث وما تبعه من معاصيهم (فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ) أى إلى نوع من الخروج سريع أو بطيء (مِنْ سَبِيلٍ) قط ، أم اليأس واقع دون ذلك ، فلا خروج ولا سبيل إليه. وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط. وإنما يقولون ذلك تعللا وتحيرا ، ولهذا جاء الجواب على حسب ذلك ، وهو قوله (ذلِكُمْ) أى ذلكم الذي أنتم فيه ، وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم بتوحيد الله وإيمانكم بالإشراك (٢) به (فَالْحُكْمُ لِلَّهِ) حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد : وقوله (الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) دلالة على الكبرياء والعظمة ، وعلى أن عقاب مثله لا يكون إلا كذلك ، وهو الذي يطابق كبرياءه ويناسب جبروته. وقيل : كأن الحرورية (٣) أخذوا قولهم : لا حكم إلا لله ، من هذا.
(هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤)
__________________
ـ متمكنا من تعيين كل واحدة منهما على سواء ، فإذا عين واحدة منهما بالاختيار نزل عدوله عن الأخرى ، وقد كان متمكنا منها منزلة اختيارها أولا ، ثم الانتقال عنها إلى هذه ، فإذا آل إلى بيع إحداهما بالأخرى غير معلومتى التماثل ، وهو الذي لخصه أصحابنا في قولهم : إن من خير بين شيئين فاختار أحدهما : عد متنقلا ، وقد سبقت هذه القاعدة لغير هذا الغرض فيما تقدم.
(١) قوله «تخرق في المعاصي» في الصحاح : يقال : هو يتخرق في السخاء ، إذا توسع فيه. (ع)
(٢) قال محمود : «أى إلى نوع من الخروج سريع أو بطيء من سبيل قط ، أم اليأس واقع دون ذلك ، فلا خروج ولا سبيل إليه ، وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط ، وإنما يقولون ذلك تعللا وتحيرا ، ولهذا جاء الجواب على حسب ذلك ، وهو قوله (ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ) معناه : أن اعتياض السبيل إلى خروجكم من النار سببه كفركم بتوحيد الله تعالى ، وإيمانكم بالاشراك» قال أحمد : وعلى هذا النمط بنى الشعراء مثل قولهم:
|
هل إلى نجد وصول |
|
وعلى الخيف نزول |
وإنما قصدهم أن هذا أمر غالب فيه اليأس على الطمع.
(٣) قوله «الحرورية» في الصحاح : أنها طائفة من الخوارج تنسب إلى «حرور» اسم قرية ، وكأنه يريد أهل السنة ، فإنهم الذين اشتهر عنهم هذا القول ، خلافا للمعتزلة في قولهم : إن الفعل قد يدرك الحكم قبل ورود الشرع ، كما بين في الأصول. (ع)
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ)(١٦)
(يُرِيكُمْ آياتِهِ) من الريح والسحاب والرعد والبرق والصواعق ونحوها. والرزق : المطر ، لأنه سببه (وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) وما يتعظ وما يعتبر بآيات الله إلا من يتوب من الشرك ويرجع إلى الله ، فإن المعاند لا سبيل إلى تذكره واتعاظه ، ثم قال للمنيبين (فَادْعُوا اللهَ) أى اعبدوه (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) من الشرك. وإن غاظ ذلك أعداءكم ممن ليس على دينكم. (رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ) ثلاثة أخبار ، لقوله «هو» مترتبة على قوله (الَّذِي يُرِيكُمْ) أو أخبار مبتدإ محذوف ، وهي مختلفة تعريفا وتنكيرا. وقرئ : رفيع الدرجات بالنصب على المدح. ورفيع الدرجات ، كقوله تعالى (ذِي الْمَعارِجِ) وهي مصاعد الملائكة إلى أن تبلغ العرش ، وهي دليل على عزته وملكوته. وعن ابن جبير : سماء فوق سماء. والعرش فوقهن. ويجوز أن يكون عبارة عن رفعة شأنه وعلوّ سلطانه ، كما أنّ ذا العرش عبارة عن ملكه. وقيل : هي درجات ثوابه التي ينزلها أولياءه في الجنة (الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ) الذي هو سبب الحياة من أمره ، يريد : الوحى الذي هو أمر بالخير وبعث عليه ، فاستعار له الروح ، كما قال تعالى (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ)(لِيُنْذِرَ) الله. أو الملقى عليه : وهو الرسول أو الروح. وقرئ : لتنذر ، أى : لتنذر الروح لأنها تؤنث ، أو على خطاب الرسول. وقرئ : لينذر يوم التلاق ، على البناء للمفعول و (يَوْمَ التَّلاقِ) يوم القيامة ، لأن الخلائق تلتقي فيه. وقيل : يلتقى فيه أهل السماء وأهل الأرض. وقيل : المعبود والعابد (يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ) ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء ، لأنّ الأرض بارزة قاع صفصف ، ولا عليهم ثياب ، إنما هم عراة مكشوفون ، كما جاء في الحديث «يحشرون عراة حفاة غرلا» (١) (لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ) أى من أعمالهم وأحوالهم. وعن ابن مسعود رضى الله عنه : لا يخفى عليه منهم شيء. فإن قلت : قوله (لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ) : بيان وتقرير لبروزهم ، والله تعالى لا يخفى عليه منهم شيء برزوا أو لم يبرزوا ، فما معناه؟ قلت : معناه أنهم كانوا يتوهمون في الدنيا إذا استتروا بالحيطان والحجب : أنّ الله لا يراهم ويخفى عليه أعمالهم ، فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه. قال الله تعالى : ولكن ظننتم أنّ الله لا يعلم كثيرا مما تعملون. وقال تعالى : (يَسْتَخْفُونَ
__________________
(١) متفق عليه من حديث عائشة رضى الله عنها.
مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ) وذلك لعلمهم أنّ الناس يبصرونهم ، وظنهم أن الله لا يبصرهم ، وهو معنى قوله (وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) ، (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) حكاية لما يسئل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به. ومعناه : أنه ينادى مناد فيقول : لمن الملك اليوم؟ فيجيبه أهل المحشر : لله الواحد القهار. وقيل : يجمع الله الخلائق يوم القيامة في صعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يعص الله فيها قط «فأوّل ما يتكلم به أن ينادى مناد : (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ ...) الآية فهذا يقتضى أن يكون المنادى هو المجيب.
(الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ)(١٧)
لما قرّر أن الملك لله وحده في ذلك اليوم عدّد نتائج ذلك ، وهي أنّ كل نفس تجزى ما كسبت وأن الظلم مأمون ، لأن الله ليس بظلام للعبيد ، وأن الحساب لا يبطئ ، لأن الله لا يشغله حساب عن حساب ، فيحاسب الخلق كله في وقت واحد وهو أسرع الحاسبين. وعن ابن عباس رضى الله عنهما : إذا أخذ في حسابهم لم يقل (١) أهل الجنة إلا فيها ولا أهل النار إلا فيها.
(وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ)(١٨)
الآزفة : القيامة ، سميت بذلك لأزوفها ، أى : لقربها. ويجوز أن يريد بيوم الآزفة : وقت الخطة الآزفة ، وهي مشارفتهم دخول النار ، فعند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارّها فتلصق بحناجرهم ، فلا هي تخرج فيموتوا ، ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا ويتروّحوا ، ولكنها معترضة كالشجا ، كما قال تعالى (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا). فإن قلت : (كاظِمِينَ) بم انتصب؟ قلت : هو حال عن أصحاب القلوب على المعنى ، لأن المعنى : إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها. ويجوز أن يكون حالا عن القلوب ، وأن القلوب كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر ، وإنما جمع الكاظم جمع السلامة ، لأنه وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء ، كما قال تعالى (رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) وقال (فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) وتعضده قراءة من قرأ : كاظمون. ويجوز أن يكون حالا عن قوله : وأنذرهم ، أى : وأنذرهم مقدّرين أو مشارفين الكظم ، كقوله تعالى (فَادْخُلُوها خالِدِينَ) الحميم : المحب المشفق. والمطاع : مجاز في المشفع ، لأن حقيقة الطاعة نحو حقيقة الأمر في أنها لا تكون إلا لمن فوقك. فإن قلت : ما معنى قوله تعالى :
__________________
(١) قوله «لم يقل أهل الجنة إلا فيها» من قال يقيل قيلولة. (ع)
(وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ)؟ قلت : يحتمل أن يتناول النفي الشفاعة والطاعة معا ، وأن يتناول الطاعة دون الشفاعة ، (١) كما تقول : ما عندي كتاب يباع ، فهو محتمل نفى البيع وحده ، وأن عندك كتابا إلا أنك لا تبيعه ، ونفيهما جميعا ، وأن لا كتاب عندك ، ولا كونه مبيعا. ونحوه :
ولا ترى الضّبّ بها ينجحر (٢)
يريد : نفى الضب وانجحاره. فإن قلت : فعلى أى الاحتمالين يجب حمله؟ قلت : على نفى الأمرين جميعا ، من قبل أن الشفعاء هم أولياء الله ، وأولياء الله لا يحبون ولا يرضون إلا من أحبه الله ورضيه ، وأن الله لا يحب الظالمين ، فلا يحبونهم ، وإذا لم يحبوهم لم ينصروهم ولم يشفعوا لهم. قال الله تعالى (وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ) وقال : (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى) ولأن الشفاعة لا تكون إلا في زيادة التفضل ، (٣) وأهل التفضل وزيادته إنما هم أهل الثواب ، بدليل قوله تعالى (وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) وعن الحسن رضى الله عنه : والله ما يكون لهم شفيع البتة ، فإن قلت : الغرض حاصل بذكر الشفيع ونفيه ، فما الفائدة في ذكر هذه الصفة ونفيها؟ قلت : في ذكرها فائدة جليلة ، وهي أنها ضمت إليه ، ليقام انتفاء الموصوف مقام الشاهد على انتفاء الصفة ، لأن الصفة لا تتأتى بدون موصوفها ، فيكون ذلك إزالة لتوهم وجود الموصوف ، بيانه : أنك إذا عوتبت على القعود عن الغزو فقلت : ما لي فرس أركبه ، ولا معى سلاح أحارب به ، فقد جعلت عدم الفرس وفقد السلاح علة مانعة من الركوب والمحاربة ، كأنك تقول : كيف يتأتى منى الركوب والمحاربة ولا فرس لي ولا سلاح معى ، فكذلك قوله (وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ) معناه : كيف يتأتى التشفيع ولا شفيع ، فكان ذكر التشفيع والاستشهاد على عدم تأتيه بعدم الشفيع : وضعا لانتفاء الشفيع موضع الأمر المعروف (٤) غير المنكر الذي لا ينبغي أن يتوهم خلافه.
__________________
(١) قال محمود : «يحتمل أن يكون المنفي الشفيع الذي هو الموصوف وصفته وهي الطاعة ، ويحتمل أن يكون المنفي الصفة وهي الطاعة والشفيع ثابت» قال أحمد : إنما جاء الاحتمال من حيث دخول النفي على مجموع الموصوف والصفة. ونفى المجموع ، كما يكون بنفي كل واحد من جزئيه ، وكذلك يكون بنفي أحدهما ، على أن المراد هنا ـ كما قال ـ : نفى الأمرين جميعا. قال : وفائدة ذكر الموصوف أنه كالدليل على نفى الصفة ، لأنه إذا انتفى الموصوف انتفت الصفة قطعا ، قلت : فكأنه نفى الصفة مرتين من وجهين مختلفين.
(٢) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٤٢٦ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٣) قوله «لا تكون إلا في زيادة التفضل» هذا عند المعتزلة. أما عند أهل السنة فتكون في الخروج من النار أيضا ، كما تقرر في التوحيد. وحديث الشفاعة مشهور ، نعم الكفار لا خروج لهم من النار. (ع)
(٤) قوله «موضع الأمر المعروف» أى الذي يعرفه السامع ويسلمه ، كما هو شأن الشاهد على الدعوى ، وإذا كان انتفاء الشفيع معروفا فلا ينتفي أن يتوهم وجوده ، وبهذا يتبين قوله فيما سبق ، فيكون ذلك إزالة لتوهم وجود الموصوف. (ع)
(يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ)(١٩)
الخائنة : صفة للنظرة. أو مصدر بمعنى الخيانة ، كالعافية بمعنى المعافاة ، والمراد : استراق النظر إلى ما لا يحل ، كما يفعل أهل الريب ، ولا يحسن أن يراد الخائنة من الأعين ، لأن قوله (وَما تُخْفِي الصُّدُورُ) لا يساعد عليه (١). فإن قلت : بم اتصل قوله (يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ)؟ قلت : هو خبر من أخبار هو في قوله (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ) مثل (يُلْقِي الرُّوحَ) ولكن (يُلْقِي الرُّوحَ) قد علل بقوله (لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ) ثم استطرد ذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله (وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ) فبعد لذلك عن أخواته.
(وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(٢٠)
(وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِ) يعنى : والذي هذه صفاته وأحواله لا يقضى إلا بالحق والعدل. لاستغنائه عن الظلم. وآلهتكم لا يقضون بشيء ، وهذا تهكم بهم ، لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقال فيه : يقضى ، أو لا يقضى (إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) تقرير لقوله (يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ) ووعيد لهم بأنه يسمع ما يقولون ويبصر ما يعملون ، وأنه يعاقبهم عليه وتعريض بما يدعون من دون الله ، وأنها لا تسمع ولا تبصر. وقرئ : يدعون ، بالتاء والياء.
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٢١) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ)(٢٢)
(هُمْ) في (كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ) فصل. فإن قلت : من حق الفصل أن لا يقع إلا بين معرفتين ، فما باله واقعا بين معرفة وغير معرفة؟ وهو أشدّ منهم. قلت : قد ضارع المعرفة في أنه لا تدخله الألف واللام ، فأجرى مجراها. وقرئ : منكم ، وهي في مصاحف أهل الشأم (وَآثاراً)
__________________
(١) قال محمود : «الخائنة إما صفة للنظرة وإما مصدر كالعافية» قال : «ولا يحسن أن يراد الخائنة من الأعين» لأنه لا يساعد عليه قوله تعالى (وَما تُخْفِي الصُّدُورُ) قال أحمد : إنما لم يساعد عليه لأن خائنة الأعين على هذا التقدير معناه الأعين الخائنة ، وإنما يقابل الأعين الصدور ، لا ما تخفيه الصدور ، بخلاف التأويل الأول ، فان المراد به نظرات الأعين فيطابق خفيات الصدور.
يريد حصونهم وقصورهم وعددهم ، وما يوصف بالشدة من آثارهم. أو أرادوا : أكثر آثارا ، كقوله :
متقلدا سيفا ورمحا (١)
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ)(٢٥)
(وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) وحجة ظاهرة وهي المعجزات ، فقالوا : هو ساحر كذاب ، فسموا السلطان المبين سحرا وكذابا (فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِ) : بالنبوّة : فإن قلت : أما كان قتل الأبناء واستحياء النساء من قبل خيفة أن يولد المولود الذي أنذرته الكهنة بظهوره وزوال ملكه على يده؟ قلت : قد كان ذلك القتل حينئذ ، وهذا قتل آخر. وعن ابن عباس رضى الله عنهما في قوله (قالُوا اقْتُلُوا) أعيدوا عليهم القتل كالذي كان أولا ، يريد أن هذا قتل غير القتل الأول (فِي ضَلالٍ) في ضياع وذهاب ، باطلا لم يجد عليهم ، يعنى. أنهم باشروا قتلهم أولا فما أغنى عنهم ، ونفذ قضاء الله بإظهار من خافوه ، فما يغنى عنهم هذا القتل الثاني ، وكان فرعون قد كف عن قتل الولدان ، فلما بعث موسى وأحس بأنه قد وقع : أعاده عليهم غيظا وحنقا ، وظنا منه أنه يصدهم بذلك عن مظاهرة موسى ، وما علم أنّ كيده ضائع في الكرتين جميعا.
(وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ)(٢٦)
(ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى) كانوا إذا همّ بقتله كفوه بقولهم : ليس بالذي تخافه ، وهو أقل من ذلك وأضعف ، وما هو إلا بعض السحرة ، ومثله لا يقاوم إلا ساحرا مثله ، ويقولون : إذا قتلته أدخلت الشبهة على الناس ، واعتقدوا أنك قد عجزت عن معارضته بالحجة ، والظاهر أنّ فرعون لعنه الله كان قد استيقن أنه نبىّ ، وأنّ ما جاء به آيات وما هو بسحر ، ولكن الرجل كان فيه خب وجربزة ، وكان قتالا سفاكا الدماء في أهون شيء ، فكيف لا يقتل من أحس منه بأنه هو الذي يثل عرشه ويهدم ملكه ، ولكنه كان يخاف إن همّ بقتله أن يعاجل بالهلاك. وقوله
__________________
|
(١) ورأيت زوجك في الوغى |
|
متقلدا سيفا ورمحا |
الوغى : الحرب. ورمحا : نصب بمحذوف يناسبه ، أى : متقلدا سيفا وحاملا رمحا. وروى بدل الشطر الأول : يا ليت زوجك قد غدا أى ذهب إلى الحرب غدوة لابسا سلاحه.
(وَلْيَدْعُ رَبَّهُ) شاهد صدق على فرط خوفه منه ومن دعوته ربه ، وكان قوله (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى) تمويها (١) على قومه ، وإيهاما أنهم هم الذين يكفونه ، وما كان يكفه إلا ما في نفسه من هول الفزع (أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ) أن يغير ما أنتم عليه ، وكانوا يعبدونه ويعبدون الأصنام ، بدليل قوله (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) والفساد في الأرض : التفاتن والتهارج الذي يذهب معه الأمن وتتعطل المزارع والمكاسب والمعايش ، ويهلك الناس قتلا وضياعا ، كأنه قال : إنى أخاف أن يفسد عليكم دينكم بدعوتكم إلى دينه. أو يفسد عليكم دنياكم بما يظهر من الفتن بسببه. وفي مصاحف أهل الحجاز وأن يظهر بالواو ، ومعناه. إنى أخاف فساد دينكم ودنياكم معا. وقرئ : يظهر ، من أظهر (٢) ، والفساد منصوب ، أى : يظهر موسى الفساد. وقرئ يظهر ، بتشديد الظاء والهاء ، من تظهر بمعنى تظاهر ، أى : تتابع وتعاون.
(وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ)(٢٧)لما سمع موسى عليه السلام بما أجراه فرعون من حديث قتله : قال لقومه (إِنِّي عُذْتُ) بالله الذي هو ربى وربكم ، وقوله (وَرَبِّكُمْ) فيه بعث لهم على أن يقتدوا به ، فيعوذوا بالله عياذه ، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه ، وقال (مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ) لتشمل استعاذته فرعون وغيره من الجبابرة ، وليكون على طريقة التعريض ، فيكون أبلغ ، وأراد بالتكبر : الاستكبار عن الإذعان للحق ، وهو أقبح استكبار وأدله على دناءة صاحبه ومهانة نفسه ، وعلى فرط ظلمه وعسفه ، وقال (لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ) لأنه إذا اجتمع في الرجل التجبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة ، فقد استكمل أسباب القسوة والجرأة على الله وعباده ، ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها : وعذت ولذت : أخوان. وقرئ : عت ، بالإدغام.
(وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ
__________________
(١) قال محمود : «كانوا إذا هم بقتله كفوه عنه بقولهم : ليس هذا ممن يخاف ، وإنما هو ساحر لا يقاومه إلا مثله ، وقتله يوقع الشبهة عند الناس أنك إنما قتلته خوفا ، وكان فرعون لعنه الله في ظاهر أمره ـ والله أعلم ـ عالما أنه نبى خائفا من قتله مع رغبته في ذلك لو لا الجزع ، وأراد أن يكتم خوفه من قتله بأن يقول لهم : ذروني أقتله ، ليكفوه عنه فينسب الانكفاف عن قتله إليهم ، لا إلى جزعه وخوفه. ويدل على خوفه منه لكونه نبيا قوله (وَلْيَدْعُ رَبَّهُ) وهذا من تمويهاته المعروفة» قال أحمد : هو من جنس قوله (إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ) فقد تقدم أن مراده بذلك أن يظهر لقومه قلة احتفاله بهم ، ويوهمهم أن قتله لهم ليس خوفا منهم ، ولكن غيظا عليهم ، وكان من عادته الحذر والتحصن وحماية الذريعة في المحافظة على حوزة المملكة ، لا أن ذلك خوف وهلع ، ولقد كذب ، إنما كان فؤاده مملوءا رعبا.
(٢) قوله «وقرئ يظهر من أظهر» يفيد أن القراءة المشهورة : يظهر من ظهر ، والفساد مرفوع. (ع)
رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)(٢٨)
(رَجُلٌ مُؤْمِنٌ) وقرئ : رجل ، بسكون الجيم كما يقال : عضد ، في عضد وكان قبطيا ابن عم لفرعون : آمن بموسى سرا وقيل كان إسرائيليا و (مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) صفة لرجل. أو صلة ليكتم ، أى : يكتم إيمانه من آل فرعون ، واسمه : سمعان أو حبيب. وقيل : خربيل ، أو حزبيل. والظاهر : أنه كان من آل فرعون ، فإنّ المؤمنين من بنى إسرائيل لم يقلوا ولم يعزوا. والدليل عليه قول فرعون : (أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ). وقول المؤمن (فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جاءَنا) دليل ظاهر على أنه ينتصح لقومه (أَنْ يَقُولَ) لأن يقول. وهذا إنكار منه عظيم وتبكيت شديد ، كأنه قال : أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة ، وما لكم علة قط في ارتكابها إلا كلمة الحق التي نطق بها وهي قوله (رَبِّيَ اللهُ) مع أنه لم يحضر لتصحيح قوله بينة واحدة ، ولكن بينات عدّة من عند من نسب إليه الربوبية ، وهو ربكم لا ربه وحده ، وهو استدراج لهم إلى الاعتراف به ، وليلين بذلك جماحهم ويكسر من سورتهم (١) ، ولك أن تقدر مضافا محذوفا ، أى : وقت أن تقول. والمعنى. أتقتلونه ساعة سمعتم منه هذا القول من غير روية ولا فكر في أمره. وقوله (بِالْبَيِّناتِ) يريد بالبينات العظيمة التي عهدتموها وشهدتموها ، ثم أخذهم بالاحتجاج على طريقة التقسيم فقال : لا يخلو من أن يكون كاذبا أو صادقا ، (وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ) أى يعود عليه كذبه ولا يتخطاه ضرره ، (وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ) ما يعدكم إن تعرّضتم له. فإن قلت : لم قال : بعض (الَّذِي يَعِدُكُمْ) وهو نبىّ صادق ، لا بد لما يعدهم أن يصيبهم
__________________
(١) قال محمود : «الظاهر أن الرجل من آل فرعون ، وقيل : إنه من بنى إسرائيل. ومن آل فرعون : متعلق بيكتم ، تقديره : يكتم إيمانه من آل فرعون ، وهو بعيد ، لأن بنى إسرائيل كان إيمانهم ظاهرا فاشيا ، ولقد استدرجهم هذا المؤمن في الايمان باستشهاده على صدق موسى بإحضاره عليه السلام من عند من تنسب إليه الربوبية ببينات عدة لا بينة واحدة ، وأتى بها معرفة ، معناه : البينات العظيمة التي شهدتموها وعرفتموها على ذلك ، ليلين بذلك جماحهم ويكسر من سورتهم ... الخ» قال أحمد : لقد أحسن الفهم والتفطن لأسرار هذا القول ، ويناسب تقديم الكاذب على الصادق هنا قوله تعالى (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فقدم الشاهد أمارة صدقها على أمارة صدق يوسف ، وإن كان الصادق هو يوسف دونها ، لرفع التهمة وإبعاد الظن ، وإدلالا بأن الحق معه ، ولا يضره التأخير لهذه الفائدة. وقريب من هذا التصرف لابعاد التهمة ما في قصة يوسف مع أخيه ، إذ بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ، حتى قيل : إنه لما انتهى إليه قال : اللهم ما سرق هذا ولا هو بوجه سارق ، فاطمأنت أنفسهم وانزاحت التهمة عن يوسف أن يكون قصد ذلك ، فقالوا : والله لنفتشنه ، فاستخرجها من وعائه.
كله لا بعضه؟ قلت : لأنه احتاج في مقاولة خصوم موسى ومنا كريه إلى أن يلاوصهم (١) ويداريهم ، ويسلك معهم طريق الإنصاف في القول ، ويأتيهم من وجهة المناصحة ، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله ، وأدخل في تصديقهم له وقبولهم منه ، فقال (وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) وهو كلام المنصف في مقاله غير المشتط فيه ، ليسمعوا منه ولا يردّوا عليه ، وذلك أنه حين فرضه صادقا فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد ، ولكنه أردفه (يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام ، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيا ، فضلا أن يتعصب له ، أو يرمى بالحصا من ورائه ، وتقديم الكاذب على الصادق أيضا من هذا القبيل ، وكذلك قوله (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ). فإن قلت : فعن أبى عبيدة أنه فسر البعض بالكل ، وأنشد بيت لبيد :
|
ترّاك امكنة إذا لم أرضها |
|
أو يرتبط بعض النفوس حمامها (٢) |
قلت : إن صحت الرواية عنه. فقد حق فيه قول المازني في مسألة العلقى : كان أجفى من أن يفقه ما أقول له (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ) يحتمل أنه كان مسرفا كذابا خذله الله وأهلكه ولم يستقم له أمر ، فيتخلصون منه. وأنه لو كان مسرفا كذابا لما هداه الله للنبوّة ، ولما عضده بالبينات. وقيل : ما تولى أبو بكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أشدّ من ذلك طاف صلى الله عليه وسلم بالبيت ، فلقوه حين فرغ ، فأخذوا بمجامع ردائه فقالوا له : أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا ، فقال : أنا ذاك ، فقام أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه فالتزمه من ورائه وقال : أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله ، وقد جاءكم بالبينات من ربكم ، رافعا صوته بذلك ، وعيناه تسفحان ، حتى أرسلوه (٣). وعن جعفر الصادق : أنّ مؤمن آل فرعون قال ذلك سرا ، وأبو بكر قاله ظاهرا.
(يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاَّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ)(٢٩)
(ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ) في أرض مصر عالين فيها على بنى إسرائيل ، يعنى : أنّ لكم ملك
__________________
(١) قوله «إلى أن يلاوصهم ويداريهم» في الصحاح : فلان يلاوص الشجر ، أى : ينظر كيف يأتيها لقلعها. (ع)
(٢) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٦٤١ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٣) أخرجه النسائي من طريق هشام عن عروة عن أبيه عن عمرو بن العاص. وابن حبان من طريق يحيى ابن عروة عن عروة عن عبد الله بن عمرو بن العاص أتم منه. قلت : علقه البخاري نحوهما.
مصر وقد علوتم الناس وقهرتموهم ، فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم ، ولا تتعرّضوا لبأس الله وعذابه ، فإنه لا قبل لكم به إن جاءكم ، ولا يمنعكم منه أحد. وقال (يَنْصُرُنا) وجاءنا ، لأنه منهم في القرابة ، وليعلمهم بأنّ الذي ينصحهم به هو مساهم لهم فيه (ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى) أى : ما أشير عليكم برأى إلا بما أرى من قتله ، يعنى : لا أستصوب إلا قتله ، وهذا الذي تقولونه غير صواب (وَما أَهْدِيكُمْ) بهذا الرأى (إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ) يريد : سبيل الصواب والصلاح. أو ما أعلمكم إلا ما أعلم من الصواب ، ولا أدّخر منه شيئا ، ولا أسرّ عنكم خلاف ما أظهر يعنى أنّ لسانه وقلبه متواطنان على ما يقول ، وقد كذب ، فقد كان مستشعرا للخوف الشديد من جهة موسى ، ولكنه كان يتجلد ، ولو لا استشعاره لم يستشر أحدا ولم يقف الأمر على الإشارة. وقرئ : الرشاد ، فعال من رشد بالكسر ، كعلام. أو من رشد بالفتح ، كعباد. وقيل : هو من أرشد كجبار من أجبر ، وليس بذلك ، لأنّ فعالا من أفعل لم يجئ إلا في عدّة أحرف ، نحو : درّاك وسارّ وقصار وحبار ، ولا يصح القياس على القليل. ويجوز أن يكون نسبة إلى الرشد ، كعوّاج وبتات (١) ، غير منظور فيه إلى فعل.
(وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ)(٣١)
(مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ) مثل أيامهم ، لأنه لما أضافه إلى الأحزاب وفسرهم بقوم نوح وعاد وثمود ، ولم يلبس أنّ كلّ حزب منهم كان له يوم دمار ، اقتصر على الواحد من الجمع ، لأنّ المضاف إليه أغنى عن ذلك كقوله :
كلوا في بعض بطنكمو تعفوا (٢)
وقال الزجاج : مثل يوم حزب حزب ، ودأب هؤلاء : دؤوبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي ، وكون ذلك دائبا دائما منهم لا يفترون عنه ، ولا بدّ من حذف مضاف ، يريد : مثل جزاء دأبهم. فإن قلت : بم انتصب مثل الثاني؟ قلت : بأنه عطف بيان لمثل الأوّل ؛ لأنّ
__________________
(١) قوله «كعواج وبتات» أى : صاحب العاج ، والعاج : عظم الفيل. والبتات : الذي يبيع البتوت ، او يعملها. والبت : الطيلسان من الخز ، كذا في الصحاح. (ع)
|
(٢) كلوا في بعض بطنكم تعفوا |
|
فان زمانكم زمن خميص |
أى كلوا في بعض بطونكم. وأفرد البطن لأمن اللبس ، أى : لا تملؤوها ، فان أطعتمونى عففتم عن الطعام. وعف يعف ـ بكسر عين المضارع ، من باب ضرب يضرب ، ثم قال : فان زمانكم ، أى أمرتكم بذلك لأن زمانكم مجدب. والخميص : الضامر البطن ، فشبه الزمان المجدب بالرجل الجائع على طريق الكناية ، ووصفه بالخمص تخييل لذلك.
آخر ما تناولته الإضافة قوم نوح ، ولو قلت أهلك الله الأحزاب : قوم نوح وعاد وثمود ، لم يكن إلا عطف بيان لإضافة قوم إلى أعلام ، فسرى ذلك الحكم إلى أوّل ما تناولته الإضافة (وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ) يعنى أن تدميرهم كان عدلا وقسطا ، لأنهم استوجبوه بأعمالهم ، وهو أبلغ من قوله تعالى (وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) حيث جعل المنفي إرادة الظلم ، لأنّ من كان عن إرادة الظلم بعيدا ، كان عن الظلم أبعد. وحيث نكر الظلم ، كأنه نفى أن يريد ظلما مّا لعباده (١). ويجوز أن يكون معناه كمعنى قوله تعالى (وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ) أى لا يريد لهم أن يظلموا ، يعنى أنه دمّرهم لأنهم كانوا ظالمين (٢).
(وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ) (٣٣)
التنادى. ما حكى الله تعالى في سورة الأعراف من قوله (وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ) ، (وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ) ويجوز أن يكون تصايحهم بالويل والثبور. وقرئ بالتشديد : وهو أن يندّ بعضهم من بعض ، كقوله تعالى (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) وعن الضحاك : إذا سمعوا زفير النار ندّوا هربا ، فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفا ، فبيناهم يموج بعضهم في بعض : إذ سمعوا مناديا : أقبلوا إلى الحساب (تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ) عن قتادة منصرفين عن موقف الحساب إلى النار. وعن مجاهد: فارّين عن النار غير معجزين.
(وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ
__________________
(١) قوله «كأنه نفى أن يريد ظلما ما لعباده» هذا على مذهب المعتزلة من أنه تعالى لا يفعل الشر ولا يريده ، وأن الارادة بمعنى الرضا. وعند أهل السنة أنه تعالى يخلق الشر ويريده كالخير ولا يرضى الشر ، فالرضا غير الارادة عندهم ، كما تقرر في التوحيد. (ع)
(٢) قال محمود : «يجوز أن يكون معناه معنى : وما ربك بظلام للعبيد. وهذا أبلغ ، لأنه إذا لم يرد الظلم كان عن فعله الظلم أبعد ، وحيث نكر الظلم أيضا ، كأنه نفى أن يريد ظلما ما لعباده. قال : ويجوز أن يكون معناه كمعنى قوله (وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ) فيكون المعنى : أن الله لا يريد لعباده أن يظلموا ، لأنه ذمهم على كونهم ظالمين» قال أحمد : هذا من الطراز الأول ، وقد تقدم مذهب أهل السنة فيما يتعلق بارادة الله تعالى خلافا لهذا وأشياعه.
مَقْتاً عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)(٣٥)
هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام. وقيل : هو يوسف بن إبراهيم (١) بن يوسف بن يعقوب : أقام فيهم نبيا عشرين سنة. وقيل : إن فرعون موسى هو فرعون يوسف ، عمر إلى زمنه. وقيل : هو فرعون آخر. وبخهم بأن يوسف أتاكم بالمعجزات فشككتم فيها ولم تزالوا شاكين كافرين (حَتَّى إِذا) قبض (قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً) حكما من عند أنفسكم من غير برهان وتقدمة عزم منكم على تكذيب الرسل ، فإذا جاءكم رسول جحدتم وكذبتم بناء على حكمكم الباطل الذي أسستموه ، وليس قولهم (لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً) بتصديق لرسالة يوسف ، وكيف وقد شكوا فيها وكفروا بها ، وإنما هو تكذيب لرسالة من بعده مضموم إلى تكذيب رسالته. وقرئ : ألن يبعث الله ، على إدخال همزة الاستفهام على حرف النفي ، كأن بعضهم يقرّر بعضا بنفي البعث. ثم قال (كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ) أى مثل هذا الخذلان المبين (٢) يخذل الله كل مسرف في عصيانه مرتاب في دينه (الَّذِينَ يُجادِلُونَ) بدل من (مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ) فإن قلت : كيف جاز إبداله منه وهو جمع وذاك موحد؟ قلت : لأنه لا يريد مسرفا واحدا ، فكأنه قال : كل مسرف. فإن قلت : فما فاعل (كَبُرَ)؟ قلت : ضمير من هو مسرف. فإن قلت : أما قلت هو جمع ، ولهذا أبدلت منه الذين يجادلون؟ قلت : بلى هو جمع في المعنى. وأما اللفظ فموحد ، فحمل البدل على معناه ، والضمير الراجع إليه على لفظه ، وليس ببدع (٣) أن يحمل على
__________________
(١) قوله «وقيل هو يوسف بن إبراهيم» عبارة النسفي : أفراثيم. (ع)
(٢) قوله «أى مثل هذا الخذلان المبين» المعتزلة يؤولون الإضلال بالخذلان والترك ، بناء على مذهبهم : أن الله لا يخلق الشر. وأهل السنة يفسرونه بخلق الضلال في القلب ، بناء على أنه تعالى بخلق الشر كالخير كما بين في التوحيد. (ع)
(٣) قال محمود : «الذين يجادلون بدل من من هو مسرف ، لأن المراد كل مسرف. وجاز إبداله على معنى من ، لا على لفظها. قال : فان قلت ما فاعل كبر؟ وأجاب بأنه ضمير من هو مسرف ، فحمل البدل على المعنى ، والضمير على اللفظ ، وليس ببدع» اه كلامه. قال أحمد : فيما ذكره معاملة لفظ من بعد معاملة معناها ، وهذا مما قدمت أن أهل العربية يستغربونه ، والأولى أن يجتنب في إعراب القرآن ، فان فيه إبهاما بعد إيضاح ، والمعهود في قراءة البلاغة عكسه ، والصواب أن يجعل الضمير في قوله (كَبُرَ) راجعا إلى مصدر الفعل المتقدم ، وهو قوله (يُجادِلُونَ) تقديره : كبر جدالهم مقتا ، ويجعل (الَّذِينَ) مبتدأ ، على تأويل حذف المضاف ، تقديره : جدال الذين يجادلون في آيات الله ، والضمير في قوله (كَبُرَ مَقْتاً) عائد إلى الجدال المحذوف ، والجملة مبتدأ وخبر. ومثله في حذف المصدر المضاف وبناء الكلام عليه : قوله تعالى (أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ) على أحد تآويله ، ومثله كثير. وفيه سوى ذلك من الوجوه السالمة عما ينطرق إلى الوجه المتقدم. فالوجه العدول عنه
اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى ، وله نظائر ، ويجوز أن يرفع الذين يجادلون على الابتداء ، ولا بدّ في هذا الوجه من حذف مضاف يرجع إليه الضمير في كبر ، تقديره : جدال الذين يجادلون كبر مقتا ، ويحتمل أن يكون (الَّذِينَ يُجادِلُونَ) مبتدأ ، و (بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ) خبرا ، وفاعل كبر قوله (كَذلِكَ) أى كبر مقتا مثل ذلك الجدال ، و (يَطْبَعُ اللهُ) كلام مستأنف ، ومن قال : كبر مقتا عند الله جدالهم ، فقد حذف الفاعل ، والفاعل لا يصح حذفه. وفي (كَبُرَ مَقْتاً) ضرب من التعجب والاستعظام لجدالهم ، والشهادة على خروجه من حد إشكاله من الكبائر. وقرئ : سلطان بضم اللام. وقرئ : قلب ، بالتنوين. ووصف القلب بالتكبر والتجبر ، لأنه مركزهما ومنبعهما ، كما تقول : رأت العين ، وسمعت الأذن. ونحوه قوله عز وجل (فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) وإن كان الآثم هو الجملة. ويجوز أن يكون على حذف المضاف. أى : على كل ذى قلب متكبر ، تجعل الصفة لصاحب القلب.
(وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ)(٣٧)
قيل : الصرح : البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بعد ، اشتقوه من صرح الشيء إذا ظهر ، و (أَسْبابَ السَّماواتِ) طرقها وأبوابها وما يؤدى إليها ، وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه ، كالرشاء ونحوه ، فإن قلت : ما فائدة هذا التكرير؟ ولو قيل : لعلى أبلغ أسباب السماوات لأجزأ؟ قلت : إذا أبهم الشيء ثم أوضح كان تفخيما لشأنه ، فلما أراد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب السماوات أبهمها ثم أوضحها ، ولأنه لما كان بلوغها أمرا عجيبا أراد أن يورده على نفس متشوفة إليه ، ليعطيه السامع حقه من التعجب ، فأبهمه ليشوف إليه نفس هامان ، ثم أوضحه. وقرئ : فأطلع بالنصب (١) على جواب الترجي ، تشبيها للترجى بالتمني. ومثل ذلك التزيين وذلك الصدّ (زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ) والمزين : إما الشيطان بوسوسته ، كقوله تعالى (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) أو الله تعالى على وجه التسبيب ، لأنه مكن (٢) الشيطان وأمهله. ومثله (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ) وقرئ : وزين له سوء عمله (٣) ،
__________________
(١) «وقرئ فأطلع بالنصب» يفيد أن القراءة المشهورة بالرفع على العطف. (ع)
(٢) قوله «على وجه التسبيب لأنه مكن» أول بهذا ، لأنه تعالى لا يخلق الشر عند المعتزلة ، أما عند أهل السنة فيخلقه كالخير فلا حاجة إلى هذا التأويل ، والآية على ظاهرها. (ع)
(٣) قوله «وقرئ وزين له سوء عمله» أى بدل قوله تعالى (وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ). (ع)
على البناء للفاعل والفعل لله عزّ وجلّ ، دلّ عليه قوله (إِلى إِلهِ مُوسى) وصدّ ، بفتح الصاد وضمها وكسرها ، على نقل حركة العين إلى الفاء ، كما قيل : قيل. والتباب الخسران والهلاك. وصدّ : مصدر معطوف على سوء عمله. وصدّوا هو وقومه.
(وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ)(٣٩)
قال (أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ) فأجمل لهم ، ثم فسر فافتتح بذم لدنيا وتصغير شأنها ، لأنّ الإخلاد إليها هو أصل الشر كله ، ومنه يتشعب جميع ما يؤدى إلى سخط الله ويجلب الشقاوة في العاقبة. وثنى بتعظيم الآخرة والاطلاع على حقيقتها ، وأنها هي الوطن والمستقر ، وذكر الأعمال سيئها وحسنها وعاقبة كل منهما ، ليثبط عما يتلف وينشط لما يزلف ، ثم وازن بين الدعوتين : دعوة إلى دين الله الذي ثمرته النجاة ، ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد الذي عاقبته النار ، وحذر ، وأنذر ، واجتهد في ذلك واحتشد ، لا جرم أن الله استثناه من آل فرعون ، وجعله حجة عليهم وعبرة للمعتبرين ، وهو قوله تعالى (فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ) وفي هذا أيضا دليل بين على أنّ الرجل كان من آل فرعون. والرشاد نقيض الغى. وفيه تعريض شبيه بالتصريح أنّ ما عليه فرعون وقومه هو سبيل الغى.
(مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ)(٤٠)
(فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها) لأنّ الزيادة على مقدار جزاء السيئة قبيحة ، لأنها ظلم. وأما الزيادة على مقدار جزاء الحسنة فحسنة ، لأنها فضل. قرئ : يدخلون ويدخلون (بِغَيْرِ حِسابٍ) واقع في مقابلة إلا مثلها ، يعنى : أن جزاء السيئة لها حساب وتقدير ، لئلا يزيد على الاستحقاق ، فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وحساب ، بل ما شئت من الزيادة على الحق والكثرة والسعة
(وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ)(٤٢)
فإن قلت : لم كرر نداء قومه؟ ولم جاء بالواو في النداء الثالث دون الثاني؟ قلت : أما تكرير النداء ففيه زيادة تنبيه لهم وإيقاظ عن سنة الغفلة. وفيه : أنهم قومه وعشيرته وهم فيما يوبقهم ،
وهو يعلم وجه خلاصهم ، ونصيحتهم عليه واجبة ، فهو يتحزن لهم ويتلطف بهم ، ويستدعى بذلك أن لا يتهموه ، فإنّ سرورهم سروره ، وغمهم غمه ، وينزلوا على تنصيحه لهم ، كما كرر إبراهيم عليه السلام في نصيحة أبيه : يا أبت. وأما المجيء بالواو العاطفة ، فلأن الثاني داخل على كلام هو بيان للمجمل وتفسير له ، فأعطى الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو ، وأما الثالث فداخل على كلام ليس بتلك المثابة. يقال : دعاه إلى كذا ودعاه له ، كما تقول : هداه إلى الطريق وهداه له (ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ) أى بربوبيته ، والمراد بنفي العلم : نفى المعلوم ، كأنه قال : وأشرك به ما ليس بإله ، وما ليس بإله كيف يصح أن يعلم إلها (١)
(لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ)(٤٤)
(لا جَرَمَ) سياقه على مذهب البصريين : أن يجعل (لا) ردّا لما دعاه إليه قومه. وجرم : فعل بمعنى حق ، وأنّ مع ما في حيزه فاعله ، أى : حق ووجب بطلان دعوته. أو بمعنى : كسب ، من قوله تعالى (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا) أى : كسب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته ، على معنى أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته. ويجوز أن يقال : أن لا جرم ، نظير : لا بدّ ، فعل من الجرم ، وهو القطع ، كما أن بدّا فعل من التبديد وهو التفريق ، فكما أن معنى : لا بد أنك تفعل كذا ، بمعنى : لا بعد لك من فعله ، فكذلك لا جرم أن لهم النار ، أى : لا قطع لذلك ، بمعنى أنهم أبدا يستحقون النار لا انقطاع لاستحقاقهم ولا قطع ، لبطلان دعوة الأصنام ، أى لا تزال باطلة لا ينقطع ذلك فينقلب حقا. وروى عن العرب : لا جرم أنه يفعل بضم الجيم وسكون الراء ، بزنة بد ، وفعل وفعل : أخوان. كرشد ورشد ، وعدم وعدم (لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ) معناه : أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة إلى نفسه قط ، أى : من حق المعبود بالحق أن يدعو العباد إلى طاعته ، ثم يدعو العباد إليها إظهارا لدعوة ربهم وما تدعون إليه وإلى عبادته ، لا يدعو هو إلى ذلك ولا يدعى الربوبية ، ولو كان حيوانا ناطقا لضجّ من دعائكم. وقوله (فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ) يعنى أنه في الدنيا جماد لا يستطيع شيئا
__________________
(١) قال محمود : المراد بنفي العلم نفى المعلوم ، كأنه قال : وأشرك به ما ليس باله ، وما ليس باله كيف يصح أن يعلم إلها» قال أحمد : وهذا من قبيل على لا حب لا يهتدى بمناره أى : لا منار له فيهتدى به ، وكلام الزمخشري هاهنا أشد من كلامه على قوله تعالى حكاية عن فرعون (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي).
من دعاء وغيره ، وفي الآخرة : إذا أنشأه الله حيوانا ، تبرأ من الدعاة إليه ومن عبدته. وقيل معناه ليس له استجابة دعوة تنفع في الدنيا ولا في الآخرة. أو دعوة مستجابة ، جعلت الدعوة التي لا استجابة لها ولا منفعة فيها كلا دعوة ، أو سميت الاستجابة باسم الدعوة ، كما سمى الفعل المجازى عليه باسم الجزاء في قولهم : كما تدين تدان. قال الله تعالى (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ). (الْمُسْرِفِينَ) عن قتادة : المشركين. وعن مجاهد : السفاكين الدماء بغير حلها. وقيل : الذين غلب شرهم خيرهم هم المسرفون. وقرئ : فستذكرون ، أى : فسيذكر بعضكم بعضا (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ) لأنهم توعدوه.
(فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ)(٤٦)
(فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا) شدائد مكرهم وما هموا به من إلحاق أنواع العذاب بمن خالفهم. وقيل : نجا مع موسى (وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ) ما هموا به من تعذيب المسلمين. ورجع عليهم كيدهم (النَّارُ) بدل من سوء العذاب. أو خبر مبتدإ محذوف ، كأن قائلا قال : ما سوء العذاب؟ فقيل : هو النار. أو مبتدأ خبره (يُعْرَضُونَ عَلَيْها) وفي هذا الوجه تعظيم للنار وتهويل من عذابها ، وعرضهم عليها : إحراقهم بها. يقال : عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به ، وقرئ : النار ، بالنصب ، وهي تعضد الوجه الأخير. وتقديره : يدخلون النار يعرضون عليها. ويجوز أن ينتصب على الاختصاص (غُدُوًّا وَعَشِيًّا) في هذين الوقتين يعذبون بالنار ، وفيما بين ذلك الله أعلم بحالهم ، فإمّا أن يعذبوا بجنس آخر من العذاب ، أو ينفس عنهم. ويجوز أن يكون (غُدُوًّا وَعَشِيًّا) : عبارة عن الدوام. هذا ما دامت الدنيا ، فإذا قامت الساعة قيل لهم (أَدْخِلُوا) يا (آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ) عذاب جهنم. وقرئ : أدخلوا آل فرعون ، أى : يقال لخزنه جهنم : أدخلوهم. فإن قلت : قوله (وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ) معناه : أنه رجع عليهم ما هموا به من المكر بالمسلمين ، كقول العرب : من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا ، فإذا فسر سوء العذاب بنار جهنم : لم يكن مكرهم راجعا عليهم ، لأنهم لا يعذبون بجهنم. قلت : يجوز أن بهم الإنسان بأن يغرق قوما فيحرق بالنار ، ويسمى ذلك حيقا ؛ لأنه همّ بسوء فأصابه ما يقع عليه اسم السوء. ولا يشترط في الحيق أن يكون الحائق ذلك السوء بعينه ، ويجوز أن بهمّ فرعون ـ لما سمع إنذار المسلمين بالنار ، وقول المؤمن (وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ) ـ فيفعل نحو ما فعل نمروذ ويعذبهم بالنار ، فحاق به مثل ما أضمره وهمّ بفعله. ويستدل بهذه الآية على إثبات عذاب القبر.
(وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ)(٤٧)
واذكر وقت يتحاجون (تَبَعاً) تباعا ، كخدم في جمع خادم. أو ذوى تبع ، أى : أتباع ، أو وصفا بالمصدر.
(قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ)(٤٨)
وقرئ. كلا ، على التأكيد لاسم إن ، وهو معرفة ، والتنوين عوض من المضاف إليه ، يريد : إنا كلنا. أو كلنا فيها. فإن قلت : هل يجوز أن يكون «كلا» حالا قد عمل (فِيها) فيها؟ قلت : لا لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمه كما يعمل في الظرف متقدما تقول كل يوم لك ثوب ولا تقول قائما في الدار زيد (قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ) قضى بينهم وفصل بأن أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.
(وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ (٤٩) قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ)(٥٠)
(لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ) للقوّام بتعذيب أهلها. فإن قلت : هلا قيل : الذين في النار لخزنتها؟ قلت : لأن في ذكر جهنم تهويلا وتفظيعا ويحتمل أن جهنم هي أبعد النار قعرا ، من قولهم : بئر جهنام بعيدة القعر (١) ، وقولهم في النابغة : جهنام ، تسمية بها ، لزعمهم أنه يلقى الشعر على لسان المنتسب إليه ، فهو بعيد الغور في علمه بالشعر (٢) ، كما قال أبو نواس في خلف الأحمر :
قليذم من العياليم الخسف (٣)
__________________
(١) قوله «بئر جهنام بعيدة القعر ... الخ» في الصحاح : بكسر الجيم والهاء. (ع)
(٢) قال محمود : «فان قلت : فهلا قيل لخزنتها ، وأجاب أن في ذكر جهنم تهويلا وتفظيعا ، ويحتمل أن جهنم هي أبعد النار قعرا من قولهم : بئر جهنام ، أى : بعيدة القعر ، وكان النابغة يسمى الجهنام لبعد غوره في الشعر» قال أحمد : الأول أظهر ، والتفخيم فيه من وجهين ، أحدهما : وضع الظاهر موضع المضمر ، وهو الذي أشار إليه والثاني : ذكره وهو شيء واحد بظاهر غير الأول أفظع منه ، لأن جهنم أفظع من النار ، إذ النار مطلقة ، وجهنم أشدها.
|
(٣) أو دى جميع العلم مذ أودى خلف |
|
من لا يعد العلم إلا ما عرف |
|
راوية لا يجتنى من الصحف |
|
قليذم من العياليم الخسف |
وفيها أعتى الكفار وأطغاهم ، فلعل الملائكة الوكلين بعذاب أولئك أجوب دعوة لزيادة قربهم من الله تعالى ، فلهذا تعمدهم أهل النار بطلب الدعوة منهم (أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ) إلزام للحجة وتوبيخ ، وأنهم خلفوا وراءهم أوقات الدعاء والتضرع ، وعطلوا الأسباب التي يستجيب الله لها الدعوات (قالُوا فَادْعُوا) أنتم ، فإنا لا نجترئ على ذلك ولا نشفع إلا بشرطين : كون المشفوع له غير ظالم ، والإذن في الشفاعة مع مراعاة وقتها ، وذلك قبل الحكم الفاصل بين الفريقين ، وليس قولهم (فَادْعُوا) لرجاء المنفعة ، ولكن للدلالة على الخيبة ، فإنّ الملك المقرّب إذا لم يسمع دعاؤه ، فكيف يسمع دعاء الكافر.
(إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)(٥٢)
(فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ) أى في الدنيا والآخرة ، يعنى أنه يغلبهم في الدارين جميعا بالحجة والظفر على مخالفيهم ، وإن غلبوا في الدنيا في بعض الأحايين امتحانا من الله ، فالعاقبة لهم ، ويتيح الله من يقتص (١) من أعدائهم ولو بعد حين : والأشهاد. جمع شاهد ، كصاحب وأصحاب ، يريد : الحفظة من الملائكة والأنبياء والمؤمنين من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ). واليوم الثاني بدل من الأوّل ، يحتمل أنهم يعتذرون بمعذرة ولكنها لا تنفع لأنها باطلة ، وأنهم لو جاءوا بمعذرة لم تكن مقبولة (٢) لقوله تعالى (وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) ، (وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ) البعد من رحمة الله (وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) أى سوء دار الآخرة وهو عذابها. وقرئ : تقوم. ولا تنفع ، بالتاء والياء.
__________________
ـ لأبى نواس يرثى خلف الأحمر بن أحمد. وأودى ملك ومن لا يعد العلم صفة خلف ، أى : لا يعتبر من العلم إلا بما عرفه حق اليقين وتلقاه بالتلقين. أو عرفه بالاستنباط من قواعد السابقين ، فهو راوية ، أى : كثير الرواية لا يأخذ من الكتب ، شبهها بالروضة المثمرة على طريق المكنية ، والاجتناء تخييل. وقليذم : البئر الغزيرة الماء. والعيلم : الحفرة الكثيرة الماء. والخف : البعيدة الغور العميقة ، شبهه بذلك تشبيها بليغا ، لكثرة علمه ومعرفته للمعاني البعيدة الخفية.
(١) قوله «من يقتص» أى : يقدر. (ع)
(٢) قال محمود : «يحتمل أنهم يعتذرون بمعذرة لكنها لا تنفعهم ، لأنها باطلة. ويحتمل أنهم لا يعتذرون ، ولو جاءوا بمعذرة لم تكن مقبولة قال أحمد : «هما الاحتمالان في قوله تعالى (وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ) ولكن بين الموضعين فرقا يصير أحدهما معه عكس الآخر ، وذلك أنه هنا على تقدير أن يكون المراد أنهم لا معذرة لهم البتة ، يكون قد نفى صفة المعذرة وهي المنفعة التي لها تراد المعذرة ، قطعا لرجائهم كى لا يعتذروا البتة ، كأنه قيل إذا لم يحصل ثمرة المعذرة فكيف يقع ما لا ثمرة له وفي الآية المتقدمة جعل نفى الموصوف بتا لنفى الصفة ولهذا أولى النفي في هذه الآية الفعل ، وفي المتقدمة أولى النفي الذات المنسوب إليها الفعل.
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِيالْأَلْبابِ)(٥٤)
يريد بالهدى جميع ما آتاه في باب الدين من المعجزات والتوراة والشرائع (وَأَوْرَثْنا) وتركنا على بنى إسرائيل من بعده (الْكِتابَ) أى التوراة (هُدىً وَذِكْرى) إرشادا وتذكرة ، وانتصابهما على المفعول له أو على الحال. وأولو الألباب : المؤمنون به العاملون بما فيه.
(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ)(٥٥)
(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌ) يعنى أنّ نصرة الرسل في ضمان الله ، وضمان الله لا يخلف ، واستشهد بموسى وما آتاه من أسباب الهدى والنصرة على فرعون وجنوده ، وإبقاء آثار هداه في بنى إسرائيل ، والله ناصرك كما نصرهم ، ومظهرك على الدين كله ، ومبلغ ملك أمّتك مشارق الأرض ومغاربها ، فاصبر على ما يجرّعك قومك من الغصص ، فإن العاقبة لك وما سبق به وعدى من نصرتك وإعلاء كلمتك حق ، وأقبل على التقوى واستدرك الفرطات بالاستغفار ، ودم على عبادة ربك والثناء عليه (بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ) وقيل : هما صلاتا العصر والفجر.
(إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(٥٦)
(إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ) إلا تكبر وتعظم ، وهو إرادة التقدّم والرياسة ، وأن لا يكون أحد فوقهم ، ولذلك عادوك ودفعوا آياتك خيفة أن تتقدّمهم ويكونوا تحت يدك وأمرك ونهيك ، لأن النبوة تحتها كل ملك ورياسة. أو إرادة أن تكون لهم النبوّة دونك حسدا وبغيا. ويدل عليه قوله تعالى (لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ) أو إرادة دفع الآيات بالجدال (ما هُمْ بِبالِغِيهِ) أى ببالغي موجب الكبر ومقتضية ، وهو متعلق إرادتهم من الرياسة أو النبوّة أو دفع الآيات. وقيل : المجادلون هم اليهود ، وكانوا يقولون : يخرج صاحبنا المسيح بن داود ، يريدون الدّجال ، ويبلغ سلطانه البر والبحر ، وتسير معه الأنهار ، وهو آية من آيات الله فيرجع إلينا الملك ، فسمى الله تمنيهم ذلك كبرا ، ونفى أن يبلغوا متمناهم (فَاسْتَعِذْ بِاللهِ) فالتجئ إليه من كيد من
يحسدك ويبغى عليك (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ) لما تقول ويقولون (الْبَصِيرُ) بما تعمل ويعملون ، فهو ناصرك عليهم وعاصمك من شرهم.
(لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)(٥٧)
فإن قلت. كيف اتصل قوله (لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) بما قبله؟ قلت : إن مجادلتهم في آيات الله كانت مشتملة على إنكار البعث ، وهو أصل المجادلة ومدارها ، فحجوا بخلق السماوات والأرض لأنهم كانوا مقرين بأن الله خالقها وبأنها خلق عظيم لا يقادر قدره ، وخلق الناس بالقياس إليه شيء قليل مهين ، فمن قدر على خلقها مع عظمها كان على خلق الإنسان مع مهانته أقدر ، وهو أبلغ من الاستشهاد بخلق مثله (١) (لا يَعْلَمُونَ) لأنهم لا ينظرون ولا يتأملون لغلبة الغفلة عليهم واتباعهم أهواءهم.
(وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ)(٥٨)
ضرب الأعمى والبصير مثلا للمحسن والمسيء. وقرئ : يتذكرون بالياء والتاء ، والتاء أعم.
(إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ)(٥٩)
(لا رَيْبَ فِيها) لا بد من مجيئها ولا محالة ، وليس بمرتاب فيها ، لأنه لا بد من جزاء (لا يُؤْمِنُونَ) لا يصدقون بها.
__________________
(١) قال محمود : «فان قلت : كيف اتصل قوله (لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) بما قبله؟ وأجاب بأن مجادلتهم في آيات الله كانت مشتملة على إنكار البعث ، وهو أصل المجادلة ومدارها ، فحجوا بخلق السماوات والأرض لأنهم كانوا مقرين بأن الله خالقها ، وبأنها خلق عظيم ، فخلق الناس بالقياس إليه شيء قليل مهين ، فمن قدر على خلقها مع عظمها كان على الإنسان الضعيف أقدر ، وهو أبلغ من الاستشهاد بخلق مثله» قال أحمد : الأولوية في هذا الاستشهاد ثابتة بدرجتين ، أحدهما ما ذكره من أن القادر على العظيم هو على الحقير أقدر. الثانية : أن مجادلتهم كانت في البعث وهو الاعادة ولا شك أن الابتداء أعظم وأبهر من الاعادة ، فإذا كان ابتداء خلق العظيم يعنى السماوات والأرض داخلا تحت القدرة فابتداء خلق الحقير : يعنى الناس أدخل تحتها ، وإعادته أدخل من ابتدائه ، فهو أولى بأن يكون مقدورا عليه مما اعترفوا به من خلق السماوات والأرض بدرجتين ، وإلى هذا الترتيب وقعت الاشارة بقوله تعالى في (الم غُلِبَتِ الرُّومُ) : (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ) فقرر أن قيام السماء والأرض هو بأمره ، أى : خلقها من آياته ، فكيف بما هو أحط من قيامها بدرجتين وهو إعادة البشر أهون عليه من الابتداء ليتحقق الدرجتان المذكورتان ، فقال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) وإذا تأملت الذي ذكرته منسوبا لما ذكره الزمخشري : علمت أن ما ذكره هو لباب المراد فجدد عهدا به إن لم تعلم ذلك.
(وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ)(٦٠)
(ادْعُونِي) اعبدوني ، والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن. ويدل عليه قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي) والاستجابة : الإثابة ؛ وفي تفسير مجاهد : اعبدوني أثبكم. وعن الحسن ـ وقد سئل عنها ـ : اعملوا وأبشروا ، فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله. وعن الثوري أنه قيل له : ادع الله ، فقال. إن ترك الذنوب هو الدعاء. وفي الحديث «إذا شغل عبدى طاعتي عن الدعاء. أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» (١) وروى النعمان بن بشير رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الدعاء هو العبادة» (٢) وقرأ هذه الآية. ويجوز أن يريد الدعاء والاستجابة على ظاهرهما ، ويريد بعبادتي : دعائي ، لأنّ الدعاء باب من العبادة ومن أفضل أبوابها ، يصدقه قول ابن عباس رضى الله عنهما : أفضل العبادة الدعاء (٣). وعن كعب : أعطى الله هذه الأمة ثلاث خلال لم يعطهن إلا نبيا مرسلا : كان يقول لكل نبىّ أنت شاهدي على خلقي ، وقال لهذه الأمة (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) ؛ وكان يقول : ما عليك من حرج ، وقال لنا (ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) وكان يقول : ادعني أستجب لك ، وقال لنا (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ). وعن ابن عباس : وحدوني أغفر لكم ، وهذا تفسير للدعاء بالعبادة ، ثم للعبادة بالتوحيد (داخِرِينَ) صاغرين.
(اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ)(٦١)
(مُبْصِراً) من الإسناد المجازى ، لأن الإبصار في الحقيقة لأهل النهار. فإن قلت : لم قرن الليل بالمفعول له ، والنهار بالحال؟ وهلا كانا حالين أو مفعولا لهما فيراعى حق المقابلة؟ قلت : هما متقابلان من حيث المعنى ، لأن كل واحد منهما يؤدى مؤدى الآخر ، ولأنه لو قيل :
__________________
(١) أخرجه عبد الرزاق عن سفيان عن منصور عن مالك بن الحرث قال «يقول الله : إذا اشتغل عبدى بثنائه عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» وهذا مرسل ، وفي الترمذي عن أبى سعيد «من شغله قراءة القرآن عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين».
(٢) أخرجه أصحاب السنن ، وتقدم في مريم.
(٣) أخرجه الحاكم في الدعاء من وجهين عنه.
لتبصروا فيه ، فاتت الفصاحة التي في الإسناد المجازى ، ولو قيل : ساكنا ـ والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة ، ألا ترى إلى قولهم : ليل ساج ، وساكن لا ريح فيه ـ لم تتميز الحقيقة من المجاز. فإن قلت : فهلا قيل : لمفضل ، أو لمتفضل؟ قلت : لأن الغرض تنكير الفضل ، وأن يجعل فضلا لا يوازيه فضل ، وذلك إنما يستوي بالإضافة. فإن قلت : فلو قيل : ولكن أكثرهم ، فلا يتكرر ذكر الناس؟ قلت : في هذا التكرير تخصيص لكفران النعمة بهم ، وأنهم هم الذين يكفرون فضل الله ولا يشكرونه ، كقوله : (إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ) ، (إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) ، (إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).
(ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ)(٦٣)
(ذلِكُمُ) المعلوم المتميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو (اللهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) أخبار مترادفة ، أى : هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق كل شيء وإنشائه لا يمتنع عليه شيء ، والوحدانية : لا ثانى له (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) فكيف ومن أى وجه تصرفون عن عبادته إلى عبادة الأوثان. ثم ذكر أن كل من جحد بآيات الله ولم يتأملها ولم يكن فيه همة طلب الحق وخشية العاقبة : أفك كما أفكوا. وقرئ : خالق كل شيء ، نصبا على الاختصاص. وتؤفكون : بالتاء والياء.
(اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (٦٥)
هذه أيضا دلالة أخرى على تمييزه بأفعال خاصة ، وهي أنه جعل الأرض مستقرا (وَالسَّماءَ بِناءً) أى قبة. ومنه : أبنية العرب لمضاربهم ، لأنّ السماء في منظر العين كقبة مضروبة على وجه الأرض (فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) وقرئ بكسر الصاد والمعنى واحد. قيل : لم يخلق حيوانا أحسن صورة من الإنسان : وقيل لم يخلقهم منكوسين كالبهائم ، كقوله تعالى (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)(فَادْعُوهُ) فاعبدوه (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أى الطاعة من الشرك والرياء ، قائلين (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) وعن ابن عباس رضى الله عنهما : من قال لا إله إلا الله. فليقل على أثرها : الحمد لله رب العالمين (١).
__________________
(١) أخرجه الطبري ، والحاكم أيضا ، والبيهقي في الأسماء والصفات ، وابن مردويه من رواية الأعمش عن مجاهد عنه.
(قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ)(٦٦)
فإن قلت : أما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبادة الأوثان بأدلة العقل حتى جاءته البينات من ربه؟ قلت : بلى ولكن البينات لما كانت مقوية لأدلة العقل ومؤكدة لها ومضمنة ذكرها نحو قوله تعالى (أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) وأشباه ذلك من التنبيه على أدلة العقل ـ كان ذكر البينات ذكر الأدلة العقل والسمع جميعا ، وإنما ذكر ما يدل على الأمرين جميعا ، لأن ذكر تناصر الأدلة أدلة العقل وأدلة السمع أقوى في إبطال مذهبهم ، وإن كانت أدلة العقل وحدها كافية (١).
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)(٦٧)
(لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) متعلق بفعل محذوف تقديره : ثم يبقيكم لتبلغوا. وكذلك لتكونوا. وأما (وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى) فمعناه : ونفعل ذلك لتبلغوا أجلا مسمى ، وهو وقت الموت. وقيل : يوم القيامة. وقرئ : شيوخا ، بكسر الشين. وشيخا ، على التوحيد ، كقوله (طِفْلاً) والمعنى : كل واحد منكم. أو اقتصر على الواحد ، لأنّ الغرض بيان الجنس (مِنْ قَبْلُ) من قبل الشيخوخة أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سقطا (وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ما في ذلك من العبر والحجج.
__________________
(١) قال محمود : «فان قلت : النبي عليه الصلاة والسلام قد اتضحت له أدلة العقل على التوحيد قبل مجيء الوحى ، فعلام تحمل الآية؟ وأجاب بأن الأمر كذلك ولكن البينات مقوية لأدلة العقل ومؤكدة لها ومتضمنة ذكرها ، نحو قوله (أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) وأشباه ذلك من التنبيه على أدلة العقل والسمع جميعا ، وإنما ذكر ما يدل على الأمرين جميعا لأن ذكر الأمرين أقوى في إبطال مذهبهم ، وإن كانت أدلة العقل وحدها كافية» قال أحمد : اللائق بقواعد السنة أن يقال : أما معرفة الله تعالى ومعرفة وحدانيته واستحالة كون الأصنام آلهة ، فمستفاد من أدلة العقول ، وقد ترد الأدلة العقلية في مضامين السمعيات. وأما وجوب عبادة الله تعالى وتحريم عبادة الأصنام ، فحكم شرعي لا يستفاد إلا من السمع ، فعلى هذا يترك الجواب عن هذا السؤال. وقوله تعالى (إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) إنما أريد به ـ والله أعلم ـ : تحريم عبادة غير الله ، فهذا لا يستفاد إلا من نهى الله تعالى عن ذلك ، لا من العقل ، لكن قاعدة الزمخشري تقتضي أن تحريم عبادة غير الله تعالى تتلقى من العقل قبل ورود الشرع ، إذ العقل عنده حاكم بمقتضى التحسين والتقبيح ، ولهذا أورد الاشكال عليه ، واحتاج إلى الجواب عنه ، ثم قوله في الجواب أن أدلة الشرع مقوية لأدلة العقل ضعيف ، مع اعتقاده أن العقل يدل على الحكم قطعا ، وما دل قطعا كيف يحتمل الزيادة والتأكيد ، والقطعيات لا تفاوت في ثبوتها.
(هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(٦٨)
(فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما) يكونه من غير كلفة ولا معاناة. جعل هذا نتيجة من قدرته على الإحياء والإماتة ، وسائر ما ذكر من أفعاله الدالة على أنّ مقدورا لا يمتنع عليه ، كأنه قال : فلذلك من الاقتدار إذا قضى أمرا كان أهون شيء وأسرعه.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ (٧٤) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)(٧٦)
(بِالْكِتابِ) بالقرآن (وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا) من الكتب. فإن قلت : وهل قوله (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ) إلى مثل قولك : سوف أصوم أمس؟ قلت :
المعنى على إذا : إلا أن الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار الله تعالى متيقنة مقطوعا بها : عبر عنها بلفظ ما كان ووجد ، والمعنى على الاستقبال. وعن ابن عباس : والسلاسل يسحبون بالنصب وفتح الياء ، على عطف الجملة الفعلية على الاسمية. وعنه : والسلاسل يسحبون بحر السلاسل. ووجهه أنه لو قيل : إذ أعناقهم في الأغلال مكان قوله (إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ) لكان صحيحا مستقيما ، فلما كانتا عبارتين معتقبتين : حمل قوله (وَالسَّلاسِلُ) على العبارة الأخرى. ونظيره :
|
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة |
|
ولا ناعب إلّا ببين غرابها (١) |
كأنه قيل : بمصلحين. وقرئ : وبالسلاسل يسحبون (فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ) من سجر التنور إذا
__________________
(١) مر شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٣٨١ فراجعه إن شئت اه مصححه.
ملأه بالوقود. ومنه : السجير (١) ، كأنه سجر بالحب ، أى : مليء. ومعناه : أنهم في النار فهي محيطة بهم ، وهم مسجورون بالنار مملوءة بها أجوافهم. ومنه قوله تعالى (نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) اللهم أجرنا من نارك فإنا عائذون بجوارك (ضَلُّوا عَنَّا) غابوا عن عيوننا ، فلا نراهم ولا ننتفع بهم. فإن قلت : أما ذكرت في تفسير قوله تعالى (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) : أنهم مقرونون بآلهتهم ، فكيف يكونون معهم وقد ضلوا عنهم؟ قلت : يجوز أن يضلوا عنهم إذا وبخوا وقيل لهم : أينما كنتم تشركون من دون الله فيغيثوكم ويشفعوا لكم ، وأن يكونوا معهم في سائر الأوقات (٢) ، وأن يكونوا معهم في جميع أوقاتهم ، إلا أنهم لما لم ينفعوهم فكأنهم ضالون عنهم (بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً) أى تبين لنا أنهم لم يكونوا شيئا ، وما كنا نعبد بعبادتهم شيئا كما تقول : حسبت أنّ فلانا شيء فإذا هو ليس بشيء إذا خبرته فلم تر عنده خيرا (كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ) مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم ، حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يتصادفوا (ذلِكُمْ) الإضلال بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح (بِغَيْرِ الْحَقِ) وهو الشرك وعبادة الأوثان (ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ) السبعة المقسومة لكم. قال الله تعالى (لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ). (خالِدِينَ) مقدّرين الخلود (فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) عن الحق المستخفين به مثواكم أو جهنم. فإن قلت : أليس قياس النظم أن يقال : فبئس مدخل المتكبرين ، كما تقول : زر بيت الله فنعم المزار ، وصل في المسجد الحرام فنعم المصلى؟ قلت : الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثواء.
(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ)(٧٧)
(فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ) أصله : فإن ترك. و «ما» مزيدة لتأكيد معنى الشرط ، ولذلك ألحقت النون بالفعل (٣). ألا تراك لا تقول. إن تكرمني أكرمك ، ولكن : إما تكرمني أكرمك. فإن قلت : لا يخلو إما أن تعطف (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) على نرينك وتشركهما في جزاء واحد وهو قوله تعالى (فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ) فقولك : فإمّا نرينك بعض الذي نعدهم فإلينا يرجعون : غير صحيح ، وإن
__________________
(١) قوله «ومنه السجير» في الصحاح : «سجير الرجل» : صفيه وخليله ، والجمع السجراء. (ع)
(٢) قوله «في سائر الأوقات» أى باقى الأوقات بعد وقت التوبيخ. (ع)
(٣) قال محمود : «المصحح للحاق النون المؤكدة دخول ما المؤكدة للشرط ، ولو لا «ما» لم يجز دخولها» قال أحمد : وإنما كان كذلك لأن النون المؤكدة حقها أن تدخل في غير الواجب ، والشرط من قبيل الواجب ، إلا أنه إذا أكد قوى إبهامه فقربته قوة الإبهام من غير الواجب ، فيساغ دخول النون فيه.
جعلت (فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ) مختصا بالمعطوف الذي هو نتوفينك ، في المعطوف عليه بغير جزاء. قلت : (فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ) متعلق بنتوفينك ، وجزاء (نُرِيَنَّكَ) محذوف ، تقديره : فإما نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب وهو القتل والأسر يوم بدر فذاك. أو إن نتوفينك قبل يوم بدر فإلينا يرجعون يوم القيامة فننتقم (١) منهم أشدّ الانتقام ونحره قوله تعالى (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ).
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ)(٧٨)
(وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) قيل : بعث الله ثمانية آلاف نبىّ : أربعة آلاف من بنى إسرائيل ، وأربعة آلاف من سائر الناس. وعن علىّ رضى الله عنه : أنّ الله تعالى بعث نبيا أسود (٢) ، فهو ممن لم يقصص عليه. وهذا في اقتراحهم الآيات على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنادا ، يعنى : إنا قد أرسلنا كثيرا من الرسل وما كان لواحد منهم (أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) فمن لي بأن آتى بآية مما تقترحونه إلا أن يشاء الله ويأذن في الإتيان بها (فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ) وعيد وردّ عقيب اقتراح الآيات. وأمر الله : القيامة (الْمُبْطِلُونَ) هم المعاندون الذين اقترحوا الآيات وقد أتتهم الآيات فأنكروها وسموها سحرا.
(اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيها
__________________
(١) قال محمود : «إما أن يشرك مع الأول في الشرط ويكون قوله (فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ) جزاء مشركا بينهما فلا يستقيم المعنى ، على : فاما نرينك بعض الذي نعدهم .. فالينا يرجعون وإن جعل الجزاء مختصا بالثاني بقي الأول بغير جزاء. وأجاب بأنه مختص بالثاني ، وجزاء الأول محذوف ، تقديره : فاما نرينك بعض الذي نعدهم وهو ما حل بهم يوم بدر ، فذاك. أو نتوفينك ، فالينا يرجعون فننتقم منهم» قال أحمد : وإنما حذف جواب الأول دون الثاني لأن الأول إن وقع فذاك غاية الأمل في إنكائهم ، فالثابت على تقدير وقوعه معلوم ، وهو حصول المراد على التمام.
وأما إن لم يقع ووقع الثاني وهو توفيه قبل حلول المجازاة بهم ، فهذا هو الذي يحتاج إلى ذكره للتسلية وتطمين النفس ، على أنه وإن تأخر جزاؤهم عن الدنيا فهو حتم في الآخرة ولا بد منه. قال : ومثله قوله تعالى (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ) : كأنه يستشهد على أن جزاء الأول محذوف بذكر هذه الآية
(٢) أخرجه الطبري والطبراني في الأوسط وابن مردويه من رواية جابر الجعفي عن عبد الله بن يحيى عن على رضى الله عنه في قوله (وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) قال أرسل الله عبدا حبشيا ، فهو الذي لم نقصص عليك» وروى الثعلبي من وجه آخر عن جابر عن أبى الطفيل عن على «كان أصحاب الأخدود نبيهم حبشي. بعث نبى من الحبشة إلى قومه. ثم قرأ (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ) الآية.
مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ)(٨١)
الأنعام : الإبل خاصة. فإن قلت : لم قال (لِتَرْكَبُوا مِنْها) ولتبلغوا عليها ، ولم يقل ، لتأكلوا منها ولتصلوا إلى منافع؟ أو هلا قال : منها تركبون ومنها تأكلون وتبلغون (١) عليها حاجة في صدوركم؟ قلت : في الركوب : الركوب في الحج والغزو ، وفي بلوغ الحاجة : الهجرة من بلد إلى بلد لإقامة دين أو طلب علم ، وهذه أغراض دينية إمّا واجبة أو مندوب إليها مما يتعلق به إرادة الحكيم. وأما الأكل وإصابة المنافع : فمن جنس المباح الذي لا يتعلق (٢) به إرادته : ومعنى قوله (وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) وعلى الأنعام وحدها لا تحملون ، ولكن عليها وعلى الفلك في البر والبحر. فإن قلت : هلا قيل : وفي الفلك ، كما قال (قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)؟ قلت : معنى الإيعاء (٣) ومعنى الاستعلاء : كلاهما مستقيم ، لأنّ الفلك وعاء لمن يكون فيها حمولة له يستعليها ، فلما صح المعنيان صحت العبارتان. وأيضا فليطابق قوله (وَعَلَيْها) ويزاوجه (فَأَيَّ آياتِ اللهِ) جاءت على اللغة المستفيضة. وقولك : فأية آيات الله قليل ، لأنّ التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة غريب ، وهي في أى أغرب لإبهامه.
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
__________________
(١) قال محمود : «فان قلت : هلا قيل لتركبوا منها ولتأكلوا منها ولتبلغوا ، ومنها تركبون ومنها تأكلون ، وعليها تبلغون؟ وأجاب بأن في الركوب الركوب في الغزو والحج ، وفي بلوغ الحاجة الهجرة من بلد إلى بلد لاقامة دين أو علم ، وهذه أغراض دينية : إما واجبة أو مندوبة مما يتعلق به إرادة الحكيم. وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المباح الذي لا يتعلق به الارادة» قال أحمد : جواب متداع للسقوط مؤسس على قاعدة واهية ، وهي أن الأمر راجع إلى الارادة ، فالواجب والمندوب مرادان ، لأنهما مندرجان في الأمر ، والمباح غير مراد ، لأنه غير مأمور به ، وهذا من هنيات المعتزلة في إنكار كلام النفس ، فلا نطيل فيه النفس. وقاعدة أهل الحق أنه لا ربط بين الأمر والارادة ، فقد يأمر بخلاف ما يريد ، ويريد خلاف ما يأمر به ، فالجواب الصحيح إذا أن المقصود المهم من الأنعام والمنفعة المشهورة فيها إنما هي الركوب وبلوغ الحوائج عليها بواسطة الأسفار والانتقال في ابتغاء الأوطار ، فلذلك ذكرهما هنا مقرونين باللام الدالة على التعليل والغرض. وأما الأكل وبقية المنافع كالأصواف والأوبار والألبان وما يجرى مجراها فهي وإن كانت حاصلة منها فغير خاصة بها خصوص الركوب والحمل وتوابع ذلك ، بل الأكل بالغنم خصوصا الضأن أشهر ، فلذلك اختيرت الضحايا منها على الغنم ، فلذلك جردت هذه المنافع بالأخبار عن وجودها فيها غير مقرونة بما يدل على أنها المقصود.
(٢) قوله «المباح الذي لا يتعلق به» مبنى على مذهب المعتزلة : أن الارادة بمعنى الأمر فلا تتعلق إلا بالمطلوب. وعند أهل السنة : هي صفة تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه ، فتتعلق بجميع الممكنات ، كما تقرر في علم التوحيد. (ع)
(٣) قوله «معنى الايعاء» في الصحاح : أوعيت الزاد والمتاع : إذا جعلته في الوعاء. (ع)
كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)(٨٣)
(وَآثاراً) قصورهم ومصانعهم. وقيل : مشيهم بأرجلهم لعظم أجرامهم (فَما أَغْنى عَنْهُمْ) ما نافية أو مضمنة معنى الاستفهام ، ومحلها النصب ، والثانية موصولة أو مصدرية ومحلها الرفع ، يعنى أى شيء أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم (فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) فيه وجوه : منها أنه أراد العلم الوارد على طريق التهكم في قوله تعالى (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ) : وعلمهم في الآخرة أنهم كانوا يقولون لا نبعث ولا نعذب ، (وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى) ، (وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً) وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به البينات وعلم الأنبياء ، كما قال عز وجل (كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ومنها : أن يريد علم الفلاسفة والدهريين من بنى يونان ، وكانوا إذا سمعوا بوحي الله : دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم. وعن سقراط : أنه سمع بموسى صلوات الله عليه وسلامه ، وقيل له. لو هاجرت إليه فقال : نحن قوم مهذبون فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا. ومنها : أن يوضع قوله (فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) ولا علم عندهم البتة ، موضع قوله : يفرحوا بما جاءهم من العلم ، مبالغة في نفى فرحهم بالوحي الموجب لأقصى الفرح والمسرة ، مع تهكم بفرط جهلهم وخلوهم من العلماء. ومنها أن يراد : فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه واستهزاء به ، كأنه قال : استهزؤا بالبينات وبما جاءوا به من علم الوحى فرحين مرحين. ويدل عليه قوله تعالى (وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) ومنها : أن يجعل الفرح للرسل. ومعناه : أن الرسل لما رأوا جهلهم المتمادى واستهزائهم بالحق وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم واستهزائهم : فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله عليه ، وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم. ويجوز أن يريد بما فرحوا به من العلم : علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها ، كما قال تعالى (يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ) ، (ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات ـ وهي أبعد شيء من علمهم لبعثها على رفض الدنيا والظلف (١) عن الملاذ والشهوات ـ لم يلتفتوا إليها وصغروها واستهزؤا بها ، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم ، ففرحوا به.
__________________
(١) قوله «والظلف» في الصحاح : ظلفت نفسي عن كذا ـ بالكسر ـ تظلف ظلفا ، أى : كفت. (ع)
(فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ)(٨٥)
البأس : شدّة العذاب. ومنه قوله تعالى (بِعَذابٍ بَئِيسٍ). فإن قلت : أى فرق بين قوله تعالى (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ) وبينه لو قيل : فلم ينفعهم إيمانهم؟ قلت : هو من كان في نحو قوله (ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ) والمعنى : فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم (١). فإن قلت : كيف ترادفت هذه الفاءات؟ قلت : أما قوله تعالى (فَما أَغْنى عَنْهُمْ) فهو نتيجة قوله (كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ) وأما قوله (فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) فجار مجرى البيان والتفسير ، لقوله تعالى (فَما أَغْنى عَنْهُمْ) كقولك : رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء. وقوله (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا) تابع لقوله (فَلَمَّا جاءَتْهُمْ) كأنه قال : فكفروا فلما رأوا بأسنا آمنوا ، وكذلك : (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ) تابع لإيمانهم لما رأوا بأس الله (سُنَّتَ اللهِ) بمنزلة (وَعَدَ اللهُ) وما أشبهه من المصادر المؤكدة. و (هُنالِكَ) مكان مستعار للزمان ، أى : وخسروا وقت رؤية البأس ، وكذلك قوله (وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ) بعد قوله (فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِ) أى : وخسروا وقت مجيء أمر الله ، أو وقت القضاء بالحق.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة المؤمن لم يبق روح نبى ولا صديق ولا شهيد ولا مؤمن إلا صلى عليه واستغفر له» (٢)
__________________
(١) قال محمود : «فان قلت : أى فرق بين قوله : فلم يك بنفعهم إيمانهم. وبينه لو قيل : فلم بنفعهم ، وأجاب بأن معنى (كانَ) هنا معناها في قوله (ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ) بمعنى : فلم يستقم ولم يصح أن ينفعهم إيمانهم ، قال أحمد : كان الذي ثبت التصرف فيها بإجراء نونها مجرى حروف العلة حتى حذفت للجازم هي (كانَ) الكثير استعمالها ، المكرر دورانها في الكلام. وأما (كانَ) هذه فليست كثيرة التصرف حتى يتسع فيها بالحذف ، بل هي مثل : صان ، وحان» في القلة ، فالأولى بقاؤها على بابها المعروف ، وفائدة دخولها في هذه الآية وأمثالها : المبالغة في نفى الفعل الداخلة عليه بتعديد جهتى نفيه عموما باعتبار الكون ، وخصوصا باعتباره في هذه الآية مثلا ، فكأنه نفى مرتين ، والله أعلم.
(٢) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي من حديث أبى بن كعب رضى الله عنه.
سورة [فصلت ، وتسمى] السجدة
مكية ، وآياتها ٥٤ وقيل ٥٣ آية [نزلت بعد غافر]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ)(٤)
إن جعلت (حم) اسما للسورة كانت في موضع المبتدأ. و (تَنْزِيلٌ) خبره. وإن جعلتها تعديد للحروف كان (تَنْزِيلٌ) خبرا لمبتدأ محذوف و (كِتابٌ) بدل من تنزيل. أو خبر بعد خبر. أو خبر مبتدأ محذوف. وجوز الزجاج أن يكون (تَنْزِيلٌ) مبتدأ ، و (تابٌ) خبره. ووجهه أن تنزيلا تخصص بالصفة فساغ وقوعه مبتدأ (فُصِّلَتْ آياتُهُ) ميزت وجعلت تفاصيل في معان مختلفة : من أحكام وأمثال ومواعظ ، ووعد ووعيد ، وغير ذلك. وقرئ : فصلت ، أى : فرقت بين الحق والباطل. أو فصل بعضها من بعض باختلاف معانيها ، من قولك : فصل من البلد (قُرْآناً عَرَبِيًّا) نصب على الاختصاص والمدح ، أى: أريد بهذا الكتاب المفصل قرآنا من صفته كيت وكيت. وقيل : هو نصب على الحال ، أى : فصلت آياته في حال كونه قرآنا عربيا (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أى لقوم عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المبينة بلسانهم العربي المبين ، لا يلتبس عليهم شيء منه. فإن قلت : بم يتعلق قوله (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)؟ قلت : يجوز أن يتعلق بتنزيل أو بفصلت ، أى : تنزيل من الله لأجلهم. أو فصلت آياته لهم. والأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده ، أى قرآنا عربيا كائنا لقوم عرب ، لئلا يفرق بين الصلات والصفات. وقرئ : بشير ونذير ، صفة للكتاب. أو خبر مبتدأ محذوف (فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) لا يقبلون ولا يطيعون ، من قولك. تشفعت إلى فلان فلم يسمع قولي ، ولقد سمعه ولكنه لما لم يقبله ولم يعمل بمقتضاه ، فكأنه لم يسمعه.
(وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ)(٥)
والأكنة : جمع كنان ، وهو الغطاء. والوقر ـ بالفتح ـ الثقل. وقرئ بالكسر. وهذه تمثيلات لنبوّ قلوبهم عن تقبل الحق واعتقاده ، كأنها في غلف وأغطية تمنع من نفوذه فيها ، كقوله تعالى (وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ) ومج أسماعهم له كأن بها صمما عنه ، ولتباعد المذهبين والدينين كأن بينهم وما هم عليه ، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وما هو عليه : حجابا ساترا وحاجزا منيعا من جبل أو نحوه ، فلا تلاقى ولا ترائى (فَاعْمَلْ) على دينك (إِنَّنا عامِلُونَ) على ديننا. أو فاعمل في إبطال أمرنا ، إننا عاملون في إبطال أمرك. وقرئ إنا عاملون. فإن قلت : هل لزيادة (مِنْ) في قوله (وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ) فائدة؟ قلت : نعم ، لأنه لو قيل : وبيننا وبينك حجاب : لكان المعنى : أن حجابا حاصل وسط الجهتين ، وأما بزيادة (مِنْ) فالمعنى : أن حجابا ابتدأ منا وابتدأ منك ، فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب لا فراغ (١)
__________________
(١) قال محمود : «فان قلت : ما فائدة (مِنْ) في قوله (وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ) وأجاب بأن فائدتها الدلالة على أن من جهتهم ابتدأ الحجاب ، ومن جهته أيضا ابتدأ حجاب ، فيلزم أن المسافة المتوسطة بينهما مملوءة بالحجاب لا فراغ فيها ، ولو لا ذكر من فيها لكان المعنى : على أن في المسافة بينهما حجابا فقط» قال أحمد : ولا ينفك المعنى بدخول (مِنْ) عما كان عليه قبل ، ولو كان لأمر كما ذكر لكانت من مقدرة مع بين الثانية ، لأنه جعلها مفيدة للابتداء في الثانية كما هي مفيدة للابتداء في الأولى ، فيكون التقدير إذا : ومن بيننا وبينك حجاب ، وهذا يخل بمعنى «بين» إخلالا بينا ، فإنها تأبى تكرار العامل معها ، حتى لو قال القائل : جلست بين زيد ، وجلست بين عمرو : لم يكن مستقيما ، لأن تكرار العامل يصيرها داخلة على مفرد فقط ، ويقطعه عن قرينه المتقدم. ومن شأنها الدخول على متعدد ، لأن في ضمن معناها التوسط ، وزاد الزمخشري على هذا فجعل «بين» الثانية غير الأولى لأنه جعل الأولى بجهتهم والثانية بجهته ، وليس الأمر كما ظنه ، بل «بين» الأولى هي الثانية بعينها ، وهي عبارة عن الجهة المتوسطة بين المضافين ، وتكرارها إنما كان لأن المعطوف مضمر محفوظ ، فوجب تكرار حافظه وهو بين ، والدليل على هذا : أنه لا تفاوت باتفاق بين أن تقول : جلست بين زيد وعمرو ، وبين أن تقول : جلست بين زيد وبين عمرو. وإنما كان ذكرها مع الظاهر جوازا ومع المضمر وجوبا لما بيناه ؛ فإذا وضح ذلك فالظاهر ـ والله أعلم ـ أن موقع من هاهنا كموقعها في قوله تعالى (وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) وذلك للاشعار بأن الجهة المتوسطة مثلا بينهم وبين النبي عليه الصلاة والسلام مبدأ الحجاب لا غير ، ووجود من قريب من عدمها ، ألا ترى إلى آخر هذه الآية كيف لم يستعمل فيها من ، وهي قوله تعالى (وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً. وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً) وكلام الزمخشري هذا إذا امتحنته بالتحقيق الذي ذكرناه : تبين ضعفه ، والله الموفق. وفي هذه الآية وأختها من المبالغة والبلاغة ما لا يليق أن ينتظم إلا في درر الكتاب العزيز ، فإنها اشتملت على ذكر حجب ثلاثة متوالية : كل واحد منها كاف في فنه ، فأولها الحجاب الحائل الخارج ، ويليه حجاب الصمم. وأقصاها الحجاب الذي أكن القلب والعياذ بالله ، فلم تدع هذه الآية حجابا مرتخيا إلا أسبلته ولم تبق لهؤلاء الأشقياء مطمعا ولا صريخا الا استلبته ، فنسأل الله كفايته.
فيها. فإن قلت : هلا قيل : على قلوبنا أكنة ، كما قيل : وفي آذاننا وقر ، ليكون الكلام على نمط واحد؟ قلت : هو على نمط واحد ، لأنه لا فرق في المعنى بين قولك : قلوبنا في أكنة. وعلى قلوبنا أكنة. والدليل عليه قوله تعالى (إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) ولو قيل : إنا جعلنا قلوبهم في أكنة : لم يختلف المعنى ، وترى المطابيع منهم لا يراعون الطباق والملاحظة (١) إلا في المعاني.
(قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ)(٧)
فإن قلت : من أين كان قوله (إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَ) جوابا لقولهم (قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ) (٢)؟ قلت : من حيث أنه قال لهم : إنى لست بملك ، وإنما أنا بشر مثلكم ، وقد أوحى إلىّ دونكم فصحت ـ بالوحي إلىّ وأنا بشر ـ نبوّتى ، وإذا صحت نبوّتى : وجب عليكم اتباعى ، وفيما يوحى إلىّ : أن إلهكم إله واحد (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ) فاستووا إليه بالتوحيد وإخلاص العبادة غير ذاهبين يمينا ولا شمالا ، ولا ملتفتين إلى ما يسوّل لكم الشيطان من اتخاذ الأولياء والشفعاء ، وتوبوا إليه مما سبق لكم من الشرك (وَاسْتَغْفِرُوهُ). وقرئ : قال إنما أنا بشر. فإن قلت : لم خص من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة؟ قلت : لأن أحب شيء إلى الإنسان ما له وهو شقيق روحه ، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على ثباته واستقامته وصدق نيته ونصوع طويته. ألا ترى إلى قوله عز وجل (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أى : يثبتون أنفسهم ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال ، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة (٣) من الدنيا فقرّت عصبيتهم ولانت شكيمتهم وأهل الردّة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة ، فنصبت لهم الحرب ،
__________________
(١) قوله «والملاحظة» لعله : والملاحة. (ع)
(٢) قال محمود : «فان قلت : كيف كان هذا جوابا لما تقدمه» قال أحمد : وأجاب بما نلخصه فتقول : لما أبوا القبول منه عليه الصلاة والسلام كل الاباء ، بدأهم باقامة الحجة على وجوب القبول منه ، فانه بشر مثلهم لا قدرة له على إظهار المعجزات التي ظهرت. وإنما القادر على إظهارها هو الله تعالى تصديقا له عليه الصلاة والسلام ، ثم بين لهم بعد قيام الحجة عليهم أهم ما بعث به وهو التوحيد ، واندرج تحت الاستقامة جميع تفاصيل الشرع وتمم ذلك بإنذارهم على ترك القبول بالويل الطويل.
(٣) قوله «إلا بلمظة من الدنيا» في الصحاح «لمظ» إذا تتبع بلسانه بقية الطعام في فمه اه فلمظة : بمعنى ملموظ كمضغة بمعنى ممضوغ. (ع)
وجوهدوا (١). وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة ، وتخويف شديد من منعها ، حيث جعل المنع من أوصاف المشركين ، وقرن بالكفر بالآخرة. وقيل : كانت قريش يطعمون الحاج ، ويحرمون من آمن منهم برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل : لا يفعلون ما يكونون به أزكياء ، وهو الإيمان.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)(٨)
الممنون : المقطوع. وقيل : لا يمنّ عليهم لأنه إنما يمنّ التفضل. فأما الأجر فحق أداؤه.
وقيل : نزلت في المرضى والزمنى والهرمى : إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر ، كأصح ما كانوا يعملون.
(قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)(١٢)
(أَإِنَّكُمْ) بهمزتين (٢) : الثانية بين بين. وءائنكم ، بألف بين همزتين (ذلِكَ) الذي قدر على خلق الأرض في مدة يومين. هو (رَبُّ الْعالَمِينَ ...... رَواسِيَ) جبالا ثوابت. فإن قلت : ما معنى قوله (مِنْ فَوْقِها) وهل اختصر على قوله (وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ) كقوله تعالى (وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ) ، (وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ) ، (وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ)؟ قلت : لو كانت تحتها كالأساطين لها تستقر عليها ، أو مر كوزة فيها كالمسامير : لمنعت من الميدان أيضا ، وإنما اختار إرساءها فوق الأرض ،
__________________
(١) قال محمود : «فان قلت : لم خص الزكاة وأجاب بأن أحب الأشياء إلى الإنسان ماله وهو شقيق روحه ، فبذله مصداق لاستقامته ونصوع طويته ، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا ، وأهل الردة ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة فنصبت لهم الحرب وجوهدوا» قال أحمد : كلام حسن بعد تبديل قوله : وما خدع المؤلفة ، فان استعماله الخداع غير لائق ، لأنهم إنما تألفهم عليه الصلاة والسلام على الايمان من قبيل الملاطفة ودفع السيئة بالحسنة ومانحا هذا النحو.
(٢) قوله «أإنكم بهمزتين» لعله : قرئ بهمزتين ... الخ. (ع)
لتكون المنافع في الجبال معرضة لطالبيها ، حاضرة محصليها ، وليبصر أن الأرض والجبال أثقال على أثقال ، كلها مفتقرة إلى ممسك لا بد لها منه ، وهو ممسكها عز وعلا بقدرته (وَبارَكَ فِيها) وأكثر خيرها وأنماه (وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها) أرزاق أهلها ومعايشهم وما يصلحهم. وفي قراءة ابن مسعود : وقسم فيها أقواتها (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً) فذلكة لمدة خلق الله الأرض وما فيها ، كأنه قال : كل ذلك في أربعة أيام كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان. قيل : خلق الله الأرض في يوم الأحد ويوم الاثنين ، وما فيها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء. وقال الزجاج. في أربعة أيام في تتمة أربعة أيام ، يريد بالتتمة اليومين. وقرئ : سواء ، بالحركات الثلاث : الجر على الوصف والنصب على : استوت سواء ، أى : استواء : والرفع على : هي سواء. فإن قلت : بم تعلق قوله (لِلسَّائِلِينَ)؟ قلت : بمحذوف ، كأنه قيل : هذا الحصر لأجل من سأل : في كم خلقت الأرض وما فيها؟ أو يقدر : أى : قدر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها من المقتاتين. وهذا الوجه الأخير لا يستقيم إلا على تفسير الزجاج (١). فإن قلت : هلا قيل في يومين؟ وأى فائدة في هذه الفذلكة؟ قلت : إذا قال في أربعة أيام وقد ذكر أن الأرض خلقت في يومين ، علم أن ما فيها خلق في يومين ، فبقيت المخايرة بين أن تقول في يومين وأن تقول في أربعة أيام سواء ، فكانت في أربعة أيام سواء فائدة ليست في يومين ، وهي الدلالة على أنها كانت أياما كاملة بغير زيادة ولا نقصان. ولو قال : في يومين ـ وقد يطلق اليومان على أكثرهما ـ لكان يجوز أن يريد باليومين الأولين والآخرين أكثرهما (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ) من قولك :
__________________
(١) قال محمود : «إن قوله (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) فذلكة بمدة خلق الله الأرض وما فيها ، كأنه قال : وقدر فيها أقواتها في يومين آخرين ، فذلك أربعة أيام سواء. وقال : ومعنى سواء : كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان. ونقل عن الزجاج أن معنى الآية في تتمة أربعة أيام ، يريد بالتتمة : اليومين ، ثم قال : فان قلت بم تعلق قوله (لِلسَّائِلِينَ)؟ وأجاب بأنه متعلق بمحذوف ، كأنه قيل : هذا الحصر لأجل من سأل : في كم خلقت الأرض وما فيها؟ أو يقدر ، أى : قدر فيها الأقوات لأجل السائلين المحتاجين إليها من المقتاتين ، ثم قال : وهذا الوجه الأخير. لا يستقيم إلا على تفسير الزجاج» قال أحمد : لم يبين استناعه على التفسير الأول ونحن نبينه فنقول : مقتضى التفسير الأول أن قوله في أربعة أيام فذلكة ، ومن شأنها الوقوع في طرف الكلام بعد تمامه ، فلو جعل قوله (لِلسَّائِلِينَ) متعلقا بمقدر : لزم وقوع الفذلكة في حشو الكلام ، ولا كذلك على تفسير الزجاج ، فان الأربعة على قوله من تتمة الأول ، وهي متعلقة بمقدر على تأويل حذف التتمة تعلق الظرف بالمظروف ، ليلائم ذلك إتمام الكلام ببيان المقصود من خلق الأقوات بعد بيان من خلقها. وتفسير الزجاج ـ والله أعلم ـ أرجح ، فإنه يشتمل على ذكر مدة خلق الأقوات بالتأويل القريب الذي قدره ، ومتضمن لما يقوم مقام الفذلكة ، إذ ذكر جملة العدد الذي هو ظرف لخلقها وخلق أقواتها ، وعلى تفسير الزمخشري تكون الفذلكة مذكورة من غير تقدم تصريح بجملة تفاصيلها ، فانه لم يذكر منها سوى يومين خاصة ، ومن شأن الفذلكة أن يتقدم النص على جميع أعدادها مفصلة ، ثم تأتى هي على الجملة كقوله (فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ).
استوى إلى مكان كذا ، إذا توجه إليه توجها لا يلوى على شيء ، وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج ، ونحوه قولهم : استقام إليه وامتد إليه. ومنه قوله تعالى (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ) والمعنى : ثم دعاه داعى الحكمة إلى خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها من غير صارف يصرفه عن ذلك. قيل : كان عرشه قبل خلق السماوات والأرض على الماء ، فأخرج من الماء دخانا ، فارتفع فوق الماء وعلا عليه ، فأيبس الماء فجعله أرضا واحدة ، ثم فتقها فجعلها أرضين ، ثم خلق السماء من الدخان المرتفع. ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان وامتثالهما : أنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه ، ووجدتا كما أرادهما ، وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه فعل الآمر المطاع ، (١) وهو من المجاز الذي يسمى التمثيل. ويجوز أن يكون تخييلا ويبنى الأمر فيه على أن الله تعالى كلم السماء والأرض وقال لهما : ائتيا شئتما ذلك أو أبيتماه ، فقالتا. أتينا على الطوع لا على الكره. والغرض تصوير (٢) أثر قدرته في المقدورات لا غير ، من غير أن يحقق شيء من الخطاب والجواب. ونحوه قول القائل : قال الجدار للوتد : لم تشقني؟ قال الوتد : اسأل من يدقني ، فلم يتركني ، ورائي الحجر الذي ورائي (٣). فإن قلت ، لم ذكر الأرض مع السماء وانتظمها في الأمر بالإتيان ، والأرض مخلوقة قبل السماء بيومين؟ قلت : قد خلق جرم الأرض أولا غير مدحوّة ، ثم دحاها بعد خلق السماء ، كما قال تعالى (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها) فالمعنى. ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف : ائتى يا أرض مدحوّة قرارا ومهادا لأهلك ، وائتي يا سماء مقببة سقفا لهم. ومعنى الإتيان : الحصول والوقوع ، كما تقول : أتى عمله مرضيا ، وجاء مقبولا. ويجوز أن يكون المعنى : لتأت كل واحدة منكما صاحبتها الإتيان الذي أريده ونقتضيه الحكمة والتدبير : من كون الأرض قرارا للسماء ، وكون السماء سقفا للأرض. وتنصره قراءة من قرأ : آتيا ، وآتينا : من المؤاتاة وهي الموافقة : أى : لتوات كل واحدة أختها ولتوافقها. قالتا ، وافقنا وساعدنا. ويحتمل وافقا أمرى ومشيئتى ولا تمتنعا. فإن قلت : ما معنى طوعا أو كرها؟ قلت : هو مثل للزوم تأثير قدرته فيهما ، وأن امتناعهما
__________________
(١) قوله «فعل الآمر المطاع» لعله : أمر الآمر. (ع)
(٢) قوله «تصوير أثر قدرته» لعله : تأثير. (ع)
(٣) قال محمود : «إما أن يكون هذا من مجاز التمثيل كأن عدم امتناعهما على قدرته امتثال المأمور المطيع إذا ورد عليه الأمر المطاع ، فهذا وجه. واما أن يكون تخييلا فيبنى الأمر فيه على أن الله تعالى كلم السماوات والأرض فأجابتاه ، والغرض منه تصوير أثر القدرة في المقدور من غير أن يحقق شيئا من الخطاب والجواب ، ومثله قول القائل : قال الحائط للوتد لم تشقني؟ فقال الوتد : اسأل من يدفنى لم يتركني ورائي الحجر الذي ورائي» قال أحمد : قد تقدم إنكارى عليه إطلاق التخييل على كلام الله تعالى ، فان معنى هذا الإطلاق لو كان صحيحا والمراد منه التصوير لوجب اجتناب التعبير عنه بهذه العبارة ، لما فيها من إيهام وسوء أدب ، والله أعلم.
من تأثير قدرته محال ، كما يقول الجبار لمن تحت يده : لتفعلن هذا شئت أو أبيت ، ولتفعلنه طوعا أو كرها. وانتصابهما على الحال ، بمعنى : طائعتين أو مكرهتين. فإن قلت : هلا قيل : طائعتين على اللفظ؟ أو طائعات على المعنى؟ لأنها سماوات وأرضون. قلت : لما جعلن مخاطبات ومجيبات ، ووصفن بالطوع والكره قيل : طائعين ، في موضع : طائعات ، نحو قوله (السَّاجِدِينَ) (١). (فَقَضاهُنَ) يجوز أن يرجع الضمير فيه إلى السماء على المعنى كما قال (طائِعِينَ) ونحوه (أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ) ويجوز أن يكون ضميرا مبهما مفسرا بسبع سماوات ، والفرق بين النصبين أن أحدهما على الحال ، والثاني على التمييز ، قيل خلق الله السماوات وما فيها في يومين : في يوم الخميس والجمعة ، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة ، فخلق فيها آدم وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة. وفي هذا دليل على ما ذكرت ، من أنه لو قيل : في يومين في موضع أربعة أيام سواء ، لم يعلم أنهما يومان كاملان أو ناقصان (٢). فإن قلت : فلو قيل : خلق الأرض في يومين كاملين وقدر فيها أقواتها
__________________
(١) قال محمود : فان قلت لم ذكر الأرض مع السماء وانتظمها في الأمر بالإتيان معها والأرض مخلوقة قبل السماء بيومين؟ وأجاب بأنه قد خلق جرم الأرض أو لا غير مدحوة ، ثم دحاها بعد خلق السماء كما قال (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها) فالمعنى : ائتيا على ما ينبغي من الشكل : ائتي يا أرض مدحوة وفرارا ومهادا ، واثنى يا سماء سقفا مقبية. ثم قال : فان قلت ما معنى طوعا أو كرها ، وأجاب بأنه تمثيل للزوم تأثير القدرة فيهما ، كما يقول الجبار لمن تحت يده : افعل هذا شئت أو أبيت. ثم قال : فان قلت : هلا قيل طائعتين ، على اللفظ. وطائعات ، على المعنى ، لأنها سماوات وأرضون. وأجاب بأنه لما جعلن مخاطبات ومجيبات وموصوفات بالطوع والكره. قيل : طائعين في موضع طائعات ، نحو قوله ساجدين» قال أحمد : لم يحقق الجواب عن السؤال الآخر ، وذلك أن في ضمن الآية سؤالين : أحدهما لم ذكرها وهي مؤنثة ، وهذا هو السؤال الذي أورده. الثاني أنى بها على جمع العقلاء وهي لا تعقل ، وهذا لم يذكره ، فالجواب الذي ذكره مختص بالسؤال الذي لم يذكره ، ولهذا نظره بقوله (السَّاجِدِينَ) فان تلك الآية ليس فيها سوى السؤال عن كونها جمعت جمع العقلاء ، فأما السؤال الآخر فلا ، لأن الكلام راجع إلى الكواكب وهي مذكرة ، والشمس وإن كانت مؤنثة إلا أنه غلب في الكلام المذكر على المؤنث على المنهاج المعروف ، فأما هذه الآية فتزيد على تلك بهذا السؤال الآخر : وهو أن جميع ما تقدم ذكره من السماوات والأرض مؤنثة ، فيقال أولا : لم ذكرها ، وثانيا : لم أتى جمعها المذكر على جمع نعت جمع العقلاء ، ليتحقق نسبة السؤال والجواب ، والطوع اللاتي تختص بالعقلاء لا بها ، ولم يوجد في جمع المؤنث عدول إلى جمع المذكر لوجود الصيغة المرشدة إلى العقل فيه ، فتمت الفائدة بذلك على تأويل السماوات والأرض بالأفلاك مثلا وما في معناه من المذكر ، ثم يغلب المذكر على المؤنث ولا يعدم مثل هذا التأويل في الأرضين أيضا.
(٢) قال محمود : «قيل : إن الله تعالى خلق السماوات وما فيها في يوم الخميس ويوم الجمعة ، وفرغ آخر ساعة من يوم الجمعة ، وخلق آدم في تتمة اليوم ، وفيه تقوم القيامة ثم استدل بذلك على ما ذكره من أنه لو قال : في يومين ، في موضع أربعة أيام سواء ، لم يعلم أنهما يومان كاملان أو ناقصان» قال أحمد : كأنه يستدل بإهمال اليومين عن التأكيد ، حيث لم يكن خلق السماوات بما فيها في جملة اليومين ، على أنه إنما فذلك أيام خلق الأرض بما فيها : لأنه لو فصلها لم يكن فيها دليل على استيعاب الخلق لكل يومين منها ، بل كان يجوز أن يكون الخلق في أحد اليومين وبعض الآخر ، كما كان في هذه الآية على النقل الذي ذكر ، وهذا لا يتم له منه غرض ، فان للقائل أن يقول : إنما كان خلق السماوات بما فيها في يومين كاملين ، لأن آدم لم يكن في السماوات حينئذ ويخلقه كمل اليومان على مقتضى ما نقله ، فتأمله.
في يومين كاملين. أو قيل بعد ذكر اليومين : تلك أربعة سواء؟ قلت : الذي أورده سبحانه أخصر وأفصح وأحسن طباقا لما عليه التنزيل من مغاصاة القرائح ومصاك المركب ، (١) ليتميز الفاضل من الناقص ، والمتقدم من الناكص ، وترتفع الدرجات ، ويتضاعف الثواب (أَمْرَها) ما أمر به فيها ودبره من خلق الملائكة والنيرات وغير ذلك. أو شأنها وما يصلحها (وَحِفْظاً) وحفظناها حفظا ، يعنى من المسترقة بالثواقب. ويجوز أن يكون مفعولا له على المعنى ، كأنه قال : وخلقنا المصابيح زينة وحفظا.
(فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ)(١٤)
(فَإِنْ أَعْرَضُوا) بعد ما تتلو عليهم من هذه الحجج على وحدانيته وقدرته ، فحذرهم أن تصيبهم صاعقة : أى عذاب شديد الوقع كأنه صاعقة. وقرئ : صعقة (مِثْلَ) صعقة عاد وثمود : وهي المرة من الصعق أو الصعق. يقال : صعقته الصاعقة صعقا فصعق صعقا ، وهو من باب : فعلته ففعل (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) أى أتوهم من كل جانب ، واجتهدوا بهم ، وأعملوا فيهم كل حيلة ، فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض ، كما حكى الله تعالى عن الشيطان (لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) يعنى لآتينهم من كل جهة ، ولأعملن فيهم كل حيلة ، وتقول : استدرت بفلان من كل جانب ، فلم يكن لي فيه حيلة. وعن الحسن أنذروهم من وقائع الله فيمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة ، لأنهم إذا حذروهم ذلك فقد جاءوهم بالوعظ من جهة الزمن الماضي وما حرى فيه على الكفار ، ومن جهة المستقبل وما سيجرى عليهم. وقيل : معناه إذ جاءتهم الرسل من قبلهم ومن بعدهم. فإن قلت : الرسل الذين من قبلهم ومن بعدهم كيف يوصفون بأنهم جاءوهم ، وكيف يخاطبونهم بقولهم (فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ)؟ قلت : قد جاءهم هود وصالح داعيين إلى الإيمان بهما وبجميع الرسل ممن جاء من بين أيديهم ، أى من قبلهم وممن يجيء من خلفهم ، أى من بعدهم ، فكان الرسل جميعا قد جاءوهم. وقولهم (فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء الذين دعوا إلى الإيمان بهم. أن في (أَلَّا تَعْبُدُوا) بمعنى أى ، أو مخففة من الثقيلة ، أصله : بأنه لا تعبدوا ، أى : بأنّ الشأن والحديث قولنا لكم لا تعبدوا ، ومفعول شاء محذوف أى (لَوْ شاءَ
__________________
(١) قوله «من مغاصاة القرائح ومصاك الركب» أى أمكنة الغوص على اللؤلؤ ، وأمكنة اصطكاك الركب. (ع)
رَبُّنا) إرسال الرسل (لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) معناه : فإذ أنتم بشر ولستم بملائكة ، فإنا لا نؤمن بكم وبما جئتم به ، وقولهم (أُرْسِلْتُمْ بِهِ) ليس بإقرار بالإرسال ، وإنما هو على كلام الرسل ، وفيه تهكم ، كما قال فرعون (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ). روى أنّ أبا جهل قال في ملأ من قريش : قد التبس علينا أمر محمد ، فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن أمره (١) ، فقال عتبة بن ربيعة : والله لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر وعلمت من ذلك علما ، وما يخفى علىّ ، فأتاه فقال : أنت يا محمد خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا وتضللنا ، فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء فكنت رئيسنا ، وإن تك بك الباءة زوّجناك عشر نسوة تختار من أى بنات قريش شئت ، وإن كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساكت ، فلما فرغ قال : (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم ...) إلى قوله ... (صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ) فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم ، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش ، فلما احتبس عنهم قالوا : ما نرى عتبة إلا قد صبأ ، فانطلقوا إليه وقالوا : يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت ، فغضب وأقسم لا يكلم محمدا أبدا ، ثم قال : والله لقد كلمته فأجابنى بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ، ولما بلغ صاعقة عاد وثمود : أمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف ، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب ، فخفت أن ينزل بكم العذاب.
(فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ)(١٦)
(فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ) أى تعظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظم وهو القوّة وعظم الأجرام. أو استعلوا في الأرض واستولوا على أهلها بغير استحقاق للولاية (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) كانوا ذوى أجسام طوال وخلق عظيم ، وبلغ من قوّتهم أن الرجل كان ينزع الصخرة
__________________
(١) أخرجه ابن إسحاق في السيرة : حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب بهذا نحوه مرسلا ، ووصله ابن أبى شيبة. وعنه أبو يعلى وعبد بن حميد وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل ، كلهم من رواية الأجلح الكندي عن الزبال ابن حرملة عن جابر مطولا.
من الجبل فيقتلعها بيده. فإن قلت : القوّة هي الشدّة والصلابة في البنية ، وهي نقيضة الضعف. وأما القدرة فما لأجله يصح الفعل من الفاعل من تميز بذات أو بصحة بنية (١) وهي نقيضة العجز والله سبحانه وتعالى لا يوصف بالقوّة إلا على معنى القدرة ، فكيف صحّ قوله (هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) وإنما يصح إذا أريد بالقوّة في الموضعين شيء واحد؟ قلت : القدرة في الإنسان هي صحة البنية والاعتدال والقوّة والشدّة والصلابة في البنية ، وحقيقتها : زيادة القدرة (٢) ، فكما صحّ أن يقال : الله أقدر منهم ، جاز أن يقال : أقوى منهم ، على معنى : أنه يقدر لذاته على ما لا يقدرون عليه بازدياد قدرهم (يَجْحَدُونَ) كانوا يعرفون أنها حق ، ولكنهم جحدوها كما يجحد المودع الوديعة ، وهو معطوف (٣) على فاستكبروا ، أى كانوا كفرة فسقة. الصرصر : العاصفة التي تصرصر ، أى : تصوّت في هبوبها. وقيل : الباردة التي تحرق بشدّة بردها ، تكرير لبناء الصر وهو البرد الذي يصر أى يجمع ويقبض (نَحِساتٍ) قرئ بكسر الحاء وسكونها. ونحس نحسا : نقيض سعد سعدا ، وهو نحس. وأما نحس ، فإمّا مخفف نحس ، أو صفة على فعل ، كالضخم وشبهه. أو وصف بمصدر. وقرئ : لنذيقهم ، على أنّ الإذاقة للريح أو للأيام النحسات. وأضاف العذاب إلى الخزي وهو الذل والاستكانة على أنه وصف للعذاب ، كأنه قال : عذاب خزى ، كما تقول : فعل السوء ، تريد : الفعل السيئ ، والدليل عليه قوله تعالى (وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى) وهو من الإسناد المجازى ، ووصف العذاب بالخزي : أبلغ من وصفهم به.
__________________
(١) قوله «من تمييز بذات أو لصحة بنية» هذا كقوله الآتي : إنه يقدر لداته ، تمحل لتطبيق الآية على مذهب المعتزلة على أنه تعالى قادر بذاته ، لكن مذهب أهل السنة أنه تعالى قادر بقدرة قائمة بذاته ، وكذا بقية الصفات كما في التوحيد. (ع)
(٢) قال محمود : «القوة : الشدة في البنية ونقيضها الضعف ، والقدرة ما لأجله يصح الفعل من الفاعل ، وهي نقيضة العجز ، فان وصف الله تعالى بالقوة فذاك بمعنى القدرة وليست القوة على حقيقتها ، فكيف صح قوله (هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) ولا بد أن يراد بالقوة في الموضعين شيء واحد ، وأجاب عنه بأن القدرة في الإنسان صحة البنية والاعتدال والشدة ، والقوة زيادة في القدرة ، فكما صح أن يقال : أقدر منهم ، صح أن يقال : أقوى منهم ، على معنى أنه يقدر لذاته على ما لا يقدرون عليه بازدياد قدرتهم» قال أحمد ، فسر القدرة على خلاف ما هي في اعتقاد المتكلمين ، فان سلم له من حيث اللغة فقد نكص عنه إلى حمل القدرة في الآية على مقتضاها في فن الكلام ، وجعل التفضيل من حيث أن الله تعالى قادر لذاته. أى : بلا قدرة ، والمخلوق قادر بقدرة على القاعدة الفاسدة للقدرية ، ونظير هذا التفسير في الفساد تفسير قول القائل : زيد أعلم من عمرو ، بإثبات صفة العلم للمفضول ، وسلبها بالكلية عن الأفضل ، وهل هذا إلا عنه وعمى في اتباع الهوى وعمه؟ فالحق أن التفضيل إنما جاء من جهة أن القدرة الثابتة للعبد قدرة مقارنة لفعله ، معلومة قبله وبعده ، مفقودة غير مؤثرة في العقل الراجح في محلها» فضلا عن تجاوزها إلى غيره ، وقدرة الله جلت قدرته مؤثرة في المقدورات ، موجودة أزلا وأبدا ، عامة التعلق بجميع الكائنات من الممكنات ، فهذا هو النور الذي لا يلوح إلا من إثبات عقائد السنة لمن سبقت له من الله المنة.
(٣) قوله «وهو معطوف على فاستكبروا» أى : قوله تعالى (وَكانُوا ...) الخ (ع)
ألا ترى إلى البون بين قوليك : هو شاعر ، وله شعر شاعر.
(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ)(١٨)
وقرئ : ثمود ، بالرفع والنصب منونا وغير منون ، والرفع أفصح لوقوعه بعد حرف الابتداء. وقرئ بضم الثاء (فَهَدَيْناهُمْ) فدللناهم على طريقى الضلالة والرشد ، كقوله تعالى (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ). (فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى) فاختاروا الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد. فإن قلت : أليس معنى هديته : حصلت فيه الهدى ، والدليل عليه قولك : هديته فاهتدى ، بمعنى : تحصيل البغية وحصولها ، كما تقول : ردعته فارتدع ، فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجرّدة؟ قلت : للدلالة على أنه مكنهم وأزاح عللهم ولم يبق له عذرا ولا علة ، فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها ويقتضيها (صاعِقَةُ الْعَذابِ) داهية العذاب وقارعة العذاب. و (الْهُونِ) الهوان ، وصف به العذاب مبالغة. أو أبدله منه ، ولو لم يكن في القرآن حجة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة (١) بشهادة نبيها صلى الله عليه وسلم ـ وكفى به شاهدا ـ إلا هذه الآية ، لكفى بها حجة(٢).
__________________
(١) قوله «حجة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة» يريد أهل السنة ، سماهم المعتزلة بذلك لقولهم : جميع الحوادث ـ خيرا كانت أو شرا من أفعال العباد الاختيارية أو غيرها ـ فهي بقضاء الله تعالى وقدره ، خلافا للمعتزلة : حيث ذهبوا إلى أن جميع الأفعال الاختيارية ليست بقضائه تعالى وقدره ، ولا تأثير له فيها أصلا. وهذا أحق بالتنقيص الذي يفيده الحديث. وفسروا الإضلال والهدى في قوله تعالى (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) بخلق الضلال وخلق الاهتداء ، خلافا للمعتزلة : حيث فسروا الإضلال بالخذلان وترك العبد وشأنه ، والهدى بالبيان ونقل النسفي عن أبى منصور الماتريدى : أن الهدى المضاف للخالق يكون تارة بمعنى البيان كما في هذه الآية وتارة بمعنى خلق الاهتداء كما في قوله تعالى (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) والمضاف للمخلوق بمعنى البيان فقط ، ويحتمل أن يكون هدى ثمود بمعنى خلق الاهتداء فيهم. وأنهم آمنوا قبل عقر الناقة ، ثم كفروا وعقروها اه (ع) (٢) قال محمود : «فدللناهم على طريقى الضلالة والرشد ، ثم قال : فان قلت أليس معنى هديته حصلت له الهدى والدليل عليه قولك : هديته فاهتدى ، فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجردة؟ وأجاب بأنه مكنهم وأزاح عللهم ، ولم يبق لهم عذرا ولا علة ، فكأنه حصل البغية فيهم بحصول موجبها ، ثم قال : ولو لم يكن في القرآن حجة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة نبينا عليه الصلاة والسلام ـ وكفى به شهيدا ـ إلا هذه الآية ، لكفى بها حجة» قال أحمد : قد أنطقه الله الذي أنطق كل شيء ، فان القدرية مجوس هذه الأمة بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد شهد صحبه الأكرمون أن الطائفة الذين قفا الزمخشري أثرهم القدرية المتمجسة ، الذين أديانهم بأدناس الفساد متنجسة فهم أول منخرط في هذا السلك ، ومنهبط في مهواة هذا الهلك ، ولترجع إلى أصل الكلام فنقول : الهدى من الله تعالى عند أهل السنة حقيقة : هو خلق الهدى في قلوب المؤمنين ، والإضلال : خلق الضلال في قلوب الكافرين ، ثم ورد الهدى على غير ذلك من الوجوه مجازا واتساعا ، نحو هذه الآية ، فان المراد فيها بالهدى الدلالة على طريقه كما ـ
(وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(٢١)
قرئ يحشر على البناء للمفعول. ونحشر بالنون وضم الشين وكسرها ، ويحشر : على البناء للفاعل ، أى : يحشر الله عز وجل (أَعْداءُ اللهِ) الكفار من الأوّلين والآخرين (يُوزَعُونَ) أى يحبس أوّلهم على آخرهم ، أى : يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم ، وهي عبارة عن كثرة أهل النار ، نسأل الله أن يجيرنا منها بسعة رحمته : فإن قلت : (ما) في قوله (حَتَّى إِذا ما جاؤُها) ما هي؟ قلت : مزيدة للتأكيد ، ومعنى التأكيد فيها : أنّ وقت مجيئهم النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم ، ولا وجه لأن يخلو منها. ومثله قوله تعالى (أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ) أى لا بدّ لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به شهادة الجلود بالملامسة للحرام ، وما أشبه ذلك مما يفضى إليها من المحرّمات. فإن قلت : كيف تشهد عليهم أعضاؤهم وكيف تنطق؟ قلت : الله عز وجل ينطقها كما أنطق الشجرة (١) بأن يخلق فيها كلاما. وقيل ، المراد بالجلود : الجوارح. وقيل : هي كناية عن الفروج ، أراد بكل شيء : كل شيء من الحيوان ، كما أراد به في قوله تعالى (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) كل شيء من المقدورات ، والمعنى : أنّ نطقنا ليس بعجب من قدرة الله الذي قدر على إنطاق كل حيوان ، وعلى خلقكم وإنشائكم أوّل مرّة ، وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه ـ وإنما قالوا لهم : (لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا) لما تعاظمهم من شهادتها وكبر عليهم من الافتضاح على ألسنة جوارحهم.
(وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ)(٢٣)
__________________
ـ فسره الزمخشري. وقد اتفق الفريقان : أهل السنة وأهل البدعة على أن استعمال الهدى هاهنا مجاز ، ثم إن أهل السنة يحملونه على المجاز في جميع موارده في الشرع ، فأى الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ، وأى دليل في هذه الآية على أهل السنة لأهل البدعة ، حتى يرميهم بما ينعكس إلى نحره ، ويذيقه وبال أمره.
(١) قوله «كما أنطق الشجرة» على زعم المعتزلة أن تكليمه مع موسى عليه السلام هو خلقه الكلام في الشجرة التي كانت عند الطور. وعند أهل السنة : هو بأن كشف له عن كلامه القديم وأسمعه إياه كما بين في محله. (ع)
والمعنى : أنكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش ، وما كان استتاركم ذلك خيفة أن يشهد عليكم جوارحكم ، لأنكم كنتم غير عاملين بشهادتها عليكم ، بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلا ، ولكنكم إنما استترتم لظنكم (أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا) كنتم (تَعْمَلُونَ) وهو الخفيات من أعمالكم ، وذلك (١) الظنّ هو الذي أهلككم. وفي هذا تنبيه على أن من حق المؤمن أن لا يذهب عنه ، ولا يزل عن ذهنه أن عليه من الله علينا كالئة ورقيبا مهيمنا ، حتى يكون في أوقات خلواته من ربه أهيب وأحسن احتشاما وأوفر تحفظا وتصونا منه مع الملأ ، ولا يتبسط في سره مراقبة (٢) من التشبه بهؤلاء الظانين. وقرئ : ولكن زعمتم (وَذلِكُمْ) رفع بالابتداء ، و (ظَنُّكُمُ) و (أَرْداكُمْ) خبران ، ويجوز أن يكون (ظَنُّكُمُ) بدلا من (ذلِكُمْ) و (أَرْداكُمْ) الخبر.
(فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ)(٢٥)
(فَإِنْ يَصْبِرُوا) لم ينفعهم الصبر ولم ينفكوا به من الثواء في النار ، (وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا) وإن يسألوا العتبى وهي الرجوع لهم إلى ما يحبون جزعا مما هم فيه : لم يعتبوا : لم يعطوا العتبى ولم يجابوا إليها ، ونحوه قوله عز وعلا (أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ) وقرئ : وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين ، أى : إن سئلوا أن يرضوا ربهم فما هم فاعلون ، أى : لا سبيل لهم إلى ذلك (وَقَيَّضْنا لَهُمْ) وقدّرنا لهم ، يعنى لمشركي مكة : يقال : هذان ثوبان قيضان : إذا كانا متكافئين. والمقايضة : المعاوضة (قُرَناءَ) أخدانا (٣) من الشياطين جمع قرين ، كقوله تعالى (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) فإن قلت : كيف جاز أن يقيض لهم القرناء من الشياطين وهو ينهاهم عن اتباع خطواتهم؟ قلت : معناه أنه خذلهم (٤) ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر ، فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين (٥). والدليل عليه (وَمَنْ يَعْشُ) نقيض (ما بَيْنَ
__________________
(١) قوله «وذلك الظن هو الذي أهلككم» لعله. وذلكم. (ع)
(٢) قوله «في سره مراقبة من التشبه» أى مخافة ، كما أفاده الصحاح. (ع)
(٣) قوله «قرناأ أخدانا» أى أصدقاء. أفاده الصحاح. (ع)
(٤) قوله «قلت معناه أنه خذلهم» هذا على مذهب المعتزلة أنه تعالى لا يقدر الشر. أما على مذهب أهل السنة أنه تعالى يقدره كالخير ، فلا داعى إلى هذا التكلف. قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ) الخ. (ع)
(٥) قال محمود : «كيف جاز أن يقيض لهم قرناء من الشياطين وهو ينهاهم عن اتباع خطواتهم؟ وأجاب بأن ـ
أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) ما تقدّم من أعمالهم وما هم عازمون عليها. أو بين أيديهم من أمر الدنيا واتباع الشهوات ، وما خلفهم : من أمر العاقبة ، وأن لا بعث ولا حساب (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) يعنى كلمة العذاب (فِي أُمَمٍ) في جملة أمم. ومثل في هذه ما في قوله :
|
إن تك عن أحسن الصّنيعة مأ |
|
فوكا ففي آخرين قد أفكوا (١) |
يريد : فأنت في جملة آخرين ، وأنت في عداد آخرين لست في ذلك بأوحد. فإن قلت : (فِي أُمَمٍ) ما محله؟ قلت : محله النصب على الحال من الضمير في عليهم القول كائنين في جملة أمم (إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ) تعليل لاستحقاقهم العذاب. والضمير لهم وللأمم.
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ)(٢٨)
قرئ : والغوا فيه ، بفتح الغين وضمها. يقال : لغى يلغى ، ولغا يلغو. واللغو : الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته. قال : من اللغا ورفث التكلم. والمعنى : لا تسمعوا له إذا قرئ ، وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات بالخرافات والهذيان والزمل (٢) وما أشبه ذلك ، حتى تخلطوا على القارئ وتشوّشوا عليه وتغلبوه على قراءته. كانت قريش يوصى بذلك بعضهم
__________________
ـ معناه أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر ، فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين. والدليل عليه قوله تعالى (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ ...) الآية قال أحمد : جواب هذا السؤال على مذهب أهل السنة : أن الأمر على ظاهره ، فان قاعدة عقيدتهم أن الله تعالى قد ينهى عما يريد وقوعه ، ويأمر بما لا يريد حصوله ، وبذلك نطقت هذه الآية وأخواتها ، وإنما تأولها الزمخشري ليتبعها هواه الفاسد في اعتقاده أن الله تعالى لا ينهى عما يريد ، وإن وقع النهى عنه فعلى خلاف الارادة ـ تعالى الله عن ذلك وبه نستعيذ من جعل القرآن تبعا للهوى ، وحينئذ فنقول : لو لم يكن في القرآن حجة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة نبيها عليه الصلاة والسلام سوى هذه الآية ، لكفى بها ، فهذا موضع هذه المقالة التي أنطقه الله بها الذي أنطق كل شيء في الآية التي قبل هذه.
(١) لعروة بن أذينة ، يقول : إن تك مأقوكا ـ أى : مصروفا ومنقلبا عن أحسن العطاء ـ فلا عجب ، فأنت في جملة ناس آخرين قد أفكوا وصرفوا عن الإحسان. ومنه : المؤتفكات ، وهي المدن المنقلبة على قوم لوط وتقول العرب : إذا كثرت المؤتفكات زكت الأرض ، يعنون : الرياح المختلفة المهاب.
(٢) قوله «والزمل» الذي في الصحاح «الأزمل» الصوت : والأزمولة ـ بالضم ـ : المصوت من الوعول وغيرها. (ع)
بعضا (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) يجوز أن يريد بالذين كفروا : هؤلاء اللاغين والآمرين لهم باللغو خاصة ، وأن يذكر الذين كفروا عامة لينطووا تحت ذكرهم. قد ذكرنا إضافة أسوأ بما أغنى عن إعادته. وعن ابن عباس (عَذاباً شَدِيداً) يوم بدر. و (أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ) في الآخرة (ذلِكَ) إشارة إلى الأسوإ ، ويجب أن يكون التقدير : أسوأ جزاء الذين كانوا يعملون ، حتى تستقيم هذه الإشارة. و (النَّارُ) عطف بيان للجزاء. أو خبر مبتدإ محذوف. فإن قلت : ما معنى قوله تعالى (لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ)؟ قلت : معناه أن النار في نفسها دار الخلد ، كقوله تعالى (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) والمعنى : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ، وتقول : لك في هذه الدار دار السرور. وأنت تعنى الدار بعينها (جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ) أى جزاء بما كانوا يلغون فيها ، فذكر الجحود الذي هو سبب اللغو.
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ)(٢٩)
(الَّذَيْنِ أَضَلَّانا) أى الشيطانين اللذين أضلانا (مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) لأنّ الشيطان على ضربين : جنى وإنسى. قال الله تعالى (وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِ) وقال تعالى (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) وقيل : هما إبليس وقابيل ، لأنهما سنا الكفر والقتل بغير حق. وقرئ : أرنا ، بسكون الراء لثقل الكسرة ، كما قالوا في فخذ : فخذ. وقيل : معناه أعطنا للذين أضلانا. وحكوا عن الخليل : أنك إذا قلت : أرنى ثوبك بالكسر ، فالمعنى : بصرنيه. وإذا قلته بالسكون ، فهو استعطاء ، معناه : أعطنى ثوبك : ونظيره : اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء. وأصله : الإحضار
(إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ)(٣٢)
(ثُمَ) لتراخى الاستقامة عن الإقرار في المرتبة. وفضلها عليه ، لأنّ الاستقامة لها الشأن كله. ونحوه قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا) والمعنى : ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته. وعن أبى بكر الصديق رضى الله عنه : استقاموا فعلا كما استقاموا قولا.
وعنه : أنه تلاها ثم قال : ما تقولون فيها؟ قالوا : لم يذنبوا. قال حملتم الأمر على أشدّه. قالوا : فما تقول؟ قال : لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. وعن عمر رضى الله عنه : استقاموا على الطريقة لم يروغوا روغان الثعالب. وعن عثمان رضى الله عنه : أخلصوا العمل. وعن على رضى الله عنه : أدّوا الفرائض. وقال سفيان بن عبد الله الثقفي رضى الله عنه : قلت يا رسول الله ، أخبرنى بأمر أعتصم به. قال : «قل ربىّ الله ، ثم استقم» قال فقلت : ما أخوف ما تخاف علىّ؟ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه فقال «هذا» (١) (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ) عند الموت بالبشرى. وقيل البشرى في ثلاثة مواطن : عند الموت ، وفي القبر ، وإذا قاموا من قبورهم (أَلَّا تَخافُوا) أن بمعنى أى. أو مخففة من الثقيلة. وأصله : بأنه لا تخافوا ، والهاء ضمير الشأن. وفي قراءة ابن مسعود رضى الله عنه : لا تخافوا ، أى : يقولون لا تخافوا ، والخوف : غم يلحق لتوقع المكروه ، والحزن : غم يلحق لوقوعه من فوات نافع أو حصول ضارّ. والمعنى : أنّ الله كتب لكم الأمن من كل غم ، فلن تذوقوه أبدا. وقيل لا تخافوا ما تقدمون عليه ، ولا تحزنوا على ما خلفتم. كما أنّ الشياطين قرناء العصاة وإخوانهم ، فكذلك الملائكة أولياء المتقين وأحباؤهم في الدارين (تَدَّعُونَ) تتمنون: والنزل : رزق النزيل وهو الضيف ، وانتصابه على الحال.
(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (٣٣)
(مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ) عن ابن عباس رضى الله عنهما : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى الإسلام (وَعَمِلَ صالِحاً) فيما بينه وبين ربه ، وجعل الإسلام نحلة له. وعنه : أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن عائشة رضى الله عنها : ما كنا نشك أنّ هذه الآية نزلت في المؤذنين ، وهي عامة في كل من جمع بين هذه الثلاث : أن يكون موحدا معتقدا لدين الإسلام ، عاملا بالخير داعيا إليه ، وما هم إلا طبقة العالمين العاملين من أهل العدل والتوحيد ، الدعاة إلى دين الله (٢) وقوله (وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ليس الغرض أنه تكلم بهذا الكلام ، ولكن جعل دين الإسلام مذهبه ومعتقده ، كما تقول : هذا قول أبى حنيفة ، تريد مذهبه.
(وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)(٣٥)
__________________
(١) أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد وابن حبان بتمامه ، وأصله في مسلم.
(٢) قوله «العاملين من أهل العدل والتوحيد الدعاة» إن أراد بهم المعتزلة سموا أنفسهم بذلك ، فلا وجه التخصيص. (ع)
يعنى أنّ الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها ـ إذا اعترضتك حسنتان ـ فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك. ومثال ذلك : رجل أساء إليك إساءة ، فالحسنة : أن تعفو عنه ، والتي هي أحسن : أن تحسن إليه مكان إساءته إليك ، مثل أن يذمك فتمدحه ويقتل ولدك فتفتدى ولده من يد عدوه ، فإنك إذا فعلت ذلك انقلب عدوك المشاقّ مثل الولي الحميم مصافاة لك. ثم قال : وما يلقى هذه الخليقة أو السجية التي هي مقابلة الإساءة بالإحسان إلا أهل الصبر ، وإلا رجل خير وفق لحظ عظيم من الخير. فإن قلت : فهلا قيل : فادفع بالتي هي أحسن؟ قلت : هو على تقدير قائل قال : فكيف أصنع؟ فقيل : ادفع بالتي هي أحسن. وقيل (لا) مزيدة. والمعنى : ولا تستوي الحسنة والسيئة ، فإن قلت : فكان القياس على هذا التفسير أن يقال : ادفع بالتي هي حسنة : قلت : أجل ، ولكن وضع التي هي أحسن موضع الحسنة ، ليكون أبلغ في الدفع بالحسنة ، لأنّ من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما هو دونها. وعن ابن عباس رضى الله عنهما : (بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) الصبر عند الغضب ، والحلم عند الجهل ، والعفو عند الإساءة ، وفسر الحظ بالثواب. وعن الحسن رحمه الله : والله ما عظم حظ دون الجنة ، وقيل : نزلت في أبى سفيان بن حرب وكان عدوا مؤذيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصار وليا مصافيا.
(وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)(٣٦)
النزغ والنسغ بمعنى ، وهو شبه النخس. والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه ببعثه على ما لا ينبغي. وجعل النزغ نازغا ، كما قيل : جد جدّه. أو أريد : وإما ينزغنك نازغ وصفا للشيطان بالمصدر. أو لتسويله. والمعنى : وإن صرفك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن (فَاسْتَعِذْ بِاللهِ) من شرّه ، وامض على شأنك ولا تطعه.
(وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ)(٣٨)
الضمير في (خَلَقَهُنَ) لليل والنهار والشمس والقمر ، لأنّ حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث. يقال : الأقلام بريتها وبريتهنّ : أو لما قال (وَمِنْ آياتِهِ) كن في معنى الآيات ، فقيل : خلقهنّ. فإن قلت. أين موضع السجدة؟ قلت : عند الشافعي رحمه الله تعالى (تَعْبُدُونَ) وهي رواية مسروق عن عبد الله لذكر لفظ السجدة قبلها. وعند أبى حنيفة رحمه الله : يسأمون ،
لأنها تمام المعنى ، وهي عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب : لعل ناسا منهم كانوا يسجدون للشمس والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب ، ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله ، فنهوا عن هذه الواسطة ، وأمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله تعالى خالصا ، إن كانوا إياه يعبدون وكانوا موحدين غير مشركين (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا) ولم يمتثلوا ما أمروا به وأبوا إلا الواسطة ، فدعهم وشأنهم فإنّ الله عز سلطانه لا يعدم عابدا ولا ساجدا بالإخلاص ، وله العباد المقربون الذين ينزهونه بالليل والنهار عن الأنداد ، وقوله (عِنْدَ رَبِّكَ) عبارة عن الزلفى والمكانة والكرامة. وقرئ : لا يسأمون ، بكسر الياء.
(وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(٣٩)
الخشوع : التذلل والتقاصر ، فاستعير لحال الأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها ، كما وصفها بالهمود في قوله تعالى (وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً) وهو خلاف وصفها بالاهتزاز والربق وهو الانتفاخ : إذا أخصبت وتزخرفت بالنبات كأنها بمنزلة المختال في زيه ، وهي قبل ذلك كالذليل الكاسف البال في الأطمار الرثة (١). وقرئ : وربأت ، أى ارتفعت لأن النبت إذا همّ أن يظهر : ارتفعت له الأرض.
(إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(٤٠)
يقال : ألحد الحافر ولحد ، إذا مال عن الاستقامة ، فحفر في شق ، فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة. وقرئ : يلحدون ويلحدون ، على اللغتين. وقوله (لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا) وعيد لهم على التحريف.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)(٤٢)
فإن قلت : بم اتصل قوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ)؟ قلت : هو بدل من قوله (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا) والذكر : القرآن ، لأنهم لكفرهم به طعنوا فيه وحرّفوا تأويله (وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ) أى منيع محمى بحماية الله تعالى (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ
__________________
(١) قوله «في الأطمار الرثة» في الصحاح «الطمر» الثوب الخرق ، والجمع : الأطمار. (ع)
خَلْفِهِ) مثل كأن الباطل لا يتطرّق إليه ولا يجد إليه سبيلا من جهة من الجهات حتى يصل إليه ويتعلق به. فإن قلت : أما طعن فيه الطاعنون ، وتأوّله المبطلون؟ قلت : بلى ، ولكن الله قد تقدّم في حمايته عن تعلق الباطل به : بأن قيض قوما عارضوهم بإبطال تأويلهم وإفساد أقاويلهم ، فلم يخلوا طعن طاعن إلا ممحوقا ، ولا قول مبطل إلا مضمحلا. ونحوه قوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ).
(ما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ)(٤٣)
ما يقال لك أى : ما يقول لك كفار قومك إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من الكلمات المؤذية والمطاعن في الكتب المنزلة (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ) ورحمة لأنبيائه (وَذُو عِقابٍ) لأعدائهم. ويجوز أن يكون : ما يقول لك الله إلا مثل ما قال للرسل من قبلك ، والمقول : هو قوله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ) فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخافه أهل معصيته ، والغرض : تخويف العصاة.
(وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ)(٤٤)
كانوا لتعنتهم يقولون : هلا نزل القرآن بلغة العجم «فقيل : لو كان كما يقترحون لم يتركوا الاعتراض والتعنت وقالوا (لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ) أى بينت ولخصت بلسان نفقهه (ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌ) الهمزة همزة الإنكار ، يعنى : لأنكروا وقالوا : أقرآن أعجمى ورسول عربى ، أو مرسل إليه عربى ، وقرئ : أعجمى ، والأعجمى : الذي لا يفصح ولا يفهم كلامه من أى جنس كان ، والعجمي : منسوب إلى أمّة العجم. وفي قراءة الحسن : أعجمى بغير همزة الاستفهام على الإخبار بأن القرآن أعجمى ، والمرسل أو المرسل إليه عربى. والمعنى : أنّ آيات الله على أى طريقة جاءتهم وجدوا فيها متعنتا ، لأنّ القوم غير طالبين للحق وإنما يتبعون أهواءهم. ويجوز في قراءة الحسن : هلا فصلت آياته تفصيلا ، فجعل بعضها بيانا للعجم ، وبعضها بيانا للعرب. فإن قلت : كيف يصح أن يراد بالعربي المرسل إليهم وهم أمّة العرب؟ قلت : هو على ما يجب أن يقع في إنكار المنكر لو رأى كتابا أعجميا كتب إلى قوم من العرب يقول : كتاب أعجمى ومكتوب
إليه عربى ، وذلك لأن مبنى الإنكار على تنافر حالتي الكتاب والمكتوب إليه ، لا على أن المكتوب إليه واحد أو جماعة ، فوجب أن يجرّد لما سيق إليه من الغرض ، ولا يوصل به ما يخل غرضا آخر. ألا تراك تقول ـ وقد رأيت لباسا طويلا على امرأة قصيرة : ـ اللباس طويل واللابس قصير. ولو قلت : واللابسة قصيرة ، جئت بما هو لكنة وفضول قول ، لأنّ الكلام لم يقع في ذكورة اللابس وأنوثته ، إنما وقع في غرض وراءهما (هُوَ) أى القرآن (هُدىً وَشِفاءٌ) إرشاد إلى الحق وشفاء (لِما فِي الصُّدُورِ) من الظن والشك. فإن قلت : (وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ) منقطع عن ذكر القرآن ، فما وجه اتصاله به؟ قلت : لا يخلو إما أن يكون (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) في موضع الجر معطوفا على قوله تعالى (لِلَّذِينَ آمَنُوا) على معنى قولك : هو للذين آمنوا هدى وشفاء ، وهو للذين لا يؤمنون في آذانهم وقر ، إلا أنّ فيه عطفا على عاملين وإن كان الأخفش يجيزه. وإمّا أن يكون مرفوعا على تقدير : والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر (١) على حذف المبتدإ. أو في آذانهم منه وقر. وقرئ : وهو عليهم عم. وعمى ، كقوله تعالى (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ). (يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) يعنى : أنهم لا يقبلونه ولا يرعونه أسماعهم ، فمثلهم في ذلك مثل من يصيح به من مسافة شاطة لا يسمع من مثلها الصوت فلا يسمع النداء.
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)(٤٥)
(فَاخْتُلِفَ فِيهِ) فقال بعضهم : هو حق ، وقال بعضهم : هو باطل. والكلمة السابقة : هي العدة بالقيامة ، وأنّ الخصومات تفصل في ذلك اليوم ، ولو لا ذلك لقضى بينهم في الدنيا. قال الله تعالى (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ) ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى.
(مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ)(٤٦)
(فَلِنَفْسِهِ) فنفسه نفع (فَعَلَيْها) فنفسه ضرّ (وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ) فيعذب غير المسيء.
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ
__________________
(١) أجاز الزمخشري في الواو في هذه الآية وجهين ، أحدهما : أن تكون الواو لعطف الذين على الذين ، ووقر على هدى وشفاء ، ويكون من العطف على عاملين. قال : وإما أن يكون (الَّذِينَ) مرفوعا على تقدير : والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر ، على حذف المبتدإ. أو في آذانهم منه وقر اه قال أحمد : أى وبتقدير الرابط يستغنى عن تقدير المبتدإ.
.
أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ)(٤٨)
(إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ) أى إذا سئل عنها قيل : الله يعلم. أو لا يعلمها إلا الله. وقرئ : من ثمرات من أكمامهن (١). والكم ـ بكسر الكاف وعاء الثمرة ، كجف الطلعة ، أى : وما يحدث شيء من خروج ثمرة ولا حمل حامل ولا وضع واضع إلا وهو عالم به ، يعلم عدد أيام الحمل وساعاته وأحواله : من الخداج (٢) والتمام ، والذكورة والأنوثة ، والحسن والقبح وغير ذلك (أَيْنَ شُرَكائِي) أضافهم إليه تعالى على زعمهم ، وبيانه في قوله تعالى (أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) وفيه تهكم وتقريع (آذَنَّاكَ) أعلمناك (ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ) أى ما منا أحد اليوم ـ وقد أبصرنا وسمعنا ـ يشهد بأنهم شركاؤك ، أى : ما منا إلا من هو موحد لك : أو ما منا من أحد يشاهدهم ، لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم ، لا يبصرونها في ساعة التوبيخ وقيل : هو كلام الشركاء ، أى : ما منا من شهيد يشهد بما أضافوا إلينا من الشركة. ومعنى ضلالهم عنهم على هذا التفسير : أنهم لا ينفعونهم ، فكأنهم ضلوا عنهم (وَظَنُّوا) وأيقنوا. والمحيص : المهرب. فإن قلت : (آذَنَّاكَ) إخبار بإيذان كان منهم ، فإذ قد آذنوا فلم سئلوا؟ قلت : يجوز أن يعاد عليهم (أَيْنَ شُرَكائِي)؟ إعادة للتوبيخ ، وإعادته في القرآن على سبيل الحكاية : دليل على إعادة المحكي. ويجوز أن يكون المعنى : أنك علمت من قلوبنا وعقائدنا الآن أنا لا نشهد تلك الشهادة الباطلة ، لأنه إذا علمه من نفوسهم فكأنهم أعلموه. ويجوز أن يكون إنشاء للإيذان ولا يكون إخبارا بإيذان قد كان ، كما تقول : أعلم الملك أنه كان من الأمر كيت وكيت.
(لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ)(٥٠)
__________________
(١) قوله «وقرئ من ثمرات من أكمامهن» يفيد أن القراءة المشهورة : من ثمرة من أكمامها. والذي في النسفي : من ثمرات من أكمامها. ومن ثمرة من أكمامها. وأما : من ثمرات من أكمامهن. فهي المزيدة هنا ، فحرر. (ع)
(٢) قوله «من الخداج» أى النقصان ، كما في الصحاح. (ع)
(مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ) من طلب السعة في المال والنعمة. وقرأ ابن مسعود : من دعاء بالخير (وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ) أى الضيقة والفقر (فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ) بولغ فيه من طريقين : من طريق بناء فعول ، ومن طريق التكرير والقنوط أن يظهر عليه أثر اليأس فيتضاءل وينكسر ، أى : يقطع الرجاء من فضل الله وروحه ، وهذه صفة الكافر بدليل قوله تعالى (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) وإذا فرجنا عنه بصحة بعد مرض أو سعة بعد ضيق قال (هذا لِي) أى هذا حقي وصل إلىّ ، لأنى استوجبته بما عندي من خير وفضل وأعمال برّ. أو هذا لي لا يزول عنى ، ونحوه قوله تعالى (فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ) ونحوه قوله تعالى (وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً)(إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) يريد : وما أظنها تكون ، فإن كانت على طريق التوهم (إِنَّ لِي) عند الله الحالة الحسنى من للكرامة والنعمة ، قائسا أمر الاخرة على أمر الدنيا. وعن بعضهم : للكافر أمنيتان ، يقول في الدنيا : ولئن رجعت إلى ربى إنّ لي عنده للحسنى. ويقول في الآخرة : يا ليتني كنت ترابا. وقيل : نزلت في الوليد بن المغيرة. فلنخبرنهم بحقيقة ما عملوا من الأعمال الموجبة للعذاب. ولنبصرنهم عكس ما اعتقدوا فيها أنهم يستوجبون عليها كرامة وقربة عند الله (وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً) وذلك أنهم كانوا ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلبا للافتخار والاستكبار لا غير ، وكانوا يحسبون أنّ ما هم عليه سبب الغنى والصحة ، وأنهم محقوقون بذلك.
(وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ)(٥١)
هذا أيضا ضرب آخر من طغيان الإنسان إذا أصابه الله بنعمة أبطرته النعمة ، وكأنه لم يلق بؤسا قط فنسي المنعم وأعرض عن شكره (وَنَأى بِجانِبِهِ) أى ذهب بنفسه وتكبر وتعظم. وإن مسه الضرّ والفقر : أقبل على دوام الدعاء وأخذ في الابتهال والتضرع. وقد استعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه وهو من صفة الأجرام ، ويستعار له الطول أيضا كما استعير الغلظ بشدّة العذاب. وقرئ : ونأى بجانبه ، بإمالة الألف وكسر النون للإتباع. وناء على القلب ، كما قالوا : راء في رأى. فإن قلت : حقق لي معنى قوله تعالى (وَنَأى بِجانِبِهِ) قلت : فيه وجهان : أن يوضع جانبه موضع نفسه كما ذكرنا في قوله تعالى (عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ) أن مكان الشيء وجهته ينزل منزلة الشيء نفسه ، ومنه قوله :
|
......... ونفيت عنه |
|
مقام الذئب ...... (١) .. |
__________________
|
(١) وماء قد وردت لأجل أروى |
|
عليه الطير كالورق اللجين |
|
ذعرت به القطا ونفيت عنه |
|
مقام الذيب كالرجل اللعين |
يريد : ونفيت عنه الذئب. ومنه : ولمن خاف مقام ربه. ومنه قول الكتاب : حضرت فلان ومجلسه ، وكتبت إلى جهته وإلى جانبه العزيز ، يريدون نفسه وذاته ، فكأنه قال : ونأى بنفسه ، كقولهم في المتكبر : ذهب بنفسه ، وذهبت به الخيلاء كل مذهب ، وعصفت به الخيلاء ، وأن يراد بجانبه : عطفه ، ويكون عبارة عن الانحراف والازورار ، كما قالوا : ثنى عطفه ، وتولى بركنه.
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) (٥٢)
(أَرَأَيْتُمْ) أخبرونى (إِنْ كانَ) القرآن (مِنْ عِنْدِ اللهِ) يعنى أن ما أنتم عليه من إنكار القرآن وتكذيبه ليس بأمر صادر عن حجة قاطعة حصلتم منها على اليقين وثلج الصدور ، وإنما هو قبل النظر واتباع الدليل أمر محتمل ، يجوز أن يكون من عند الله وأن لا يكون من عنده ، وأنتم لم تنظروا ولم تفحصوا ، فما أنكرتم أن يكون حقا وقد كفرتم به ، فأخبرونى من أضلّ منكم وأنتم أبعدتم الشوط في مشاقته ومناصبته ولعله حق فأهلكتم أنفسكم؟ وقوله تعالى (مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) موضوع موضع منكم ، بيانا لحالهم وصفتهم.
(سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ)(٥٤)
(سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) يعنى ما يسر الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم وللخلفاء من بعده ونصار دينه في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب عموما وفي باحة العرب (١)
__________________
ـ للشماخ : وأروى ، اسم محبوبته. واللجين ـ بفتح اللام وكسر الجيم ـ : ما يتساقط من الورق من اللجن وهو الدق ، لأنه يضربه الهوى أو الراعي ، فيسقط من الشجر. وذعرت ـ بفتحتين» أى : أخفت فيه القطا ، وخصها لأنها أسبق الطير إلى الماء. ومقام الذيب : إقامته أو محلها ، وعبر به كناية عن ذاته ، وخصه لأن غالب وروده الماء ليلا. والرجل اللعين : هو الصورة التي تنصب وسط الزرع على شكل الرجل تطرد عنه الهوام ، يقول : ورب ماء قد وردته لأجل محبوبتى ، عسى أن تجيء عنده فأراها. ويروى : لوصل أروى ، فلعله كان موعدا بينهما. وشبه الطير حول الماء بورق الشجر المتساقط في الكدرة والكثرة والانتشار ، وهذا يدل على أنه لا يكثر وروده ، فيصلح موعدا للوصل. وذعرت ـ إلى آخره : كناية عن وروده ليلا ، وكالرجل اللعين : حال من ضمير الشاعر ، فيفيد أنه سبق القطا والذيب وقعد هناك ، أو حال من الذيب ، أى : على هيئة مفزعة. وفيه دليل على شجاعة الشاعر وجرأته
(١) قوله «وفي باحة العرب» أى ساحتهم. أفاده الصحاح. (ع)
خصوصا : من الفتوح التي لم يتيسر أمثالها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم ، ومن الإظهار على الجبابرة والأكاسرة ، وتغليب قليلهم على كثيرهم ، وتسليط ضعافهم على أقويائهم ، وإجرائه على أيديهم أمورا خارجة من المعهود خارقة للعادات ، ؛ ونشر دعوة الإسلام في أقطار المعمورة ، وبسط دولته في أقاصيها ، والاستقراء يطلعك في التواريخ والكتب المدوّنة في مشاهد أهله وأيامهم : على عجائب لا ترى وقعة من وقائعهم إلا علما من أعلام الله وآية من آياته ، يقوى معها اليقين ، ويزداد بها الإيمان ، ويتبين أن دين الإسلام هو دين الحق الذي لا يحيد عنه إلا مكابر حسه مغالط نفسه ، وما الثبات والاستقامة إلا صفة الحق والصدق ، كما أن الاضطراب والتزلزل صفة الفرية والزور ، وأن للباطل ريحا تخفق ثم تسكن ، ودولة تظهر ثم تضمحل (بِرَبِّكَ) في موضع الرفع على أنه فاعل كفى. و (أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) بدل منه ، تقديره. أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد. ومعناه : أن هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه ، فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب الذي هو على كل شيء شهيد ، أى : مطلع مهيمن يستوي عنده غيبه وشهادته ، فيكفيهم ذلك دليلا على أنه حق وأنه من عنده ، ولو لم يكن كذلك لما قوى هذه القوة ولما نصر حاملوه هذه النصرة. وقرئ : في مرية ، بالضم وهي الشك (مُحِيطٌ) عالم يجمل الأشياء وتفاصيلها وظواهرها وبواطنها ، فلا تخفى عليه خافية منهم ، وهو مجازيهم على كفرهم ومريتهم في لقاء ربهم. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة السجدة أعطاه الله بكل حرف عشر حسنات» (١).
__________________
(١) أخرجه الثعلبي وابن مردويه من حديث أبى.
سورة الشورى
مكية [إلا الآيات ٢٣ و ٢٤ و ٢٥ و ٢٧ فمدنية]
وآياتها ٥٣ [نزلت بعد سورة فصلت]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)(٤)
(تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)(٥)
قرأ ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهما : حم سق (كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ) أى مثل ذلك الوحى. أو مثل ذلك الوحى. أو مثل ذلك الكتاب يوحى إليك وإلى الرسل (مِنْ قَبْلِكَ اللهُ) يعنى أن ما تضمنته هذه السورة من المعاني قد أوحى الله إليك مثله في غيرها من السور ، وأوحاه من قبلك إلى رسله ، على معنى : أن الله تعالى كرر هذه المعاني في القرآن في جميع الكتب السماوية ، لما فيها من التنبيه البليغ واللطف العظيم لعباده من الأوّلين والآخرين ، ولم يقل : أوحى إليك ، ولكن على لفظ المضارع ، ليدل على أن إيحاء مثله عادته. وقرئ : يوحى إليك ، على البناء للمفعول. فإن قلت : فما رافع اسم الله على هذه القراءة؟ قلت : ما دلّ عليه يوحى ، كأن قائلا قال : من الموحى؟ فقيل : الله ، كقراءة السلمى : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم على البناء للمفعول ورفع شركائهم ، على معنى : زينه لهم شركاؤهم. فإن قلت : فما رافعه فيمن قرأ نوحى بالنون؟ قلت : يرتفع بالابتداء. والعزيز وما بعده : أخبار ، أو العزيز الحكيم : صفتان ، والظرف خبر. قرئ : تكاد ، بالتاء والياء. وينفطرن ، ويتفطرن. وروى يونس عن أبى عمرو قراءة غريبة : تتفطرن بتاءين مع النون ، ونظيرها حرف نادر ، روى في نوادر ابن الأعرابى : الإبل تشممن. ومعناه : يكدن ينفطرن من علو شأن الله وعظمته ، يدل عليه مجيئه بعد العلى العظيم. وقيل : من دعائهم له ولدا ، كقوله تعالى (تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْه).
فإن قلت : لم قال (مِنْ فَوْقِهِنَ)؟ قلت : لأن أعظم الآيات وأدلها على الجلال والعظمة : فوق السماوات ، وهي : العرش ، والكرسي ، وصفوف الملائكة المرتجة بالتسبيح والتقديس حول العرش ، وما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى من آثار ملكوته العظمى ، فلذلك قال (يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَ) أى يبتدئ الانفطار من جهتهنّ الفوقانية. أو : لأن كلمة الكفر جاءت من الذين تحت السماوات ، فكان القياس أن يقال : ينفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها الكلمة ، ولكنه بولغ في ذلك ، فجعلت مؤثرة في جهة الفوق ، كأنه قيل : يكدن ينفطرن من الجهة التي فوقهن دع الجهة التي تحتهنّ ، ونظيره في المبالغة قوله عزّ وعلا (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ ، يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ) فجعل الحميم مؤثرا في أجزائهم الباطنة. وقيل : من فوقهنّ : من فوق الأرضين. فإن قلت : كيف صح أن يستغفروا لمن في الأرض وفيهم الكفار أعداء الله؟ وقد قال الله تعالى (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ) فكيف يكونون لاعنين مستغفرين لهم؟ قلت : قوله (لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) يدل على جنس أهل الأرض ، وهذه الجنسية قائمة في كلهم وفي بعضهم ، فيجوز أن يراد به هذا وهذا. وقد دل الدليل على أن الملائكة لا يستغفرون إلا لأولياء الله وهم المؤمنون ، فما أراد الله إلا إياهم. ألا ترى إلى قوله تعالى في سورة المؤمن (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) وحكايته عنهم (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ) كيف وصفوا المستغفر لهم بما يستوجب به الاستغفار فما تركوا للذين لم يتوبوا من المصدقين طمعا في استغفارهم ، فكيف للكفرة. ويحتمل أن يقصدوا بالاستغفار : طلب الحلم والغفران في قوله تعالى (إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا) إلى أن قال (إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً) وقوله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ) والمراد : الحلم عنهم وأن لا يعاجلهم بالانتقام فيكون عاما. فإن قلت : قد فسرت قوله تعالى (تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ) بتفسيرين ، فما وجه طباق ما بعده لهما؟ قلت : أما على أحدهما فكأنه قيل : تكاد السماوات ينفط في هيبة من جلاله واحتشاما من كبريائه ، والملائكة الذين هم ملء السبع الطباق وحافون حول العرش صفوفا بعد صفوف يداومون ـ خضوعا لعظمته ـ على عبادته وتسبيحه وتحميده ، ويستغفرون لمن في الأرض خوفا عليهم من سطواته. وأما على الثاني فكأنه قيل : يكدن ينفطرن من إقدام أهل الشرك على تلك الكلمة الشنعاء ، والملائكة يوحدون الله وينزهونه عما لا يجوز عليه من الصفات التي يضيفها إليه الجاهلون به ، حامدين له على ما أولاهم من ألطافه التي علم أنهم عندها يستعصمون ، مختارين غير ملجئين ، ويستغفرون لمؤمنى أهل الأرض الذين تبرؤا من تلك الكلمة ومن أهلها. أو يطلبون إلى ربهم أن يحلم عن أهل الأرض ولا يعاجلهم بالعقاب مع وجود ذلك فيهم ، لما عرفوا في ذلك من المصالح ، وحرصا على نجاة الخلق ، وطمعا في توبة الكفار والفساق منهم.
(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ)(٦)
(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) جعلوا له شركاء وأندادا (اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ) رقيب على أحوالهم وأعمالهم لا يفوته منها شيء ، وهو محاسبهم عليها ومعاقبهم ، لا رقيب عليهم إلا هو وحده (وَما أَنْتَ) يا محمد بموكل بهم ولا مفوض إليك أمرهم ولا قسرهم على الإيمان ، إنما أنت منذر فحسب.
(وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)(٧)
ومثل ذلك (أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) وذلك إشارة إلى معنى الآية قبلها : من أنّ الله تعالى هو الرقيب عليهم ، وما أنت برقيب عليهم ، ولكن نذير لهم ، لأنّ هذا المعنى كرره الله في كتابه في مواضع جمة ، والكاف مفعول به لأوحينا. و (قُرْآناً عَرَبِيًّا) حال من المفعول به ، أى أوحيناه إليك وهو قرآن عربى بين ، لا لبس فيه عليك ، لتفهم ما يقال لك ، ولا تتجاوز حدّ الإنذار. ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى مصدر أوحينا ، أى : ومثل ذلك الإيحاء البين المفهم أوحينا إليك قرآنا عربيا بلسانك (لِتُنْذِرَ) يقال أنذرته كذا وأنذرته بكذا. وقد عدى الأوّل ، أعنى : لتنذر أمّ القرى إلى المفعول الأوّل والثاني ، وهو قوله وتنذر يوم الجمع إلى المفعول الثاني (أُمَّ الْقُرى) أهل أمّ القرى ، كقوله تعالى (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ). (وَمَنْ حَوْلَها) من العرب. وقرئ : لينذر بالياء والفعل للقرآن (يَوْمَ الْجَمْعِ) يوم القيامة ، لأنّ الخلائق تجمع فيه. قال الله تعالى (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) وقيل : يجمع بين الأرواح والأجساد. وقيل : يجمع بين كل عامل وعمله. و (لا رَيْبَ فِيهِ) اعتراض لا محل له (١). قرئ : فريق وفريق ، بالرفع والنصب ، فالرفع على : منهم فريق ، ومنهم فريق. والضمير للمجموعين ، لأن المعنى : يوم جمع الخلائق. والنصب على الحال منهم ، أى : متفرّقين ، كقوله تعالى (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ). فإن قلت : كيف يكونون مجموعين متفرّقين في حالة واحدة؟ قلت : هم مجموعون في ذلك اليوم ، مع افتراقهم في دارى البؤس والنعيم ، كما يجتمع الناس يوم الجمعة متفرّقين في مسجدين. وإن أريد بالجمع : جمعهم في الموقف ، فالتفرّق على معنى مشارفتهم للتفرّق.
(وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)(٨)
__________________
(١) قوله «لا محل له» لعله. لا محل له من الاعراب. (ع)
(لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً) أى مؤمنين كلهم على القسر والإكراه ، كقوله تعالى (وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها) وقوله تعالى (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً) والدليل على أنّ المعنى هو الإلجاء إلى الإيمان : قوله (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وقوله تعالى (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ) بإدخال همزة الإنكار على المكره دون فعله. دليل على أنّ الله وحده هو القادر على هذا الإكراه دون غيره. والمعنى : ولو شاء ربك مشيئة قدرة لقسرهم جميعا على الإيمان (١) ، ولكنه شاء مشيئة حكمة ، فكلفهم وبنى أمرهم على ما يختارون ، ليدخل المؤمنين في رحمته وهم المرادون بمن يشاء. ألا ترى إلى وضعهم في مقابلة الظالمين ويترك الظالمين بغير ولى ولا نصير في عذابه.
(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(٩)
معنى الهمزة في (أَمِ) الإنكار (فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُ) هو الذي يجب أن يتولى وحده ويعتقد أنه المولى والسيد ، فالفاء في قوله (فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُ) جواب شرط مقدّر ، كأنه قيل بعد إنكار كل ولى سواه : إن أرادوا وليا بحق ، فالله هو الولي بالحق ، لا ولىّ سواه (وَهُوَ يُحْيِ) أى : ومن شأن هذا الولي أنه يحيى (الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو الحقيق بأن يتخذ وليا دون من لا يقدر على شيء.
(وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)(١٠)
(وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ) حكاية قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين. أى : ما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب والمشركين ، فاختلفتم أنتم وهم فيه من أمر من أمور الدين ، فحكم ذلك المختلف فيه مفوّض إلى الله تعالى ، وهو إثابة المحقين فيه من المؤمنين ومعاقبة المبطلين (ذلِكُمُ) الحاكم بينكم هو (اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) في ردّ كيد أعداء الدين (وَإِلَيْهِ)
__________________
(١) قوله «لقسرهم جميعا على الإيمان» هذا عند المعتزلة : أما عند أهل السنة ، فالارادة تستلزم وجود المراد ، لكن لا تستلزم القسر والجبر للعباد ، لأنها لا تنافى الاختيار ، لما لهم في أعمالهم من الكسب. وإن كانت مخلوقة له تعالى. وأما التي لا تستلزم المراد وهي التي سماها مشيئة الحكمة ، فهي التي بمعنى الأمر عند المعتزلة ، ولا يثبتها أهل السنة ، كما تقرر في التوحيد ، فمعنى الآية : ولو شاء ربك إيمان الكل لآمن الكل ، ولكن شاء إيمان البعض ، فآمن من شاء إيمانه. (ع)
أرجع في كفاية شرهم. وقيل : وما اختلفتم فيه وتنازعتم من شيء من الخصومات فتحاكموا فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تؤثروا على حكومته حكومته غيره ، كقوله تعالى (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ) وقيل : وما اختلفتم فيه من تأويل آية واشتبه عليكم ، فارجعوا في بيانه إلى المحكم من كتاب الله والظاهر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل : وما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بتكليفكم ولا طريق لكم إلى علمه ، فقولوا : الله أعلم ، كمعرفة الروح. قال الله تعالى (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) : فإن قلت : هل يجوز حمله على اختلاف المجتهدين في أحكام الشريعة؟ قلت : لا ، لأنّ الاجتهاد لا يجوز بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(١١)
(فاطِرُ السَّماواتِ) قرئ بالرفع والجر ، فالرفع على أنه أحد أخبار ذلكم. أو خبر مبتدإ محذوف ، والجرّ على : فحكمه إلى الله فاطر السماوات ، و (ذلِكُمُ) إلى (أُنِيبُ) اعتراض بين الصفة والموصوف (جَعَلَ لَكُمْ) خلق لكم (مِنْ أَنْفُسِكُمْ) من جنسكم من الناس (أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً) أى : خلق من الأنعام أزواجا. ومعناه : وخلق للأنعام أيضا من أنفسها أزواجا (يَذْرَؤُكُمْ) يكثركم ، يقال : ذرأ الله الخلق : بثهم وكثرهم. والذر ، والذرو ، والذرء : أخوات (فِيهِ) في هذا التدبير ، وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجا ، حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل. والضمير في (يَذْرَؤُكُمْ) يرجع إلى المخاطبين والأنعام ، مغلبا فيه المخاطبون العقلاء على الغيب مما لا يعقل ، وهي من الأحكام ذات العلتين (١). فإن قلت : ما معنى يذرؤكم في هذا التدبير؟ وهلا قيل : يذرؤكم به؟ قلت : جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير ، ألا تراك تقول. للحيوان في خلق الأزواج تكثير ، كما قال تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) قالوا : مثلك لا يبخل ، فنفوا البخل عن مثله ، وهم يريدون نفيه عن ذاته ، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية ، لأنهم إذا نفوه عمن يسدّ مسدّه وعمن هو على أخص أوصافه ، فقد نفوه عنه. ونظيره قولك للعربي : العرب لا تخفر الذمم : كان أبلغ (٢) من قولك :
__________________
(١) قال محمود : «إن الضمير المتصل بيذرؤ عائد على الأنفس وعلى الأنعام مغلبا فيه المخاطبون العقلاء على الغيب مما لا يعقل ، وهي من الأحكام ذات العلتين» قال أحمد : الصحيح أنهما حكمان متباينان غير متداخلين ، أحدهما : مجيئه على نعت ضمير العقلاء أعم من كونه مخاطبا أو غائبا. والثاني : مجيئه بعد ذلك على نعت الخطاب ، فالأول لتغليب العقل. والثاني لتغليب الخطاب.
(٢) قوله «لا تخفر الذمم كان أبلغ» في الصحاح : أخفرته ، إذا نقضت عهده وغدرت به. وفيه : «أيقع ـ
أنت لا تخفر. ومنه قولهم : قد أيفعت لداته وبلغت أترابه ، يريدون : إيفاعه وبلوغه. وفي حديث رقيقة بنت صيفي في سقيا عبد المطلب : «ألا وفيهم الطيب الطاهر (١) لداته» والقصد إلى طهارته وطيبه ، فإذا علم أنه من باب الكناية لم يقع فرق بين قوله : ليس كالله شيء ، وبين قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها ، وكأنهما عبارتان معتقبتان على معنى واحد : وهو نفى المماثلة عن ذاته ، ونحوه قوله عز وجل (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) فإنّ معناه : بل هو جواد من غير تصوّر يد ولا بسط لها : لأنها وقعت عبارة عن الجود لا يقصدون شيئا آخر ، حتى أنهم استعملوا فيمن لا يد له ، فكذلك استعمل هذا فيمن له مثل ومن لا مثل (٢) له ، ولك أن تزعم أنّ كلمة التشبيه كرّرت للتأكيد ، كما كرّرها من قال :
وصاليات ككما يؤثفين (٣)
__________________
ـ الغلام» أى : ارتفع : وهو يافع ، ولا تقول : موقع. وقوله «كان أبلغ» لعل تقديره : فان قلت له ذلك كان أبلغ. (ع)
(١) قال محمود : «تقول العرب : مثلك لا يبخل ، فينفون البخل عن مثله ، والمراد نفسه. ونظيره قولك للعربي : العرب لا تخفر الذمم. ومنه قولهم : قد أيفعت لداته وبلغت أترابه. وفي حديث رقيقة بنت صيفي في سقيا عبد المطلب : ألا وفيهم الطيب الطاهر لداته ، تريد طهارته وطيبه ، فإذا علم أنه من باب الكناية : لم يكن فرق بين قولك ليس كالله شيء وبين قوله ليس كمثله شيء ، إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها. ونحوه قوله تعالى (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) فان معناه بل هو جواد من غير تصور يد ولا بسط ، لأنها وقعت عبارة عن الجود لا يقصدون بها شيئا آخر ، حتى أنهم يستعملونها فيمن لا يد له ، فكذلك استعمل هذا فيمن له مثل ، وفيمن لا مثل له ، ثم قال: ولك أن تزعم أن كلمة التشبيه كررت للتأكيد كما كررت في قوله من قال : وصاليات ككما يؤثفين ومن قال : فأصبحت مثل كعصف مأكول انتهى كلامه. قال أحمد : هذا الوجه الثاني مردود على ما فيه من الإخلال بالمعنى ، وذلك أن الذي يليق هنا تأكيد نفى المماثلة ، والكاف على هذا الوجه إنما تؤكد المماثلة وفرق بين تأكيد المماثلة المنفية ، وبين تأكيد نفى المماثلة ، فان نفى المماثلة المهملة عن التأكيد أبلغ وآكد في المعنى من نفى المماثلة المقترنة بالتأكيد ، إذ يلزم من نفى المماثلة الغير المؤكدة نفى كل مماثلة. ولا يلزم من نفى مماثلة محققة متأكدة بالغة نفى مماثلة دونها في التحقيق والتأكيد. وحيث وردت الكاف مؤكدة للمماثلة وردت في الإثبات فأكدته ، فليس النظر في الآية بهذين النظرين مستقيما والله أعلم. ومما يرشد إلى صحة ما ذكرته أن للقائل أن يقول : ليس زيد شبيها بعمرو ، لكن مشبها له ، ولو عكس هذا لم يكن صحيحا ، وما ذاك إلا أنه يلزم من نفى أدنى المشابهة نفى أعلاها ، ولا يلزم من نفى أعلاها نفى أدناها ، فمتى أكد التشبيه قصر عن المبالغة. والوجه الأول الذي ذكره هو الوجه في الآية عنده ، وأتى بمطية الضعف في هذا الوجه الثاني بقوله : ولك أن تزعم ، فافهم.
(٢) رواه ابن عبد الرحمن بن موهب حليف بنى زهرة عن أبيه : حدثني مخرمة بن نوفل بحديث سقيا عبد المطلب لكن ليس فيه الطيب الطاهر لداته ورواه الطبراني وأبو نعيم في الدلائل من حديث عروة بن مصرف عن مخرمة ابن نوفل عن أمه رقيقة بنت أبى صيفي بن هاشم ، وكانت لدة عبد المطلب. قالت «تتابعت على قريش سنون ـ الحديث بطوله» ورويناه في جزء أبى السكين. «تنبيه» وقع رقيقة بنت صيفي والصواب بنت أبى صيفي.
(٣)
|
لم يبق من آي بها يحلين |
|
غير رماد وعظام كثفين |
|
وغير ود جازل أو ودين |
|
وصاليات ككما يؤثفين |
ومن قال :
فأصبحت مثل كعصف مأكول (١)
__________________
لخطام المجاشعي. والآي : واحده آية ، أى : علامة. ويحلين : مضارع مبنى للمجهول ، من حليته تحلية : إذا وصفت حليته وصفته. يقول : لم يبق من آثار هذه الديار علامات فيها تذكر صفتها غير رماد وعظام متكاثفين متراكمين. والكشف ـ بالتحريك ـ : كسبب : المجتمع ، فلعله سكنه للوزن. وروى : غير رماد وخطام كثفين. والخطام : الزمام. ويروى بالمهملة ، وهو ما تحطم وتكسر من الحطب اليابس. والكثف ـ كحمل ـ : وعاء الرعي فكثفين على حذف العاطف. وقيل بدل مما قبله. والأوجه روايته وخطام كثفين بالاضافة ، لأجل موافقة القوافي أى : ورباط وعاءين ، وكرر أداة الاستثناء للتوكيد. والود : أصله وتد ، فقلبت التاء دالا وأدغمت في الأخرى عند تميم شذوذا. والجادل : المنتصب والغليظ ، أى : لم يق غير وتد منتصب بها أو وتدين لا غير ، حيث لم يشك إلا في ذلك. والصاليات صفة للاثافى. وقيل : صفة للنساء الموقدات للنار : وقيل : صفة للخيل الصاليات للحرب كالأثافى الصاليات للنار ، لكنهما لا يناسبان وصف الدار بالخلو. والأثفية : حجر الكانون ، وزنها : أفعولة في الأصل ، وجمعها أثافى. وأثفيت للقدر : وضعت الأثافى لها. وثفيتها تثفية : وضعتها على الأثافى. وقوله : يؤثفين مضارع مبنى للمجهول ، جاء على الأصل مهموزا ، كيؤكر من بالهمزة ، وهذا يدل على أن الصاليات صفة للأحجار الملازمات للنار المحترقات بها ، فلعله شبه النساء بالأثافى لدمامتهن وسوادهن ، بكثرة الدخان وملازمتهن النار. وعليه فالمعنى : ونساء صاليات كالأحجار تثفى وتوضع للقدر ، فما موصولة واقعة على الأحجار لا مصدرية ولا كافة ، وكرر كاف التشبيه للتوكيد ، لكن الثانية اسم بمعنى مثل ، لأن حرف الجر لا يدخل على مثله. ويمكن أنه كرر الحرف من غير إعادة المجرور شذوذا. ويروى بعد قوله وصاليات ... الخ
|
لا يشتكين عملا ما أنقين |
|
ما دام مخ في سلامى أو عين |
وهو يناسب القول بأنها صفة للنساء أو الخيل على التشبيه السابق. والانقاء : كثرة النقي بالكسر وهو المخ. يقال:أنقت الإبل إذا سمنت وكثر مخها ، أى : لا يشتكين عملا مدة إنقائهن وسمنهن ، وفسر ذلك بقوله : ما دام مخ ... الخ والسلاميات : عظام الأصابع وهي والعين آخر ما يبقى فيه المخ. ويروى أيضا هكذا :
|
أهل عرفت الدار بالغريين |
|
وصاليات ككما يؤثفين |
والغريان : بناء ان طويلان ، يقال : هما قبرا مالك وعقيل : نديمى جذيمة الأبرش ، سميا بذلك لأن النعمان كان يغريهما يمن يريد قتله إذا خرج يوم بؤسه. والأشبه أن ذلك من تخليط الراوي ، وأن الصاليات : الأحجار. وقوله «لا يشتكين ... الخ» ليس من هذا الرجز ، فلا ينبغي روايته معه ، وهو الذي من صفة الخيل ، أو أصل النساء لا الصاليات. ويجوز أن الرجز هكذا :
|
أهل عرفت الدار بالغريين |
|
لم يبق من آي بها يحلين |
وأن قوله «لا يشتكين ... الخ» من موضع آخر من ذلك الرجز في صفة الخيل ، كما رواه صاحب الكافي شاهدا على الأكفاء في القافية هكذا :
|
بنات وطاء على خد الليل |
|
لا يشتكين عملا ما أنقين |
لاختلاف حرفى الروى. والوطاء ـ بالضم والتشديد ـ : من الوطء على الأرض. وخد الليل : طريقه الذي لا يسلك إلا فيه. وقال بعضهم : إن هذا في صفة الخيل ، وأنه من مشطور المنسرح الموقوف. وعلى أنه في صفة أجل ، أى : فلك المطايا بنات نوق أو فحول ، وطاء : جمع واطئ أو واطئة ، على خد الليل : كناية عن قوتهن في السير ، حتى كأنهن يغلبن الليل ، فيصر عنه ويطأن على خده ، فهن لا يبالين به.
|
(١) بالأمس كانت في رخاء مأمول |
|
فأصبحت مثل كعصف مأكول |
يروى لرؤية بدله :
(لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(١٢)
وقرئ : ويقدّره. (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فإذا علم أنّ الغنى خير للعبد أغناه ، وإلا أفقره.
(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ)(١٣)
(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ) دين نوح ومحمد ومن بينهما من الأنبياء ، ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأعلام من رسله فيه بقوله (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) والمراد : إقامة دين الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته ، والإيمان برسله وكتبه ، وبيوم الجزاء ، وسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلما ، ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها ، فإنها مختلفة متفاوتة. قال الله تعالى (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً) ومحل (أَنْ أَقِيمُوا) إما نصب بدل من مفعول شرع والمعطوفين عليه ، وإما رفع على الاستئناف ، كأنه قيل : وما ذلك المشروع؟ فقيل : هو إقامة الدين. ونحوه قوله تعالى (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً). (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ) عظم عليهم وشق عليهم (ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) من إقامة دين الله والتوحيد (يَجْتَبِي إِلَيْهِ) يجتلب إليه ويجمع. والضمير للدين بالتوفيق والتسديد (مَنْ يَشاءُ) من ينفع فيهم توفيقه ويجرى عليهم لطفا.
(وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)(١٤)
__________________
|
ولعبت طير بهم أبابيل |
|
فصيروا مثل كعصف مأكول |
يقول : بالأمس ، أى : في الزمن الماضي القريب ، كانت تلك الديار مثلا في رخاء ، أى : خصب وسعة من الثروة والغنى ، مأمول ذلك ، أى : متمنى للناس ، وكرر كلمة التشبيه للتوكيد ، والعصف : ما على الحب وعلى ساق الزرع من التين والورق اليابس ، مأكول : أى أصابه الأكال ، وهو الدود. وأكلته الدواب ثم راثته. وأبابيل ، بمعنى جماعات متفرقة ، صفة طير ، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه. وقيل : واحده أبول كعجول. وقيل : إبال كمفتاح. وقيل إبيل كمسكين. وقول رؤية «صيروا» بالتشديد والبناء للمجهول ، ولعل هذا رجز غيره ذاك.
(وَما تَفَرَّقُوا) يعنى أهل الكتاب بعد أنبيائهم (إِلَّا مِنْ بَعْدِ) أن علموا أنّ الفرقة ضلال وفساد ، وأمر متوعد عليه على ألسنة الأنبياء (وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) وهي عدة التأخير إلى يوم القيامة (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) حين افترقوا لعظم ما اقترفوا (وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ) وهم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (لَفِي شَكٍ) من كتابهم لا يؤمنون به حق الإيمان. وقيل : كان الناس أمّة واحدة مؤمنين بعد أن أهلك الله أهل الأرض أجمعين بالطوفان ، فلما مات الاباء اختلف الأبناء فيما بينهم ، وذلك حين بعث الله إليهم النبيين مبشرين ومنذرين وجاءهم العلم. وإنما اختلفوا للبغي بينهم. وقيل : وما تفرّق أهل الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كقوله تعالى (وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) وإنّ الذين أورثوا الكتاب من من بعدهم هم المشركون : أورثوا القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب التوراة والإنجيل. وقرئ : ورّثوا ، وورثوا.
(فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)(١٥)
(فَلِذلِكَ) فلأجل التفرق ولما حدث بسببه من تشعب الكفر شعبا (فَادْعُ) إلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية القديمة (وَاسْتَقِمْ) عليها وعلى الدعوة إليها كما أمرك الله (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ) المختلفة الباطلة بما أنزل الله من كتاب ، أىّ كتاب صحّ أنّ الله أنزله ، يعنى الإيمان بجميع الكتب المنزلة ، لأنّ المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض ، كقوله تعالى (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) إلى قوله (أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا)(لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إلىّ (لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ) أى لا خصومة ؛ لأنّ الحق قد ظهر وصرتم محجوجين به فلا حاجة إلى المحاجة. ومعناه : لا إيراد حجة بيننا ، لأنّ المتحاجين : يورد هذا حجته وهذا حجته (اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا) يوم القيامة فيفصل بيننا وينتقم لنا منكم ، وهذه محاجزة ومتاركة بعد ظهور الحق وقيام الحجة والإلزام. فإن قلت : كيف حوجزوا وقد فعل بهم بعد ذلك ما فعل من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء؟ قلت : المراد محاجزتهم في مواقف المقاولة لا المقاتلة.
(وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ)(١٦)
(يُحَاجُّونَ فِي اللهِ) يخاصمون في دينه (مِنْ بَعْدِ) ما استجاب له الناس ودخلوا في الإسلام ، ليردّوهم إلى دين الجاهلية ، كقوله تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً) كان اليهود والنصارى يقولون للمؤمنين : كتابنا قبل كتابكم ، ونبينا قبل نبيكم ، ونحن خير منكم (١) وأولى بالحق. وقيل : من بعد ما استجاب الله لرسوله ونصره يوم بدر وأظهر دين الإسلام (داحِضَةٌ) باطلة زالة.
(اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ)(١٨)
(أَنْزَلَ الْكِتابَ) أى جنس الكتاب (وَالْمِيزانَ) والعدل والتسوية. ومعنى إنزال العدل ، أنه أنزله في كتبه المنزلة. وقيل : الذي يوزن به. بالحق : ملتبسا بالحق ، مقترنا به ، بعيدا من الباطل أو بالغرض الصحيح كما اقتضته الحكمة. أو بالواجب من التحليل والتحريم وغير ذلك (السَّاعَةَ) في تأويل البعث ، فلذلك قيل (قَرِيبٌ) أو لعل مجيء الساعة قريب. فإن قلت : كيف يوفق ذكر اقتراب الساعة مع إنزال الكتاب والميزان؟ قلت : لأنّ الساعة يوم الحساب ووضع الموازين للقسط ، فكأنه قيل : أمركم الله بالعدل والتسوية والعمل بالشرائع قبل أن يفاجئكم اليوم الذي يحاسبكم فيه ويزن أعمالكم ، ويوفى لمن أوفى ويطفف لمن طفف. المماراة : الملاجة (٢) لأنّ كل واحد منهما يمرى ما عند صاحبه (لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) من الحق : لأنّ قيام الساعة غير مستبعد من قدرة الله ، ولدلالة الكتاب المعجز على أنها آتية لا ريب فيها ، ولشهادة العقول على أنه لا بدّ من دار الجزاء.
(اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ)(١٩)
(لَطِيفٌ بِعِبادِهِ) برّ بليغ البرّ بهم ، قد توصل برّه إلى جميعهم ، وتوصل من كل واحد منهم إلى حيث لا يبلغه ، وهم أحد من كلياته وجزئياته. فإن قلت : فما معنى قوله (يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ)
__________________
(١) قوله «ونحن خير منكم» لعله : «فنحن» كعبارة النسفي. (ع)
(٢) قوله «الملاجة» بالجيم : التمادي في الخصومة ، ويمرى : أى يستخرج ، كذا في الصحاح. (ع)
بعد توصل برّه إلى جميعهم؟ قلت : كلهم مبرورون لا يخلو أحد من برّه ، إلا أنّ البرّ أصناف ، وله أوصاف. والقسمة بين العباد تتفاوت على حسب تفاوت قضايا الحكمة والتدبير ، فيطير لبعض العباد صنف من البر لم يطر مثله لآخر ، ويصيب هذا حظ له وصف ليس ذلك الوصف لحظ صاحبه ، فمن قسم له منهم ما لا يقسم للآخر فقد رزقه ، وهو الذي أراد بقوله تعالى (يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ) كما يرزق أحد الأخوين ولدا دون الآخر ، على أنه أصابه بنعمة أخرى لم يرزقها صاحب الولد (وَهُوَ الْقَوِيُ) الباهر القدرة ، الغالب على كل شيء (الْعَزِيزُ) المنيع الذي لا يغلب.
(مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) (٢٠)
سمى ما يعمله العامل مما يبغى به الفائدة والزكاء حرثا على المجاز. وفرق بين عملى العاملين : بأن من عمل للآخرة وفق في عمله وضوعفت حسناته ، ومن كان عمله للدنيا أعطى شيئا منها لا ما بريده ويبتغيه. وهو رزقه الذي قسم له وفرغ منه وماله نصيب قط في الآخرة ، ولم يذكر في معنى عامل الآخرة وله في الدنيا نصيب ، على أن رزقه المقسوم له واصل إليه لا محالة ، للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده من زكاء عمله وفوزه في المآب.
(أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)(٢١)
معنى الهمزة في (أَمْ) التقرير والتقريع. وشركاؤهم : شياطينهم الذين زينوا لهم الشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا ، لأنهم لا يعلمون غيرها وهو الدين الذي شرعت لهم الشياطين ، وتعالى الله عن الإذن فيه والأمر به وقيل شركاؤهم : أوثانهم. وإنما أضيفت إليهم لأنهم متخذوها شركاء لله ، فتارة تضاف إليهم لهذه الملابسة. وتارة إلى الله ، ولما كانت سببا لضلالتهم وافتتانهم : جعلت شارعة لدين الكفر ، كما قال إبراهيم صلوات الله عليه (إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ). (وَلَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ) أى القضاء السابق بتأجيل الجزاء. أى : ولو لا العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) أى بين الكافرين والمؤمنين. أو بين المشركين وشركائهم. وقرأ مسلم بن جندب : وأنّ الظالمين ، بالفتح عطفا له على كلمة الفصل ، يعنى : ولو لا كلمة الفصل وتقدير تعذيب الظالمين في الآخرة ، لقضى بينهم في الدنيا.
(تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)(٢٣)
(تَرَى الظَّالِمِينَ) في الآخرة (مُشْفِقِينَ) خائفين خوفا شديدا أرق قلوبهم (مِمَّا كَسَبُوا) من السيئات (وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ) يريد : ووباله واقع بهم وواصل إليهم لا بدّ لهم منه ، أشفقوا أو لم يشفقوا. كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها وأنزهها (عِنْدَ رَبِّهِمْ) منصوب بالظرف لا بيشاءون قرئ : يبشر ، من بشره. ويبشر من أبشره. ويبشر ، من بشره. والأصل : ذلك الثواب الذي يبشر الله به عباده ، فحذف الجار ، كقوله تعالى (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) ثم حذف الراجع إلى الموصول ، كقوله تعالى (أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً) أو ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده. روى أنه اجتمع المشركون في مجمع لهم فقال بعضهم لبعض : أترون محمدا يسأل على ما يتعاطاه أجرا؟ فنزلت الآية (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) يجوز أن يكون استثناء متصلا ، أى : لا أسألكم أجرا إلا هذا ، وهو أن تودوا أهل قرابتي ، ولم يكن هذا أجرا في الحقيقة ، لأنّ قرابته قرابتهم ، فكانت صلتهم لازمة لهم في المروءة. ويجوز أن يكون منقطعا ، أى : لا أسألكم أجرا قط ولكنني أسألكم أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم. فإن قلت : هلا قيل : إلا مودّة القربى : أو إلا المودة للقربى. وما معنى قوله (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)؟ قلت : جعلوا مكانا للمودة ومقرا لها ، كقولك : لي في آل فلان مودّة. ولى فيهم هوى وحب شديد ، تريد : أحبهم وهم مكان حبى ومحله ، وليست (فِي) بصلة للمودّة ، كاللام إذا قلت : إلا المودّة للقربى ، إنما هي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف به في قولك : المال في الكيس. وتقديره : إلا المودّة ثابتة في القربى ومتمكنة (١) فيها. والقربى : مصدر كالزلفى والبشرى ، بمعنى : قرابة. والمراد في أهل القربى. وروى أنها لما نزلت قيل : يا رسول الله ، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا
__________________
(١) قال محمود : «إن قلت هلا قيل : إلا مودة القربى. أو : إلا المودة للقربى. وأجاب بأنهم جعلوا مكانا للمودة ومقرا لها ، كقولك : لي في آل فلان هوى وحب شديد ، وليس (فِي) صلة للمودة ، كاللام إذا قلت : إلا المودة للقربى ، وإنما هي متعلقة بمحذوف تقديره : إلا المودة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها» قال أحمد : وهذا المعنى هو الذي قصد بقوله في الآية التي تقدمت : إن قوله يذرؤكم فيه ، إنما جاء عوضا من قوله : يذرؤكم به ، فافهمه.
مودّتهم؟ قال : «علىّ وفاطمة وابناهما (١)» ويدل عليه ما روى عن على رضى الله عنه : شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حسد الناس لي. فقال «أما ترضى أن تكون رابع أربعة : أوّل من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين ، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا ، وذريتنا خلف أزواجنا» (٢) وعن النبي صلى الله عليه وسلم : «حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي. ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غدا إذا لقيني يوم القيامة» (٣) وروى. أنّ الأنصار قالوا : فعلنا وفعلنا ، كأنهم افتخروا ، فقال عباس أو ابن عباس رضى الله عنهما : لنا الفضل عليكم ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاهم في مجالسهم فقال : «يا معشر الأنصار ، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بى»؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال : «ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بى»؟ قالوا : بلى يا رسول الله. قال : «أفلا تجيبونني» (٤)؟ قالوا : ما نقول يا رسول الله؟ قال : «ألا تقولون : ألم يخرجك قومك فآويناك ، أو لم يكذبوك فصدقناك ، أو لم يخذلوك فنصرناك» قال : فما زال يقول حتى جثوا على الركب وقالوا : أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله. فنزلت الآية. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من مات على حب آل محمد مات شهيدا (٥) ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الإيمان ، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ، ثم منكر ونكير ، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها ، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة ، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله
__________________
(١) أخرجه الطبراني وابن أبى حاتم والحاكم في مناقب الشافعي من رواية حسين الأشقر عن قيس بن الربيع عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وحسين ضعيف ساقط. وقد عارضه ما هو أولى منه. ففي البخاري من رواية طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية. فقال سعيد بن جبير قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقال ابن عباس : عجلت. إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة ـ الحديث» قلت وأخرج سعيد بن منصور من طريق الشعبي قال «أكثروا علينا في هذه الآية. فكتبنا إلى ابن عباس فكتب ـ فذكر نحوه ، وابن طاوس أتم منه.
(٢) أخرجه الكريمي عن ابن عائشة بسنده عن على رضى الله عنه ورواه الطبراني من حديث أبى رافع «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلى «إن أول أربعة يدخلون الجنة ـ فذكره» وسنده واه.
(٣) أخرجه الثعلبي من حديث على رضى الله عنه. وفيه عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي عن أبيه. وهو كذاب
(٤) أخرجه الطبري وابن أبى حاتم وابن مردويه والطبراني في الأوسط ، كلهم من حديث ابن عباس. وفيه يزيد بن زياد وهو ضعيف
(٥) أخرجه الثعلبي : أخبرنا عبد الله بن محمد بن على البلخي حدثنا يعقوب بن يوسف بن إسحاق حدثنا محمد بن أسلم حدثنا يعلى بن عبيد عن إسماعيل بن قيس عن جرير ـ بطوله. وآثار الوضع عليه لائحة. ومحمد ومن فوقه أثبات. والآفة فيه ما بين الثعلبي ومحمد.
قبره مزار ملائكة الرحمة ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة ، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب (١) بين عينيه : آيس من رحمة الله ، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرا ، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة» وقيل : لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم قربى ، فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه نزلت. والمعنى : إلا أن تودوني في القربى ، أى : في حق القربى ومن أجلها ، كما تقول : الحب في الله والبغض في الله ، بمعنى : في حقه ومن أجله ، يعنى : أنكم قومي وأحق من أجابنى وأطاعنى ، فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذوني ولا تهيجوا علىّ. وقيل : أتت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال جمعوه وقالوا : يا رسول الله ، قد هدانا الله بك وأنت ابن أختنا وتعروك نوائب وحقوق ومالك سعة ، فاستعن بهذا على ما ينوبك (٢) ، فنزلت وردّه. وقيل (الْقُرْبى) : التقرب إلى الله تعالى ، أى : إلا أن تحبوا الله ورسوله في تقرّبكم إليه بالطاعة والعمل الصالح. وقرئ : إلا مودّة في القربى (مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً) عن السدّى أنها المودّة في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم : نزلت في أبى بكر الصديق رضى الله عنه ومودّته فيهم. والظاهر : العموم في أى حسنة كانت ، إلا أنها لما ذكرت عقيب ذكر المودّة في القربى : دل ذلك على أنها تناولت المودّة تناولا أوّليا ، كأنّ سائر الحسنات لها توابع. وقرئ : يزد ، أى : يزد الله. وزيادة حسنها من جهة الله مضاعفتها ، كقوله تعالى (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً) وقرئ : حسنى ، وهي مصدر كالبشرى ، الشكور في صفة الله : مجاز للاعتداد بالطاعة ، وتوفية ثوابها ، والتفضل على المثاب.
(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)(٢٤)
(أَمْ) منقطعة. ومعنى الهمزة فيه التوبيخ (٣) ، كأنه قيل : أيتما لكون أن ينسبوا مثله إلى الافتراء ، ثم إلى الافتراء على الله الذي هو أعظم الفرى وأفحشها (فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ) فإن يشأ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم ، حتى تفترى عليه الكذب فإنه لا يجترئ على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم ، وهذا الأسلوب مؤدّاه استبعاد الافتراء من مثله ،
__________________
(١) قوله «مكتوب بين عينيه» لعله : مكتوبا. (ع)
(٢) ذكره الثعلبي والواحدي في الأسباب عن ابن عباس بغير سند. ويشبه أن يكون عن الكلبي عن أبى صالح عنه. وروى الطبراني من طريق عثمان بن القطان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأخرجه ابن مردويه عنه.
(٣) قوله «ومعنى الهمزة فيه التوبيخ» لعله : فيها. (ع)
وأنه في البعد مثل الشرك بالله والدخول في جملة المختوم على قلوبهم. ومثال هذا : أن يخوّن بغض الأمناء فيقول لعل الله خذلنى ، لعل الله أعمى قلبي ، وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب. وإنما يريد استبعاد أن يخوّن مثله ، والتنبيه على أنه ركب من تخوينه أمر عظيم ، ثم قال : ومن عادة الله أن يمحو الباطل ويثبت الحق (بِكَلِماتِهِ) بوحيه أو بقضائه كقوله تعالى (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ) يعنى : لو كان مفتريا كما تزعمون لكشف الله افتراءه ومحقه وقذف بالحق على باطله فدمغه. ويجوز أن يكون عدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت (١) والتكذيب ، ويثبت الحق الذي أنت عليه بالقرآن وبقضائه الذي لا مردّ له من نصرتك عليهم ، إنّ الله عليم بما في صدرك وصدورهم ، فيجري الأمر على حسب ذلك. وعن قتادة (يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ) : ينسك القرآن ويقطع عنك الوحى ، يعنى : لو افترى على الله الكذب لفعل به ذلك ، وقيل (يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ) : يربط عليه بالصبر ، حتى لا يشق عليك أذاهم. فإن قلت : إن كان قوله (وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ) كلاما مبتدأ غير معطوف على يختم ، فما بال الواو ساقطة في الخط؟ قلت : كما سقطت في قوله تعالى (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ) وقوله تعالى (سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ) على أنها مثبتة في بعض المصاحف.
(وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ)(٢٥)
يقال : قبلت منه الشيء ، وقبلته عنه. فمعنى قبلته منه : أخذته منه وجعلته مبدأ قبولى ومنشأه. ومعنى : قبلته عنه : عزلته عنه وأبنته عنه. والتوبة : أن يرجع عن القبيح والإخلال بالواجب بالندم عليهما والعزم على أن لا يعاود ، لأنّ المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب. وإن كان فيه لعبد حق : لم يكن بد من التفصي على طريقه ، وروى جابر أن أعرابيا دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : اللهم إنى أستغفرك وأتوب إليك ، وكبر ، فلما فرغ من صلاته قال له على رضى الله عنه : يا هذا ، إنّ سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين ، وتوبتك تحتاج إلى التوبة. فقال : يا أمير المؤمنين ، وما التوبة؟ قال : اسم يقع على ستة معان : على الماضي من الذنوب الندامة ، ولتضييع الفرائض الإعادة ، وردّ المظالم ، وإذا به النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية ، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية ، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته (وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ) عن الكبائر إذا تيب عنها ، وعن الصغائر إذا اجتنبت الكبائر (وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ). قرئ بالتاء والياء : أى : يعلمه فيثيب على حسناته ، ويعاقب على سيئاته.
__________________
(١) قوله «من البهت» أى : اتهام الإنسان بما ليس فيه ، (ع)
(وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ)(٢٦)
(وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا) أى يستجيب لهم ، فحذف اللام كما حذف في قوله تعالى (وَإِذا كالُوهُمْ) أى يثيبهم على طاعتهم ويزيدهم على الثواب تفضلا ، أو إذا دعوه استجاب دعاءهم وأعطاهم ما طلبوا وزادهم على مطلوبهم. وقيل : الاستجابة : فعلهم ، أى يستجيبون له بالطاعة إذا دعاهم إليها (وَيَزِيدُهُمْ) هو (مِنْ فَضْلِهِ) على ثوابهم. وعن سعيد بن جبير : هذا من فعلهم : يجيبونه إذا دعاهم. وعن إبراهيم بن أدهم أنه قيل له : ما بالنا ندعو فلا نجاب؟ قال : لأنه دعاكم فلم تجيبوه ، ثم قرأ (وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ) ، (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا).
(وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ)(٢٧)
(لَبَغَوْا) من البغي وهو الظلم ، أى : لبغى هذا على ذاك ، وذاك على هذا ، لأنّ الغنى مبطرة مأشرة (١) ، وكفى بحال قارون عبرة. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : «أخوف ما أخاف على أمّتى زهرة الدنيا وكثرتها» (٢) ولبعض العرب :
|
وقد جعل الوسمىّ ينبت بيننا |
|
وبين بنى رومان نبعا وشوحطا (٣) |
يعنى : أنهم أحيوا فحدّثوا أنفسهم بالبغي والتفانن. أو من البغي وهو البذخ والكبر ، أى : لتكبروا في الأرض ، وفعلوا ما يتبع الكبر من الغلو فيها والفساد. وقيل : نزلت في قوم من أهل الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى. قال خباب ابن الأرت : فينا نزلت ، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بنى قريظة والنضير وبنى قينقاع فتمنيناها (بِقَدَرٍ) بتقدير. يقال قدره قدرا
__________________
(١) قوله «مبطرة مأشرة» في الصحاح : الأشر : البطر. (ع)
(٢) أخرجه الطبري من رواية سعيد عن قتادة قال. ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم .. بهذا ـ وزاد «وكان يقال خير الرزق ما لا يطغيك ولا يلهيك» وفي الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدري. بلفظ «إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا»
(٣) يروى : وقد جعل الوسمي أول مطر السنة ، لأنه يسم الأرض بالنبات. والنبع : شجر تتخذ منه القسي. والشوحط مثله ، أى : قد يشرع المطر في إنبات الأشجار بيننا وبينهم. والمعنى : أنهم يطلبون الاقامة حتى تعظم الأشجار بينهم لأنهم أغنياء لا يكثرون الارتحال كغيرهم. أو المعنى : أنهم كانوا إذا جاء الربيع وبلغت تلك الأشجار يتخذون منها الرماح والقسي ، ويتحاربون. فالكلام كناية عن انتشاب الحرب بين القبيلتين ، وهذا هو الذي يعطيه السياق ، وذكر البينية ، وتخصيص ذلك الشجر.
وقدرا. (خَبِيرٌ بَصِيرٌ) يعرف ما يؤول إليه أحوالهم ، فيقدّر لهم ما هو أصلح لهم وأقرب إلى جمع شملهم ، فيفقر ويغنى ، ويمنع ويعطى ، ويقبض ويبسط كما توجبه الحكمة الربانية. ولو أغناهم جميعا لبغوا ، ولو أفقرهم لهلكوا. فإن قلت : قد نرى الناس يبغى بعضهم على بعض ، ومنهم مبسوط لهم ، ومنهم مقبوض عنهم ، فإن كان المبسوط لهم يبغون ، فلم بسط لهم : وإن كان المقبوض عنهم يبغون فقد يكون البغي بدون البسط ، فلم شرطه؟ قلت : لا شبهة في أنّ البغي مع الفقر أقل ومع البسط أكثر وأغلب ، وكلاهما سبب ظاهر للإقدام على البغي والإحجام عنه ، فلو عم البسط لغلب البغي حتى ينقلب الأمر إلى عكس ما عليه (١) الآن.
(وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ)(٢٨)
قرئ : قنطوا بفتح النون وكسرها (وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ) أى : بركات الغيث ومنافعه وما يحصل به من الخصب. وعن عمر رضى الله عنه أنه قيل له : اشتدّ القحط وقنط الناس (٢) فقال : مطروا إذا : أراد هذه الآية. ويجوز أن يريد رحمته في كل شيء ، كأنه قال : ينزل الرحمة التي هي الغيث ، وينشر غيرها من رحمته الواسعة (الْوَلِيُ) الذي يتولى عباده بإحسانه (الْحَمِيدُ) المحمود على ذلك يحمده أهل طاعته.
(وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ)(٢٩)
(وَما بَثَ) يجوز أن يكون مرفوعا ومجرورا يحمل على المضاف إليه أو المضاف. فإن قلت : لم جاز (فِيهِما مِنْ دابَّةٍ) والدواب في الأرض وحدها؟ قلت : يجوز أن ينسب الشيء إلى جميع المذكور وإن كان ملتبسا ببعضه ، كما يقال : بنو تميم فيهم شاعر مجيد أو شجاع بطل ، وإنما هو في فخذ (٣) من أفخاذهم أو فصيلة من فصائلهم ، وبنو فلان فعلوا كذا ، وإنما فعله نويس
__________________
(١) قوله «عكس ما عليه الآن» لعله : ما هو عليه. (ع)
(٢) أخرجه الثعلبي من طريق قتادة قال «ذكر لنا» فذكره بتمامه. ورواه باختصار عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال «ذكر لنا أن رجلا أتى عمر بن الخطاب فقال : يا أمير المؤمنين. قحط المطر وقنط الناس. فقال : مطروا إذن».
(٣) قوله «فخذ» العشائر أقلها الفخذ ، وفوقه البطن ، ثم العمارة ، ثم الفصيلة ، ثم القبيلة ، ثم الشعب. فهو أكثرها. أفاده الصحاح. (ع)
منهم. ومنه قوله تعالى (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) وإنما يخرج من الملح (١). ويجوز أن يكون للملائكة عليهم السلام مشى مع الطيران. فيوصفوا بالدبيب كما يوصف به الأناسى. ولا يبعد أن يخلق في السماوات حيوانا يمشى فيها مشى الأناسى على الأرض ، سبحان الذي خلق ما نعلم وما لا نعلم من أصناف الخلق. (إِذا) يدخل على المضارع كما يدخل على الماضي. قال الله تعالى (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى) ومنه (إِذا يَشاءُ) وقال الشاعر:
|
وإذا ما أشاء أبعث منها |
|
آخر اللّيل ناشطا مذعورا (٢) |
(وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)(٣١)
في مصاحف أهل العراق (فَبِما كَسَبَتْ) بإثبات الفاء على تضمين «ما» معنى الشرط. وفي مصاحف أهل المدينة «بما كسبت» بغير فاء ، على أنّ «ما» مبتدأة ، وبما كسبت : خبرها من غير تضمين معنى الشرط. والآية مخصوصة بالمجرمين ، (٣) ولا يمتنع أن يستوفى الله بعض عقاب المجرم ويعفو
__________________
(١) قال محمود : «فان قلت : لم جاز فيهما من دابة والدواب في الأرض وحدها؟ وأجاب بأنه يجوز أن ينسب الشيء إلى جميع المذكور وإن كان لبعضه ، كقوله تعالى (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) وإنما يخرج من الملح ... الخ» قال أحمد : إطلاق الدواب على الأناسى بعيد من عرف اللغة ، فكيف في إطلاقه على الملائكة. والصواب ـ والله أعلم ـ : هو الوجه الأول ، وقد جاء مفسرا في غير ما آية ، كقوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) ثم قال (وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) فخص هذا الأمر بالأرض ، والله أعلم.
(٢) إذا : ظرف للمستقبل ، فإذا دخل عليه الماضي كان مستقبلا ، أو المضارع كان نصا في الاستقبال ، وجرد من الناقة أمرا آخر لشدة سيرها ، فلذلك قال : منها. وأصل المعنى : أبعثها في آخر الليل كالناشط ، وهو الثور الوحشي يخرج من أرض إلى أخرى ، والمذعور : الخائف وهو كناية عن سريع السير جدا.
(٣) قال محمود : «الآية مخصوصة بالمجرمين ... الخ» قال أحمد : هذه الآية تنكسر عندها القدرية ولا يمكنهم ترويج حيلة في صرفها عن مقتضى نصها ، فإنهم حملوا قوله تعالى (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) على التائب ، وهو غير ممكن لهم هاهنا ، فانه قد أثبت التبعيض في العفو ، ومحال عندهم أن يكون العفو هنا مقرونا بالتوبة ، فانه يلزم تبعيض التوبة أيضا. وهي عندهم لا تتبعض. وكذلك نقل الامام عن أبى هاشم وهو رأس الاعتزال والذي تولى كبره منهم. فلا محمل لها إلا الحق الذي لا مرية فيه ، وهو مرد العفو إلى مشيئة الله تعالى غير موقوف على التوبة. وقول الزمخشري إن الآلام التي تصيب الأطفال والمجانين لها أعواض ، إنما يريد به وجوب العوض على الله تعالى على سياق معتقده ، وقد أخطأ على الأصل والفرع ، لأن المعتزلة وإن أخطأت في إيجاب العوض ، فلم تقل بإيجابه في الأطفال والمجانين. ألا ترى أن القاضي أبا بكر ألزمهم قبح إيلام البهائم والأطفال والمجانين فقال : لا أعواض لها ، وليس مترتبا على استحقاق سابق فيحسن ، فإنما يتم إلزامه بموافقتهم له على أن لا أعواض لها.
عن بعض. فأمّا من لا جرم له كالأنبياء والأطفال والمجانين ، فهؤلاء إذا أصابهم شيء من ألم أو غيره فللعوض الموفى والمصلحة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : «ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكبة حجر إلا بذنب ، ولما يعفو الله عنه أكثر» (١) وعن بعضهم : من لم يعلم أن ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه ، وأنّ ما عفا عنه مولاه أكثر : كان قليل النظر في إحسان ربه إليه. وعن آخر : العبد ملازم للجنايات في كل أوان ، وجناياته في طاعاته أكثر من جناياته في معاصيه ، لأنّ جناية المعصية من وجه وجناية الطاعة من وجوه ، والله يطهر عبده من جناياته بأنواع من المصائب ليخفف عنه أثقاله في القيامة ، ولو لا عفوه ورحمته لهلك في أوّل خطوة : وعن على رضى الله عنه وقد رفعه : من «عفى عنه في الدنيا عفى عنه في الآخرة (٢) ومن عوقب في الدنيا لم تثن عليه العقوبة في الآخرة» وعنه رضى الله عنه : هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن (بِمُعْجِزِينَ) بفائتين ما قضى عليكم من المصائب (مِنْ وَلِيٍ) من متول بالرحمة.
(وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ)(٣٤)
(الْجَوارِ) : السفن. وقرئ : الجوار (كَالْأَعْلامِ) كالجبال. قالت الخنساء :
كأنّه علم في رأسه نار (٣)
__________________
(١) أخرجه عبد الرزاق وابن أبى حاتم من طريق إسماعيل بن سليم عن الحسن والطبري والبيهقي في أواخر الشعب. عن قتادة كلاهما مرسل. ووصله عبد الرزاق من رواية الصلت بن بهرام عن أبى وائل عن البراء رضى الله عنه
(٢) أخرجه ابن ماجة من رواية أبى جحيفة عن على رفعه. بلفظ : من أصاب ذنبا في الدنيا فعوقب به ، فالله أعدل من أن يثنى على عبد عقوبته. ومن أذنب ذنبا فستر الله عليه وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود في شيء عفا عنه» ورواه أحمد والبزار والحاكم والدارقطني والبيهقي في الشعب في السابع والأربعين. وقال إسحاق في مسنده : أخبرنا عيسى بن يونس عن إسماعيل بن عبد الملك بن أبى الصفراء عن يونس بن حبان عن على نحوه وفيه انقطاع
|
(٣) وإن صخرا لمولانا وسيدنا |
|
وإن صخرا إذا يشتو لنحار |
|
أغر أبلج تأتم الهداة به |
|
كأنه علم في رأسه نار |
للخنساء ترثى أخاها. ويشتو : أى يدخل في الشتاء ، وهو حكاية حال ماضية. ونحار : كثير نحر الإبل للضيفان كناية عن كثرة كرمه. والأغر : الأبيض. والأبلج : الطلق الوجه المعروف. والهداة : جمع هاد : من يتقدم غيره ليدله. والعلم : الجبل : وفي رأسه نار : صفة علم جاءت لترشيح التشبيه وتقريره ، والمبالغة في توضيح المشبه ـ
وقرئ : الرياح فيظللن بفتح اللام وكسرها ، من ظل يظل ويظل ، نحو : ضل يضل ويضل (رَواكِدَ) ثوابت لا تجرى (عَلى ظَهْرِهِ) على ظهر البحر (١) (لِكُلِّ صَبَّارٍ) على بلاء الله (شَكُورٍ) لنعمائه ، وهما صفتا المؤمن المخلص ، فجعلهما كناية عنه ، وهو الذي وكل همته بالنظر في آيات الله ، فهو يستملى منها العبر (يُوبِقْهُنَ) يهلكهن. والمعنى : أنه إن يشأ يبتلى المسافرين في البحر بإحدى بليتين : إما أن يسكن الريح فيركد الجواري على متن البحر ويمنعهن من الجري ، وإما أن يرسل الريح عاصفة فيهلكهن إغراقا بسبب ما كسبوا من الذنوب (وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ) منها ، فإن قلت : علام عطف يوبقهن؟ قلت : على يسكن ، لأنّ المعنى : إن يشأ يسكن الريح فيركدن. أو يعصفها فيغرقن بعصفها. فإن قلت : فما معنى إدخال العفو في حكم الإيباق حيث جزم جزمه؟ قلت : معناه : أو إن يشأ يهلك ناسا وينج ناسا على طريق العفو عنهم. فإن قلت : فمن قرأ (وَيَعْفُ)؟ قلت : قد استأنف الكلام.
(وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) (٣٥)
فإن قلت : فما وجوه القراءات الثلاث في (وَيَعْلَمَ)؟ قلت : أما الجزم فعلى ظاهر العطف وأما الرفع فعلى الاستئناف. وأما النصب فللعطف على تعليل محذوف تقديره : لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون ونحوه في العطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن ، منه قوله تعالى (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ) وقوله تعالى (وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) وأما قول الزجاج : النصب على إضمار أن ، لأنّ قبلها جزاء ، تقول : ما تصنع أصنع مثله وأكرمك. وإن شئت وأكرمك ، على : وأنا أكرمك. وإن شئت وأكرمك جزما ، ففيه نظر لما أورده سيبويه في كتابه. قال : واعلم أنّ النصب بالفاء والواو في قوله : إن تأتنى آتك وأعطيك : ضعيف ، وهو نحو من قوله :
وألحق بالحجاز فاستريحا (٢)
فهذا يجوز ، وليس بحدّ الكلام ولا وجهه ، إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلا ، لأنه ليس بواجب
__________________
ـ وتشهيره ، وعادة دليل الركب : الاهتداء إلى الطريق بالجبال الشامخة ، فإذا كان فوقها نار : علم أن أهلها كرام. ويروى :
وإن صخرا لتأتم الهداة به
(١) قال محمود : «معناه ثوابت لا تجرى على ظهر البحر» قال أحمد : وهم يقولون : إن الريح لم ترد في القرآن إلا عذابا ، بخلاف الرياح. وهذه الآية تخرم الإطلاق ، فان الريح المذكورة هنا نعمة ورحمة. إذ بواسطتها يسير الله السفن في البحر حتى لو سكنت لركدت السفن ، ولا ينكر أن الغالب من ورودها مفردة ما ذكروه. وأما اطراده فلا. وما ورد في الحديث : اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا ، فلأجل الغالب في الإطلاق ، والله أعلم.
(٢) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٥٥٧ فراجعه إن شئت اه مصححه.
أنه يفعل. إلا أن يكون من الأوّل فعل ، فلما ضارع الذي لا يوجبه كالاستفهام ونحوه : أجازوا فيه هذا على ضعفه اه. ولا يجوز أن تحمل القراءة المستفيضة على وجه ضعيف ليس بحدّ الكلام ولا وجهه ، ولو كانت من هذا الباب لما أخلى سيبويه منها كتابه ، وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة. فإن قلت : فكيف يصح المعنى على جزم (وَيَعْلَمَ)؟ قلت : كأنه قال : أو إن يشأ يجمع بين ثلاثة أمور : هلاك قوم ونجاة قوم وتحذير آخرين (مِنْ مَحِيصٍ) من محيد عن عقابه.
(فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)(٣٦)
(ما) الأولى ضمنت معنى الشرط ، فجاءت الفاء في جوابها بخلاف الثانية. عن على رضى الله عنه : اجتمع لأبى بكر رضى الله عنه مال فتصدق به كله في سبيل الله والخير ، فلامه المسلمون وخطأه الكافرون ، فنزلت.
(وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)(٣٧)
(وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ) عطف على الذين آمنوا ، وكذلك ما بعده. ومعنى (كَبائِرَ الْإِثْمِ) الكبائر من هذا الجنس. وقرئ : كبير الإثم. وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنه : كبير الإثم هو الشرك (هُمْ يَغْفِرُونَ) أى هم الأخصاء بالغفران في حال الغضب ، لا يغول الغضب أحلامهم كما يغول حلوم الناس ، والمجيء بهم وإيقاعه مبتدأ ، وإسناد (يَغْفِرُونَ) إليه لهذه الفائدة ، ومثله : (هُمْ يَنْتَصِرُونَ).
(وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ)(٣٨)
(وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ) نزلت في الأنصار : دعاهم الله عز وجل للإيمان به وطاعته ، فاستجابوا له بأن آمنوا به وأطاعوه (وَأَقامُوا الصَّلاةَ) وأتموا الصلوات الخمس. وكانوا قبل الإسلام وقبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة : إذا كان بهم أمر اجتمعوا وتشاوروا ، فأثنى الله عليهم ، أى : لا ينفردون برأى حتى يجتمعوا عليه. وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم» (١) والشورى : مصدر كالفتيا ، بمعنى التشاور. ومعنى
__________________
(١) أخرجه ابن أبى شيبة والبخاري في الأدب وعبد الله بن أحمد في زيادات الزهد. وقد ذكره المصنف مرفوعا في آل عمران.
قوله (وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ) أى ذو شورى ، وكذلك قولهم : ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب رضى الله عنه الخلافة شورى.
(وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ)(٣٩)
هو أن يقتصروا في الانتصار على ما جعله الله لهم ولا يعتدوا. وعن النخعي أنه كان إذا قرأها قال : كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق. فإن قلت : أهم محمودون على الانتصار؟ قلت : نعم ، لأنّ من أخذ حقه غير متعد حدّ الله وما أمر به فلم يسرف في القتل إن كان ولى دم أورد على سفيه ، محاماة على عرضه وردعا له ، فهو مطيع. وكل مطيع محمود.
(وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)(٤٠)
كلتا الفعلتين الأولى وجزاؤها سيئة ، لأنها تسوء من تنزل به. قال الله تعالى : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) : يريد ما يسوءهم من المصائب والبلايا. والمعنى : أنه يجب إذا قوبلت الإساءة أن تقابل بمثلها من غير زيادة ، فإذا قال أخزاك الله قال : أخزاك الله (فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ) بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء ، كما قال تعالى (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) ، (فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) عدة مبهمة لا يقاس أمرها في العظم. وقوله (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) دلالة على أن الانتصار لا يكاد يؤمن فيه تجاوز السيئة (١) والاعتداء خصوصا في حال الحرد (٢) والتهاب الحمية فربما كان المجازى من الظالمين وهو لا يشعر. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : «إذا كان يوم القيامة نادى مناد : من كان له على الله أجر فليقم. قال : فيقوم خلق ، فيقال لهم : ما أجركم على الله؟ فيقولون : نحن الذين عفونا عمن ظلمنا ، فيقال لهم : ادخلوا الجنة بإذن الله (٣).
__________________
(١) قال محمود : «فيه دلالة على أن الانتصار لا يكاد يؤمن فيه ... الخ» قال أحمد : معنى حسن يجاب به عن قول القائل : لم ذكر هذا عقب العفو مع أن الانتصار ليس بظلم ، فيشفى غليل السائل ويحصل منه على كل طائل. ومن هذا النمط والله الموفق : قوله تعالى : (وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ).
(٢) قوله «الحرد» في الصحاح : «الحرد» بالتحريك : الغضب. (ع)
(٣) أخرجه العقيلي والطبراني في مكارم الأخلاق وأبو نعيم في الحلية ، والبيهقي في الشعب في السابع والخمسين كلهم من طريق الفضل بن يسار عن غالب العطار عن الحسن بن أنس رفعه. قال «إذا وقف العبد للحساب ينادى مناد : من كان أجر» على الله فليدخل الجنة ـ الحديث» وله طريق أخرى عند الثعلبي من رواية زهير بن عباد عن ـ
(وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)(٤٢)
(بَعْدَ ظُلْمِهِ) من إضافة المصدر إلى المفعول ، وتفسره قراءة من قرأ : بعد ما ظلم (فَأُولئِكَ) إشارة إلى معنى (مِنْ) دون لفظه (ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) للمعاقب ولا للعاتب والعائب (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ) يبتدئونهم بالظلم (وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ) يتكبرون فيها ويعلون ويفسدون.
(وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)(٤٣)
(وَلَمَنْ صَبَرَ) على الظلم والأذى (وَغَفَرَ) ولم ينتصر وفوّض أمره إلى الله (إِنَّ ذلِكَ) منه (لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) وحذف الراجع لأنه مفهوم ، كما حذف من قولهم : السمن منوان بدرهم. ويحكى أن رجلا سب رجلا في مجلس الحسن رحمه الله ، فكان المسبوب يكظم ، ويعرق فيمسح العرق ، ثم قام فتلا هذه الآية ، فقال الحسن : عقلها والله وفهمها إذ ضيعها الجاهلون. وقالوا : العفو مندوب إليه ، ثم الأمر قد ينعكس في بعض الأحوال ، فيرجع ترك العفو مندوبا إليه ، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي ، وقطع مادة الأذى. وعن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل عليه : وهو أن زينب أسمعت عائشة بحضرته ، وكان ينهاها فلا تنتهي ، فقال لعائشة : «دونك فانتصرى» (١).
(وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ)(٤٤)
__________________
ـ ابن عيينة عن عمرو عن ابن عباس. وأخرى عن البيهقي من رواية الثوري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أتم منه ـ قال البيهقي : المتن غريب ـ والاسناد ضعيف.
(١) أخرجه النسائي من رواية خالد بن مسلمة عن عروة عن عائشة قالت : ما علمت حتى دخلت على زينب بغير إذن وهي بمعنى [بياض بالأصل.] فذكر نحوه. ولم يذكر فيه النهى. ولفظه ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندنا زينب بنت جحش ـ إلى أن قال : فأقبلت زينب هجم لعائشة فنهاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبت أن تنتهي. قال : لعائشة سبيها فسبتها فغلبتها».
(وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ) ومن يخذل الله (١) (فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ) فليس له من ناصر يتولاه من بعد خذلانه.
(وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ) (٤٦)
(خاشِعِينَ) متضائلين متقاصرين مما يلحقهم (مِنَ الذُّلِ) وقد يعلق من الذل بينظرون ، ويوقف على خاشعين (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ) أى يبتدئ نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفى بمسارقة ، كما ترى المصبور ينظر إلى السيف (٢). وهكذا نظر الناظر إلى المكاره : لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها ويملأ عينيه منها ، كما يفعل في نظره إلى المحاب. وقيل : يحشرون عميا فلا ينظرون إلا بقلوبهم. وذلك نظر من طرف خفى. وفيه تعسف (يَوْمَ الْقِيامَةِ) إما أن يتعلق بخسروا ، ويكون قوله المؤمنين واقعا في الدنيا ، وإما أن يتعلق بقال ، أى : يقولون يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة.
(اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ)(٤٧)
(مِنَ اللهِ) من صلة لا مردّ ، أى : لا يرده الله بعد ما حكم به. أو من صلة يأتى ، أى : من قبل أن يأتى من الله يوم لا يقدر أحد على ردّه. والنكير : الإنكار ، أى : ما لكم من مخلص من العذاب ولا تقدرون أن تنكروا شيأ مما اقترفتموه ودوّن في صحائف أعمالكم.
(فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ)(٤٨)
__________________
(١) قوله «ومن يخذل الله. فما له من ولى» تأويل على مذهب المعتزلة : أنه تعالى لا يخلق الشر. وعند أهل السنة : يخلقه كالخير ، فالاضلال خلق الضلال. ومن بعده : أى من بعد إضلاله. (ع)
(٢) قوله «كما ترى المصبور ينظر إلى السيف» أى : المحبوس للقتل. أفاده الصحاح. (ع)
أراد بالإنسان الجمع لا الواحد ، لقوله (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) ولم يرد إلا المجرمين ، لأن إصابة السيئة بما قدّمت أيديهم إنما تستقيم فيهم. والرحمة : النعمة من الصحة والغنى والأمن. والسيئة : البلاء من المرض والفقر والمخاوف. والكفور : البليغ الكفران ، ولم يقل : فإنه كفور ، ليسجل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم (١) ، كما قال (إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) ، (إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) والمعنى أنه يذكر البلاء وينسى النعم ويغمطها(٢).
(لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)(٥٠)
لما ذكر إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدّها : أنبع ذلك أنّ له الملك وأنه يقسم النعمة والبلاء كيف أراد ، ويهب لعباده من الأولاد ما تقتضيه مشيئته ، فيخص بعضا بالإناث وبعضا بالذكور ، وبعضا بالصنفين جميعا ، ويعقم آخرين فلا يهب لهم ولدا قط. فإن قلت : لم قدّم الإناث أوّلا على الذكور مع تقدّمهم عليهنّ ، ثم رجع فقدّمهم ، ولم عرف الذكور بعد ما نكر الإناث؟ قلت. لأنه ذكر البلاء في آخر الآية الأولى وكفران الإنسان بنسيانه الرحمة السابقة عنده ، ثم عقبه بذكر ملكه ومشيئته وذكر قسمة الأولاد ، فقدم الإناث لأنّ سياق الكلام أنه فاعل ما يشاؤه لا ما يشاؤه الإنسان ، فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم ، والأهم واجب التقديم ، وليلى الجنس الذي كانت العرب تعدّه بلاء ذكر البلاء ، وأخر الذكور فلما أخرهم لذلك تدارك تأخيرهم ، وهم أحقاء بالتقديم بتعريفهم ، لأن التعريف تنويه وتشهير ، كأنه قال : ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم ، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير ، وعرّف أن تقديمهنّ لم يكن لتقدّمهنّ ، ولكن لمقتض آخر فقال (ذُكْراناً وَإِناثاً) كما قال (إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى) ، (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى) وقيل : نزلت في الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه ، حيث وهب لشعيب ولوط إناثا ، ولإبراهيم ذكورا ، ولمحمد ذكورا وإناثا ، وجعل يحيى وعيسى عقيمين (إِنَّهُ عَلِيمٌ) بمصالح العباد (قَدِيرٌ) على تكوين ما يصلحهم.
__________________
(١) قال محمود : «لم يقل : فانه كفور ، ليسجل على هذا الجنس أنه موسوم بكفران النعم ... الخ» قال أحمد: وقد أغفل هذه النكتة بعينها في الآية التي قبل هذه ، وهي قوله تعالى (وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ) فوضع الظالمين موضع الضمير الذي كان من حقه أن يعود على اسم إن ، فيقال : ألا إنهم في عذاب مقيم ، فأتى هذا الظاهر تسجيلا عليهم بلسان ظلمهم
(٢) قوله «وينسى النعم ويغمطها» يبطرها ويحقرها. أفاده الصحاح. (ع)
(وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)(٥١)
(وَما كانَ لِبَشَرٍ) وما صح لأحد من البشر (أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا) على ثلاثة أوجه : إما على طريق الوحى وهو الإلهام والقذف في القلب أو المنام ، كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم عليه السلام في ذبح ولده. وعن مجاهد : أوحى الله الزبور إلى داود عليه السلام في صدره. قال عبيد بن الأبرص :
|
وأوحى إلىّ الله أن قد تأمّروا |
|
بإبل أبى أوفى فقمت على رجل (١) |
أى : ألهمنى وقذف في قلبي. وإما على أن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام ، من غير أن يبصر السامع من يكلمه ، لأنه في ذاته غير مرئى (٢). وقوله (مِنْ وَراءِ حِجابٍ) مثل أى ، كما يكلم الملك المحتجب بعض خواصه وهو من وراء الحجاب ، فيسمع صوته ولا يرى شخصه ، وذلك كما كلم موسى ويكلم الملائكة. وإما على أن يرسل إليه رسولا من الملائكة فيوحى الملك إليه كما كلم الأنبياء غير موسى. وقيل : وحيا كما أوحى إلى الرسل بواسطة الملائكة (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) أى نبيا كما كلم أمم الأنبياء على ألسنتهم. ووحيا ، وأن يرسل : مصدران واقعان موقع الحال ، لأنّ : أن يرسل ، في معنى إرسالا. ومن وراء حجاب : ظرف واقع موقع الحال أيضا ، كقوله تعالى (وَعَلى جُنُوبِهِمْ) والتقدير : وما صح أن يكلم أحدا إلا موحيا ، أو مسمعا من وراء حجاب ، أو مرسلا. ويجوز أن يكون : وحيا ، موضوعا موضع : كلاما ، لأنّ الوحى كلام خفى في سرعة ، كما تقول : لا أكلمه إلا جهرا وإلا خفانا ، لأنّ الجهر والخفات ضربان من الكلام ، وكذلك إرسالا : جعل الكلام على لسان الرسول بمنزلة الكلام بغير واسطة. تقول : قلت لفلان كذا ، وإنما قاله وكيلك أو رسولك. وقوله (أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) معناه : أو إسماعا من وراء حجاب ، ومن جعل (وَحْياً) في معنى : أن يوحى ، وعطف يرسل عليه ، على معنى (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً) أى : إلا بأن يوحى. أو بأن يرسل ،
__________________
(١) أى ألهمنى الله وألقى في قلبي : أنهم تأمروا. وأن مخففة من الثقيلة ، واسمها : ضمير القوم أو الحال والشأن. واختار أبو حيان أنها لا اسم لها إذا خففت ، لأنها مهملة. وإن ضمن «أوحى» معنى : قال ، فان تفسيرية ، أى ، قد تآمروا بوزن تفاعلوا ، أى : تشاوروا في الأمر ، أو أجمعوا أمرهم. ومنه (يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ) بابل أبى أو في ليغتصبوها ، فقمت في طلبهم لأردها على رجل ، أى : لم أصبر حتى أركب. أو على رجل واحدة ، أى : بسرعة ، فلا أضع رجلي معا في الأرض.
(٢) قوله «لأنه في ذاته غير مرئى» أى : لا تجوز رؤيته ، وهذا عند المعتزلة. أما عند أهل السنة فتجوز كما تقرر في محله. (ع)
فعليه أن يقدر قوله (أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) تقديرا يطابقهما عليه ، نحو : أو أن يسمع (١) من وراء حجاب. وقرئ : أو يرسل رسولا فيوحى بالرفع ، على : أو هو يرسل. أو بمعنى مرسلا عطفا على وحيا في معنى موحيا. وروى أنّ اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه ، فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك ، فقال : لم ينظر موسى إلى الله (٢) ، فنزلت. وعن عائشة رضى الله عنها : من زعم أنّ محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية (٣) ، ثم قالت : أو لم تسمعوا ربكم يقول : فتلت هذه الآية. (إِنَّهُ عَلِيٌ) عن صفات المخلوقين (حَكِيمٌ) يجرى أفعاله على موجب الحكمة ، فيكلم تارة بواسطة ، وأخرى بغير واسطة : إما إلهاما ، وإما خطابا.
(وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ)(٥٣)
(رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) يريد : ما أوحى إليه ، لأن الخلق يحيون به في دينهم كما يحيى الجسد بالروح. فإن قلت : قد علم أن رسول الله (٤) صلى الله عليه وسلم : ما كان يدرى ما القرآن قبل
__________________
(١) قوله «أو أن يسمع من وراء حجاب» لعله : أو بأن. (ع)
(٢) لم أجده.
(٣) متفق عليه ، وقد تقدم طرف منه في الأنعام.
(٤) قال محمود : «فان قلت : قد علم أن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يدرى الكتاب قبل الوحى ... الخ» قال أحمد : لما كان معتقد الزمخشري أن الايمان اسم التصديق مضافا إليه كثير من الطاعات فعلا وتركا حتى لا يتناول الموحد العاصي ولو بكبيرة واحدة اسم الايمان ولا ياله وعد المؤمنين ، وتفطن لإمكان الاستدلال على صحة معتقده بهذه الآية : عدها فرصة لينتهزها وغنيمة ، ليحرزها ، وأبعد الظن بايراده مذهب أهل السنة على صورة السؤال ليجيب عنه بمقتضى معتقده ، فكأنه يقول : لو كان الايمان وهو مجرد التوحيد والتصديق كما نقول أهل السنة ، للزم أن ينفى عن النبي عليه الصلاة والسلام قبل المبعث بهذه الآية كونه مصدقا ، ولما كان التصديق ثابتا للنبي عليه الصلاة والسلام قبل البعث باتفاق الفريقين : لزم أن لا يكون الايمان المنفي في الآية عبارة عما اتفق على ثبوته ، وحينئذ يتعين صرفه إلى مجموع أشياء : من جملتها التصديق ، ومن جملتها كثير من الطاعات التي لم تعلم إلا بالوحي ، وحينئذ يستقيم نفيه قبل البعث ، وهذا الذي طمع فيه : يخرط القتاد ، ولا يبلغ منه ما أراد. وذلك أن أهل السنة وإن قالوا : إن الايمان هو التصديق خاصة حتى يتصف به كل موحد وإن كان فاسقا ـ يخصون التصديق بالله وبرسوله ، فالنبي عليه الصلاة والسلام مخاطب في الايمان بالتصديق برسالة نفسه ، كما أن أمته مخاطبون بتصديقه ، ولا ـ
نزوله عليه ، فما معنى قوله (وَلَا الْإِيمانُ) والأنبياء لا يجوز عليهم إذا عقلوا وتمكنوا من النظر والاستدلال أن يخطئهم الإيمان بالله وتوحيده ، ويجب أن يكونوا معصومين من ارتكاب الكبائر ومن الصغائر التي فيها تنفير قبل المبعث وبعده ، فكيف لا يعصمون من الكفر؟ قلت : الإيمان اسم يتناول أشياء : بعضها الطريق إليه العقل ، وبعضها الطريق إليه السمع ، فعنى به ما الطريق إليه السمع دون العقل ، وذاك ما كان له فيه علم حتى كسبه بالوحي. ألا ترى أنه قد فسر الإيمان في قوله تعالى (وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) بالصلاة ، لأنها بعض ما يتناوله الإيمان (مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا) من له لطف ومن لا لطف له ، فلا هداية تجدى عليه (صِراطِ اللهِ) بدل. وقرئ : لتهدي ، أى : يهديك الله. وقرئ : لتدعو.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ حم عسق كان ممن تصلى عليه الملائكة ويستغفرون له ويسترحمون له» (١).
سورة الزخرف
مكية. وقال مقاتل : إلا قوله (وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا)
وهي تسع وثمانون آية [نزلت بعد الشورى]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ)(٤)
أقسم بالكتاب المبين وهو القرآن وجعل قوله (إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) جوابا للقسم(٢)
__________________
ـ شك أنه قبل الوحى لم يكن يعلم أنه رسول الله ، وما علم ذلك إلا بالوحي ، وإذا كان الايمان عند أهل السنة هو التصديق بالله ورسوله ، ولم يكن هذا المجموع ثابتا قبل الوحى ، بل كان الثابت هو التصديق بالله تعالى خاصة : استقام نفى الايمان قبل الوحى على هذه الطريقة الواضحة ، والله أعلم.
(١) أخرجه الثعلبي وابن مردويه باسنادهما إلى أبى بن كعب.
(٢) قال محمود : «أقسم بالكتاب المبين وجعل قوله (إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) جوابا للقسم ... الخ» قال أحمد : تنبيه حسن جدا. ووجه التناسب فيه أنه أقسم بالقرآن ، وإنما يقسم بعظيم ، ثم جعل المقسم عليه تعظيم القرآن بأنه قرآن عربى ـ
وهو من الأيمان الحسنة البديعة ، لتناسب القسم والمقسم عليه ، وكونهما من واد واحد. ونظيره قول أبى تمام :
وثناياك إنّها إغريض (١)
(الْمُبِينِ) البين للذين أنزل عليهم ، لأنه بلغتهم وأساليبهم. وقيل : الواضح للمتدبرين. وقيل (الْمُبِينِ) الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة ، وأبان ما تحتاج إليه الأمة في أبواب الديانة (جَعَلْناهُ) بمعنى صيرناه معدّى إلى مفعولين. أو بمعنى خلقناه معدّى إلى واحد ، كقوله تعالى (وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ). و (قُرْآناً عَرَبِيًّا) حال. ولعلّ : مستعار لمعنى الإرادة (٢) ، لتلاحظ (٣) معناها ومعنى الترجي (٤) ، أى : خلقناه عربيا غير عجمى : إرادة أن تعقله العرب ، ولئلا يقولوا لو لا فصلت آياته ، وقرئ : أمّ الكتاب بالكسر وهو اللوح ، كقوله تعالى (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) سمى بأم الكتاب ، لأنه الأصل الذي أثبتت فيه الكتب منه تنقل وتستنسخ. على رفيع الشأن في الكتب ، لكونه معجزا من بينها (حَكِيمٌ) ذو حكمة بالغة ، أى : منزلته عندنا منزلة كتاب هما صفتاه ، وهو مثبت في أم الكتاب هكذا.
(أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ)(٥)
__________________
ـ مرجو به أن يعقل به العالمون ، أى : يتعقلوا آيات الله تعالى فكان جواب القسم مصححا للقسم ، وكذلك أقسم أبو تمام بالثنايا ، وإنما يقسم الشعراء بمثل هذا الاشعار بأنه في غاية الحسن ، ثم جعل المقسم عليه كونها في نهاية الحسن ، لا أنها هي أغريض ، وهو من أحسن تشبيهات الثايا ، فجعل المقسم عليه مصححا للقسم والله أعلم.
|
(١) وثناياك إنها إغريض |
|
ولآل نوار أرض وميض |
|
وأقاح منور في بطاح |
|
هزه في الصباح روض أريض |
لأبى تمام. والاغريض : البرد. والطلع والنوار : كرمان نور الشجر ، واحده نوارة. والوميض : شديد البريق واللمعان. والأقاح : نور أبيض طيب الرائحة. والأريض : طيب الأرض ، فيكون نضرا بهيجا : أقسم بثناياها أى : مقدم أسنانها ، إنها : أى ثناياها إغريض. فالقسم وجوابه متعلقان بشيء واحد ، وشبههما بالبرد وبنوار الأرض الشبيه باللآلئ ، فاضافتها إليه للتشبيه. ووميض : نعت مقطوع للنوار. أو تابع للاغريض ، لكن الأول أجزل ، وشبهه بالأقاح الذي نور في البطاح ، لأنه أنضر وأزهى. وهزه في الصباح من صفة الأقاح «وخص الصباح ليكون على الزهر بقية من الندى ، فيكون في غاية النضرة والزهو. وفيه إيماء لتشبيه قوام محبوبته بأغصان الروض في التمايل وظهور الزهور في أعلى كل منهما ، ولك أن تجعل «وميض» صفة للآلئ ، وإن كانت جمعا ، لأن فعيل بمعنى فاعل قد يعامل معاملته فعيل بمعنى مفعول ، فيطلق على الواحد والمتعدد مذكرا ومؤنثا. ويروى بدل الشطر الثاني : ولآل توم ورق وميض. والتوم : واحده تومة «وهي حبة تعمل من الفضة كالدرة ، ولا إشكال في إعرابه.
(٢) قال محمود : «ولعل مستعار لمعنى الارادة» «فسره بالارادة» قال أحمد : قد بينا فساد ذلك غير ما مرة.
(٣) قوله «لتلاحظ معناها» لعله : ليلاحظ. (ع)
(٤) قوله «ومعنى الترجي» لعله : أو معنى. (ع)
(أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً) بمعنى : أفننحى عنكم الذكر ونذوده عنكم على سبيل المجاز ، من قولهم : ضرب الغرائب عن الحوض. ومنه قول الحجاج : ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل. وقال طرفة :
|
أضرب عنك الهموم طارقها |
|
ضربك بالسّيف قونس الفرس (١) |
والفاء للعطف على محذوف ، تقديره : أنهملكم فنضرب عنكم الذكر ، إنكارا لأن يكون الأمر على خلاف ما قدّم من إنزاله الكتاب. وخلقه قرآنا عربيا ، ليعقلوه ويعملوا بمواجبه. وصفحا على وجهين. إما مصدر من صفح عنه : إذا أعرض ، منتصب على أنه مفعول له ، على معنى : أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضا عنكم. وإمّا بمعنى الجانب من قولهم : نظر إليه بصفح وجهه وصفح وجهه ، على معنى : أفننحيه عنكم جانبا ، فينتصب على الظرف كما تقول : ضعه جانبا ، وامش جانبا. وتعضده قراءة من قرأ : صفحا بالضم. وفي هذه القراءة وجه آخر : وهو أن يكون تخفيف صفح جمع صفوح ، وينتصب على الحال ، أى : صافحين معرضين (أَنْ كُنْتُمْ) أى : لأن كنتم. وقرئ : إن كنتم ، وإذ كنتم. فإن قلت : كيف استقام معنى إن الشرطية ، وقد كانوا مسرفين على البتّ؟ قلت : هو من الشرط الذي ذكرت أنه يصدر عن المدل (٢) بصحة الأمر ، المتحقق لثبوته ، كما يقول الأجير : إن كنت عملت لك فوفني حقي ، وهو عالم بذلك ، ولكنه يخيل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحق : فعل من له شك في الاستحقاق ، مع وضوحه استجهالا له.
(وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ)(٨)
(وَما يَأْتِيهِمْ) حكاية حال ماضية مستمرة ، أى : كانوا على ذلك. وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاء قومه. الضمير في (أَشَدَّ مِنْهُمْ) للقوم المسرفين ، لأنه صرف الخطاب عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره عنهم (وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) أى سلف في القرآن في غير موضع منه ذكر قصتهم وحالهم العجيبة التي حقها أن تسير مسير المثل ، وهذا وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووعيد لهم.
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)
__________________
(١) تقدم شرح هذا الشاهد بهذا الجزء صفحة ٨٧ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٢) قوله «عن المدل» أى : المواثق. أفاده الصحاح. (ع)
.
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ)(١١)
فإن قلت : قوله (لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) وما سرد من الأوصاف عقيبه إن كان من قولهم (١) ، فما تصنع بقوله (فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ) وإن كان من قول الله ، فما وجهه؟ قلت : هو من قول الله لا من قولهم. ومعنى قوله (لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) الذي من صفته كيت وكيت ، لينسبنّ خلقها إلى الذي هذه أوصافه وليسندنه إليه. (بِقَدَرٍ) بمقدار يسلم معه البلاد والعباد ، ولم يكن طوفانا.
(وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ)(١٤)
و (الْأَزْواجَ) الأصناف (ما تَرْكَبُونَ) أى تركبونه. فإن قلت : يقال : ركبوا الأنعام وركبوا في الفلك (٢). وقد ذكر الجنسين فكيف قال ما تركبونه؟ قلت : غلب المتعدّى بغير
__________________
(١) قال محمود : «فان قلت : قوله (لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) وما سرد من الأوصاف عقبه إن كان من قولهم ... الخ» قال أحمد : الذي يظهر أن الكلام مجزأ ، فبعضه من قولهم ، وبعضه من قول الله تعالى ، فالذي هو من قولهم (خَلَقَهُنَ) ، وما بعده من قول الله عز وجل ، وأصل الكلام أنهم قالوا : خلقهن الله ؛ ويدل عليه قوله في الآية الأخرى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ) ثم لما قالوا : خلقهن الله وصف الله تعالى ذاته بهذه الصفات ، ولما سبق الكلام كله سياقه وأخذه ، حذف الموصوف من كلامهم ، وأقيمت الصفات المذكورة في كلام الله تعالى مقامه كأنه كلام واحد. ونظير هذا أن تقول للرجل : من أكرمك من القوم؟ فيقول أكرمنى زيد ، فتقول أنت واصفا للمذكور : الكريم الجواد الذي من صفته كذا وكذا ، ثم لما وقع الانتقال من كلامهم إلى كلام الله عز وجل ، جرى كلامه عز وجل على ما عرف من الافتنان في البلاغة ، فجاء أوله على لفظ الغيبة وآخره على الانتقال منها ، إلى التكلم في قوله (فَأَنْشَرْنا) كل ذلك افتنان في أفنان البلاغة. ومن هذا النمط قوله تعالى حكاية عن موسى (قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى) فجاء أول الكلام حكاية عن موسى ، إلى قوله (وَلا يَنْسى) ثم وقع الانتقال من كلام موسى إلى كلام الله تعالى ، فوصف ذاته أوصافا متصلة بكلام موسى ، حتى كأنه كلام واحد. وابتدأ في ذكر صفاته على لفظ الغيبة إلى قوله (فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى) فانظر إلى تحقيق التطبيق بين الآيتين تر العجب ، والله الموفق.
(٢) قال محمود : «يقال ركبت الدابة وركبت في الفلك ... الخ» قال أحمد : لم يحرر العبارة في هذا الموضع فان قوله «غلب المتعدي بغير واسطة على المتعدي بنفسه» يوهم أن بين الفعلين تباينا وليس ـ
واسطة ، لقوّته على المتعدّى بواسطة ، فقيل : تركبونه (عَلى ظُهُورِهِ) على ظهور ما تركبون وهو الفلك والأنعام. ومعنى ذكر نعمة الله عليهم : أن يذكروها في قلوبهم معترفين بها مستعظمين لها ، ثم يحمدوا عليها بألسنتهم ، وهو ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان إذا وضع رجله في الركاب قال : «بسم الله» فإذا استوى على الدابة قال : «الحمد لله على كل حال ، سبحان الذي سخر لنا هذا ... إلى قوله ... لمنقلبون» وكبر ثلاثا وهلل ثلاثا (١). وقالوا : إذا ركب (٢) في السفينة قال : (بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) وعن الحسن بن على رضى الله عنهما أنه رأى رجلا يركب دابة فقال : سبحان الذي سخر لنا هذا. فقال : أبهذا أمرتم؟ فقال : وبم أمرنا؟ قال : أن تذكروا نعمة (٣) ربكم : كان قد أغفل التحميد فنبهه عليه. وهذا من حسن مراعاتهم لآداب الله ومحافظتهم على دقيقها وجليلها. جعلنا الله من المقتدين بهم ، والسائرين بسيرتهم ، فما أحسن بالعاقل النظر في لطائف الصناعات ، فكيف بالنظر في لطائف الديانات؟ (مُقْرِنِينَ) مطيقين. يقال : أقرن الشيء ، إذا أطاقه. قال ابن هرمة :
__________________
ـ كذلك ، فان المتعدي إلى الأنعام هو عين الفعل المتعدي إلى السفن غاية ما ، ثم إن العرب خصته باعتبار بعض مفاعيله بالواسطة ، وباعتبار بعضها بالتعدي بنفسه ، والاختلاف بالتعدي والقصور. أو باختلاف آلات التعدي. وباختلاف أعداد المفاعيل لا يوجب الاختلاف في المعنى ، فمن ثم يعدون الفعل الواحد مرة بنفسه ومرة بواسطة ، مثل : سكرت وأخواته ، ويعدون الأفعال المترادفة بآلات مختلفة ، مثل دعوت وصليت ، فإنك تقول : صلى النبي على آل أبى أوفى ، ولو قلت : دعا على آل أبى أوفى : لأفهم عكس المقصود ، ولكن دعا لآل أبى أوفى ، ويعدون بعضها إلى مفعولين ، ومرادفه إلى مفعول واحد ، كعلم وعرف ، فلا يترتب على الاختلاف بالتعدي. والقصور : الاختلاف في المعنى ، فالذي يحرر من هذا : أن ركب باعتبار القبيلين معناه واحد ، وإن خص أحدهما باقتران الواسطة والآخر بسقوطها ، فالصواب أحد الأمرين : إما تقدير المتعلقين على ما هما عليه لو انفردا ، فيكون التقدير ما تركبونه وتركبون فيه ، والأقرب تعليله باعتبار التعدي بنفسه ، ويكون هذا من تغليب أحد اعتباري الفعل على الآخر ، وهو أسهل من التغليب في قوله تعالى (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ) على أحد التأويلين فيه : فان التباين ثم ثابت بين الفعلين من حيث المعنى ، أعنى : أجمع على الأمر وجمع الشركاء ، ولكن لما تقاربا : غلب أحدهما على الآخر ، ثم جعل المغلب هو المتعدي بنفسه ، والله أعلم.
(١) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث على. وأسنده الثعلبي باللفظ المذكور هنا. ولمسلم من طريق على الأرزى عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا ثم قال : (سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا) الآية.
(٢) لم أجده من فعله صلى الله عليه وسلم. وفي الطبراني من حديث الضحاك عن ابن عباس رفعه «أمان لأمتى من الغرق إذا ركبوا في الفلك أن يقولوا : بسم الله ، وما قدروا الله حق قدره ـ الآية بسم الله مجريها ومرساها» ورواه في الدعاء من حديث الحسن بن على رضى الله عنهما.
(٣) أخرجه الطبري والطبراني في الدعاء من طريق مجلس عن حسين بن على فذكره.
|
وأقرنت ما حمّلتنى ولقلّما |
|
يطاق احتمال الصّد يا دعد والهجر (١) |
وحقيقة «أقرنه» : وجده قرينته وما يقرن به ، لأنّ الصعب لا يكون قرينة للضعيف. ألا ترى إلى قولهم في الضعيف : لا يقرن به الصعبة. وقرئ : مقرنين ، والمعنى واحد. فإن قلت : كيف اتصل بذلك قوله (وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ)؟ قلت : كم من راكب دابة عثرت به أو شمست أو تقحمت (٢) أو طاح من ظهرها فهلك ، وكم من راكبين في سفينة انكسرت بهم فغرقوا ، فلما كان الركوب مباشرة أمر مخطر ، واتصالا بسبب من أسباب التلف : كان من حق الراكب وقد اتصل بسبب من أسباب التلف أن لا ينسى عند اتصاله به يومه ، وأنه هالك لا محالة فمنقلب إلى الله غير منفلت من قضائه ، ولا يدع ذكر ذلك بقلبه ولسانه حتى يكون مستعد اللقاء الله بإصلاحه من نفسه ، والحذر من أن يكون ركوبه ذلك من أسباب موته في علم الله وهو غافل عنه ، ويستعيذ بالله من مقام من يقول لقرنائه : تعالوا نتنزه على الخيل أو في بعض الزوارق ، فيركبون حاملين مع أنفسهم أوانى الخمر والمعازف ، فلا يزالون يسقون حتى تميل طلاهم (٣) وهم على ظهور الدواب ، أو في بطون السفن وهي تجرى بهم ، لا يذكرون إلا الشيطان ، ولا يمتثلون إلا أوامره. وقد بلغني أنّ بعض السلاطين ركب وهو يشرب من بلد إلى بلد بينهما مسيرة شهر ، فلم يصح إلا بعد ما اطمأنت به الدار ، فلم يشعر بمسيره ولا أحس به ، فكم بين فعل أولئك الراكبين وبين ما أمره الله به في هذه الآية. وقيل : يذكرون عند الركوب ركوب الجنازة.
(وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ)(١٨)
__________________
(١) لابن هرمة «وأقرنت الشيء : إذا وجدته قرينا لك لا يزيد عنك ، ثم استعمل في الاطاقة توسعا. ولقلما اللام للقسم. وقل : فعل. وما : كافة ، ركبت معه فصار المراد منه النفي ولا فاعل له ، وشبه المعقول من الصد والهجر بالمحسوس على طريق الكناية والحمل تخييل. يقول : أطقت ما حملتني إياه من صدك عنى وهجرك لي ، والحال أنه لا يطاق احتمالهما. وفي الاعتراض بندائها : نوع استعطاف.
(٢) قوله «أو شمست أو تقحمت» في الصحاح : شمس الفرس شموسا وشماسا : منع ظهره. وفيه «القحمة» بالضم : المهلكة. وقحم الطريق : مصاعبه اه ، فتقحم الدابة براكبها : خوضها به في قحمته. (ع)
(٣) قوله «حتى تميل طلاهم» في الصحاح «الطلى» الأعناق. قال الأصمعي : واحدتها طلية. وقال أبو عمرو والفراء : واحدتها طلاة. (ع)
(وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً) متصل بقوله (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ) أى : ولئن سألتهم عن خالق السماوات والأرض ليعترفن به ، وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزاء فوصفوه بصفات المخلوقين. ومعنى (مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً) أن قالوا الملائكة بنات الله ، فجعلوهم جزءا له وبعضا منه ، كما يكون الولد بضعة من والده وجزءا له. ومن بدع التفاسير : تفسير الجزء بالإناث ، وادعاء أنّ الجزء في لغة العرب : اسم للإناث ، وما هو إلا كذب على العرب ، ووضع مستحدث منحول ، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه : أجزأت المرأة ، ثم صنعوا بيتا وبيتا :
إن أجزأت حرّة يوما فلا عجب (١)
زوجتها من بنات الأوس مجزئة (٢)
وقرئ : جزؤا ، بضمتين (لَكَفُورٌ مُبِينٌ) لجحود للنعمة ظاهر جحوده ، لأنّ نسبة الولد إليه كفر ، والكفر أصل الكفران كله (أَمِ اتَّخَذَ) بل اتخذ ، والهمزة للإنكار ، تجهيلا لهم وتعجيبا من شأنهم ، حيث لم يرضوا بأن جعلوا لله من عباده جزءا ، حتى جعلوا ذلك الجزء شر الجزأين : وهو الإناث دون الذكور ، على أنهم أنفر خلق الله عن الإناث وأمقتهم لهنّ ، ولقد بلغ بهم المقت إلى أن وأدوهنّ ، كأنه قيل : هبوا أنّ إضافة اتخاذ الولد إليه جائزة فرضا وتمثيلا ، أما تستحيون من الشطط في القسمة؟ ومن ادعائكم (٣) أنه آثركم على نفسه بخير الجزأين
__________________
|
(١) إن أجزأت حرة يوما فلا عجب |
|
قد تجزئ الحرة المذكار أحيانا |
قيل : «الجزؤ» اسم للأنثى ، واشتقوا منه : أجزأت المرأة ، إذا ولدت جزءا : أى أنثى. وأنكره الزمخشري وقال إنه اصطناع لا لغة. والمعنى : إن ولدت امرأة حرة أنثى في بعض الأحيان فلا عجب ، فان الحرة التي تلد الذكور كثيرا قد تلد أنثى في بعض الأوقات. وقيل : حرة الأولى اسم امرأة ، والثانية صفة.
|
(٢) زوجتها من بنات الأوس مجزئة |
|
للعوسج اللدن في أبيانها زجل |
قيل : «المجزئة» التي تلد البنات. والجزؤ : البنت. وأنكره الزمخشري وقال : إنه مصنوع لا لغة. والعوسج : ضرب من الشوك. والمراد به : عود المغزل المتخذ منه. واللدن : اللين. والزجل : صوت دوران المغزل. ونحوه : وزوجتها ، مبنى للمجهول. وروى : «نكحتها من بنات الأوس» هو أبو قبيلة سميت باسمه ، تلد تلك المرأة البنات. وجعل العوسج لدنا ، لأنه أكثر دويا ورنينا في دورانه.
(٣) قال محمود : «كأنه قيل : هبوا أن إضافة الولد إليه جائزة فرضا وتمثيلا ، أما تستحيون من الشطط في القسمة؟ ومن ادعاء أنه آثركم على نفسه ... الخ» قال أحمد : نحن معاشر أهل السنة نقول : إن كل شيء بمشيئة الله تعالى ، حتى الضلالة والهدى : اتباعا لدليل العقل ، وتصديقا لنص النقل في أمثال قوله تعالى (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) وآية الزخرف هذه لا تزيد هذا المعتقد الصحيح إلا تمهيدا ، ولا تفيده إلا تصويبا وتسديدا ، فنقول : إذا قال الكافر : لو شاء الله ما كفرت ، فهذه كلمة حق أراد بها باطلا. أما كونها كلمة حق فلما مهدناه. وأما كونه أراد بها باطلا ، فمراد الكافر بذلك أن يكون له الحجة على الله ، توهما أنه يلزم من مشيئة الله تعالى لضلالة من ضل : أن
وأعلاهما وترك له شرهما وأدناهما؟ وتنكير (بَناتٍ) وتعريف (بِالْبَنِينَ) وتقديمهنّ في الذكر عليهم لما ذكرت في قوله تعالى (يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ). (بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً) بالجنس الذي جعله له مثلا ، أى : شبها لأنه إذا جعل الملائكة جزءا لله وبعضا منه ، فقد جعله من جنسه ومماثلا له ، لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد ، يعنى : أنهم نسبوا إليه هذا الجنس. ومن حالهم أن أحدهم إذا قيل له : قد ولدت لك بنت اغتم واربدّ وجهه (١) غيظا وتأسفا وهو مملوء من الكرب. وعن بعض العرب : أن امرأته وضعت أنثى ، فهجر البيت الذي فيه المرأة ، فقالت :
__________________
ـ لا يعاقبه على ذلك ، لأنه إنما فعل مقتضى مشيئته كما توهم القدرية إخوان الوثنية ذلك ، فأشركوا بربهم ، واعتقدوا أن الضلالة وقعت بمشيئة الخلق على خلاف مشيئة الخالق ، فالذين أشركوا بالملائكة أرفع منهم درجة ، لأن هؤلاء أشركوا أنفسهم الدنية في ملك ربهم المتوحد بالربانية جل وعلا ، فإذا وضح ما قلناه فإنما رد الله عليهم مقالتهم هذه ، لأنهم توهموا أنها حجة على الله ، فدحض الله حجتهم ، وأكذب أمنيتهم ، وبين أن مقالتهم صادرة عن ظن كاذب وتخرص محض ، فقال : (ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) ، (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) وقد أفصحت أخت هذه الآية مع هذه الآية عن هذا التقدير ، وذلك قوله تعالى في سورة الأنعام (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) فبين تعالى أن الحامل لهؤلاء على التكذيب بالرسل والاشراك بالله : اغترارهم بأن لهم الحجة على الله بقولهم (لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا) فشبه تعالى حالهم في الاعتماد على هذا الخيال بحال أوائلهم ، ثم بين أنه معتقد نشأ عن ظن خلب وخيال مكذب ، فقال (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) ثم لما أبطل أن يكون لهم في مقالتهم حجة على الله : أثبت تعالى الحجة له عليهم بقوله (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) ثم أوضح أن الرد عليهم ليس إلا في احتجاجهم على الله بذلك ، لا لأن المقالة في نفسها كذب فقال (فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) وهو معنى قولهم (لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا) من حيث أن لو مقتضاها امتناع الهداية لامتناع المشيئة ، فدلت الآية الأخيرة على أن الله تعالى لم يشأ هدايتهم ، بل شاء ضلالتهم. ولو شاء هدايتهم لما ضلوا ، فهذا هو الدين القويم والصراط المستقيم ، والنور اللائح والمنهج الواضح. والذي يدحض به حجة هؤلاء مع اعتقاد أن الله تعالى شاء وقوع الضلالة منهم : هو أنه تعالى جعل للعبد تأتيا وتيسرا للهداية وغيرها من الأفعال الكسبية. حتى صارت الأفعال الصادرة منه مناط التكليف ، لأنها اختيارية يفرق بالضرورة بينهما وبين العوارض القسرية ، فهذه الآية أقامت الحجة ، ووضحت لمن اصطفاه الله للمعتقدات الصحيحة الحجة ، ولما كانت تفرقة دقيقة. لم تنتظم في ملك الأفهام الكثيفة ، فلا جرم أن أفهامهم تبددت ، وأفكارهم تبدلت ، فغلت طائفة القدرية واعتقدت أن العبد فعال لما يريد على خلاف مشيئة ربه ، وجارت الجبرية فاعتقدت أن لا قدرة للعبد البتة ولا اختيار ، وأن جميع الأفعال صادرة منه على سبيل الاضطرار. أما أهل الحق فمنحهم الله من هدايته قسطا ، وأرشدهم إلى الطريق الوسطى ، فانتهجوا سبل السلام ، وساروا ورائد التوفيق لهم إمام ، مستضيئين بأنوار العقول المرشدة إلى أن جميع الكائنات بقدرة الله تعالى ومشيئته ، ولم يغب عن أفهامهم أن يكون بعض الأفعال للعبد مقدورة ، لما وجدوه من التفرقة بين الاختيارية والقسرية بالضرورة ، لكنها قدرة تقارن بلا تأثير ، وتميز بين الضروري والاختياري في التصوير ، فهذا هو التحقيق ، والله ولى التوفيق.
(١) قوله «وأريد وجهه غيظا» تغير إلى الغبرة من الغضب. أفاده الصحاح. (ع)
|
ما لأبى حمزة لا يأتينا |
|
يظل في البيت الّذى يلينا |
|
غضبان أن لا نلد البنينا |
|
ليس لنا من أمرنا ماشينا |
|
وإنّما نأخذ ما أعطينا (١) |
||
والظلول بمعنى الصيرورة ، كما يستعمل أكثر الأفعال الناقصة بمعناها. وقرئ : مسودّ ومسوادّ ، على أن في (ظَلَ) ضمير المبشر ، و (وَجْهُهُ مُسْوَدًّا) جملة واقعة موقع الخبر ، ثم قال : أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة المذمومة صفته. وهو أنه (يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ) أى يتربى في الزبنة والنعمة ، وهو إذا احتاج إلى مجاثاة الخصوم (٢) ومجاراة الرجال : كان غير مبين ، ليس عنده بيان ، ولا يأتى ببرهان يحتج به من يخاصمه ، (٣) وذلك لضعف عقول النساء ونقصانهنّ عن فطرة الرجال ، يقال : قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. وفيه. أنه جعل النشء في الزينة والنعومة من المعايب والمذام ، وأنه من صفة ربات الحجال ، فعلى الرجل أن يجتنب ذلك ويأنف منه ، ويربأ بنفسه عنه ، ويعيش كما قال عمر رضى لله عنه : اخشوشنوا واخشوشبوا وتمعددوا (٤). وإن أراد أن يزين نفسه زينها من باطن بلباس التقوى ، وقرئ : ينشأ ، وينشأ ، ويناشأ. ونظير المناشأة بمعنى الإنشاء : المغالاة بمعنى الإغلاء.
(وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ)(١٩)
قد جمعوا في كفرة ثلاث كفرات. وذلك أنهم نسبوا إلى الله الولد ، ونسبوا إليه أخس
__________________
|
(١) ما لأبى حمزة لا يأتينا |
|
يظن في البيت الذي يلينا |
|
غضبان أن لا تلد البنينا |
|
ليس لنا من أمرنا ماشينا |
|
وإنما نأخذ ما أعطينا |
|
حكمة ربى ذى الجلال فينا |
لامرأة ولدت أنثى ، فهجر زوجها بيتها والاستفهام إنكارى. ويظل : استئناف ، أى يصير دائما في البيت الذي يقرب منا ، ولا يأوى إلى بيتنا. وغضبان : أى هو غضبان ، فهو على تقدير الاستفهام. ويحتمل أنه إخبار ، أى : هو غضبان من عدم ولادتنا البنين ، ثم ترضته واستعطفته بقولها : ليس لنا من أمرنا ما نشاء ، فخفف همزة شئنا القافية ، ولا نأخذ إلا ما أعطانا الله إياه ، لأن الأمر كله لله ، تلك حكمته فينا معاشر الخلق.
(٢) قوله «إلى مجاثاة الخصوم» مفاعلة من «جثا يجثو» إذا برك على ركبتيه. أفاده الصحاح. (ع)
(٣) قوله «يحتج به من يخاصمه» لعله : على من يخاصمه. أو لعله : يحج به من يخاصمه ، أى : يغلبه في الحجاج (ع)
(٤) أخرجه أبو عبيد في الغريب : حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبى العدس الأسدى عن عمر رضى الله عنه أنه قال. ذكر هذا وزاد : واجعلوا الرأس رأسين ـ الحديث» موقوفا. ورواه ابن حبان من طريق أبى عثمان. قال : أتانا كتاب عمر فذكر قصة فيها هذا.
النوعين ؛ وجعلوه من الملائكة الذين هم أكرم عباد الله على الله ، (١) فاستخفوا بهم واحتقروهم. وقرئ : عباد الرحمن ، وعبيد الرحمن ، وعبد الرحمن ، وهو مثل لزلفاهم واختصاصهم. وإناثا ، وأنثا : جمع الجمع. ومعنى جعلوا : سموا وقالوا إنهم إناث. وقرئ : أشهدوا وأشهدوا ، بهمزتين مفتوحة ومضمومة. وآ أشهدوا بألف بينهما ، وهذا تهكم بهم ، بمعنى أنهم يقولون ذلك من غير أن يستند قولهم إلى علم ، فإن الله لم يضطرهم إلى علم ذلك ، ولا تطرّقوا إليه باستدلال ، ولا أحاطوا به عن خبر يوجب العلم ، فلم يبق إلا أن يشاهدوا خلقهم ، فأخبروا عن هذه المشاهدة (سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ) التي شهدوا بها على الملائكة من أنوثتهم (وَيُسْئَلُونَ) وهذا وعيد. وقرئ : سيكتب ، وسنكتب : بالياء والنون. وشهادتهم ، وشهاداتهم. ويساءلون ، على : يفاعلون.
(وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) (٢٠)
(وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ) هما كفرتان أيضا مضمومتان إلى الكفرات الثلاث ، وهما : عبادتهم الملائكة من دون الله ، وزعمهم أن عبادتهم بمشيئة الله ، كما يقول إخوانهم المجبرة (٢). فإن قلت : ما أنكرت على من يقول : قالوا ذلك على وجه الاستهزاء ، ولو قالوه جادين لكانوا مؤمنين؟ قلت : لا دليل على أنهم قالوه مستهزئين ، وادعاء ما لا دليل عليه باطل ، على أن الله تعالى قد حكى عنه ذلك على سبيل الذم والشهادة بالكفر : أنهم جعلوا له من عباده جزءا ، وأنه اتخذ بنات وأصفاهم بالبنين ، وأنهم جعلوا الملائكة المكرمين إناثا ، وأنهم عبدوهم وقالوا : لو شاء الرحمن ما عبدناهم ، فلو كانوا ناطقين بها على طريق الهزء : لكان النطق بالمحكيات (٣) ـ قبل هذا المحكي الذي هو إيمان عنده لوجدّوا في النطق به ـ مدحا لهم ، من قبل أنها كلمات كفر نطقوا بها على طريق الهزء ، فبقى أن يكونوا جادين ، وتشترك كلها في أنها كلمات كفر ، فإن قالوا : نجعل هذا الأخير وحده مقولا على وجه الهزء دون ما قبله ، فما بهم إلا تعويج
__________________
(١) قوله «هم أكرم عباد الله على الله» هذا عند المعتزلة. أما أهل السنة فبعض البشر أكرم عندهم من الملك. (ع)
(٢) قوله «المجبرة» يريد أهل السنة ، حيث قالوا : إنه تعالى يريد الشر كالخير ، لأنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد ، لكن هذا لا يستلزم الجبر ولا ينافي اختيار العبد ، لما له في أفعاله من الكسب وإن كانت مخلوقة له تعالى في الحقيقة ، بل الجبر إنما يكون لو كان العبد لا دخل له في أفعاله أصلا ، كالريشة في الهواء ، كما قالت المجبرة الحقيقية. وإنما ذم الله تلك المقالة من الكفار لأنهم قالوها استهزاء وعنادا ، لا إقرارا واعتقادا. والدليل على ذلك إجماع سلف الأمة على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. (ع)
(٣) قوله : «لكان النطق بالمحكيات ... الخ» ممنوع ، وكذا ما بعده ، والمعتزلة قالوا : لا يريد الشر بناء على أن الارادة هي الأمر ، وهو ممنوع ، وعفا الله عن صاحب الكتاب في بذأة لسانه على أهل السنة ، وجعلهم إخوان الكفار. (ع)
كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، لتسوية مذهبهم الباطل. ولو كانت هذه كلمة حق نطقوا بها هزءا لم يكن لقوله تعالى (ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) معنى ، لأنّ من قال لا إله إلا الله على طريق الهزء : كان الواجب أن ينكر عليه استهزاؤه ولا يكذب ، لأنه لا يجوز تكذيب الناطق بالحق جادّا كان أو هازئا. فإن قلت : ما قولك فيمن يفسر ما لهم ـ بقولهم : (١) إن الملائكة بنات الله ـ من علم إن هم إلا يخرصون في ذلك القول لا في تعليق عبادتهم بمشيئة الله؟ قلت : تمحل مبطل وتحريف مكابر. ونحوه قوله تعالى (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ).
(أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ) (٢٢)
الضمير في (مِنْ قَبْلِهِ) للقرآن أو الرسول. والمعنى : أنهم ألصقوا عبادة غير الله بمشيئة الله : قولا قالوه غير مستند إلى علم ، ثم قال : أم آتيناهم كتابا قبل هذا الكتاب نسبنا فيه الكفر والقبائح إلينا ، فحصل لهم علم بذلك من جهة الوحى ، فاستمسكوا بذلك الكتاب واحتجوا به. بل لا حجة لهم يستمسكون بها إلا قولهم (إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ) على دين. وقرئ : على إمة ، بالكسر ، وكلتاهما من الأمّ وهو القصد ، فالأمة : الطريقة التي تؤم ، أى : تقصد ، كالرحلة للمرحول إليه. والأمة : الخالة التي يكون عليها الآم وهو القاصد. وقيل : على نعمة وحالة حسنة (عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ) خبر إن. أو الظرف صلة لمهتدون.
(وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ)(٢٣)
(مُتْرَفُوها) الذين أترفتهم النعمة ، أى أبطرتهم فلا يحبون إلا الشهوات والملاهي ، ويعافون مشاق الدين وتكاليفه.
(قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)(٢٥)
قرئ : قل ، وقال ، وجئتكم ، وجئناكم ، يعني ، أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من
__________________
(١) قوله «ما قولك فيمن يفسر ما لهم بقولهم» لعله : «يفسر ما لهم بذلك بقوله ما لهم بقولهم ... الخ» (ع)
دين آبائكم؟ قالوا : إنا ثابتون على دين آبائنا لا ننفك عنه ، وإن جئتنا بما هو أهدى وأهدى.
(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(٢٨)
قرئ : براء ، بفتح الباء وضمها. وبريء ، فبرىء وبراء ، نحو كريم وكرام ، (١) وبراء : مصدر كظماء ، ولذلك استوى فيه الواحد والاثنان والجماعة ، والمذكر والمؤنث. يقال : نحن البراء منك ، والخلاء منك (الَّذِي فَطَرَنِي) فيه غير وجه : أن يكون منصوبا على أنه استثناء منقطع ، كأنه قال : لكن الذي فطرني فإنه سيهدين ، وأن يكون مجرورا بدلا من المجرور بمن ، كأنه قال : إننى براء مما تعبدون إلا من الذي فطرني. فإن قلت : كيف تجعله بدلا وليس من جنس ما يعبدون من وجهين ، أحدهما : أن ذات الله مخالفة لجميع الذوات ، فكانت مخالفة لذوات ما يعبدون. والثاني ، أن الله تعالى غير معبود بينهم والأوثان معبودة؟ قلت : قالوا : كانوا يعبدون الله مع أوثانهم ، وأن تكون (إِلَّا) صفة بمعنى غير ، على أن «ما» في ما تعبدون موصوفة ، تقديره : إننى براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني ، فهو نظير قوله تعالى (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا). فإن قلت : ما معنى قوله (سَيَهْدِينِ) على التسويف؟ قلت : قال مرة (فَهُوَ يَهْدِينِ) ومرّة (فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) فاجمع بينهما وقدّر ، كأنه قال. فهو يهدين وسيهدين ، فيدلان على استمرار الهداية في الحال والاستقبال (وَجَعَلَها) وجعل إبراهيم صلوات الله عليه كلمة التوحيد التي تكلم بها وهي قوله (إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ) في ذريته ، فلا يزال فيهم من يوحد الله ويدعو إلى توحيده ، لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم. ونحوه (وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ) وقيل : وجعلها الله. وقرئ : كلمة على التخفيف وفي عقبه كذلك ، وفي عاقبه ، أى : فيمن عقبه ، أى : خلفه.
(بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ)(٢٩)
(بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ) يعنى : أهل مكة ، وهم من عقب إبراهيم بالمدّ في العمر والنعمة ، فاغتروا بالمهلة ، وشغلوا بالتنعم واتباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد (حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُ) وهو القرآن (وَرَسُولٌ مُبِينٌ) الرسالة واضحها بما معه من الآيات البينة ، فكذبوا به وسموه ساحرا وما جاء به سحرا ولم يوجد منهم ما رجاه إبراهيم. وقرئ : بل متعنا. فإن قلت : فما وجه قراءة من قرأ (مَتَّعْتُ) بفتح التاء؟ قلت : كأن الله تعالى اعترض على ذاته في قوله (وَجَعَلَها كَلِمَةً
__________________
(١) قوله «نحو كريم وكرام» في الصحاح. الكرام ـ بالضم ـ : مثل الكريم. (ع)
باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) فقال : بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر والسعة في الرزق ، حتى شغلهم ذلك عن كلمة التوحيد. وأراد بذلك الإطناب في تعييرهم ، لأنه إذا متعهم بزيادة النعم وجب عليهم أن يجعلوا ذلك سببا في زيادة الشكر والثبات على التوحيد والإيمان ، لا أن يشركوا به ويجعلوا له أندادا ، فمثاله أن يشكو الرجل إساءة من أحسن إليه ، ثم يقبل على نفسه فيقول. أنت السبب في ذلك بمعروفك وإحسانك ، وغرضه بهذا الكلام توبيخ المسيء لا تقبيح فعله.
(وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠) وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)(٣١)
فإن قلت : قد جعل مجيء الحق والرسول غاية التمتيع ، ثم أردفه (١) قوله (وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ) فما طريقة هذا النظم ومؤداه؟ قلت : المراد بالتمتيع ما هو سبب له ، وهو اشتغالهم بالاستمتاع عن التوحيد ومقتضياته ، فقال : بل اشتغلوا عن التوحيد حتى جاءهم الحق ورسول مبين ، فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عندها عن غفلتهم لاقتضائها التنبه ، ثم ابتدأ قصتهم عند مجيء الحق فقال : ولما جاءهم الحق جاءوا بما هو شر من غفلتهم التي كانوا عليها : وهو أن ضموا إلى شركهم معاندة الحق ، ومكابرة الرسول ، ومعاداته ، والاستخفاف بكتاب الله وشرائعه ، والإصرار على أفعال الكفرة والاحتكام على حكمة الله في تخير محمد من أهل زمانه بقولهم (لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) وهي الغاية في تشويه صورة أمرهم. قرئ على رجل ، بسكون الجيم من القريتين : من إحدى القريتين ، كقوله تعالى (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) أى من أحدهما. والقريتان : مكة والطائف. وقيل : من رجلي القريتين ، وهما : الوليد بن المغيرة المخزومي وحبيب بن عمرو بن عمير الثقفي ، عن ابن عباس. وعن مجاهد : عتبة بن ربيعة وكنانة بن عبد ياليل. وعن قتادة : الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود
__________________
(١) قال محمود : «فان قلت : قد جعل مجيء الحق والرسول غاية التمتيع ، ثم أردفه ... الخ» قال أحمد : كلام نفيس لا مزيد عليه ، إلا أن قوله : «خيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عندها» إطلاق ينبغي اجتنابه ، والله أعلم وما أحسن مجيء الغاية على هذا النحو مجيء الاضراب في بعض التارات ، فكما جاءت الغاية هنا ـ وليس المراد بها أن الفعل المذكور قبلها منقطع عندها على ما هو المفهوم منها ، بل المراد استمراره وزيادته ، فكأن تلك الحالة النافعة انتهت بوجود ما هو أكمل منها ـ كذلك الاضراب في مثل قوله تعالى (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ) وهذه الاضرابات ليست على معنى أن الثاني منها رد للأول ، بل ثانيها آكد من أولها ، وجاء الاضراب مع التوافق والزيادة للاشعار بأن الثاني لما زاد على الأول صار باعتبار زيادته ونقصان الأول كأنهما شيئان متنافيان يضرب عن أولهما ويثبت آخرهما ، ومثله كثير وبالله التوفيق.
الثقفي ، وكان الوليد يقول : لو كان حقا ما يقول محمد لنزل هذا القرآن علىّ أو على أبى مسعود الثقفي ، وأبو مسعود : كنية عروة بن مسعود ما زالوا ينكرون أن يبعث الله بشرا رسولا ، فلما علموا بتكرير الله الحجج أن الرسل لم يكونوا إلا رجالا من أهل القرى ، جاءوا بالإنكار من وجه آخر ، وهو تحكمهم أن يكون أحد هذين ، وقولهم : هذا القرآن ذكر له على وجه الاستهانة به ، وأرادوا بعظم الرجل : رياسته وتقدّمه في الدنيا ، وعزب عن عقولهم أن العظيم من كان عند الله عظيما.
(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)(٣٢)
(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ) هذه الهمزة للإنكار المستقل بالتجهيل والتعجيب من اعتراضهم وتحكمهم ، وأن يكونوا هم المدبرين لأمر النبوّة والتخير لها من يصلح لها ويقوم بها ، والمتولين لقسمة رحمة الله التي لا يتولاها إلا هو بباهر قدرته وبالغ حكمته ، ثم ضرب لهم مثلا فأعلم أنهم عاجزون عن تدبير خويصة أمرهم وما يصلحهم في دنياهم ، وأنّ الله عزّ وعلا هو الذي قسم بينهم معيشتهم وقدرها ودبر أحوالهم تدبير العالم بها ، فلم يسوّ بينهم ولكن فاوت بينهم في أسباب العيش ، وغاير بين منازلهم فجعل منهم أقوياء وضعفاء وأغنياء ومحاويج وموالي وخدما ، ليصرف بعضهم بعضا في حوائجهم ويستخدموهم في مهنهم ويتسخروهم في أشغالهم ، حتى يتعايشوا ويترافدوا ويصلوا إلى منافعهم ويحصلوا على مرافقهم ، ولو وكلهم إلى أنفسهم وولاهم تدبير أمرهم ، لضاعوا وهلكوا. وإذا كانوا في تدبير المعيشة الدنية في الحياة الدنيا على هذه الصفة ، فما ظنك بهم في تدبير أمور الدين الذي هو رحمة الله الكبرى ورأفته العظمى؟ وهو الطريق إلى حيازة حظوظ الآخرة والسلم إلى حلول دار السلام؟ ثم قال (وَرَحْمَتُ رَبِّكَ) يريد : وهذه الرحمة وهي دين الله وما يتبعه من الفوز في المآب : خير مما يجمع هؤلاء من حطام الدنيا. فان قلت : معيشتهم ما يعيشون به من المنافع (١) ، ومنهم من يعيش بالحلال ، ومنهم من يعيش بالحرام ، فإذن قد قسم الله تعالى الحرام كما قسم الحلال. قلت : الله تعالى قسم لكل عبد معيشته وهي مطاعمه ومشاربه وما يصلحه من المنافع وأذن له في تناولها ، ولكن شرط عليه
__________________
(١) قال محمود : «فان قلت : معيشتهم ما يعيشون به من المنافع ... الخ» قال أحمد : قد تقدم أن الرزق عند أهل السنة يطلق على ما يقوم الله به حال العبد حلالا كان أو حراما ، وهذه الآية معضدة ، والزمخشري بنى على أصله وقد تقدم.
وكلفه أن يسلك في تناولها الطريق التي شرعها ، فإذا سلكها فقد تناول قسمته من المعيشة حلالا ، وسماها رزق الله ، وإذا لم يسلكها تناولها حراما ، وليس له أن يسميها رزق الله (١) ، فالله تعالى قاسم المعايش والمنافع ، ولكن العباد هم الذين يكسبونها صفة الحرمة بسوء تناولهم ، وهو عدولهم فيه عما شرعه الله إلى ما لم يشرعه.
(وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ)(٣٥)
(لِبُيُوتِهِمْ) بدل اشتمال من قوله (لِمَنْ يَكْفُرُ) ويجوز أن يكونا بمنزلة اللامين في قولك : وهبت له ثوبا لقميصه. وقرئ : سقفا ، بفتح السين وسكون القاف. وبضمها وسكون القاف وبضمها : جمع سقف ، كرهن ورهن ورهن. وعن الفراء : جمع سقيفة وسقفا بفتحتين ، كأنه لغة في سقف وسقوفا ، ومعارج ومعاريج. والمعارج : جمع معرج ، أو اسم جمع لمعراج : وهي المصاعد إلى العلالي (عَلَيْها يَظْهَرُونَ) أى على المعارج ، يظهرون السطوح يعلونها ، فما اسطاعوا أن يظهروه. وسررا ، بفتح الراء لاستثقال الضمتين مع حرفى التضعيف (لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ) اللام هي الفارقة بين إن المخففة والنافية. وقرئ بكسر اللام ، أى : الذي هو متاع الحياة ، كقوله تعالى (مَثَلاً ما بَعُوضَةً) ولما بالتشديد بمعنى إلا ، وإن نافية. وقرئ : إلا. وقرئ : وما كل ذلك إلا. لما قال (خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) فقلل أمر الدنيا وصغرها : أردفه ما يقرّر قلة الدنيا عنده من قوله (وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً) أى : ولو لا كراهة أن يجتمعوا على الكفر ويطبقوا عليه ، لجعلنا لحقارة زهرة الحياة الدنيا (٢) عندنا للكفار سقوفا ومصاعد وأبوابا وسررا كلها
__________________
(١) قوله «وليس له أن يسميها رزق الله» هذا على مذهب المعتزلة. وأما عند أهل السنة فالرزق ما ينتفع به ولو حراما. والمصنف يريد أن الله لا ييسر الحرام ، لأنه لا يفعل القبيح عند المعتزلة. ومذهب أهل السنة أن فاعل الكائنات كلها هو الله تعالى. (ع)
(٢) قال محمود : «معناه لو لا كراهية أن يجتمعوا على الكفر لجعلنا للكفرة سقوفا من فضة أى لوسعنا عليهم الدنيا لحقارتها عندنا» قال أحمد : «لو لا» هنا أخت «لو لا» في قوله (وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ...) الآية تلك أن تصحح الكلام بتقدير كراهة ذلك بأن لا تقدر محذوفا كما قدمته ، فيكون وجه الكلام هاهنا أن إجماعهم على الكفر مانع من بسط الدنيا. وهذا هو معنى لو لا المطرد أن ما بعدها أبدا مانع من جوابها ، ولكن قد يكون المانع موجودا تحقيقا فيمتنع الجواب بلا إشكال ، كقوله تعالى (فَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ ـ
من فضة وزخرف ، وجعلنا لهم زخرفا ، أى : زينة من كل شيء. والزخرف : الزينة والذهب. ويجوز أن يكون الأصل : سقفا من فضة وزخرف ، يعنى : بعضها من فضة وبعضها من ذهب ، فنصب عطفا على محل (مِنْ فِضَّةٍ) وفي معناه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لو وزنت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء» (١) فإن قلت : فحين لم يوسع على الكافرين للفتنة التي كان يؤدّى إليها التوسعة عليهم من إطباق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها ، فهلا وسع على المسلمين ليطبق الناس على الإسلام؟ قلت : التوسعة عليهم مفسدة أيضا لما تؤدى إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا ، والدخول في الدين لأجل الدنيا من دين المنافقين (٢) ، فكانت الحكمة فيما دبر : حيث جعل في الفريقين أغنياء وفقراء ، وغلب الفقر على الغنى.
(وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ)(٣٩)
قرئ : ومن يعش ، بضم الشين وفتحها. والفرق بينهما أنه إذا حصلت الآفة في بصره قيل : عشى. وإذا نظر نظر العشى ولا آفة به قيل عشا. ونظيره : عرج ، لمن به الآفة (٣).
__________________
ـ الْخاسِرِينَ) وهو الأكثر. وقد يكون وجوده تقديرا معه وعلى ذلك الآية ، أى : لو وجد بسط الدنيا للكافر مقدرا ، لوجد مانعه عندنا وهو الاجتماع على الكفر مقدرا معه ، وكل ما أدى وجوده إلى وجود مانعه لا يوجد.
(١) فيه عبد الحميد بن سليمان وتابعه زكريا بن منظور. وقال الترمذي : وفي الباب عن أبى هريرة ، وحديثه عند البزار من حديث صالح مولى التوأمة عنه. ولفظه «ما أعطي كافرا منها شيئا» ورواه البيهقي في الشعب في الحادي والسبعين من رواية أبى معشر عن المقبري عنه وفي الباب عن ابن عباس. أخرجه أبو نعيم في الحلية. وفيه الحسن ابن عمارة وهو ضعيف جدا. وأخرجه القضاعي في مسند الشهاب من رواية مالك عن نافع عن ابن عمر ، بلفظ المصنف قال ابن طاهر : فيه على بن محمد بن أحمد بن أبى عوف عن أبى مصعب عنه ، لا أصل له من حديث ملك
(٢) قال محمود : «فحين لم يوسع على الكافرين للفتنة التي كان يؤدى إليها التوسعة من الاطباق على الكفر» فهلا وسع على المسلمين ليطبق الناس على الايمان؟ وأجاب بأن التوسعة عليهم مفسدة أيضا لما يؤدى إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا ، وذلك من دين المنافقين» قال أحمد : سؤال وجواب مبنيان على قاعدتين فاسدتين. إحداهما : تعليل أفعال الله تعالى ، والأخرى : أن الله تعالى أراد الإسلام من الخلق أجمعين. أما الأولى فقد أخرس الله السائل عنه بقوله (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) وأما الثانية فقد كفى الله المؤمنين الجواب عنه فيه بقوله (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً).
(٣) قال محمود : «يقال عشى بصره بكسر الشين إذا أصابته الآفة ...» قال أحمد : في هذه الآية نكتتان بديعتان ، إحداهما : الدلالة على أن النكرة الواقعة في سياق الشرط تفيد العموم ، وهي مسألة اضطرب فيها الأصوليون
وعرج ، لمن مشى مشية العرجان من غير عرج. قال الحطيئة :
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره (١)
أى : تنظر إليها نظر العشىّ لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء. وهو بين في قوله حاتم :
|
أعشو إذا ما جارتى برزت |
|
حتّى يوارى جارتى الخدر (٢) |
__________________
ـ وإمام الحرمين من القائلين بافادتها العموم ، حتى استدرك على الأئمة إطلاقهم القول بأن النكرة في سياق الإثبات تخص ، وقال : إن الشرط يعم ، والنكرة في سياقه تعم. وقد رد عليه الفقيه أبو الحسن على الأنبارى شارح كتابه ردا عنيفا. وفي هذه الآية للإمام ومن قال بقوله كفاية ، وذلك أن الشيطان ذكر فيها منكرا في سياق شرط ، ونحن نعلم أنه إنما أراد عموم الشياطين لا واحدا لوجهين ، أحدهما : أنه قد ثبت أن لكل أحد شيطانا ، فكيف بالعاشى عن ذكر الله ، والآخر : يؤخذ من الآية : وهو أنه أعاد عليه الضمير مجموعا في قوله (وَإِنَّهُمْ) فانه عائد إلى الشيطان قولا واحدا «ولو لا إفادته عموم الشمول لما جاز عود ضمير الجمع عليه بلا إشكال ، فهذه نكتة تجد عند إسماعها لمخالفي هذا الرأى سكتة. والنكتة الثانية : أن في هذه الآية ردا على من زعم أن العود على معنى من يمنع من العود على لفظها بعد ذلك. واحتج المانع لذلك بأنه إجمال بعد تفسير ، وهو خلاف المعهود من الفصاحة. وقد نقض الكندي هذا بقوله تعالى (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً) ونقض غيره بقوله (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ ...) الآية وكان جدي رحمه الله قد استخرج من هذه الآية بعض ذلك ، لأنه أعاد على اللفظ في قوله : (يَعْشُ) و (لَهُ) مرتين ، ثم على المعنى في قوله (لَيَصُدُّونَهُمْ) ثم على اللفظ بقوله (حَتَّى إِذا جاءَنا) وقد قدمت أن الذي منع ذلك قد يكون اقتصر بمنعه على مجيء ذلك في جملة واحدة وأما إذا تعددت الجمل واستفلت كل بنفسها فقد لا يمنع ذلك حتى رددت على الزمخشري في قوله تعالى (لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً) فان الجملة واحدة ، فانظره في موضعه.
|
(١) كسوب ومتلاف إذا ما سألته |
|
تهلل واهتز اهتزاز المهند |
|
وذاك امرؤ إن يعطك اليوم نائلا |
|
بكفيه لم يمنعك من نائل الغد |
|
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره |
|
تجد خير نار عندها خير موقد |
للحطيئة ، يقول : هو كثير الكسب وكثير الإتلاف ، وبينهما طباق التضاد : إذا سألته أجابك بسرعة وطلاقة وجه وهو المراد بقوله : تهلل واهتز كاهتزاز السيف المطلق من حديد الهند ، إذا أعطاك اليوم عطاء بكفيه معا كناية عن كثرة العطاء ، وسألته في غد أعطاك أيضا. وعشى يعشى كرضى يرضى : إذا كان ببصره آفة. وعشى يعشو : إذا تعاشى بغير آفة. والمعنى : منى تأته على هيئة الأعشى ـ مجاز عن إظهار الفاقة ـ تجده أكرم الناس ، عبر عنه بذلك على طريق الكناية.
|
(٢) ناري ونار الجار واحدة |
|
وإليه قبلي تنزل القدر |
|
ما ضرني جار أجاوره |
|
ألا يكون لبابه ستر |
|
أعشو إذا ما جارتى برزت |
|
حتى يوارى جارتى الخدر |
لحاتم الطائي : وعشى يعشى كرضى يرضى : صار لا يبصر ليلا ، وعشا يعشو كدعا يدعو : إذا نظر كنظر الأعشى.
وقرئ : يعشو ، على أنّ من موصولة غير مضمنة معنى الشرط. وحق هذا القارئ أن يرفع نقيض. ومعنى القراءة بالفتح : ومن يعم (عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ) وهو القرآن ، كقوله تعالى (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) وأما القراءة بالضم فمعناها : ومن يتعام عن ذكره ، أى : يعرف أنه الحق وهو يتجاهل ويتغابى ، كقوله تعالى (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ). (نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً) نخذله (١) ونخل بينه وبين الشياطين ، كقوله تعالى (وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ) ، (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ) وقرئ : يقيض ، أى : يقيض له الرحمن ويقيض له الشيطان. فإن قلت : لم جمع ضمير من وضمير الشيطان في قوله (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ)؟ قلت : لأنّ (مَنْ) مبهم في جنس العاشى ، وقد قيض له شيطان مبهم في جنسه ، فلما جاز أن يتناولا لإبهامهما غير واحدين : جاز أن يرجع الضمير إليهما مجموعا (حَتَّى إِذا جاءَنا) العاشى. وقرئ : جاءانا ، على أنّ الفعل له ولشيطانه. (قالَ) لشيطانه (يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ) يريد المشرق والمغرب ، فغلب. كما قيل : العمران والقمران. فإن قلت : فما بعد المشرقين؟ قلت : تباعدهما ، والأصل : بعد المشرق من المغرب ، والمغرب من المشرق. فلما غلب وجمع المفترقين بالتثنية : أضاف البعد إليهما (أَنَّكُمْ) في محل الرفع على الفاعلية ، يعنى : ولن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب كما ينفع الواقعين في الأمر الصعب اشتراكهم فيه ، لتعاونهم في تحمل أعبائه وتقسمهم لشدّته وعنائه ، وذلك أنّ كل واحد منكم به من العذاب ما لا تبلغه طاقته ، ولك أن تجعل الفعل للتمني في قوله (يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ) على معنى : ولن ينفعكم اليوم ما أنتم فيه من تمنى مباعدة القرين. وقوله (أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ) تعليل ، أى : لن ينفعكم تمنيكم ، لأنّ حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه وهو الكفر. وتقوّيه قراءة من قرأ : إنكم بالكسر. وقيل : إذا رأى الممنوّ بشدّة (٢) من منى بمثلها : روّحه ذلك ونفس بعض كربه ، وهو التأسى الذي ذكرته الخنساء :
__________________
ـ يقول : إن ناري هي نار جارى ، وتنزل قدرى إليه ليأكل منها قبلي أو ناري ونار جارى واحدة في الزمن والقوة ومع ذلك تنزل قدره إليه قبلي ليأكلها سريعا خوف اطلاع أحد عليه. لكن يبعد هذا أن المقام ليس لذم الجار بل للمدح. ثم هذا كناية عن شدة كرمه على غيره ، ثم وصف نفسه بالعفة بقوله : ما ضرني جار من جيراني بمسبة ولا غيرها من أن لا يكون لبابه حجاب يستر أهله ، فانى أتغافل وأغض بصرى إذا خرجت جارتى ، حتى يسترها بينها. وأتى بالظاهر موضع المضمر ليفيد أنه ينبغي مراعاة حق الجوار. والاحتمال الأول أقعد ، لأن معناه أنه يبره ويعف عن محارمه. وأما الثاني ففيه ذم جاره ، وهو لا يلائم بعده.
(١) قوله «نقيض له شيطانا : نخذله» تأويله بذلك مبنى على أنه تعالى لا يفعل القبيح ، وهو مذهب المعتزلة. وعند أهل السنة أنه فاعل الكائنات كلها ، فالآيات على ظاهرها (ع)
(٢) قوله «إذا رأى الممنو بشدة» أى المبتلى. ومنى : أى ابتلى. أفاده الصحاح (ع)
أعزى النّفس عنه بالتّأسى (١)
فهؤلاء لا يؤسيهم اشتراكهم ولا يروّحهم ، لعظم ما هم فيه. فإن قلت : ما معنى قوله تعالى (إِذْ ظَلَمْتُمْ)؟ قلت : معناه : إذ صح ظلمكم وتبين ولم يبق لكم ولا لأحد شبهة في أنكم كنتم ظالمين ، وذلك يوم القيامة. وإذ : بدل من اليوم. ونظيره :
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة (٢)
أى : تبين أنى ولد كريمة.
(أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(٤٠)
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد ويجتهد ويكدّ روحه في دعاء قومه ، وهم لا يزيدون على دعائه إلا تصميما على الكفر وتماديا في الغىّ ، فأنكر عليه بقوله (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَ) إنكار تعجيب من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم ، وأراد أنه لا يقدر على ذلك منهم إلا هو وحده على سبيل الإلجاء والقسر ، كقوله تعالى (إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ)
(فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)(٤٣)
__________________
|
(١) يذكرني طلوع الشمس صخرا |
|
وأذكره بكل غروب شمس |
|
ولو لا كثرة الباكين حولي |
|
على إخوانهم لقتلت نفسي |
|
وما يبكون مثل أخى ولكن |
|
أعزى النفس عنه بالتأسى |
للخنساء ترثى أخاها. وإسناد التذكير الطلوع : مجاز عقلى ، لأنه سبب في تذكيرها إياه ، وكذلك الغروب حيث كان ذهابه عند الأول وإيابه عند الثاني عادة. أو لأنه يذهب في الأول للغارات ، ويجلس في الثاني مع الضيفان. أو لأن طلوعها يشبه طلعته ، وغروبها : يشبه موته. وفيه نوع من البديع يسمى التنكيت : وهو الإتيان بلفظ يسد غيره مسده ، لو لا نكتة فيه ترجح اختصاصه بالذكر : لكان اختصاصه خطأ ، كما في اختصاص الوقتين هنا. أفاده السيوطي في شرح عقود الجمان. وفيه أيضا نوع آخر يسمى الادماج : وهو أن يضمن كلام سيق لمعنى معنى آخر ، كما ضمن الكلام المسوق هنا لمعنى الرثاء معنى المدح بالشجاعة والكرم. أو بحسن الطلعة. والباء في «بكل» سببيه. ويحتمل أن الاسناد للأول من باب الاسناد للزمان ، فتكون الباء في الثاني بمعنى «في» أو «مع» وذكر الشمس ثانيا في آخر المصراع الثاني من باب رد العجز على الصدر. وأعزى النفس : أسليها وأصبرها عنه بالتأسى ، أى : الاقتداء بغيري من أهل المصائب وفي اقتدائها بالباكين من الرجال : إشعار بتجلدها وعظم شأنها مثلهم. وروى «على أمواتهم» بدل : «على إخوانهم» ، و «أسلى» بدل «أعزى».
(٢) مر شرح هذا الشاهد بالجزء الثالث صفحة ٤٠ فراجعه إن شئت اه مصححه.
«ما» في قوله (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ) بمنزلة لام القسم : في أنها إذا دخلت دخلت معها النون المؤكدة ، والمعنى : فإن قبضناك قبل أن ننصرك عليهم ونشفى صدور المؤمنين منهم (فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ) أشد الانتقام في الآخرة ، كقوله تعالى : (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ) وإن أردنا أن ننجز في حياتك ما وعدناهم من العذاب النازل بهم وهو يوم بدر ، فهم تحت ملكتنا وقدرتنا لا يفوتوننا : وصفهم بشدة الشكيمة في الكفر والضلال ثم أتبعه شدة الوعيد بعذاب الدنيا والآخرة. وقرئ : نرينك ، بالنون الخفيفة. وقرئ : بالذي أوحى إليك ، على البناء للفاعل ، وهو الله عز وجل والمعنى : وسواء عجلنا لك الظفر والغلبة أو أخرنا إلى اليوم الآخر. فكن مستمسكا بما أوحينا إليك وبالعمل به فإنه الصراط المستقيم الذي لا يحيد عنه إلا ضال شقى ، وزد كل يوم صلابة في المحاماة على دين الله ، ولا يخرجك الضجر بأمرهم إلى شيء من اللين والرخاوة في أمرك ، ولكن كما يفعل الثابت (١) الذي لا ينشطه تعجيل ظفر ، ولا يثبطه تأخيره.
(وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ)(٤٥)
(وَإِنَّهُ) وإنّ الذي أوحى إليك (لَذِكْرٌ) لشرف (لَكَ وَلِقَوْمِكَ ، وَ) لسوف (تُسْئَلُونَ) عنه يوم القيامة ، وعن قيامكم بحقه ، وعن تعظيمكم له ، وشكركم على أن رزقتموه وخصصتم به من بين العالمين ، ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال لإحالته ، ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم ، هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة من ملل الأنبياء؟ وكفاه نظرا وفحصا (٢) : نظره في كتاب الله المعجز المصدّق لما بين يديه ، وإخبار الله فيه بأنهم يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا. وهذه الآية في نفسها كافية لا حاجة إلى غيرها ، والسؤال الواقع مجازا عن النظر ، حيث لا يصح السؤال على الحقيقة : كثير منه مساءلة الشعراء الديار والرسوم والأطلال. وقول من قال : سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك؟ فإنها إن لم تجبك حوارا (٣) أجابتك اعتبارا. وقيل له : إن النبي صلى الله عليه وسلم جمع له الأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس فأمّهم. وقيل له : سلهم ، فلم يشكك ولم يسأل. وقيل : معناه سل أمم من أرسلنا وهم أهل الكتابين : التوراة والإنجيل. وعن
__________________
(١) قوله «ولكن كما يفعل الثابت» لعله : وكن. أو لعله : ولكن كن. (ع)
(٢) قال محمود : «سؤال الرسل مجاز عن الفحص في شرائعهم والنظر في مللهم ... الخ» قال أحمد : ويشهد لارادة سؤال الأمم (فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ) والله أعلم.
(٣) قوله «تجبك حوارا» أى مخاطبة بالنطق. في الصحاح : استحاره ، أى : استنطقه. (ع)
الفراء : هم إنما يخبرونه عن كتب الرسل ، فإذا سألهم فكأنه سأل الأنبياء.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ)(٤٧)
ما أجابوه به عند قوله : (إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ) محذوف ، دل عليه قوله : (فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا) وهو مطالبتهم إياه بإحضار البينة على دعواه وإبراز الآية (إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ) أى يسخرون منها ويهزءون بها ويسمونها سحرا ، وإذا للمفاجأة. فإن قلت : كيف جاز أن يجاب لما بإذا المفاجأة؟ قلت : لأنّ فعل المفاجأة معها مقدّر. وهو عامل النصب (١) في محلها ، كأنه قيل : فلما جاءهم بآياتنا فاجئوا وقت ضحكهم.
(وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(٤٨)
فإن قلت : إذا جاءتهم آية واحدة من جملة التسع فما أختها التي فضلت عليها في الكبر من بقية الآيات؟ قلت : أختها التي هي آية مثلها. وهذه صفة كل واحدة منها فكان المعنى على أنها أكبر من بقية الآيات على سبيل التفصيل والاستقراء واحدة بعد واحدة ، كما تقول : هو أفضل رجل رأيته ، تريد : تفضيله على أمة الرجال الذين رأيتهم إذا قروتهم رجلا رجلا (٢) ، فإن قلت : هو كلام متناقض ، لأنّ معناه : ما من آية من التسع إلا هي أكبر من كل واحدة منها ، فتكون واحدة منها فاضلة ومفضولة في حالة واحدة. قلت : الغرض بهذا الكلام أنهنّ موصوفات بالكبر ، لا يكدن يتفاوتن فيه ، وكذلك العادة في الأشياء التي تتلاقى في الفضل وتتفاوت منازلها فيه التفاوت اليسير أن تختلف آراء الناس في تفضيلها ، فيفضل بعضهم هذا وبعضهم ذاك ، فعلى ذلك بنى الناس كلامهم فقالوا : رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض ، وربما اختلفت آراء الرجل
__________________
(١) قال محمود : «جازت فيه إجابة لما بإذا التي المفاجأة لأن فعل المفاجأة مقدر معها وهو العامل فيها النصب ... الخ» قال أحمد : الظاهر في تسويغ هذا الإطلاق ـ والله أعلم : أن كل واحدة من هذه الآي إذا أفردتها بالفكر استغرقت عظمتها الفكر وبهرته ، حتى يجزم أنها النهاية ، وأن كل آية دونها. فإذا نقل الفكرة إلى أختها استوعيت أيضا فكره بعظمها ، وذهل عن الأولى فجزم بأن هذه النهاية ، وأن كل آية دونها. والحاصل أنه لا يقدر الفكر على أن يجمع بين آيتين منهما ، ليتحقق عنده الفاضلة من المفضولة ، بل مهما أفرده بالكفر جزم بأنه النهاية. وعلى هذا التقدير يجرى جميع ما يرد من أمثاله ، والله أعلم.
(٢) قوله «إذا قروتهم رجلا رجلا» أى تتبعتهم. (ع)
الواحد فيها ، فتارة يفضل هذا وتارة يفضل ذاك. ومنه بيت الحماسة :
|
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم |
|
مثل النجوم الّتى يسرى بها السّارى (١) |
وقد فاضلت الأنمارية بين الكملة من بنيها ، ثم قالت : لما أبصرت مراتبهم متدانية قليلة التفاوت. ثكلتهم (٢) إن كنت أعلم أيهم أفضل ، هم كالحلقة المفرّغة لا يدرى أين طرفاها (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) إرادة أن يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان (٣). فإن قلت لو أراد رجوعهم لكان. قلت : إرادته فعل غيره ليس إلا أن يأمره به (٤) ويطلب منه إيجاده ، فإن كان ذلك على سبيل القسر وجد ،
__________________
|
(١) هينون لينون أيسار ذوو كرم |
|
سواس مكرمة أبناء أيسار |
|
إن يسئلوا الخير يعطوه وإن جهدوا |
|
فالجهد يخرج منهم طيب أخبار |
|
وإن توددتهم لانوا وإن شهموا |
|
كشفت أذمار شرّ غير أشرار |
|
لا ينطقون عن الفحشا وإن نطقوا |
|
ولا يمارون من مارى بإكثار |
|
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم |
|
مثل النجوم التي يسرى بها الساري |
لعبيد بن الأبرص. وقيل للعرندس. وهينون لينون : جمع هين ولين : تخفيف هين ولين بالتشديد ، على فيعل. وأيسار : جمع يسر ، كقطب وأقطاب ، وهو في الأصل ضد العسر ، سمى به الرجل مبالغة ، أو جمع يسرة كقصبة ، وهي في الأصل : الخط في باطن الكف ، أطلقت على الرجل إشعارا بالكرم. وسواس : جمع سائس ، بمعنى مالك متصرف بالمصلحة ، وبمعنى الولي المصلح ، وجهده الطعام : إذا اشتاق إليه واشتهاه. وجهد الرجل فهو مجهود : أصابه القحوط والمشقة. وقوله «فالجهد يخرج منهم» جواب الشرط. ويحتمل أنه استئناف مفرغ على ما قبله. وإن جهدوا : جوابه دل عليه ما قبله. والشهامة : الخشونة ، وشهمت الفرس حركته ليسرع. وأذمار شر : أى شجعان حرب : جمع ذمر ككبد ، من ذمر الرجل : عبس وغضب. وذمر الأسد زأر بصوته ، أى : إن حملتهم على الحرب أظهرت منهم شجعان حرب غير أشرار. وضمن النطق معنى الاخبار ، فعداه بعن. ويجوز أنها بمعنى الباء. والمماراة : الجدال. وبإكثار : متعلق بمارى ، أو بيمارون. من تلقه منهم تقل فيه : لاقيت أشرفهم لتساويهم في الشرف ، فهم مثل النجوم في التساوي في الشرف والاهتداء والاستضاءة بكل ، فكما أن النجم يهتدى به المسافر ، كذلك هم يهتدى بهم المختبط الطالب للمعروف أو المتحير في أمر معضل. ويروى بدل «وإن جهدوا ... الخ» :
|
... وإن خبروا |
|
في الجهد أدرك منهم طيب أخبار |
أى : إن اختبروا علم كرمهم وحسن سيرتهم.
(٢) قوله «ثكلتهم» الثكل : فقدان المرأة ولدها. (ع)
(٣) قال محمود : «معناه إرادة أن يرجعوا عن الكفر إلى الايمان ... الخ» قال أحمد : تقدم في غير موضع أن «لعل» حيثما وردت في سياق كلام الله تعالى فالمراد صرف الرجاء إلى المخلوقين ، أى : ليكونوا بحيث يرجى منهم ذلك ، هذا هو الحق. وعليه تأول سيبويه ما ورد. وأما الزمخشري فيحمل «لعل» على الارادة ، لأنه.
لا يتحاشى مع اعتقاد أن الله يريد شيئا ويريد العبد خلافه ، فيقع مراد العبد ولا يقع مراد الرب ـ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ـ فما أشنعها زلة وأبشعها خلة. ولقد أساء الأدب في هذا الموضع ، حتى إنه لو لا تعين الرد عليه لما جرى القلم ينقل ما هذى به وما اهتدى. وقد جرى على سنن أوائله في جعل حقيقة الأمر هو الارادة وأضاف إلى ذلك اعتقاد أن العبد يوجد فعله ويخلقه ، وأن مراد العبد يقع ، ومراد الرب لا يقع ، فهذه ظلمات ثلاث بعضها فوق بعض ، نعوذ بالله من هذه الغواية : (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا).
(٤) قوله «ليس إلا أن يأمره به» هذا مذهب المعتزلة. أما مذهب أهل السنة : فإرادته غير الأمر ، سواء ـ
وإلا دار بين أن يوجد وبين أن لا يوجد على حسب اختيار المكلف ، وإنما لم يكن الرجوع لأنّ الإرادة لم تكن قسرا ولم يختاروه. والمراد بالعذاب : السنون ، والطوفان ، والجراد ، وغير ذلك.
(وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ)(٥٠)
وقرئ : يا أيه الساحر ، بضم الهاء ، وقد سبق وجهه. فإن قلت : كيف سموه بالساحر مع قولهم (إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ)؟ قلت : قولهم (إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ) : وعد منوي إخلافه ، وعهد معزوم على نكثه ، معلق بشرط أن يدعو لهم وينكشف عنهم العذاب. ألا ترى إلى قوله تعالى (فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ) فما كانت تسميتهم إياه بالساحر بمنافية لقولهم : (إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ) وقيل : كانوا يقولون للعالم الماهر ساحر لاستعظامهم على السحر : (بِما عَهِدَ عِنْدَكَ) بعهده عندك : من أن دعوتك مستجابة. أو بعهده عندك وهو النبوّة. أو بما عهد عندك فوفيت به وهو الإيمان والطاعة. أو بما عهد عندك من كشف العذاب عمن اهتدى.
(وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ)(٥٣)
(وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ) جعلهم محلا لندائه وموقعا له. والمعنى : أنه أمر بالنداء في مجامعهم وأما كنهم من نادى فيها بذلك ، فأسند النداء إليه ، كقولك : قطع الأمير اللص ، إذا أمر بقطعه. ويجوز أن يكون عنده عظماء القبط ، فيرفع صوته بذلك فيما بينهم ، ثم ينشر عنه في جموع القبط ، فكأنه نودي به بينهم فقال (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ) يعنى أنهار النيل ومعظمهما أربعة : نهر الملك ، ونهر طولون ، ونهر دمياط ، ونهر تنيس : قيل : كانت تجرى تحت قصره. وقيل : تحت سريره لارتفاعه. وقيل : بين يدي في جناني وبساتينى. ويجوز أن تكون الواو عاطفة للأنهار على ملك مصر. وتجرى : نصب على الحال منها ، وأن تكون الواو
__________________
ـ كانت لفعل نفسه أو لفعل غيره ، ولا يلزم تأويل الآية بالارادة ، لجواز أن يكون معناها : ليكون حالهم عند الأخذ بالعذاب حال من يرجي رجوعهم. (ع)
للحال ، واسم الإشارة مبتدأ ، والأنهار صفة لاسم الإشارة ، وتجرى خبر للمبتدإ وليت شعري كيف ارتقت إلى دعوة الربوبية همة من تعظم بملك مصر ، وعجب الناس من مدى عظمته ، وأمر فنودي بها في أسواق مصر وأزقتها ، لئلا تخفى تلك الأبهة (١) والجلالة على صغير ولا كبير وحتى يتربع في صدور الدهماء مقدار عزته وملكوته. وعن الرشيد : أنه لما قرأها قال : لأولينها أخس عبيدي ، فولاها الخصيب ، وكان على وضوئه. وعن عبد الله بن طاهر أنه وليها ، فخرج إليها فلما شارفها ووقع عليها بصره قال : أهى القرية التي افتخر بها فرعون حتى قال : أليس لي ملك مصر ، والله لهى أقل عندي من أن أدخلها ، فثنى عنانه (أَمْ أَنَا خَيْرٌ) أم هذه متصلة ، لأنّ المعنى : أفلا تبصرون أم تبصرون ، إلا أنه وضع قوله (أَنَا خَيْرٌ) موضع : تبصرون ، لأنهم إذا قالوا له : أنت خير ، فهم عنده بصراء ، وهذا من إنزال السبب منزلة المسبب. ويجوز أن تكون منقطعة على : بل أأنا خير ، والهمزة للتقرير ، وذلك أنه قسم تعديد أسباب الفضل والتقدّم عليهم من ملك مصر وجرى الأنهار تحته ، ونادى بذلك وملأ به مسامعهم ، ثم قال : أنا خير كأنه يقول : أثبت عندكم واستقر أنى أنا خير وهذه حالى (مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ) أى ضعيف حقير. وقرئ : أما أنا خير (وَلا يَكادُ يُبِينُ) الكلام لما به من الرتة (٢) ، يريد : أنه ليس معه من العدد وآلات الملك والسياسة ما يعتضد به ، وهو في نفسه مخل بما ينعت به الرجال من اللسن والفصاحة ، وكانت الأنبياء كلهم أبيناء (٣) بلغاء. وأراد بإلقاء الأسورة عليه : إلقاء مقاليد الملك إليه ، لأنهم كانوا إذا أرادوا تسويد الرجل سوّروه بسوار وطوّقوه بطوق من ذهب (مُقْتَرِنِينَ) إما مقترنين به من قولك : قرنته فاقترن (٤) به ، وإما من : اقترنوا ، بمعنى تقارنوا ، لما وصف نفسه بالملك والعزة ووازن بينه وبين موسى صلوات الله عليه ، فوصفه بالضعف وقلة الأعضاد اعترض فقال : هلا إن كان صادقا ملكه ربه وسوّده وسوّره ، وجعل الملائكة أعضاده وأنصاره. وقرئ : أساور جمع أسورة ، وأساوير جمع أسوار وهو السوار ، وأساورة على تعويض التاء من ياء أساوير. وقرئ : ألقى عليه أسورة وأساور ، على البناء للفاعل ، وهو الله عز وجل.
(فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ)(٥٤)
__________________
(١) قوله «تلك الأبهة» كسكرة ، كذا بهامش الصحاح. وفي الصحاح : «دهماء الناس» : جماعتهم. (ع)
(٢) قوله «لما به من الرتة» بالضم : العجمة في الكلام ، كذا في الصحاح. (ع)
(٣) قوله «وكانت الأنبياء كلهم أبيناء» في الصحاح : بان الشيء بيانا : اتضح ، فهو بين ، والجمع أبيناه ، مثل هين وأهيناء. (ع)
(٤) قوله «قرنته فاقترن به» لعله قرنته به فاقترن (ع)
(فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ) فاستفزهم. وحقيقته : حملهم على أن يخفوا له ولما أراد منهم ، وكذلك :استفز ، من قولهم للخفيف : فز.
(فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ)(٥٦)
(آسَفُونا) منقول من أسف أسفا إذا اشتد غضبه. ومنه الحديث في موت الفجأة: رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر (١). ومعناه : أنهم أفرطوا في المعاصي وعدوا طورهم ، فاستوجبوا أن نعجل لهم عذابنا وانتقامنا ، وأن لا نحلم عنهم. وقرئ : سلفا جمع سالف ، كخادم وخدم. وسلفا ـ بضمتين ـ جمع سليف ، أى : فريق قد سلف. وسلفا : جمع سلفة ، أى : ثلة قد سلفت. ومعناه : فجعلناهم قدوة للآخرين من الكفار ، يقتدون بهم في استحقاق مثل عقابهم ونزوله بهم ، لإتيانهم بمثل أفعالهم ، وحديثا عجيب الشأن سائرا مسير المثل ، يحدثون به ويقال لهم : مثلكم مثل قوم فرعون.
(وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ)(٥٩)
لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) امتعضوا (٢) من ذلك امتعاضا شديدا ، فقال عبد الله بن الزبعرى : يا محمد ، أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال عليه السلام : هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم ، فقال : خصمتك ورب الكعبة ، ألست تزعم أنّ عيسى ابن مريم نبىّ وتثني عليه خيرا وعلى أمه ، وقد علمت أنّ النصارى يعبدونهما. وعزير يعبد. والملائكة يعبدون ، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم ، ففرحوا وضحكوا ، وسكت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى) ونزلت هذه الآية (٣). والمعنى : ولما ضرب عبد الله بن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلا ، وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى إياه (إِذا قَوْمُكَ)
__________________
(١) تقدم في طه.
(٢) قوله «امتعضوا من ذلك» غضبوا منه وشق عليهم ، كذا في الصحاح. (ع)
(٣) تقدم في أواخر الأنبياء.
قريش من هذا المثل (يَصِدُّونَ) ترتفع لهم جلبة وضجيج (١) فرحا وجزلا وضحكا بما سمعوا منه من إسكات رسول الله صلى الله عليه وسلم بجدله ، كما يرتفع لغط القوم ولجبهم إذا تعيوا بحجة ثم فتحت عليهم. وأمّا من قرأ : يصدّون ـ بالضم ـ فمن الصدود ، أى : من أجل هذا المثل يصدّون عن الحق ويعرضون عنه. وقيل : من الصديد وهو الجلبة ، وأنهما لغتان نحو : يعكف ويعكف ونظائر لهما (وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ) يعنون أنّ آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى ، وإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا هينا (ما ضَرَبُوهُ) أى ما ضربوا هذا المثل (لَكَ إِلَّا جَدَلاً) إلا لأجل الجدل والغلبة في القول ، لا لطلب الميز بين الحق والباطل (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) لدّ شداد الخصومة دأبهم اللجاج ، كقوله تعالى (قَوْماً لُدًّا) وذلك أنّ قوله تعالى (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) ما أريد به إلا الأصنام ، وكذلك قوله عليه السلام : «هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم» إنما قصد به الأصنام ، ومحال أن يقصد به الأنبياء والملائكة ، إلا أن ابن الزبعرى بخبه وخداعه وخبث دخلته (٢) ، لما رأى كلام الله ورسوله محتملا لفظه وجه العموم ، مع علمه بأنّ المراد به أصنامهم لا غير ، وجد للحيلة مساغا ، فصرف معناه إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير الله ، على طريقة المحك والجدال (٣) وحب المغالبة والمكابرة ، وتوقح في ذلك فتوقر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أجاب عنه ربه : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى) فدل به على أنّ الآية خاصة في الأصنام ، على أنّ الظاهر قوله (وَما تَعْبُدُونَ) لغير العقلاء. وقيل : لما سمعوا قوله تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ) قالوا. نحن أهدى من النصارى ، لأنهم عبدوا آدميا ونحن نعبد الملائكة ، فنزلت. وقوله (أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ) على هذا القول : تفضيل لآلهتهم على عيسى ، لأنّ المراد بهم الملائكة وما ضربوه لك إلا جدلا. معناه : وما قالوا هذا القول ، يعنى : ء آلهتنا خير أم هو. إلا للجدال ، وقرئ : أآلهتنا خير ، بإثبات همزة الاستفهام وبإسقاطها ، لدلالة أم العديلة عليها. وفي حرف ابن مسعود : خير أم هذا. ويجوز أن يكون جدلا حالا ، أى : جدلين. وقيل : لما نزلت (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ) قالوا : ما يريد محمد بهذا إلا أن نعبده وأنه يستأهل أن يعبد وإن كان بشرا ، كما عبدت النصارى المسيح وهو بشر. ومعنى (يَصِدُّونَ) يضجون ويضجرون. والضمير في (أَمْ هُوَ) لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وغرضهم بالموازنة بينه وبين آلهتهم : السخرية به والاستهزاء. ويجوز أن يقولوا ـ لما أنكر عليهم قولهم : الملائكة بنات الله وعبدوهم ـ ما قلنا بدعا من القول ،
__________________
(١) قوله «ترتفع لهم جلبة وضجيج» أى صياح وكذا اللجب. أفاده الصحاح. (ع)
(٢) قوله «وخبث دخلته» بالضم : باطن أمره. أفاده الصحاح ، (ع)
(٣) قوله «على طريقة المحك» أى : اللجاج ، كما في الصحاح. (ع)
ولا فعلنا نكرا من الفعل ، فإنّ النصارى جعلوا المسيح ابن الله وعبدوه ، ونحن أشف (١) منهم قولا وفعلا ، فإنا نسبنا إليه الملائكة وهم نسبوا إليه الأناسى ، فقيل لهم : مذهب النصارى شرك بالله ، ومذهبكم شرك مثله ، وما تنصلكم مما أنتم عليه بما أوردتموه إلا قياس باطل بباطل ، وما عيسى (إِلَّا عَبْدٌ) كسائر العبيد (أَنْعَمْنا عَلَيْهِ) حيث جعلناه آية : بأن خلقناه من غير سبب ، كما خلقنا آدم وشرفناه بالنبوّة وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر لبنى إسرائيل.
(وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ)(٦٠)
(وَلَوْ نَشاءُ) لقدرتنا على عجائب الأمور وبدائع الفطر (لَجَعَلْنا مِنْكُمْ) لولدنا منكم يا رجال (مَلائِكَةً) يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم ، كما ولدنا عيسى من أنثى من غير فحل ، لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة ، ولتعلموا أن الملائكة أجسام لا تتولد إلا من أجسام ، وذات القديم متعالية عن ذلك.
(وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ)(٦١)
(وَإِنَّهُ) وإن عيسى عليه السلام (لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) أى شرط من أشراطها تعلم به ، فسمى الشرط علما لحصول العلم به. وقرأ ابن عباس : لعلم ، وهو العلامة. وقرئ : للعلم. وقرأ : أبىّ : لذكر ، على تسمية ما يذكر به ذكرا ، كما سمى ما يعلم به علما. وفي الحديث : أن عيسى عليه الصلاة والسلام ينزل على ثنية بالأرض المقدّسة : يقال لها أفيق وعليه ممصرتان ، وشعر رأسه دهين ، وبيده حربة ، وبها يقتل الدجال ، فيأتى بيت المقدس والناس في صلاة الصبح والإمام يؤم بهم ، فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى ويصلى خلفه على شريعة محمد عليه الصلاة والسلام ، ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب ، ويخرب البيع والكنائس ، ويقتل النصارى إلا من آمن (٢) به. وعن الحسن : أن الضمير للقرآن ، وأن القرآن به تعلم الساعة ، لأن فيه الإعلان بها (فَلا تَمْتَرُنَّ بِها) من المرية وهي الشك (وَاتَّبِعُونِ) واتبعوا هداي وشرعي. أو رسولي. وقيل : هذا أمر لرسول الله أن يقوله (هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) أى هذا الذي أدعوكم إليه. أو هذا القرآن إن جعل الضمير في (وَإِنَّهُ) للقرآن.
__________________
(١) قوله «ونحن أشف منهم» أى : أرق. أفاده الصحاح. (ع)
(٢) أخرجه الثعلبي بغير سند. وهو موجود في أحاديث متفرقة. فقوله «ثنية أفيق» عند الحاكم من حديث عثمان بن أبى العاص. وقوله «وعليه ممصرتان» عند أحمد والحاكم من حديث أبى هريرة. وقوله والناس في صلاة الصبح ، عند ابن ماجة من حديث أبى أسامة. وقوله «فيقتل الخنزير ويكسر الصليب» في الصحيح من حديث أبى هريرة.
(وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)(٦٢)
(عَدُوٌّ مُبِينٌ) قد بانت عداوته لكم (١) : إذ أخرج أباكم من الجنة ونزع عنه لباس النور.
(وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ)(٦٥)
(بِالْبَيِّناتِ) المعجزات. أو بآيات الإنجيل والشرائع البينات الواضحات (بِالْحِكْمَةِ) يعنى الإنجيل والشرائع. فإن قلت : هلا بين لهم كل الذي يختلفون فيه ولكن بعضه؟ قلت : كانوا يختلفون في الديانات وما يتعلق بالتكليف وفيما سوى ذلك مما لم يتعبدوا بمعرفته والسؤال عنه ، وإنما بعث ليبين لهم ما اختلفوا فيه مما يعنيهم من أمر دينهم (الْأَحْزابُ) الفرق المتحزبة بعد عيسى وقيل : اليهود والنصارى (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) وعيد للأحزاب. فإن قلت : (مِنْ بَيْنِهِمْ) إلى من يرجع الضمير فيه؟ قلت : إلى الذين خاطبهم عيسى في قوله (قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ) وهم قومه المبعوث إليهم.
(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧) يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ)(٧٣)
__________________
(١) قوله «قد بانت عداوته لكم» في الصحاح «بان الشيء بيانا» : اتضح فهو بين ، كذلك أيان فهو مبين. (ع)
(أَنْ تَأْتِيَهُمْ) بدل من الساعة. والمعنى : هل ينظرون إلا إتيان الساعة. فإن قلت : أما أدى قوله (بَغْتَةً) مؤدّى قوله (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) فيستغنى عنه؟ قلت : لا ، لأنّ معنى قوله تعالى (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) : وهم غافلون لاشتغالهم بأمور دنياهم ، كقوله تعالى (تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) ويجوز أن تأتيهم بغتة وهم فطنون (يَوْمَئِذٍ) منصوب بعدوّ ، أى : تنقطع في ذلك اليوم كل خلة بين المتخالين في غير ذات الله ، وتنقلب عداوة ومقتا ، إلا خلة المتصادقين في الله ، فإنها الخلة الباقية المزدادة قوّة إذا رأوا ثواب التحاب في الله تعالى والتباغض في الله. وقيل (إِلَّا الْمُتَّقِينَ) إلا المجتنبين أخلاء السوء. وقيل : نزلت في أبىّ بن خلف وعقبة ابن أبى معيط (يا عِبادِ) حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون في الله يومئذ ، و (الَّذِينَ آمَنُوا) منصوب المحل صفة لعبادي ، لأنه منادى مضاف ، أى : الذين صدّقوا (بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ) مخلصين وجوههم لنا ، جاعلين أنفسهم سالمة لطاعتنا. وقيل : إذا بعث الله الناس فزع كل أحد ، فينادى مناد : يا عبادي فيرجوها الناس كلهم ، ثم يتبعها الذين آمنوا فييأس الناس منها غير المسلمين. وقرئ : يا عباد (تُحْبَرُونَ) تسرون سرورا يظهر حباره ـ أى : أثره ـ على وجوهكم ، كقوله تعالى (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) وقال الزجاج : تكرمون إكراما يبالغ فيه. والحبرة : المبالغة فيما وصف بجميل. والكوب : الكوز لا عروة له (وَفِيها) الضمير للجنة. وقرئ تشتهي وتشتهيه. وهذا حصر لأنواع النعم ، لأنها إما مشتهاة في القلوب ، وإما مستلذة في العيون. (وَتِلْكَ) إشارة إلى الجنة المذكورة. وهي مبتدأ ، و (الْجَنَّةُ) خبر. و (الَّتِي أُورِثْتُمُوها) صفة الجنة. أو الجنة صفة للمبتدإ الذي هو اسم الإشارة. والتي أورثتموها : خبر المبتدإ. أو التي أورثتموها : صفة ، و (بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الخبر ، والباء تتعلق بمحذوف كما في الظروف التي تقع أخبار. وفي الوجه الأول تتعلق بأورثتموها. وشبهت في بقائها على أهلها بالميراث الباقي على الورثة. وقرئ : ورّثتموها (مِنْها تَأْكُلُونَ) من للتبعيض ، أى : لا تأكلون إلا بعضها ، وأعقابها باقية في شجرها ، فهي مزينة بالثمار أبدا موقرة بها ، لا ترى شجرة عريانة من ثمرها كما في الدنيا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «لا ينزع رجل في الجنة من ثمرها (١) إلا نبت مكانها مثلاها (٢).»
(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ
__________________
(١) قوله «من ثمرها إلا نبت مكانها» في الخازن : ورد في الحديث «أنه لا ينزع أحد في الجنة من ثمرها ثمرة إلا نبت مكانها مثلاها». (ع)
(٢) أخرجه البزار عن ثوبان. وقد تقدم في البقرة.
مُبْلِسُونَ (٧٥) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨))
(لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ) لا يخفف ولا ينقص ، من قولهم : فترت عنه الحمى إذا سكنت عنه قليلا ونقص حرّها. والمبلس : اليائس الساكت سكوت يأس من فرج. وعن الضحاك : يجعل المجرم في تابوت من نار ثم يردم عليه فيبقى فيه خالدا : لا يرى ولا يرى (هُمْ) فصل عند البصريين ، عماد عند الكوفيين. وقرئ : وهم فيها ، أى : في النار (١) وقرأ على وابن مسعود رضى الله عنهما : يا مال ، بحذف الكاف للترخيم ، كقول القائل :
والحق يا مال غير ما تصف (٢)
وقيل لابن عباس : إن ابن مسعود قرأ : ونادوا يا مال ، فقال : ما أشغل أهل النار عن الترخيم (٣). وعن بعضهم : حسن الترخيم أنهم يقتطعون بعض الاسم لضعفهم وعظم ما هم فيه. وقرأ أبو السرار الغنوي : يا مال ، بالرفع كما يقال : يا حار (٤) (لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ) من قضى عليه إذا أمانه (فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ) والمعنى : سل ربك أن يقضى علينا. فإن قلت : كيف قال (وَنادَوْا يا مالِكُ) بعد ما وصفهم بالإبلاس؟ قلت : تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة ، فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتا لغلبة اليأس عليهم ، وعلمهم أنه لا فرج لهم ، ويغوّثون (٥) أوقاتا لشدّة ما بهم (ماكِثُونَ) لابثون. وفيه استهزاء. والمراد : خالدون. عن ابن عباس رضى الله عنهما : إنما يجيبهم بعد ألف سنة (٦). وعن النبي صلى الله عليه وسلم «يلقى على أهل
__________________
(١) قوله «وقرئ (وَهُمْ فِيهِ) أى في النار» لعل تأخير الكلام على هذه القراءة عن الكلام على الضمير السابق من تصرف الناسخ. لأنه مخالف لترتيب التلاوة. (ع)
|
(٢) يحيى رفات العظام بالية |
|
والحق يا مال غير ما تصف |
أى : يحيى الله المتفتت من العظام حال كونها بالية ، يقال : رفته رفتا ، إذا فتته. والرفات : اسم منه كالفتات ، قال : والحق غير ما تذكره يا مالك ، فرخمه بحذف الكاف ، كأنه كان أخبره بموت أحد ثم ظهرت حياته.
(٣) لم أجده بإسناد. وفي البخاري عن يعلى بن أمية «أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها كذلك».
(٤) قوله «كما يقال يا حار» في نداء حارث. (ع)
(٥) قوله «ويغوثون» في الصحاح «غوث الرجل» : قال وا غوثاه. (ع)
(٦) أخرجه الحاكم من رواية سفيان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله (وَنادَوْا يا مالِكُ) قال : مكث عنهم ألف سنة ثم يقول : إنكم ماكثون ، وروى الترمذي من رواية قطبة بن عبد العزيز عن
النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب ، فيقولون : ادعوا مالكا ، فيدعون يا مالك ليقض علينا ربك (١)». (لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِ) كلام الله عز وجل : بدليل قراءة من قرأ : لقد جئتكم. ويجب أن يكون في قال ضمير الله عز وجل. لما سألوا مالكا أن يسأل الله تعالى القضاء عليهم : أجابهم الله بذلك (كارِهُونَ) لا تقبلونه وتنفرون منه وتشمئزون منه ، لأنّ مع الباطل الدعة ، ومع الحق التعب.
(أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (٨٠)
(أَمْ) أبرم مشركو مكة (أَمْراً) من كيدهم ومكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم (فَإِنَّا مُبْرِمُونَ) كيدنا كما أبرموا كيدهم ، كقوله تعالى (أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ)؟ وكانوا يتنادون فيتناجون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن قلت : ما المراد بالسر والنجوى؟ قلت : السر ما حدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال. والنجوى : ما تكلموا به فيما بينهم (بَلى) نسمعهما ونطلع عليهما (وَرُسُلُنا) يريد الحفظة عندهم (يَكْتُبُونَ) ذلك. وعن يحيى بن معاذ الرازي : من ستر من الناس ذنوبه وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء في السماوات فقد جعله أهون الناظرين إليه ، وهو من علامات النفاق.
(قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)(٨٢)
(قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ) وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها (فَأَنَا أَوَّلُ) من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له : (٢) كما يعظم الرجل
__________________
ـ الأعمش عن سمرة بن عطية عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبى الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» يلقى على أهل النار الجوع فيعدل ما هم فيه من العذاب فيستغيثون. فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغنى من جوع ـ الحديث : وفيه قال الأعمش بين أن ينزل عليهم وإجابة مالك ألف عام» وقال الترمذي : قطبة ثقة. وبعض أهل الحديث كان يرفع هذا. وهذا أخرجه الطيراني والبيهقي في الشعب ورواه الطبري من رواية شريك عن الأعمش موقوف ولم يفصل الكلام الأخير. ثم رواه من طريق قطبة مرفوعا ، ولم يفعل أيضا.
(١) هو في الحديث الذي قبله.
(٢) قال محمود : «معناه إن صح وثبت برهان قاطع ، فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له ... الخ» قال أحمد : لقد اجترأ عظيما وافتحم مهلكة في تمثيله ذلك بقول من سماه عدليا : إن كان الله خالقا للكفر في القلوب ومعذبا عليه فأنا أول القائلين إنه شيطان وليس باله ، فلينقم عليه ذلك بقول القائل : قد
ولد الملك لتعظيم أبيه ، وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض ، وهو المبالغة في نفى الولد والإطناب فيه ، وأن لا يترك الناطق به شبهة إلا مضمحلة مع الترجمة عن نفسه بثبات القدم في باب التوحيد ، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها ، فكان المعلق بها محالا مثلها ، فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة ، وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها. ونظيره أن يقول العدلى للمجبر (١). إن كان الله تعالى خالقا للكفر في القلوب ومعذبا عليه عذابا سرمدا ، فأنا أول من يقول : هو شيطان وليس بإله ، فمعنى هذا الكلام وما وضع له أسلوبه ونظمه نفى أن يكون الله تعالى خالقا للكفر ، وتنزيهه عن ذلك وتقديسه ، ولكن على طريق المبالغة فيه من الوجه الذي ذكرنا ، مع الدلالة على سماجة المذهب وضلالة الذاهب إليه ، والشهادة القاطعة بإحالته والإفصاح عن نفسه بالبراءة منه ، وغاية النفار والاشمئزاز من ارتكابه. ونحو هذه الطريقة قول سعيد بن جبير رحمه الله للحجاج حين قال له ـ : أما والله (٢) لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى ـ : لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلها غيرك. وقد تمحل الناس بما أخرجوه به من هذا الأسلوب الشريف المليء بالنكت والفوائد المستقل بإثبات التوحيد على أبلغ وجوهه ، فقيل : إن كان للرحمن ولد في زعمكم ، فأنا أول العابدين الموحدين لله ، المكذبين قولكم بإضافة الولد إليه. وقيل : إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد من عبد يعبد : إذا اشتد أنفه فهو عبد وعابد. وقرأ بعضهم : العبدين. وقيل : هي إن النافية ، أى : ما كان للرحمن ولد ، فأنا أول من قال بذلك وعبد ووحد ، وروى أنّ النضر بن عبد الدار بن قصى قال : إن الملائكة بنات الله فنزلت ، فقال النضر : ألا ترون أنه قد صدقنى. فقال له الوليد بن المغيرة : ما صدقك ولكن قال : ما كان للرحمن ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة : أن لا ولد له. وقرئ : ولد ، بضم الواو. ثم نزه ذاته موصوفة بربوبية السماوات والأرض والعرش عن اتخاذ الولد ، ليدل على أنه من صفة الأجسام.
__________________
ـ ثبت قطعا عقلا وشرعا أنه تعالى خالق لذلك في القلوب كما خلق الايمان ، وفاء بمقتضى دليل العقل الدال على أن لا خالق إلا الله ، وتصديقا بمضمون قوله تعالى (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ) وقوله (اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) وإذا ثبتت هذه المقدمة عقلا ونقلا : لزمه فرك أذنه وغل عنقه ، إذ يلحد في الله إلحادا لم يسقه إليه أحد من عباده الكفرة ، ولا تجرأ عليه مارد من مردة الفجرة. ومن خالف في كفر القدرية فقد وافق على كفر من تجرأ فقال هذه المقالة واقتحم هذه الضلالة بلا محالة ، فانه قد صرح بكلمة الكفر على أقبح وجوهها وأشنع أنحائها : والله المسئول أن يعصمنا وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) قوله «ونظيره أن يقول العدلى للمجبر» يريد : أحد المعتزلة لأحد أهل السنة ، وفي هذا التنظير من سوء الأدب في حقه تعالى ما لا يخفى. (ع)
(٢) قوله «قال له : أما والله» في الصحاح : «أما» مخفف تحقيق للكلام الذي يتلوه اه. ولعل حذف الألف لغة ، فليحرر. (ع)
ولو كان جسما لم يقدر على خلق هذا العالم وتدبير أمره.
(فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ)(٨٣)
(فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا) في باطلهم (وَيَلْعَبُوا) في دنياهم (حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ) وهذا دليل على أنّ ما يقولونه من باب الجهل والخوض واللعب ، وإعلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم من المطبوع على قلوبهم الذين لا يرجعون البتة ، وإن ركب في دعوتهم كل صعب وذلول ، وخذلان لهم وتخلية بينهم وبين الشيطان ، كقوله تبارك تعالى (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ) وإيعاد بالشقاء في العاقبة.
(وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(٨٥)
ضمن اسمه تعالى معنى وصف ، فلذلك علق به الظرف في قوله (فِي السَّماءِ وَفِي الْأَرْضِ) (١) كما تقول ، هو حاتم في طىّ حاتم في تغلب ، على تضمين معنى الجواد الذي شهر به ، كأنك قلت : هو جواد في طى جواد في تغلب. وقرئ : وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله. ومثله قوله تعالى (وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ) كأنه ضمن معنى المعبود أو المالك أو نحو ذلك. والراجع إلى الموصول محذوف لطول الكلام ، كقولهم : ما أنا بالذي قائل لك شيئا ، وزاده طولا أنّ المعطوف داخل في حيز الصلة. ويحتمل أن يكون (فِي السَّماءِ) صلة الذي وإله خبر مبتدإ محذوف ، على أنّ الجملة بيان للصلة. وأنّ كونه في السماء على سبيل الإلهية والربوبية ، لا على معنى الاستقرار. وفيه نفى الآلهة التي كانت تعبد في الأرض (تُرْجَعُونَ) قرئ بضم التاء وفتحها. ويرجعون ، بياء مضمومة. وقرئ : تحشرون ، بالتاء.
(وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ)(٨٧)
__________________
(١) قال محمود : «ضمن اسمه عز وجل معنى وصف ، فعلق به الظرف ، وهو قوله (فِي السَّماءِ) ... الخ» قال أحمد : ومما سهل حذف الراجع مضافا إلى الطول الذي ذكره : وقوع الموصول خبرا عن مضمر لو ظهر الراجع لكان كالتكرار المستكره ، إذ كان أصل الكلام : وهو الذي هو في السماء إله. ولا ينكر أن الكلام مع المحذوف الراجع أخف وأسهل ، وأن الراجع إنما حذف على فلة حذف مثله لأمر متأكد ، فانه لم يرد في الكتاب العزيز إلا في قوله (تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) ومع أى في موضعين على رأى.
ولا يملك آلهتهم الذين يدعون من دون الله الشفاعة ، كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله ، ولكن من (شَهِدَ بِالْحَقِ) وهو توحيد الله ، وهو يعلم ما يشهد به عن بصيرة وإيقان وإخلاص : هو الذي يملك الشفاعة ، وهو استثناء منقطع. ويجوز أن يكون متصلا ، لأنّ في جملة الذين يدعون من دون الله : الملائكة ، وقرئ : تدعون بالتاء. وتدّعون ، بالتاء وتشديد الدال.
(وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)(٨٩)
(وَقِيلِهِ) قرئ بالحركات الثلاث ، وذكر في النصب عن الأخفش أنه حمله على : أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله : وعنه : وقال قيله. وعطفه الزجاج على محل الساعة ، كما تقول : عجبت من ضرب زيد وعمرا ، وحمل الجرّ على لفظ الساعة ، والرفع على الابتداء ، والخبر ما بعده : وجوّز عطفه على علم الساعة على تقدير حذف المضاف. معناه : عنده علم الساعة وعلم قيله. والذي قالوه ليس بقوى في المعنى مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضا ، ومع تنافر النظم. وأقوى من ذلك وأوجه : أن يكون الجرّ والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه ، والرفع على قولهم : أيمن الله ، وأمانة الله ، ويمين الله ، ولعمرك : ويكون قوله (إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ) جواب القسم ، كأنه قيل : وأقسم بقيله يا رب. أو وقيله يا رب قسمي إنّ هؤلاء قوم لا يؤمنون (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ) فأعرض عن دعوتهم يائسا عن إيمانهم ، وودعهم وتاركهم ، (وَقُلْ) لهم (سَلامٌ) أى تسلم منكم ومتاركة (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) وعيد من الله لهم وتسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم. والضمير في (وَقِيلِهِ) لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإقسام الله بقيله رفع منه وتعظيم لدعائه والتجائه إليه.
عن النبي صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة الزخرف كان ممن يقال له يوم القيامة يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون. ادخلوا الجنة بغير حساب» (١)
__________________
(١) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي من حديث أبى بن كعب رضى الله عنه.
سورة الدخان
مكية ، إلا قوله (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً ...) الآية
وهي سبع وخمسون آية. وقيل تسع وخمسون [نزلت بعد سورة الزخرف]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) (٨)
الواو في (وَالْكِتابِ) واو القسم ، إن جعلت حم تعديدا للحروف أو اسما للسورة ، مرفوعا على خبر الابتداء المحذوف وواو العطف إن كانت حم مقسما بها. وقوله (إِنَّا أَنْزَلْناهُ) جواب القسم ، والكتاب المبين القرآن. والليلة المباركة : ليلة القدر. وقيل : ليلة النصف من شعبان ، ولها أربعة أسماء : الليلة المباركة ، وليلة البراءة ، وليلة الصكّ ، وليلة الرحمة وقيل : بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة. وقيل في تسميتها : ليلة البراءة. والصكّ : أن البندار إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة ، كذلك الله عز وجل يكتب لعباده المؤمنين البراءة في هذه الليلة. وقيل : هي مختصة بخمس خصال : تفريق كل أمر حكيم وفضيلة العبادة فيها : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ملك : ثلاثون يبشرونه بالجنة ، وثلاثون يؤمنون من عذاب النار ، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا. وعشرة يدفعون عنه مكايد الشيطان (١)». ونزول الرحمة : قال عليه الصلاة والسلام : «إنّ الله يرحم أمّتى (٢) في هذه
__________________
(١) ذكره صاحب الفردوس من حديث ابن عمر هكذا وأخرجه أبو الفتح سليم بن أيوب في الترغيب له من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن على موقوفا. وأخرجه ابن الأخضر من رواية جعفر المدائني عن أبى يحيى العتابى حدثني بضعة وثلاثون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ـ فذكره
(٢) قوله «يرحم أمتى في هذه الليلة» لعله : من أمتى. (ع)
الليلة بعدد شعر أغنام بنى كلب (١)» وحصول المغفرة : قال عليه الصلاة والسلام : «إنّ الله تعالى يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا لكاهن أو ساحر أو مشاحن أو مدمن خمر أو عاق للوالدين ، أو مصرّ على الزنا» (٢) وما أعطى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من تمام الشفاعة ، وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمّته ، فأعطى الثلث منها ، ثم سأل ليلة الرابع عشر فأعطى الثلثين ، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطى الجميع ، إلا من شرد عن الله شراد البعير. ومن عادة الله في هذه الليلة : أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة ، والقول الأكثر : أنّ المراد بالليلة المباركة : ليلة القدر ، لقوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) ولمطابقة قوله : (فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) لقوله : (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) وقوله تعالى (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) وليلة القدر في أكثر الأقاويل في شهر رمضان. فإن قلت : ما معى إنزال القرآن في هذه الليلة؟ قلت : قالوا أنزل جملة واحدة من السماء السابعة إلى السماء الدنيا ، وأمر السفرة الكرام بانتساخه في ليلة القدر وكان جبريل عليه السلام ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما نجوما. فإن قلت : (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) ما موقع هاتين الجملتين؟ قلت : هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان (٣). فسر بهما جواب القسم الذي هو قوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ) كأنه قيل : أنزلناه ، لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب ، وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصا ، لأنّ إنزال القرآن من الأمور الحكيمة ، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم. والمباركة : الكثيرة الخير لما يتيح (٤) الله فيها من الأمور التي يتعلق بها منافع العباد في دينهم ودنياهم ، ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركة. ومعنى (يُفْرَقُ) يفصل ويكتب كل أمر حكيم من أرزاق العباد وآجالهم ، وجميع أمورهم منها إلى
__________________
(١) أخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث عائشة مرفوعا «إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا. فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب. قال الترمذي : لا نعرفه إلا من حديث الحجاج؟ وسمعت محمدا يضعفه. وقال : ابن يحيى لم يسمع من عروة ، والحجاج لم يسمع من يحيى ، وفي الباب عن أنس عن عائشة في الدعوات البيهقي. وفي روايته مجاهيل. ومن وجه آخر عن عائشة في الافراد للدارقطني. وفيه عطاء بن عجلان. وهو متروك.
(٢) لم أجد ، هكذا. وفي ابن حبان من حديث معاذ بن جبل وقال يطلع إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن» وفي ابن ماجة من حديث أبى موسى كذلك. والبزار من حديث أبى بكر وفي إسناده ضعف والبزار أيضا من حديث عوف بن مالك. وفيه ابن لهيعة. ومن حديث أبى هريرة وفيه من لا يعرف. ورواه البيهقي في الشعب من حديث أبى سعيد عن عائشة. وفيها لا ينظر الله فيها إلى مشرك ولا إلى مشاحن ولا إلى قاطع رحم ولا إلى عاق ولا إلى مدمن خمر وفي رواية أنس عن عائشة التي ذكرناها في التي قبلها «المدمن والعاق والمصر على الزنا وزادوا : ولا مصور ولا قتار.
(٣) قوله «ملفوفتان» لعله من اللف والنشر المقرر في البيان ، وبيانه ما بعده. (ع)
(٤) قوله «لما يتيح الله فيها» أى يقدر. (ع)
الأخرى القابلة. وقيل : يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ، ويقع الفراغ في ليلة القدر ، فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل ، ونسخه الحروب إلى جبريل ، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف ، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم ونسخة المصائب إلى ملك الموت. وعن بعضهم : يعطى كل عامل بركات أعماله ، فيلقى على ألسنة الخلق مدحه ، وعلى قلوبهم هيبته. وقرئ : (يُفْرَقُ) بالتشديد. و (يُفْرَقُ) كل على بنائه للفاعل ونصب كل ، والفارق : الله عزّ وجلّ ، وقرأ زيد بن على رضى الله عنه : نفرق ، بالنون ، كل أمر حكيم : كل شأن ذى حكمة ، أى : مفعول على ما تقتضيه الحكمة ، وهو من الإسناد المجازى ، لأنّ الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة ، ووصف الأمر به مجاز (أَمْراً مِنْ عِنْدِنا) نصب على الاختصاص. جعل كل أمر جزلا فخما بأن وصفه بالحكيم ، ثم زاده جزالة وكسبه فخامة بأن قال : أعنى بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا ، كائنا من لدنا ، وكما اقتضاء علمنا وتدبيرنا. ويجوز أن يراد به الأمر الذي هو ضد النهى ، ثم إما أن يوضع موضع فرقانا الذي هو مصدر يفرق ، لأنّ معنى الأمر والفرقان واحد ، من حيث أنه إذا حكم بالشيء وكتبه فقد أمر به وأوجبه. أو يكون حالا من أحد الضميرين في أنزلناه : إما من ضمير الفاعل ، أى : أنزلناه آمرين أمرا. أو من ضمير المفعول أى أنزلناه في حال كونه أمرا من عندنا بما يجب أن يفعل فإن قلت : (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) بم يتعلق؟ قلت : يجوز أن يكون بدلا من قوله (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) و (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) مفعولا له ، على معنى : إنا أنزلنا القرآن ، لأنّ من شأننا إرسال الرسل بالكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة عليهم ، وأن يكون تعليلا ليفرق. أو لقوله (أَمْراً مِنْ عِنْدِنا) ورحمة : مفعولا به ، وقد وصف الرحمة بالإرسال كما وصفها به في قوله تعالى (وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ) أى يفصل في هذه الليلة كل أمر. أو تصدر الأوامر من عندنا ، لأنّ من عادتنا أن نرسل رحمتنا. وفصل كل أمر من قسمة الأرزاق وغيرها من باب الرحمة ، وكذلك الأوامر الصادرة من جهته عز وعلا ، لأنّ الغرض في تكليف العباد تعريضهم للمنافع. والأصل : إنا كنا مرسلين رحمة منا ، فوضع الظاهر موضع الضمير إيذانا بأنّ الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين ، وفي قراءة زيد بن على : أمر من عندنا ، على : هو أمر ، وهي تنصر انتصابه على الاختصاص. وقرأ الحسن : رحمة من ربك. على : تلك رحمة ، وهي تنصر انتصابها بأنها مفعول له (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وما بعده تحقيق لربوبيته ، وأنها لا تحق إلا لمن هذه أوصافه. وقرئ : رب السماوات ... ربكم ورب آبائكم ، بالجر بدلا من ربك. فإن قلت : ما معنى الشرط الذي هو قوله (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ)؟ قلت : كانوا يقرون بأن للسماوات والأرض ربا وخالقا ، فقيل لهم : إنّ إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب ، ثم قيل : إن هذا
الرب هو السميع العليم الذي أنتم مقرون به ومعترفون بأنه رب السماوات والأرض وما بينهما إن كان إقراركم عن علم وإيقان ، كما تقول : إنّ هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس بكرمه واشتهر وإسخاؤه إن بلغك حديثه وحدثت بقصته.
(بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ)(١٢)
ثم ردّ أن يكونوا موقنين بقوله (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ) وأن إقرارهم غير صادر عن علم وتيقن ، ولا عن جدّ وحقيقة : بل قول مخلوط بهزء ولعب (يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ) مفعول به مرتقب. يقال : رقبته وارتقبته. نحو : نظرته وانتظرته. واختلف في الدخان ، فعن على بن أبى طالب رضى الله عنه وبه أخذ الحسن : أنه دخان يأتى من السماء قبل يوم القيامة يدخل في أسماع الكفرة ، حتى يكون رأس الواحد منهم كالرأس الحنيذ (١) ، ويعترى المؤمن منه كهيئة الزكام ، وتكون الأرض كلها كبيت أو قد فيه ليس فيه خصاص (٢). وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أوّل الآيات : الدخان ، ونزول عيسى ابن مريم ، ونار تخرج من قعر عدن أبين (٣) تسوق الناس إلى المحشر (٤) «قال حذيفة : يا رسول الله ، وما الدخان؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية وقال : «يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة. أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمّة ، وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره» وعن ابن مسعود رضى الله عنه : خمس قد مضت : الروم ، والدخان ، والقمر ، والبطشة. واللزام. ويروى أنه قيل لابن مسعود : إن قاصا عند أبواب كندة يقول : إنه دخان يأتى يوم القيامة فيأخذ بأنفاس الخلق ، فقال : من علم علما فليقل به ، ومن لم يعلم فليقل : الله أعلم ، فإن من علم الرجل أن يقول لشيء لا يعلمه : الله أعلم ، ثم قال : ألا وسأحدّثكم أنّ قريشا لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال : «اللهم اشدد وطأتك على مضر ، (٥)
__________________
(١) قوله «كالرأس الحنيذ» أى المشوى ، كما في الصحاح. (ع)
(٢) قوله «ليس فيه خصاص» أى : فرج. أفاده الصحاح. (ع)
(٣) قوله «أبين» في الصحاح : «أبين» : اسم رجل نسب إليه عدن. (ع)
(٤) هذا أولى. وفي إسناده رواه ابن الجراح وهو متروك. وقد اعترف بأنه لم يسمع هذا الحديث.
(٥) متفق عليه دون قوله «حتى أكلوا الجيف والعلهز» وقد رواه النسائي والحاكم والطبراني من حديث ابن عباس قال «جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أنشدك الله والرحم لقد أكلنا العلهز يعنى الوبر والدم فأنزل الله (وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ ـ) الآية.
واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف» فأصابهم الجهد حتى أكلوا الجيف (١) والعلهز ، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان ، وكان يحدّث الرجل (٢) فيسمع كلامه ولا يراه من الدخان ، فمشى إليه أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله والرحم وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا ، فلما كشف عنهم رجعوا إلى شركهم (بِدُخانٍ مُبِينٍ) ظاهر حاله لا يشك أحد في أنه دخان (يَغْشَى النَّاسَ) يشملهم ويلبسهم ، وهو في محل الجر صفة لدخان. و (هذا عَذابٌ) إلى قوله (مُؤْمِنُونَ) منصوب المحل بفعل مضمر ، وهو : يقولون. ويقولون : منصوب على الحال ، أى : قائلين ذلك. (إِنَّا مُؤْمِنُونَ) موعدة بالإيمان إن كشف عنهم العذاب.
(أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ)(١٦)
(أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى) كيف يذكرون ويتعظون ويفون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب (وَقَدْ جاءَهُمْ) ما هو أعظم وأدخل في وجوب الادّكار من كشف الدخان ، وهو ما ظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات من الكتاب المعجز وغيره من المعجزات ، فلم يذكروا وتولوا عنه ، وبهتوه (٣) بأن عداسا غلاما أعجميا لبعض ثقيف هو الذي علمه ، ونسبوه إلى الجنون ، ثم قال (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ) أى ريثما نكشف عنكم العذاب تعودون إلى شرككم لا تلبثون غب الكشف على ما أنتم عليه من التضرع والابتهال. فإن قلت : كيف يستقيم على قول من جعل الدخان قبل يوم القيامة قوله (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً)؟ قلت : إذا أتت السماء بالدخان تضور (٤) المعذبون به من الكفار والمنافقين وغوّثوا وقالوا (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) منيبون ، فيكشفه الله عنهم بعد أربعين يوما ، فريثما يكشفه عنهم يرتدون لا يتمهلون ، ثم قال : (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى) يريد
__________________
(١) قوله «حتى أكلوا الجيف والعلهز» في الصحاح «العلهز» ـ بالكسر ـ : طعام كانوا يتخذونه من الدم ووبر البعير في زمن المجاعة. (ع)
(٢) قوله «وكان يحدث الرجل فيسمع» لعله : يحدث الرجل الرجل ، ويمكن أن يجعل الفاعل ضميرا يعود على الرجل السابق. (ع)
(٣) قوله وتولوا عنه وبهتوه» رموه بما ليس فيه والتغويث قولها : وا غوثاه ، كما في الصحاح أيضا. (ع)
(٤) قوله «تضور المعذبون به» التضور : الصياح والتلوي عند الألم. أفاده الصحاح. (ع)
يوم القيامة ، كقوله تعالى (فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى). (إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) أى ننتقم منهم في ذلك اليوم. فإن قلت : بم انتصب يوم نبطش؟ قلت : بما دل عليه (إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) وهو ننتقم. ولا يصح أن ينتصب بمنتقمون ، لأن «إن» تحجب عن ذلك. وقرئ : نبطش ، بضم الطاء. وقرأ الحسن : نبطش بضم النون ، كأنه يحمل الملائكة على أن يبطشوا بهم البطشة الكبرى. أو يجعل البطشة الكبرى باطشة بهم. وقيل (الْبَطْشَةَ الْكُبْرى): يوم بدر.
(وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ)(٢١)
وقرئ : ولقد فتنا ، بالتشديد للتأكيد. أو لوقوعه على القوم. ومعنى الفتنة : أنه أمهلهم ووسع عليهم في الرزق ، فكان ذلك سببا في ارتكابهم المعاصي واقترافهم الاثام. أو ابتلاهم بإرسال موسى إليهم ليؤمنوا ، فاختاروا الكفر على الإيمان. أو سلبهم ملكهم وأغرقهم (كَرِيمٌ) على الله وعلى عباده المؤمنين. أو كريم في نفسه ، لأنّ الله لم يبعث نبيا إلا من سراة قومه وكرامهم (أَنْ أَدُّوا إِلَيَ) هي أن المفسرة ، لأن مجيء الرسول من بعث إليهم متضمن لمعنى القول لأنه لا يجيئهم إلا مبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله. أو المخففة من الثقيلة ومعناه : وجاءهم بأن الشأن والحديث أدّوا إلىّ (وَعِبادُ الرَّحْمنِ) مفعول به وهم بنو إسرائيل ، يقول : أدوهم إلىّ وأرسلوهم معى ، كقوله تعالى (فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ) ويجوز أن يكون نداء لهم على : أدوا إلىّ يا عباد الله ما هو واجب لي عليكم من الإيمان لي وقبول دعوتي واتباع سبيلي ، وعلل ذلك بأنه (رَسُولٌ أَمِينٌ) غير ظنين قد ائتمنه الله على وحيه ورسالته (وَأَنْ لا تَعْلُوا) أن هذه مثل الأولى في وجهيها ، أى : لا تستكبروا (عَلَى اللهِ) بالاستهانة برسوله ووحيه. أو لا تستكبروا على نبىّ الله (بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) بحجة واضحة (أَنْ تَرْجُمُونِ) أن تقتلون. وقرئ : عت ، بالإدغام. ومعناه أنه عائذ بربه متكل على أنه يعصمه منهم ومن كيدهم ، فهو غير مبال بما كانوا يتوعدونه به من الرجم والقتل (فَاعْتَزِلُونِ) يريد : إن لم تؤمنوا لي فلا موالاة بيني وبين من لا يؤمنوا ، فتنحوا عنى واقطعوا أسباب الوصلة عنى ، أى : فخلوني كفافا لا لي ولا علىّ ، ولا تتعرضوا لي بشركم وأذاكم ، فليس جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلاحكم ذلك.
(فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ)(٢٤)
(أَنَّ هؤُلاءِ) بأن هؤلاء ، أى : دعا ربه بذلك. قيل : كان دعاؤه : اللهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم : وقيل هو قوله (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) وإنما ذكر الله تعالى السبب الذي استوجبوا به الهلاك ، وهو كونهم مجرمين. وقرئ : إنّ هؤلاء ، بالكسر على إضمار القول ، أى : فدعا ربه فقال : إن هؤلاء (فَأَسْرِ) قرئ بقطع الهمزة من أسرى ، ووصلها من سرى. وفيه وجهان : إضمار القول بعد الفاء ، فقال : أسر بعبادي. وأن يكون جواب شرط محذوف ، كأنه قيل : قال إن كان الأمر كما تقول فأسر (بِعِبادِي) يعنى : فأسر ببني إسرائيل ، فقد دبر الله أن تتقدموا ويتبعكم فرعون وجنوده ، فينجى المتقدمين ويغرق التابعين. الرهو فيه وجهان ، أحدهما : أنه الساكن. قال الأعشى :
|
يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة |
|
ولا الصدور على الأعجاز تتّكل (١) |
أى مشيا ساكنا على هينة. أراد موسى لما جاوز البحر أن يضربه بعصاه فينطبق ، كما ضربه فانفلق ، فأمر بأن يتركه ساكنا على هيئته ، قارّا على حاله : من انتصاب الماء ، وكون الطريق يبسا لا يضربه بعصاه ولا يغير منه شيئا ليدخله القبط ، فإذا حصلوا فيه أطبقه الله عليهم. والثاني :
__________________
|
(١) يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة |
|
ولا الصدور على الأعجاز تتكل |
|
فهن معترضات والحصى رمض |
|
والريح ساكنة والظل معتدل |
|
يتبعن سامية العينين تحسبها |
|
مجنونة أو ترى ما لا ترى الإبل |
|
تهدى لنا كلما كانت علاوتنا |
|
ريح الخزامى جرى فيها الندى الخضل |
للقطافى ، يصف إبلا يمشين مشيا رهوا على هينة وسكينة ، فلا أعجازها خادلة أى تاركة لصدورها متكلة عليها بحيث تضعف من ورائها ، ولا صدورها تتكل على أعجازها بأن تضعف من قدامها ، فأطلق الخذلان والاتكال وأراد لازمهما ، وهو الضعف : مجازا مرسلا. وأصل تتكل توتكل ، فقلبت الواو تاء وأدغمت فيما بعدها ، فهن سائرات في عرض الفلوات. والحال أن الحصى حار من شدة وقع الشمس عليه. ورمض الحصى والرمل رمضا كتعب تعبا : اشتد حره من الشمس ، فأطلق المصدر على اسم الفاعل مبالغة. ويجوز أنه رمض كحذر والريح ساكنة ، فلا نسيم يأتى بالبرودة. أو فلا غبار يضر بالسفر والظل معتدل : كناية عن اشتداد الحر ، لأنه لا يعتدل إلا بتوسط الشمس في كبد السماء يتبعن تلك المطايا ناقة حديدة البصر رافعة طرفها لتبصر أمامها ، تظنها يا من تراها مجنونة. أو رائية شيئا لا تراه بقية الإبل. أو شيئا لا تراه الإبل عادة ، فلذلك استغربته ، تهدى لنا تلك الناقة أو الإبل بمشيها كلما وجد ارتفاعنا في الطريق ريح الخزامى. والعلاوة ـ بالضم ـ : ضد السفالة. وأما بالكسر فهي ما يعلق على البعير بعد حمله. والخزامى : نبت طيب الرائحة. والخضل : الرطب والمبتل والناعم. وضمير فيها عائد على الخزامى. أو على الريح ، لكن هذا يفيد أن السفر كان صباحا.
أن الرهو الفجوة الواسعة. وعن بعض العرب : أنه رأى جملا فالجا (١) فقال : سبحان الله ، رهو بين سنامين ، أى : اتركه مفتوحا على حاله منفرجا (إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ) وقرئ بالفتح ، بمعنى : لأنهم.
(كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ)(٢٧)
والمقام الكريم : ما كان لهم من المجالس والمنازل الحسنة. وقيل : المنابر. والنعمة ـ بالفتح ـ من التنعم ، وبالكسر ـ من الإنعام. وقرئ : فاكهين وفكهين.
(كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (٢٨) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ)(٢٩)
(كَذلِكَ) الكاف منصوبة على معنى : مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها (وَأَوْرَثْناها) أو في موضع الرفع على الأمر كذلك (قَوْماً آخَرِينَ) ليسوا منهم في شيء من قرابة ولا دين ولا ولاء ، وهم بنو إسرائيل : كانوا متسخرين مستعبدين في أيديهم ، فأهلكهم الله على أيديهم ، وأورثهم ملكهم وديارهم. إذا مات رجل خطير قالت العرب في تعظيم مهلكه : بكت عليه السماء والأرض ، وبكته الريح ، وأظلمت له الشمس. وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض» (٢) وقال جرير :
تبكى عليك نجوم اللّيل والقمرا (٣)
__________________
(١) قوله «أنه رأى جملا فالجا» في الصحاح «الفالج» ؛ الضخم ذو السنامين. (ع)
(٢) أخرجه البيهقي في الشعب في السبعين منه والطبري والثعلبي من حديث شريح بن عبيد الحضرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الإسلام بدأ غريبا ، وسيعود غريبا إلا غربة على مؤمن. ما مات مؤمن في غربة غائب عنه فيها بواكيه ـ الحديث»
|
(٣) نعى النعاة أمير المؤمنين لنا |
|
يا خير من حج بيت الله واعتمرا |
|
حملت أمرا عظيما فاصطبرت له |
|
وقمت فيه بأمر الله يا عمرا |
|
الشمس طالعة ليست بكاسفة |
|
تبكى عليك نجوم الليل والقمرا |
لجرير ، يرثى عمر بن عبد العزيز. والنعي : النداء بالموت. وقوله «يا خير» حكاية قول النعاة ، أى : قائلين يا خير ، ويحتمل أنه من كلام الشاعر ، ففيه التفات. والأمر العظيم : الخلافة ومشاقها : شبهها بالمحسوس على طريق المكنية. والتحصيل : تخييل. وأمر الله : شرعه ، أو اكتفى به عن ذكر النهى لدلالته عليه. وعمرا : منادى مندوب ، وألف
وقالت الخارجية :
|
أيا شجر الخابور مالك مورقا |
|
كأنّك لم تجزع على ابن طريف (١) |
وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه ، وكذلك ما يروى عن ابن عباس رضى الله عنهما : من بكاء مصلى المؤمن ، وآثاره في الأرض ، ومصاعد عمله ، ومهابط رزقه في السماء : تمثيل ، ونفى ذلك عنهم في قوله تعالى (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ) فيه تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده : فيقال فيه : بكت عليه السماء والأرض. وعن الحسن : فما بكى عليهم الملائكة والمؤمنون ، بل كانوا بهلاكهم مسرورين ، يعنى : فما بكى عليهم
__________________
ـ الندبة منعت ضمة وجلبت فتحة. واستعمال «يا» في الندبة مع أن الأصل فيها «وا» لعدم اللبس في النداء بعد ذكر النعي. ويقال : كسفت الشمس كسوفا ، وكسفها الله كسفا ، وبكى على زيد وبكاء ، وباكاء فبكاه ، أى غلبه في البكاء ، كفاخره ففخره إذا غلبه في الفخر ، فكسف ، وبكى : متعديان ولازمان ، وطالعة : خبر الشمس. وليست بكاسفة : خبر ثان. وتبكى عليك : حال أو خبر ثالث. ونجوم الليل : مفعول كاسفة ، أى : لم تكسف الشمس نجوم الليل لانطماسها وقلة ضوئها من كثرة بكائها ، فلا تقدر على منع الكواكب من الظهور. ويحتمل أن نجوم الليل مفعول تبكى. أى : تغلب نجوم الليل في البكاء عليك. وقيل : روايته هكذا وهم ، والرواية : الشمس كاسفة ليست بطالعة : أى لا تطلع أبدا من حينئذ ، فالأوجه أن نجوم الليل مفعول تبكى. وقيل : ظرف له ، أى :
مدة نجوم ... الخ. وقيل «نجوم» مرفوع على الفاعلية ، والقمر : مفعول معه ، ثم إن المراد بهذا حزن جميع المخلوقات عليه ، لا سيما الناس العقلاء.
|
أيا شجر الخابور مالك مورقا |
|
كأنك لم تجزع على ابن طريف |
|
فتى لا يحب الزاد إلا من التقى |
|
ولا المال إلا من قنا وسيوف |
|
حليف الندى ما عاش يرضى به الندى |
|
فان مات لم يرض الندى بحليف |
|
فقد ناء فقدان الربيع وليتنا |
|
فديناه من ساداتنا بألوف |
لليلى بنت طريف ترثى أخاها الوليد. وأيا : حرف نداء. والخابور : موضع كثير الشجر ، نزلت شجرة منزلة العاقل ، فنادته واستفهمته عن سبب إخراجه الورق ، من باب تجاهل العارف ساقت المعلوم مساق المجهول ، واستفهمت عنه لفرط ما بها من الجزع تيقنت أن كل الأشياء جزعت عليه حتى الشجر ، فخاطبته بقولها : كأنك لم تجزع على أخى ، وذكرته بكنيته تعظيما لقدره وتنويها بذكره. ومورقا : حال من كاف الخطاب ، ثم قالت : هو فتى لا يحب أن يتزود إلا من التقى ، ولا يحب المال إلا من الغنائم بالحرب ، فقولها «إلا من قنا وسيوف» : كناية عن ذلك. والقناة : الرماح ، واحده : قناة. حليف الندى : أى ملازم له تلازم المتحالفين على الاجتماع ، فهو استعارة مصرحة ، ثم قالت : يرضى به أى بصحبته الندى : مدة حياته وإن طالت. وهذا ترشيح للاستعارة. وقولها : فان مات «إن» فيه بمعنى إذ ، فهي لمجرد الربط لا للشك ، كما ذهب إليه الكوفيون في نحو قوله تعالى (وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وهذا على أنه كان قد مات كما هو ظاهر قولها فقدناه. ويحتمل أنه كان في مرض الموت ، أى : شارفنا فقده مجازا ، كأنه قد حصل. وشبهته بالربيع في ضمن تشبيه فقدانه فقدان الربيع يجامع عموم نفع كل : مدحته بالتقوى والشجاعة والكرم وعموم النفع والسيادة ، وتنكير ألوف للتكثير ، ويروى : دهمائنا ، بدل سادتا. والدهماء : السواد العظيم. وظاهر التمني يدل أيضا على أنه كان قد مات ، إلا أن يكون المعنى : ليتنا فديناه مما أصابه فأمرضه. وتكرير «حليف» من باب رد العجز على الصدر
أهل السماء وأهل الأرض (وَما كانُوا مُنْظَرِينَ) لما جاء وقت هلاكهم لم ينظروا إلى وقت آخر ، ولم يمهلوا إلى الآخرة ، بل عجل لهم في الدنيا.
(وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ)(٣١)
(مِنْ فِرْعَوْنَ) بدل من العذاب المهين ، كأنه في نفسه كان عذابا مهينا ، لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم. ويجوز أن يكون المعنى : من العذاب المهين واقعا من جهة فرعون. وقرئ من عذاب المهين. ووجهه أن يكون تقدير قوله (مِنْ فِرْعَوْنَ) : من عذاب فرعون ، حتى يكون المهين هو فرعون. وفي قراءة ابن عباس : من فرعون ، لما وصف عذاب فرعون بالشدة والفظاعة قال : من فرعون ، على معنى : هل تعرفونه من هو في عتوّه وشيطنته ، ثم عرف حاله في ذلك بقوله (إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ) أى كبيرا رفيع الطبقة ، ومن بينهم فائقا لهم ، بليغا في إسرافه. أو عاليا متكبرا ، كقوله تعالى (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ). و (مِنَ الْمُسْرِفِينَ) خبر ثان ، كأنه قيل : إنه كان متكبرا مسرفا.
(وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ)(٣٤)
الضمير في (اخْتَرْناهُمْ) لبنى إسرائيل. و (عَلى عِلْمٍ) في موضع الحال ، أى : عالمين بمكان الخيرة ، وبأنهم أحقاء بأن يختاروا. ويجوز أن يكون المعنى : مع علم منا بأنهم يزيغون ويفرط منهم الفرطات في بعض الأحوال (عَلَى الْعالَمِينَ) على عالمى زمانهم. وقيل : على الناس جميعا لكثرة الأنبياء منهم (مِنَ الْآياتِ) من نحو فلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المنّ والسلوى ، وغير ذلك من الآيات العظام التي لم يظهر الله في غيرهم مثلها (بَلؤُا مُبِينٌ) نعمة ظاهرة ، لأن الله تعالى يبلو بالنعمة كما يبلو بالمصيبة. أو اختبار ظاهر لننظر كيف تعملون ، كقوله تعالى (وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ).
(إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)(٣٦)
(هؤُلاءِ) إشارة إلى كفار قريش فإن قلت : كان الكلام واقعا في الحياة الثانية (١) لا في الموت (٢) ، فهلا قيل : إن هي إلا حياتنا الأولى وما نحن بمنشرين؟ كما قيل : إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين؟ وما معنى قوله (إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى)؟ وما معنى ذكر الأولى؟ كأنهم وعدوا موتة أخرى حتى نفوها وجحدوها وأثبتوا الأولى؟ قلت : معناه ـ والله الموفق للصواب ـ : أنه قيل لهم : إنكم تموتون موتة تتعقبها حياة ، كما تقدّمتكم موتة قد تعقبتها حياة ، وذلك قوله عزّ وجل (وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) فقالوا (إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى) يريدون : ما الموتة التي من شأنها أن يتعقبها حياة إلا الموتة الأولى دون الموتة الثانية ، وما هذه الصفة التي تصفون بها الموتة من تعقب الحياة لها إلا للموتة الأولى خاصة ، فلا فرق إذا بين هذا وبين قوله (إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا) في المعنى. يقال : أنشر الله الموتى ونشرهم : إذا بعثهم (فَأْتُوا بِآبائِنا) خطاب للذين كانوا يعدونهم النشور : من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، أى : إن صدقتم فيما تقولون فعجلوا لنا إحياء من مات من آبائنا بسؤالكم ربكم ذلك حتى يكون دليلا على أنّ ما تعدونه من قيام الساعة وبعث الموتى حق ، وقيل كانوا يطلبون اليهم أن يدعوا الله وينشر لهم قصىّ بن كلاب ليشاوروه ، فإنه كان كبيرهم ومشاورهم في النوازل ومعاظم الشئون.
(أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ)(٣٧)
هو تبع الحميري : كان مؤمنا وقومه كافرين ، ولذلك ذمّ الله قومه ولم يذمّه ، وهو الذي سار بالجيوش وحير الحيرة وبنى سمرقند. وقيل : هدمها وكان إذا كتب قال : بسم الله الذي ملك برّا وبحرا. وعنى النبي صلى الله عليه وسلم «لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم» (٣) وعنه عليه الصلاة
__________________
(١) قوله «واقعا في الحياة الثانية» أى التي ينكرونها. (ع)
(٢) قال محمود : «فان قلت : كان الكلام معهم واقعا في الحياة الثانية لا في الموت ... الخ» قال أحمد : وأظهر من ذلك أنهم لما وعدوا بعد الحياة الدنيا حالتين أخريين : الأولى منهما الموت ، والأخرى حياة البعث : أثبتوا الحالة الأولى وهي الموت ، ونفوا ما بعدها ، وسموها أولى مع أنهم اعتقدوا أن لا شيء بعدها ، لأنهم نزلوا جحدهم على الإثبات فجعلوها أولى على ما ذكرت لهم ، وهذا أولى من حمل الموتة الأولى على السابقة على الحياة الدنيا لوجهين ، أحدهما : أن الاقتصار عليها لا يعتقدونه ، لأنهم يثبتون الموت الذي يعقب حياة الدنيا ، وحمل الحصر المباشر للموت في كلامهم على صفة لم تذكر لا على نفس الموت المشاهد لهم : فيه عدول عن الظاهر بلا حاجة. الثاني : أن الموت السابق على الحياة الدنيا لا يعبر عنه بالموتة ، فان الموتة فعلة فيها إشعار بالتجدد والطريان. والموت السابق على الحياة الدنيا أمر مستصحب لم تتقدمه حياة طرأ عليها هذا ، مع أن في بقية السورة قوله تعالى (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى) وإنما عنى ب (الْمَوْتَةَ الْأُولى) هنا : الموت المتعقب للحياة الدنيا فقط ، ففيه إرشاد لما ذكرته ، والله أعلم.
(٣) أخرجه أحمد والطبراني والطبري وابن أبى حاتم من حديث سهل بن سعد وفيه ابن لهيعة عن عمرو بن جابر. وهما ضعيفان. وروى حبيب عن مالك عن أبى حازم عن سهل مثله قال الدارقطني : تفرد به حبيب وهو
والسلام «ما أدرى أكان تبع نبيا أو غير (١) نبى» وعن ابن عباس رضى الله عنهما : كان نبيا. وقيل : نظر إلى قبرين بناحية حمير قال : هذا قبر رضوى وقبر حبى بنت تبع لا تشركان بالله شيئا. وقيل : هو الذي كسا البيت. وقيل لملوك اليمن : التبابعة ، لأنهم يتبعون ، كما قيل : الأقيال ، لأنهم يتقيلون (٢). وسمى الظل «تبعا» لأنه يتبع الشمس. فإن قلت : ما معنى قوله تعالى (أَهُمْ خَيْرٌ) ولا خير في الفريقين؟ قلت : معناه أهم خير في القوّة والمنعة ، كقوله تعالى (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ) بعد ذكر آل فرعون. وفي تفسير ابن عباس رضى الله عنهما : أهم أشدّ أم قوم تبع.
(وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) ما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)(٤٢)
(وَما بَيْنَهُما) وما بين الجنسين. وقرأ عبيد بن عمير : وما بينهن. وقرأ : ميقاتهم بالنصب على أنه اسم إن ، ويوم الفصل : خبرها ، أى : إنّ ميعاد حسابهم وجزائهم في يوم الفصل (لا يُغْنِي مَوْلًى) أىّ مولى كان من قرابة أو غيرها (عَنْ مَوْلًى) عن أى مولى كان (شَيْئاً) من إغناء ، أى : قليلا منه (وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) الضمير للموالي ، لأنهم في المعنى كثير ، لتناول اللفظ على الإبهام والشياع كل مولى (إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ) في محل الرفع على البدل من الواو في (يُنْصَرُونَ) أى : لا لا يمنع من العذاب إلا من رحمه الله. ويجوز أن ينتصب على الاستثناء (إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ) لا ينصر منه من عصاه (الرَّحِيمُ) لمن أطاعه.
(إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ)(٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ
__________________
ـ متروك. وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في معجمه وابن مردويه قال محمد بن زكريا. عن أبى حذيفة عن سفيان.
(١) أخرجه الثعلبي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبى ذئب عن المقبري عن أبى هريرة بهذا.
والمعروف بهذا الاسناد «ما أدرى العيني هو أم لا ، وما أدرى أعزير نبى أم لا» أخرجه أبو داود. وكذا الحاكم لكن قال : ذو القرنين بدل «عزير» قال الدارقطني تفرد به عبد الرزاق وغيره أرسله.
(٢) قوله «لأنهم يتقيلون» في الصحاح : تقيل شرب نصف النهار ، وتقيل فلان أباه : تبعه. (ع)
مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَٰذَا مَا كُنتُم بِهِ تَمْتَرُونَ)(٥٠)
قرئ : إنّ شجرت الزقوم ، بكسر الشين ، وفيها ثلاث لغات : شجرة ، بفتح الشين وكسرها وشيرة ، بالياء. وروى أنه لما نزل (أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) قال ابن الزبعرى : إنّ أهل اليمن يدعون أكل الزبد والتمر : التزقم ، فدعا أبو جهل بتمر وزبد فقال : تزقموا فإنّ هذا هو الذي يخوّفكم به محمد ، فنزل (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ) وهو الفاجر الكثير الآثام. وعن أبى الدرداء أنه كان يقرئ رجلا فكان يقول طعام اليثيم ، فقال : قل طعام الفاجر (١) يا هذا. وبهذا يستدل على أنّ إبدال كلمة مكان كلمة جائز إذا كانت مؤدية معناها. ومنه أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية على شريطة ، وهي : أن يؤدى القارئ المعاني على كمالها من غير أن يخرم منها شيئا. قالوا : وهذه الشربطة تشهد أنها إجازة كلا إجازة ، لأنّ في كلام العرب خصوصا في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه من لطائف المعاني والأغراض ما لا يستقل بإذائه لسان من فارسية وغيرها ، وما كان أبو حنيفة رحمه الله يحسن الفارسية ، فلم يكن ذلك منه عن تحقق وتبصر وروى على بن الجعد عن أبى يوسف عن أبى حنيفة مثل قول صاحبيه في إنكار القراءة بالفارسية (كَالْمُهْلِ) قرئ بضم الميم وفتحها ، وهو دردى (٢) الزيت. ويدل عليه قوله تعالى (يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ) مع قوله (فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ) وقيل : هو ذائب الفضة والنحاس ، والكاف رفع خبر بعد خبر ، وكذلك (يَغْلِي) وقرئ بالتاء للشجرة ، وبالياء للطعام. و (الْحَمِيمِ) الماء الحار الذي انتهى غليانه : يقال للزبانية (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ) فقودوه بعنف وغلظة ، وهو أن يؤخذ بتلبيب (٣) الرجل فيجر إلى حبس أو قتل. ومنه : العتلّ وهو الغليظ الجافي. وقرئ بكسر التاء وضمها (إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ) إلى وسطها ومعظمها. فإن قلت : هلا قيل : صبوا فوق رأسه من الحميم ، كقوله تعالى (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ) لأنّ الحميم هو المصبوب لا عذابه؟ قلت : إذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدّته ، إلا أن صب العذاب طريقة الاستعارة ، كقوله :
__________________
(١) قال محمود : «نقل أن أبا الدرداء أقرأها رجلا فلم يقم النطق بالأثيم وجعل يقول طعام اليثيم ... الخ» قال أحمد : لا دليل فيه لذلك. وقول أبى الدرداء محمول على إيضاح المعنى ليكون وضوح المعنى عند المتعلم عونا على أن يأتى بالقراءة كما أنزلت. على هذا حمله القاضي أبو بكر في كتاب الانتصار ، وهو الوجه ، والله أعلم.
(٢) قوله «وهو دردى الزيت» لعله : ردى الزيت كعبارة النسفي. (ع)
(٣) قوله «وهو أن يؤخذ بتلبيب الرجل» الذي في الصحاح : لبهت الرجل تلبيبا ، إذا جمعت ثيابه عند صدره ونحره في الخصومة ، ثم جررته اه ويجوز أنه أراد بتلبيب الرجل : ثيابه من عند صدره ونحره. (ع)
صبّت عليه صروف الدّهر من صبب (١)
وكقوله تعالى (أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً) فذكر العذاب معلقا به الصب ، مستعارا له ، ليكون أهول وأهيب يقال (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) على سبيل الهزؤ والتهكم بمن كان يتعزز ويتكرم على قومه. وروى أنّ أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بين جبليها أعز ولا أكرم منى ، فو الله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بى شيئا. وقرئ : إنك ، بمعنى : لأنك. وعن الحسن ابن على رضى الله عنهما أنه قرأ به على المنبر (إِنَّ هذا) العذاب. أو إن هذا الأمر هو (ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ) أى تشكون. أو تتمارون وتتلاجون.
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ)(٥٥) (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(٥٧)
قرئ : في مقام ، بالفتح : وهو موضع القيام ، والمراد المكان ، وهو من الخاص الذي وقع مستعملا في معنى العموم. وبالضم : وهو موضع الإقامة. و (أَمِينٍ) من قولك : أمن الرجل أمانة فهو أمين. وهو ضد الخائن ، فوصف به المكان استعارة ، لأنّ المكان المخيف كأنما يخون صاحبه بما يلقى فيه من المكاره. قيل : السندس : ما رق من الديباج. والإستبرق: ما غلظ منه وهو تعريب استبر. فإن قلت : كيف ساغ أن يقع في القرآن العربي المبين لفظ أعجمى؟ قلت : إذا عرب خرج من أن يكون عجميا ، لأن معنى التعريب أن يجعل عربيا بالتصرف فيه ، وتغييره عن منهاجه ، وإجرائه على أوجه الإعراب (كَذلِكَ) الكاف مرفوعة على : الأمر كذلك. أو منصوب على : مثل ذلك أثبناهم (وَزَوَّجْناهُمْ) وقرأ عكرمة : بحور عين ، على الإضافة : والمعنى : بالحور من العين ، لأن العين إما أن تكون حورا أو غير حور ، فهؤلاء
__________________
|
(١) كم امرئ كان في خفض وفي دعة |
|
صبت عليه صروف الدهر من صبب |
الصبب : مكان الصباب الماء وانحداره. يقول : كثير من الناس كان في لين عيش وفي راحة ، توالت عليه حوادث الدهر كأنها سيل منحدر من صبب ، فاستعار الصب لنزول الحوادث بالشخص على طريق التصريح ، والصب ترشيح أو شبه الحوادث بالسيل على سبيل المكنية. والصبب : تخييل. والصب : ترشيح. والصروف : جمع صرف ، كحروف جمع حرف : مكاره الزمن ومصائبه.
من الحور العين (١) لا من شهلهن مثلا. وفي قراءة عبد الله : بعيس عين : والعيساء : البيضاء تعلوها حمرة وقرأ عبيد بن عمير : لا يذاقون فيها الموت. وقرأ عبد الله : لا يذوقون فيها طعم الموت. فإن قلت : كيف استثنيت الموتة الأولى ـ المذوقة قبل دخول الجنة ـ من الموت المنفي ذوقه فيها؟ قلت : أريد أن يقال : لا يذوقون فيها الموت البتة ، فوضع قوله (إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى) موضع ذلك ؛ لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل ، فهو من باب التعليق بالمحال ، كأنه قيل : إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها (٢). وقرئ ووقاهم بالتشديد (فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ) عطاء من ربك وثوابا ، يعنى : كل ما أعطى المتقين من نعيم الجنة والنجاة من النار. وقرئ : فضل ، أى. ذلك فضل.
(فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ)(٥٩)
(فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ) فذلكة للسورة. ومعناها : ذكرهم بالكتاب المبين (فَإِنَّما يَسَّرْناهُ) أى : سهلناه ، حيث أنزلناه عربيا بلسانك بلغتك إرادة أن يفهمه قومك فيتذكروا (فَارْتَقِبْ) فانتظر ما يحل بهم (إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ) ما يحل بك متربصون الدوائر.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك» (٣) وعنه عليه السلام :» من قرأ حم التي يذكر فيها الدخان في ليلة جمعة أصبح مغفورا له» (٤).
__________________
(١) قوله «من الحور العين» لعله : من حور العين. (ع)
(٢) قال محمود : «إنما استثنيت الموتة الأولى المذوقة قبل دخول الجنة من الموت المنفي ذوقه فيها ... الخ» قال أحمد : هذا الذي ذكره مبنى على أن الموتة بدل ، على طريقة بنى تميم المجوز فيها البدل من غير الجنس. وأما على طريقة الحجازيين ، فانتصبت الموتة استثناء منقطعا. وسر اللغة التميمية : بناء النفي المراد على وجه لا يبقى للسامع مطمعا في الإثبات ، فيقولون : ما فيها أحد إلا حمار ، على معنى : إن كان الحمار من الأحدين ففيها أحد ، فيعلقون الثبوت على أمر محال حتما بالنفي. وعليه حمل الزمخشري (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ) أى إن كان الله ممن في السماوات والأرض ، ففي السماوات والأرض من يعلم الغيب ، فإذا نفر السامع من ثبوت الأول تعدت النفرة إلى ثبوت الثاني ، فجزمت بالنفي ، والله أعلم.
(٣) أخرجه الترمذي أيضا وابن عدى والشعبي والبيهقي في الشعب من رواية عمر بن خثعم عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة ، وقال : غريب ، وعمر بضعف. قال محمد : إنه منكر الحديث. قلت : وهو بمعنى الذي قبله.
(٤) أخرجه الترمذي وأبو يعلى وابن السنى في اليوم والليلة» والبيهقي في الشعب وقال تفرد به أبو المقدام. وهو ضعيف. وعن الحسن عن أبى هريرة وقال الترمذي : أبو المقدام ضعيف والحسن لم يسمع من أبى هريرة.
سورة الجاثية
مكية [إلا آية ١٤ فمدنية]
وآياتها ٣٧ وقيل ٣٦ آية [نزلت بعد الدخان]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ)(٦)
(حم) إن جعلتها اسما مبتدأ مخبرا عنه ب (تَنْزِيلُ الْكِتابِ) لم يكن بدّ من حذف مضاف ، تقديره : تنزيل حم تنزيل الكتاب. و (مِنَ اللهِ) صلة للتنزيل ، وإن جعلتها تعديدا للحروف كان (تَنْزِيلُ الْكِتابِ) مبتدأ ، والظرف خبرا (إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) يجوز أن يكون على ظاهره ، وأن يكون المعنى ، إنّ في خلق السماوات لقوله (وَفِي خَلْقِكُمْ) فإن قلت : علام عطف (وَما يَبُثُ) أعلى الخلق المضاف؟ أم على الضمير المضاف إليه؟ قلت : بل على المضاف ، لأنّ المضاف إليه ضمير متصل مجرور يقبح العطف عليه : استقبحوا أن يقال : مررت بك وزيد ، وهذا أبوك وعمرو ، وكذلك إن أكدوه كرهوا أن يقولوا : مررت بك أنت وزيد. قرئ : آيات لقوم يوقنون ، بالنصب والرفع ، على قولك : إنّ زيدا في الدار وعمرا في السوق. أو عمرو في السوق. وأمّا قوله (آياتٌ لِقَوْمٍ) (١) (يَعْقِلُونَ) فمن العطف على عاملين ، سواء نصبت أو رفعت ، فالعاملان إذا نصبت هما : إن ، وفى : أقيمت الواو مقامهما ، فعملت (٢) الجر في (اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) ،
__________________
(١) قوله «وأما قوله : آيات لقوم» أى مع قوله (وَاخْتِلافِ). (ع)
(٢) قوله «فعملت» أى : الواو. (ع)
والنصب في (آياتٌ). وإذا رفعت فالعاملان : الابتداء وفي : عملت الرفع في (آياتٌ) ، والجر في (وَاخْتِلافِ) وقرأ ابن مسعود : وفي اختلاف الليل والنهار. فإن قلت : العطف على عاملين على مذهب الأخفش سديد لا مقام فيه. وقد أباه سيبويه ، فما وجه تخريج الآية عنده؟ قلت : فيه وجهان عنده. أحدهما : أن يكون على إضمار في. والذي حسنه تقدّم ذكره في الآيتين قبلها. ويعضده قراءة ابن مسعود. والثاني : أن ينتصب آيات على الاختصاص بعد انقضاء المجرور معطوفا على ما قبله أو على التكرير ، ورفعها بإضمار هي : وقرئ : واختلاف الليل والنهار بالرفع. وقرئ : آية. وكذلك وما يبث من دابة آية. وقرئ وتصريف الريح. والمعنى : إنّ المنصفين من العباد إذا نظروا في السماوات والأرض النظر الصحيح ، علموا أنها مصنوعة ، وأنه لا بدّ لها من صانع ، فآمنوا بالله وأقرّوا ، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال وهيئة إلى هيئة ، وفي خلق ما على ظهر الأرض من صنوف الحيوان : ازدادوا إيمانا ، وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس ، فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدّد في كل وقت كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار وحياة الأرض بها بعد موتها (وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ) جنوبا وشمالا وقبولا ودبورا : عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم ، وسمى المطر رزقا ، لأنه سبب الرزق (تِلْكَ) إشارة إلى الآيات المتقدّمة ، أى : تلك الآيات آيات الله. و (نَتْلُوها) في محل الحال ، أى : متلوة (عَلَيْكَ بِالْحَقِ) والعامل ما دل عليه تلك من معنى الإشارة. ونحوه : (هذا بَعْلِي شَيْخاً) وقرئ : يتلوها ، بالياء (بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ) أى بعد آيات الله كقولهم : أعجبنى زيد وكرمه ، يريدون : أعجبنى كرم زيد. ويجوز أن يراد : بعد حديث الله ، وهو كتابه وقرآنه ، كقوله تعالى ، (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ). وقرئ (يُؤْمِنُونَ) بالتاء والياء.
(وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ)(١٠)
الأفاك : الكذاب ، والأثيم : المتبالغ في اقتراف الآثام (يُصِرُّ) يقبل على كفره ويقيم
عليه. وأصله من إصرار الحمار على العانة (١) وهو أن ينحى عليها صارّا أذنيه (مُسْتَكْبِراً) عن الإيمان بالآيات والإذعان لما ينطق به من الحق ، مزدريا لها معجبا بما عنده. قيل : نزلت في النضر بن الحرث وما كان يشترى من أحاديث الأعاجم ، ويشغل الناس بها عن استماع القرآن. والآية عامّة في كل ما كان مضارّا لدين الله. فإن قلت : ما معنى ثم في قوله (ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً)؟ قلت : كمعناه في قول القائل :
يرى غمرات الموت ثمّ يزورها (٢)
وذلك أنّ غمرات الموت حقيقة ، بأن ينجو رائيها بنفسه ويطلب الفرار عنها. وأمّا زيارتها والإقدام على مزاولتها. فأمر مستبعد ، فمعنى ثم : الإيذان بأن فعل المقدّم عليها بعد ما رآها وعاينها ، شيء يستبعد في العادات والطباع ، وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق ، من تليت عليه وسمعها : كان مستبعدا في العقول إصراره على الضلالة عندها واستكباره عن الإيمان بها (كَأَنْ) مخففة ، والأصل كأنه لم يسمعها : والضمير ضمير الشأن ، كما في قوله :
كأن ظبية تعطو إلى ناضر السّلم (٣)
ومحل الجملة النصب على الحال. أى : يصير مثل غير السامع (وَإِذا) بلغه شيء من آياتنا وعلم أنه منها (اتَّخَذَها) أى اتخذ الآيات (هُزُواً) ولم يقل : اتخذه ، للإشعار بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات التي أنزلها الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم : خاض في الاستهزاء بجميع الآيات. ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه ، ويحتمل : وإذا علم من آياتنا شيئا
__________________
(١) قوله «من إصرار الحمار على العانة» جماعة حمر الوحش كما في الصحاح. وفيه أيضا : ضر الفرس أذنيه :
ضمها إلى رأسه ، فإذا لم يوقعوا قالوا : أصر الفرس ، بالألف. (ع)
(٢) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثالث صفحة ٥١٥ فراجعه إن شئت اه مصححه.
|
(٣) فيوما توافينا بوجه مقسم |
|
كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم |
|
ويوما تريد مالنا مع مالها |
|
فان لم ننلها لم تنمنا ولم تتم |
الباعث بن صريم اليشكري يذكر حال امرأته. ويوما : ظرف مقدم. ويروى : ويوم ، أى : ورب يوم تقابلنا فيه ولا حاجة لتقدير الرابط على نصب اليوم. وقسم قساما وقسامة ، كجمل جمالا. وظرف ظرافة. والمقسم : المحسن. وكأن : مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير المرأة ، أو ضمير الشأن. وظبية : بالرفع على الأول خبر. وعلى الثاني : مبتدأ ، وهو مع خبره خبر كان. وتعطو : صفة على الأول ، وهو الخبر على الثاني. ويروى : ظبية ، بالنصب ، فهو الاسم وإن كان عملها مخففة قليلا. ويروى : مجرورا بالكاف ، وإن : زائدة بين الجار والمجرور : وتعطو : تأخذ وتتناول ، ماثلة إلى وارق السلم. ومن النوادر : أورق فهو وارق. وأينع فهو يانع. والقياس : مورق ، أى : كثير الورق. ويروى : ناضر ، بدل : وارق. والسلم : شجر العضاء ، هذا شأنها في يوم. وفي يوم آخر تؤذينا فتريد مالنا منضما إلى مالها ، فان نعطها لم تتركنا ننام من كثرة كلامها وإيذائها ، ولم تنم هي أيضا. واليوم هنا : مطلق الزمن.
يمكن أن يتشبث به المعاند ويجد له محملا يتسلق به على الطعن والغميزة : افترصه واتخذ آيات الله هزوا ، وذلك نحو افتراص ابن الزبعرى قوله عز وجل (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) ومغالطته رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقوله : خصمتك. ويجوز أن يرجع الضمير إلى شيء ، لأنه في معنى الآية كقول أبى العتاهية :
|
نفسي بشيء من الدنيا معلّقة |
|
الله والقائم المهدي يكفيها (١) |
حيث أراد عتبة. وقرئ : علم (أُولئِكَ) إشارة إلى كل أفاك أثيم ، لشموله الأفاكين. والوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام. قال :
|
أليس ورائي أن تراخت منيّتى |
|
أدب مع الولدان أزحف كالنّسر (٢) |
ومنه قوله عز وجل (مِنْ وَرائِهِمْ) أى من قدّامهم (ما كَسَبُوا) من الأموال في رحلهم ومتاجرهم (وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ) من الأوثان.
(هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ)(١١)
(هذا) إشارة إلى القرآن ، يدل عليه قوله تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ) لأنّ آيات ربهم هي القرآن ، أى هذا القرآن كامل في الهداية ، كما تقول : زيد رجل ، تريد كامل في الرجولية. وأيما رجل. والرجز : أشد العذاب. وقرئ بجر أليم ورفعه.
__________________
|
(١) نفسي بشيء من الدنيا معلقة |
|
الله والقائم المهدى يكفيها |
|
إنى لأيأس منها ثم يطمعنى |
|
فيها احتقارك للدنيا وما فيها |
لأبى العتاهية. وكنى بالشيء عن جارية من حظايا المهدى اسمها عتبة ، ولذلك أعاد عليه الضمير مؤنثا. وقوله «من الدنيا» معناه : أنه لا يريد من الدنيا غيره. والقائم : أى بأمر الشرع. ويكفيها ، أى : يكفيني تلك الحاجة. أو يكفى نفسي ما تريد ، والله : بقطع الهمزة ، لأن أول المصراع محل ابتداء في الجملة ، إنى لأيأس أى أقطع طمعي منها ، ثم أطمع فيها ثانيا بسبب احتقارك للدنيا وما فيها. وهو مدح بنهاية الكرم. وروى أنه كتب ذلك في ثوب ، وأدرجه في برنية وأهداها المهدى ، فهم بدفعها إليه فقالت : أتدفعني إلى رجل متكسب بالتعشق ، فأمر بملء البرنية مالا ودفعها إليه ، فقال للخزان : إنما أمر لي بدنانير ، فقال له : نعطيك دراهم ونراجعه. واختلفوا في ذلك سنة ، فقالت : لو كان عاشقا لما فرق بينهما.
(٢) لعبيد ، والهمزة للتقرير. وورائي هنا بمعنى : أمامى ، وهو في الأصل : الجهة التي يواريها الشخص ، لكن يكثر في الجهة التي خلفه ، وتوسع فيه حتى استعمل في كل غيب. ومنه : المستقبل. وتراخت : تباعدت وتأخرت. وأدب : أمشى بهينة وتؤدة. وأن المصدرية مقدرة قبله ، لأنه اسم ليس ، وإن كان لفظه مرفوعا. وأزحف : يحتمل أنه بدل ، وأنه حال. وكالنسر : حال. أو معناه : كزحف النسر في الأرض ، مع كونه أبيض وفيه نوع احتراس ، لأنه يتوهم من قوله «مع الولدان» نقص عقله ، فدل على أن المراد الضعف كالولدان. والشيب كالنسر ، لأنه أبيض ، مع كونه رئيس الطيور وكلها تخشاه.
(اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (١٣)
(وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) بالتجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان واستخراج اللحم الطري وغير ذلك من منافع البحر. فإن قلت : ما معنى (مِنْهُ) في قوله (جَمِيعاً مِنْهُ) وما موقعها من الإعراب ، قلت : هي واقعة موقع الحال ، والمعنى : أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده ، يعنى : أنه مكوّنها وموجدها بقدرته وحكمته ، ثم مسخرها لخلقه. ويجوز أن يكون خبر مبتدإ محذوف ، تقديره : هي جميعا منه ، وأن يكون (وَسَخَّرَ لَكُمْ) تأكيدا لقوله تعالى (سَخَّرَ لَكُمْ) ثم ابتدئ قوله : (ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) وأن يكون (ما فِي الْأَرْضِ) مبتدأ ، و (مِنْهُ) خبره. وقرأ ابن عباس رضى الله عنهما : منة ، وقرأ سلمة بن محارب : منه ، على أن يكون منه فاعل سخر على الإسناد المجازى. أو على أنه خبر مبتدإ محذوف ، أى : ذلك. أو هو منه.
(قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)(١٥)
حذف المقول لأنّ الجواب دال عليه. والمعنى : قل لهم اغفروا يغفروا (لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ) لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه ، من قولهم لوقائع العرب : أيام العرب. وقيل : لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنين ووعدهم الفوز فيها. قيل : نزلت قبل آية القتال ، ثم نسخ حكمها. وقيل : نزولها في عمر رضى الله عنه ـ وقد شتمه رجل من غفار فهمّ أن يبطش به. وعن سعيد بن المسيب : كنا بين يدي عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقرأ قارئ هذه الآية ، فقال عمر : ليجزي عمر بما صنع (لِيَجْزِيَ) تعليل الأمر بالمغفرة ، أى : إنما أمروا بأن يغفروا لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة. فإن قلت : قوله (قَوْماً) ما وجه تنكيره وإنما أراد الذين آمنوا وهم معارف؟ قلت : هو مدح لهم وثناء عليهم ، كأنه قيل. ليجزي أيما قوم وقوما (١) مخصوصين ، لصبرهم وإغضائهم على أذى أعدائهم من الكفار ، وعلى ما كانوا
__________________
(١) قوله «أيما قوم وقوما مخصوصين» لعله : أو قوما. (ع)
يجرعونهم من الغصص (بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه ومعنى قوله عمر : ليجزي عمر بما صنع : ليجزي بصبره واحتماله. وقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية : والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهى. وقرئ : ليجزي قوما ، أى : الله عز وجل. وليجزي قوم. وليجزي قوما ، على معنى : وليجزي الجزاء قوما.
(وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)(١٧)
(الْكِتابَ) التوراة (وَالْحُكْمَ) الحكمة والفقه. أو فصل الخصومات بين الناس ، لأنّ الملك كان فيهم والنبوّة (مِنَ الطَّيِّباتِ) مما أحل الله لهم وأطاب من الأرزاق (وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ) حيث لم نؤت غيرهم مثل ما آتيناهم (بَيِّناتٍ) آيات ومعجزات (مِنَ الْأَمْرِ) من أمر الدين ، فما وقع بينهم الخلاف في الدين (إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ) ما هو موجب لزوال الخلاف وهو العلم. وإنما اختلفوا لبغى حدث بينهم ، أو لعداوة وحسد.
(ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) (١٩)
(عَلى شَرِيعَةٍ) على طريقة ومنهاج (مِنَ الْأَمْرِ) من أمر الدين ، فاتبع شريعتك الثابتة بالدلائل والحجج ، ولا تتبع ما لا حجة عليه من أهواء الجهال. ودينهم المبنى على هوى وبدعة ، وهم رؤساء قريش حين قالوا. ارجع إلى دين آبائك. ولا توالهم ، إنما يوالى الظالمين من هو ظالم مثلهم ، وأما المتقون : فوليهم الله وهم موالوه. وما أبين الفصل بين الولايتين.
(هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)(٢٠)
(هذا) القرآن (بَصائِرُ لِلنَّاسِ) جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب. كما جعل روحا وحياة وهو هدى من الضلالة ، ورحمة من العذاب لمن آمن وأيقن. وقرئ : هذه بصائر ، أى : هذه الآيات.
(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ)(٢١)
(أَمْ) منقطعة. ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان. والاجتراح : الاكتساب. ومنه الجوارح وفلان جارحة أهله ، أى : كاسبهم (أَنْ نَجْعَلَهُمْ) أن نصيرهم. وهو من جعل المتعدي إلى مفعولين فأوّلهما الضمير ، والثاني : الكاف ، والجملة التي هي (سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ) بدل من الكاف ، لأنّ الجملة تقع مفعولا ثانيا ، فكانت في حكم المفرد. ألا تراك لو قلت : أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم : كان سديدا ، كما تقول : ظننت زبدا أبوه منطلق. ومن قرأ (سَواءً) بالنصب : أجرى سواء مجرى مستويا ، وارتفع محياهم ومماتهم على الفاعلية ، وكان مفردا غير جملة. ومن قرأ : ومماتهم بالنصب ، جعل محياهم ومماتهم : ظرفين ، كمقدم الحاج وخفوق النجم. أى : سواء في محياهم وفي مماتهم. والمعنى : إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محيا ، وأن يستووا مماتا ، لافتراق أحوالهم أحياء. حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات ، وأولئك على ركوب المعاصي. ومماتا ، حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والوصول إلى ثواب الله ورضوانه ، وأولئك على اليأس من رحمة الله والوصول إلى هول ما أعدّ لهم. وقيل : معناه إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة ، لأنّ المسيئين والمحسنين مستو محياهم في الرزق والصحة ، وإنما يفترقون في الممات ، وقيل : سواء محياهم ومماتهم : كلام مستأنف على معنى : أن محيا المسيئين ومماتهم سواء ، وكذلك محيا المحسنين ومماتهم : كل يموت على حسب ما عاش عليه. وعن تميم الداري رضى الله عنه أنه كان يصلى ذات ليلة عند المقام ، فبلغ هذه الآية ، فجعل يبكى ويردّد إلى الصباح : ساء ما يحكمون. وعن الفضيل : أنه بلغها فجعل يردّدها ويبكى ويقول : يا فضيل ، ليت شعري من أى الفريقين أنت.
(وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)(٢٢)
(وَلِتُجْزى) معطوف على بالحق ، لأنّ فيه معنى التعليل. أو على معلل محذوف تقديره : خلق الله السماوات والأرض ، ليدل به على قدرته ولتجزى كل نفس.
(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (٢٣)
أى : هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه ، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه.
وقرئ : آلهة هواه ، لأنه كان يستحسن الحجر فيعبده ، فإذا رأى ما هو أحسن رفضه إليه ، فكأنه اتخذ هواه آلهة شتى : يعبد كل وقت واحدا منها (وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ) وتركه عن الهداية (١) واللطف وخذله على علم ، عالما بأنّ ذلك لا يجدى عليه ، وأنه ممن لا لطف له. أو مع علمه بوجوه الهداية وإحاطته بأنواع الألطاف المحصلة والمقرّبة (٢) (فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ) إضلال (اللهُ) وقرئ : غشاوة ، بالحركات الثلاث. وغشوة ، بالكسر والفتح. وقرئ : تتذكرون
(وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ)(٢٤)
(نَمُوتُ وَنَحْيا) نموت نحن ويحيا أولادنا. أو يموت بعض ويحيا بعض. أو نكون مواتا نطفا في الأصلاب ، ونحيا بعد ذلك. أو يصيبنا الأمران : الموت والحياة ، يريدون : الحياة في الدنيا والموت بعدها ، وليس وراء ذلك حياة. وقرئ : نحيا ، بضم النون. وقرئ : إلا دهر يمرّ ، وما يقولون ذلك عن علم ، ولكن عن ظنّ وتخمين : كانوا يزعمون أنّ مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس ، وينكرون ملك الموت وقبضه الأرواح بأمر الله ، وكانوا يضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان ، وترى أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان. ومنه قوله عليه السلام : «لا تسبوا الدهر ، فإنّ الله هو الدهر» (٣) أى : فإنّ الله هو الآتي بالحوادث لا الدهر.
(وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)(٢٦)
وقرئ : حجتهم بالنصب والرفع ، على تقديم خبر كان وتأخيره. فإن قلت : لم سمى قولهم حجة وليس بحجة؟ قلت : لأنهم أدلوا به كما يدلى المحتج بحجته وساقوه مساقها ، فسميت حجة
__________________
(١) قوله «وتركه عن الهداية» تأويل الآية بذلك لتوافق مذهب المعتزلة : أنه لا يريد الشر ولا يفعله.
وعند أهل السنة : لا يقع في ملكه إلا ما يريد ، والله خالق كل شيء ، فالاضلال : خلقه الضلال في القلب. (ع)
(٢) قوله «المحصلة والمقربة» يعنى. للهداية. (ع)
(٣) متفق عليه من حديث أبى هريرة ، واللفظ لمسلم.
على سبيل التهكم. أو لأنه في حسبانهم وتقديرهم حجة. أو لأنه في أسلوب قوله :
تحيّة بينهم ضرب وجيع (١)
كأنه قيل : ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة. والمراد : نفى أن تكون لهم حجة البتة. فإن قلت : كيف وقع قوله (قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ) جوابا لقولهم (ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)؟ قلت : لما أنكروا البعث وكذبوا الرسل ، وحسبوا أنّ ما قالوه قول مبكت. ألزموا ما هو مقرّون به : من أنّ الله عز وجل هو الذي يحييهم ثم يميتهم ، وضم إلى إلزام ذلك إلزام ما هو واجب الإقرار به إن أنصفوا وأصغوا إلى داعى الحق ، وهو جمعهم إلى يوم القيامة ، ومن كان قادرا على ذلك كان قادرا على الإتيان بآبائهم ، وكان أهون شيء عليه.
(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ) (٣١)
عامل النصب في (يَوْمَ تَقُومُ) يخسر ، و (يَوْمَئِذٍ) بدل من (يَوْمَ تَقُومُ جاثِيَةً) باركة مستوفزة على الركب. وقرئ : جاذية. والجذوّ : أشد استيفازا من الجثوّ ، لأن الجاذى هو الذي يجلس على أطراف أصابعه : وعن ابن عباس رضى الله عنهما : جاثية مجتمعة. وعن قتادة : جماعات من الجثوة ، وهي الجماعة ، وجمعها : جثى. وفي الحديث (٢) «من جثى جهنم» (٣) وقرئ
__________________
(١) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٦٠ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٢) هذا طرف من حديث الحرث بن الحرث الأشعرى ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من دعا بدعوى الجاملية فانه من جثى جهنم ... الحديث» أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم ، وأحمد وأبو يعلى «تنبيه» احتج به المصنف على أن جثى جمع جثوة : وهي الجماعة. وفي البخاري من حديث ابن عمر رضى الله عنهما رفعه «إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا ، كل أمة تتبع نبيها.
(٣) قوله «من جثى جهنم» في الصحاح «الجثوة» مثلثه : الحجارة المجموعة. وجثى الحرم ، بالضم وبالكسر : ما اجتمع فيه من حجارة الجمار. (ع)
(كُلَّ أُمَّةٍ) على الابتداء : وكل أمة : على الإبدال من كل أمة (إِلى كِتابِهَا) إلى صحائف أعمالها ، فاكتفى باسم الجنس ، كقوله تعالى (وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ). (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ) محمول على القول. فإن قلت : كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله عزّ وجل؟ قلت : الإضافة تكون للملابسة ، وقد لا بسهم ولا بسه ، أما ملابسته إياهم ، فلأن أعمالهم مثبتة فيه. وأما ملابسته إياه ، فلأنه مالكه ، والآمر ملائكته أن يكتبوا فيه أعمال عباده (يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ) يشهد عليكم بما عملتم (بِالْحَقِ) من غير زيادة ولا نقصان (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ) الملائكة (ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أى نستكتبهم أعمالكم (فِي رَحْمَتِهِ) في جنته. وجواب أما محذوف تقديره : وأما الذين كفروا فيقال لهم (أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ) والمعنى ألم يأتكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم ، فحذف المعطوف عليه.
(وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)(٣٣)
وقرئ : والساعة ، بالنصب عطفا على الوعد ، وبالرفع عطفا على محل إن واسمها (مَا السَّاعَةُ) أىّ شيء الساعة؟ فإن قلت : ما معنى (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا)؟ قلت : أصله نظن ظنا. ومعناه : إثبات الظن فحسب ، فأدخل حرفا النفي والاستثناء ، ليفاد إثبات الظن مع نفى ما سواء وزيد نفى ما سوى الظن توكيدا بقوله (وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ...... سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا) أى قبائح أعمالهم. أو عقوبات أعمالهم السيئات ، كقوله تعالى (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها).
(وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ)(٣٥)
(نَنْساكُمْ) نترككم في العذاب كما تركتم عدة (لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا) وهي الطاعة ، أو نجعلكم بمنزلة الشيء المنسى غير المبالى به ، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم ولم تخطروه ببال ، كالشىء الذي يطرح نسيا منسيا. فإن قلت : فما معنى إضافة اللقاء إلى اليوم؟ قلت : كمعنى إضافة المكر في قوله تعالى (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) أى نسيتم لقاء الله في يومكم هذا ولقاء جزائه. وقرئ : لا يخرجون ، يفتح الياء (وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم أى يرضوه.
(فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(٣٧)
(فَلِلَّهِ الْحَمْدُ) فاحمدوا الله لذي هو ربكم ورب كل شيء من السماوات والأرض والعالمين ، فان مثل هذه الربوبية العامة يوجب الحمد والثناء على كل مربوب ، وكبروه فقد ظهرت آثار كبريائه وعظمته (فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) وحق مثله أن يكبر ويعظم.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ حم الجاثية ستر الله عورته وسكن روعته يوم الحساب» (١).
سورة الأحقاف
مكية [إلا الآيات ١٠ و ١٥ و ٣٥ فمدنية]
وآياتها ٣٤ وقيل ٣٥ آية [نزلت بعد الجاثية]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) (٣)
(إِلَّا بِالْحَقِ) إلا خلقا ملتبسا بالحكمة والغرض الصحيح (وَ) بتقدير (أَجَلٍ مُسَمًّى) ينتهى إليه وهو يوم القيامة (وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا) من هول ذلك اليوم الذي لا بد لكل خلق من انتهائه إليه (مُعْرِضُونَ) لا يؤمنون به ولا يهتمون بالاستعداد له. ويجوز أن تكون ما مصدرية ، أى : عن إنذارهم ذلك اليوم.
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ
__________________
(١) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب.
شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)(٤)
(بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا) أى من قبل هذا الكتاب وهو القرآن ، يعنى : أنّ هذا الكتاب ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك. وما من كتاب أنزل من قبله من كتب الله إلا وهو ناطق بمثل ذلك ، فأتوا بكتاب واحد منزل من قبله شاهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير الله (أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأوّلين ، من قولهم : سمنت الناقة على أثارة من شحم ، أى : على بقية شحم كانت بها من شحم ذاهب. وقرئ : أثرة ، أى : من شيء أوثرتم به وخصصتم من علم لا إحاطة به لغيركم. وقرئ : أثرة بالحركات الثلاث في الهمزة مع سكون الثاء ، فالإثرة بالكسر بمعنى الأثرة. وأما الأثرة فالمرّة من مصدر : أثر الحديث إذا رواه. وأما الأثرة بالضم فاسم ما يؤثر ، كالخطبة : اسم ما يخطب به
(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ)(٥)
(وَمَنْ أَضَلُ) معنى الاستفهام فيه إنكار أن يكون في الضلال كلهم أبلغ ضلالا من عبدة الأصنام ، (١) حيث يتركون دعاء السميع المجيب القادر على تحصيل كلّ بغية ومرام ، ويدعون من دونه جمادا لا يستجيب لهم ولا قدرة به على استجابة أحد منهم ما دامت الدنيا وإلى أن تقوم القيامة ، وإذا قامت القيامة وحشر الناس : كانوا لهم أعداء ، وكانوا عليهم ضدا ، فليسوا في الدارين إلا على نكد ومضرّة ، لا تتولاهم في الدنيا بالاستجابة ، وفي الآخرة تعاديهم وتجحد عبادتهم. وإنما قيل (مَنْ) و (هُمْ) لأنه أسند إليهم ما يسند إلى أولى العلم من الاستجابة والغفلة ، ولأنهم كانوا يصفونهم بالتمييز جهلا وغباوة. ويجوز أن يريد : كلّ معبود من دون الله من الجن
__________________
(١) قال محمود : «استفهام معناه إنكار أن يكون في الضلال كلهم أبلغ ضلالا من عبدة الأصنام ... الخ» قال أحمد : وفي قوله إلى يوم القيامة : نكتة حسنة ، وذلك أنه جعل يوم القيامة غاية لعدم الاستجابة ، ومن شأن الغاية انتهاء المغيا عندها ، لكن عدم الاستجابة مستمر بعد هذه الغاية ، لأنهم في القيامة أيضا لا يستجيبون لهم ، فالوجه والله أعلم : أنها من الغايات المشعرة بأن ما بعدها وإن وافق ما قبلها إلا أنه أزيد منه زيادة بينة تلحقه بالثاني ، حتى كأن الحالتين وإن كانتا نوعا واحدا لتفاوت ما بينهما كالشىء وضده ، وذلك أن الحالة الأولى التي جعلت غايتها القيامة لا تزيد على عدم الاستجابة ، والحالة الثانية التي في القيامة زادت على عدم الاستجابة بالعداوة بالكفر بعبادتهم إياهم ، فهو من وادى ما تقدم آنفا في سورة الزخرف في قوله (بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ).
والإنس والأوثان ، فغلب غير الأوثان عليها. وقرئ : ما لا يستجيب. وقرئ : يدعو غير الله من لا يستجيب ، ووصفهم بترك الاستجابة والغفلة طريقه طريق التهكم بها وبعبدتها. ونحوه قوله تعالى (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ).
(وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ)(٧)
(بَيِّناتٍ) جمع بينة : وهي الحجة والشاهد. أو واضحات مبينات. واللام في (لِلْحَقِ) مثلها في قوله (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً) أى لأجل الحق ولأجل الذين آمنوا (١). والمراد بالحق : الآيات ، وبالذين كفروا : المتلو عليهم ، فوضع الظاهران موضع الضميرين ، للتسجيل عليهم بالكفر ، وللمتلوّ بالحق (لَمَّا جاءَهُمْ) أى : بادوه بالجحود ساعة أتاهم ، وأوّل ما سمعوه من غير إجالة فكر ولا إعادة نظر. ومن عنادهم وظلمهم : أنهم سموه سحرا مبينا ظاهرا أمره في البطلان لا شبهة فيه.
(أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)(٨)
(أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ) إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحرا إلى ذكر قولهم : إن محمدا افتراه. ومعنى الهمزة في أم : الإنكار والتعجيب ، كأنه قيل : دع هذا واسمع قولهم المستنكر المقضى منه العجب ، وذلك أن محمدا كان لا يقدر عليه حتى يقوله ويفتريه على الله ، ولو قدر عليه دون أمّة العرب لكانت قدرته عليه معجزة لخرقها العادة ، وإذا كانت معجزة كانت تصديقا من الله له ، والحكيم لا يصدّق الكاذب فلا يكون مفتريا. والضمير للحق ، والمراد به الآيات (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ) على سبيل الفرض عاجلني الله تعالى لا محالة بعقوبة الافتراء عليه. فلا تقدرون
__________________
(١) قال محمود : «اللام في قوله تعالى للحق نحو اللام في قوله (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ) أى لأجل الحق ولأجل الذين آمنوا ... الخ» قال أحمد : هذا الاضراب في بابه مثل الغاية التي قدمتها آنفا في بابها فانه انتقال إلى موافق ، لكنه أزيد من الأول ، فنزل بزيادته عليه مع ما تقدمه مما ينقص عنه منزلة المتنافيين ، كالنفى والإثبات اللذين يضرب عن أحدهما للآخر ، وذلك أن نسبتهم للآيات إلى أنها مفتريات أشد وأبعد من نسبتها إلى أنها سحر ، فأضرب عن ذلك الأول إلى ذكر ما هو أغرب منه.
على كفه عن معاجلتى ولا تطيقون دفع شيء من عقابه عنى ، فكيف أفتريه وأتعرّض لعقابه. يقال : فلان لا يملك إذا غضب ، ولا يملك عنانه إذا صمم ، ومثله (فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) ، (وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً) ومنه قوله عليه السلام «لا أملك لكم من الله شيئا» (١) ثم قال (هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ) أى تندفعون فيه من القدح في وحى الله تعالى ، والطعن في آياته ، وتسميته سحرا تارة وفرية أخرى (كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) يشهد لي بالصدق والبلاغ ، ويشهد عليكم بالكذب والجحود. ومعنى ذكر العلم والشهادة وعيد بجزاء إفاضتهم (وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) موعدة بالغفران والرحمة إن رجعوا عن الكفر وتابوا وآمنوا ، وإشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ارتكبوا. فإن قلت : فما معنى إسناد الفعل إليهم (٢) في قوله تعالى فلا تملكون لي؟ قلت : كان فيما أتاهم به النصيحة لهم والإشفاق عليهم من سوء العاقبة وإرادة الخير بهم ، فكأنه قال لهم : إن افتريته وأنا أريد بذلك التنصح لكم وصدكم عن عبادة الآلهة إلى عبادة الله ، فما تغنون عنى أيها المنصوحون إن أخذنى الله بعقوبة الافتراء عليه.
(قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ)(٩)
البدع ، بمعنى : البديع ، كالخف بمعنى الخفيف. وقرئ : بدعا ، بفتح الدال ، أى : ذا بدع
__________________
(١) متفق عليه من حديث أبى هريرة رضى الله عنه ، ولما نزلت (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) دعا النبي صلى الله عليه وسلم قريشا فاجتمعوا. فعم وخص. فقال : يا بنى كعب بن لؤي يا بنى مرة بن كعب : يا بنى عبد شمس يا بنى عبد مناف ، يا بنى هاشم ، يا بنى عبد المطلب ، إنى لا أملك لكم من الله شيئا ـ الحديث»
(٢) قال محمود : فان قلت : ما معنى إسناد الفعل إليهم ... الخ» قال أحمد : فيه نظر من قبيل أن الكلام جرى فرضا وتقديرا. ومتى فرض الافتراء لا يتصور على تقديره نصح ، فان النصح عبارة عن الدعاء إلى ما فيه نفع ، ولا ينفع المكلف في عمل ظاهر أو باطن إلا أن يكون مأمورا به من الله تعالى ، ولا سبيل إلى الاطلاع على ذلك إلا من الوحي الحق لا غير ، فإذا لا يتصور نصح مع الافتراء ، وإنما يتم هذا الذي قرره على قاعدة المعتزلة القائلين بأن العقل طريق يوصل إلى معرفة حكم الله تعالى ، لأنه إذا أمر بطاعة من الطاعات كالتوحيد مثلا وقال : إن الله حتم عليكم وجوب التوحيد ، وأنا رسول الله إليكم. ولم يكن متعوقا : فانه محق في الأمر بالتوحيد ، لأن العقل دل على وجوبه عندهم ، وإن كان مفتريا في دعوى كونه رسولا من الله عز وجل. وهذه قاعدة قد أفسدتها الأدلة القاطعة ، فيحتمل في إجراء الآية على مذهب أهل السنة : أن يكون إسناد الفعل لهم على معنى التنبيه بالشيء على مقابله بطريق المفهوم ، فالمعنى إذا إن كنت مفتريا فالعقوبة واقعة بى لا تدفعونها عنى ، فمفهومه ، وإن كنت محقا وأنتم مفترون فالعقوبة واقعة بكم لا أقدر على دفعها عنكم. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ) وأمثاله كثيرة والله أعلم.
ويجوز أن يكون صفة على فعل ، كقولهم : دين قيم ، ولحم زيم (١) : كانوا يقترحون عليه الآيات ويسألونه عما لم يوح به إليه من الغيوب ، فقيل له : (قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ) فآتيكم بكل ما تقترحونه ، وأخبركم بكل ما تسألون عنه من المغيبات ، فإنّ الرسل لم يكونوا يأتون إلا بما آتاهم الله من آياته ، ولا يخبرون إلا بما أوحى إليهم. ولقد أجاب موسى صلوات الله عليه عن قول فرعون : فما بال القرون الأولى؟ بقوله : علمها عند ربى (وَما أَدْرِي) لأنه لا علم لي بالغيب ـ ما يفعل الله بى وبكم فيما يستقبل من الزمان من أفعاله ، ويقذر لي ولكم من قضاياه (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ) وعن الحسن : وما أدرى ما يصير إليه أمرى وأمركم في الدنيا ، ومن الغالب منا والمغلوب. وعن الكلبي : قال له أصحابه ـ وقد ضجروا من أذى المشركين ـ : حتى متى نكون على هذا؟ فقال : ما أدرى ما يفعل بى ولا بكم ، أأترك بمكة أم أومر بالخروج إلى أرض قد رفعت لي ورأيتها ـ يعنى في منامه ـ ذات نخيل وشجر؟ وعن ابن عباس : ما يفعل بى ولا بكم في الآخرة ، وقال : هي منسوخة بقوله (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) ويجوز أن يكون نفيا للدراية المفصلة (٢). وقرئ : ما يفعل ، بفتح الياء ، أى : يفعل الله عز وجل. فإن قلت : إنّ (يُفْعَلُ) مثبت غير منفي ، فكان وجه الكلام : ما يفعل بى وبكم. قلت : أجل ، ولكن النفي في ما أدرى لما كان مشتملا عليه لتناوله (ما) وما في حيزه : صح ذلك وحسن. ألا ترى إلى قوله (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ) كيف دخلت الياء في حيز أنّ وذلك لتناول النفي إياها مع ما في حيزها. و (ما) في (ما يُفْعَلُ) يجوز أن تكون موصولة منصوبة ، وأن تكون استفهامية مرفوعة. وقرئ : يوحى ، أى الله عز وجل.
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(١٠)
__________________
(١) قوله «ولحم زيم» في الصحاح «اللحم الزيم» المتفرق ليس بمجتمع في مكان فيبدن. وفيه أيضا : بدن الرجل يبدن ، إذا ضخم وسمن. (ع)
(٢) قال محمود : «أجود ما ذكر فيه حمله على الدراية المفصلة ، يريد بذلك أن تفصيل ما يصير إليه من خير ويصيرون إليه من شر ... الخ» قال أحمد : «بنى على أن المجرور معطوف على مثله ، وأنهما جميعا في صلة موصول واحد ، ولو قيل : إن المجرور الثاني من صلة موصول محذوف معطوف على مثله ، حتى يكون التقدير : وما أدرى ما يفعل بى ولا ما يفعل بكم : لكانت (لا) واقعة بمكانة غير مفتقرة إلى تأويل ، وحذف الموصول المعطوف وتفاصيله كثيرة. ومنه
|
فمن يهجو رسول الله منكم |
|
ويمدحه وينصره سواء |
يريد حسان رضى الله عنه : فمن يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يمدحه سواء.
جواب الشرط محذوف تقديره : إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين. ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) والشاهد من بنى إسرائيل : عبد الله بن سلام ، لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نظر إلى وجهه ، فعلم أنه ليس بوجه كذاب. وتأمله فتحقق أنه هو النبي المنتظر وقال له : إنى سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبىّ : ما أوّل أشراط الساعة؟ وما أوّل طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمّه؟ فقال عليه الصلاة والسلام (١). أمّا أوّل أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب. وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت. وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه ، وإن سبق ماء المرأة نزعته. فقال : أشهد أنك رسول الله حقا ، ثم قال : يا رسول الله ، إن اليهود قوم بهت وإن علموا بإسلامى قبل أن تسألهم عنى بهتوني (٢) عندك. فجاءت اليهود فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : أى رجل عبد الله فيكم؟ فقالوا : خيرنا وابن خيرنا ، وسيدنا وابن سيدنا ، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال : أرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا : أعاذه الله من ذلك ، فخرج إليهم عبد الله فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله ، فقالوا : شرنا وابن شرنا وانتقصوه ، قال : هذا ما كنت أخاف يا رسول الله وأحذر. قال سعد بن أبى وقاص ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشى على وجه الأرض أنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام (٣) ، وفيه نزل (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ) (٤) الضمير للقرآن ، أى : على مثله في المعنى ، وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعانى القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك. ويدل عليه قوله تعالى (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) ، (إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى) ، (كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ) ويجوز أن يكون المعنى : إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد على نحو ذلك ، يعنى كونه من عند الله. فإن قلت : أخبرنى عن نظم هذا الكلام لأقف على معناه من جهة (٥) النظم. قلت : الواو الأولى عاطفة
__________________
(١) أخرجه البخاري من رواية حميد عن أنس ، وأتم منه».
(٢) قوله «بهتوني» أى : رموني بما ليس فىّ. (ع)
(٣) متفق عليه.
(٤) عند البخاري وشك في إدراجها. وروى الطبري من رواية محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام قال قال عبد الله بن سلام «فىّ نزلت هذه الآية. ثم روى عن الشعبي أنه أنكر ذلك لكون السورة مكية. كذا أخرجه ابن أبى شيبة عن الشعبي.
(٥) قال محمود : «إن قلت : أخبرنى عن نظم هذا الكلام لأقف عليه من جهة النظم ... الخ» قال أحمد : إنما لم يوجه المعطوف إلى جهة واحدة ، لأن التفصيل قد يكون عطف مجموع مفردات على مجموع مفردات كل منهما والآية من هذا النمط ، ومثلها قوله تعالى (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ) وقوله (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) الآية ، وقد تقدم تقرير ذلك في الآيتين فجدد به عهدا.
لكفرتم على فعل الشرط ، كما عطفته (ثُمَ) في قوله تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ) وكذلك الواو الآخرة عاطفة لاستكبرتم على شهد شاهد ، وأما الواو في (وَشَهِدَ شاهِدٌ) فقد عطفت جملة قوله. شهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم : على جملة قوله (كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ) ونظيره قولك : إن أحسنت إليك وأسأت ، وأقبلت عليك وأعرضت عنى ، لم نتفق في أنك أخذت ضميمتين فعطفتهما على مثليهما ، والمعنى : قل أخبرونى إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به ، واجتمع شهادة أعلم بنى إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به ، مع استكباركم عنه وعن الإيمان به ، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟ وقد جعل الإيمان في قوله (فَآمَنَ) مسببا عن الشهادة على مثله ، لأنه لما علم أنّ مثله أنزل على موسى صلوات الله عليه ، وأنه من جنس الوحى وليس من كلام البشر ، وأنصف من نفسه فشهد عليه واعترف كان الإيمان نتيجة ذلك.
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ)(١٤)
(لِلَّذِينَ آمَنُوا) لأجلهم وهو كلام كفار مكة ، قالوا : عامّة من يتبع محمدا السقاط ، يعنون الفقراء مثل عمار وصهيب وابن مسعود ، فلو كان ما جاء به خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء. وقيل : لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار : قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع : لو كان خيرا ما سبقنا إليه رعاء البهم. وقيل : إن أمة لعمر أسلمت ، فكان عمر يضر بها حتى يفتر ثم يقول لو لا أنى فترت لزدتك ضربا ، وكان كفار قريش يقولون : لو كان ما يدعو إليه محمد حقا ما سبقتنا إليه فلانة. وقيل : كان اليهود يقولونه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه. فإن قلت : لا بدّ من عامل في الظرف (١) في قوله (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ) ومن متعلق لقوله (فَسَيَقُولُونَ) وغير
__________________
(١) قال محمود : «لا بد من عامل الظرف وغير مستقيم أن يعمل فيه ... الخ» قال أحمد : إن لم يكن مانع من عمل فسيقولون في الظرف ألا تنافى دلالتى المضي والاستقبال ، فهذا غير مانع ، فان الاستقبال هاهنا إنما خرج مخرج الاشعار بدوام ما وقع ومضى ، لأن القوم قد حرموا الهداية وقالوا : هذا إفك قديم ، وأساطير الأولين
مستقيم أن يكون (فَسَيَقُولُونَ) هو العامل في الظرف ، لتدافع دلالتى المضي والاستقبال ، فما وجه هذا الكلام؟ قلت : العامل في إذ محذوف ، لدلالة الكلام عليه ، كما حذف من قوله (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ) وقولهم : حينئذ الآن ، وتقديره : وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم ، فسيقولون هذا إفك قديم ، فهذا المضمر صحّ به الكلام ، حيث انتصب به الظرف وكان قوله (فَسَيَقُولُونَ) مسببا عنه كما صحّ بإضمار أنّ قوله (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ) لمصادفة (حَتَّى) مجرورها ، والمضارع ناصبه. وقولهم (إِفْكٌ قَدِيمٌ) كقولهم : أساطير الأوّلين (كِتابُ مُوسى) مبتدأ ومن قبله ظرف واقع خبرا مقدما عليه ، وهو ناصب (إِماماً) على الحال ، كقولك : في الدار زيد قائما. وقرئ : ومن قبله كتاب موسى ، على : وآتينا الذين قبله التوراة. ومعنى (إِماماً) : قدوة يؤتم به في دين الله وشرائعه ، كما يؤتم بالإمام (وَرَحْمَةً) لمن آمن به وعمل بما فيه (وَهذا) القرآن (كِتابٌ مُصَدِّقٌ) لكتاب موسى. أو لما بين يديه وتقدّمه من جميع الكتب. وقرئ : مصدق لما بين يديه. و (لِساناً عَرَبِيًّا) حال من ضمير الكتاب في مصدق ، والعامل فيه (مُصَدِّقٌ) ويجوز أن ينتصب حالا عن كتاب (١) لتخصصه بالصفة ، ويعمل فيه معنى الإشارة. وجوّز أن يكون مفعولا لمصدق ، أى : يصدق ذا لسان عربى وهو الرسول. وقرئ : لينذر بالياء والتاء ، ولينذر : من نذر ينذر إذا حذر (وَبُشْرى) في محل النصب معطوف على محل لينذر ، لأنه مفعول له.
(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ
__________________
ـ وغير ذلك ، فمعنى الآية إذا : وقالوا إذ لم يهتدوا به هذا إفك قديم وداموا على ذلك وأصروا عليه ، فعبر عن وقوعه ثم دوامه بصيغة الاستقبال ، كما قال إبراهيم (إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) وقد كانت الهداية واقعة وماضية ولكن أخبر عن وقوعها ، ثم دوامها فعبر بصيغة الاستقبال ، وهذا طريق الجمع بين قوله (سَيَهْدِينِ) وقوله في الأخرى (فَهُوَ يَهْدِينِ) ولو لا دخول الفاء على الفعل لكان هذا الذي ذكرته هو الوجه ، ولكن الفاء المسببة دلت بدخولها على محذوف هو السبب ، وقطعت الفعل عن الظرف المتقدم ، فوجب تقدير المحذوف عاملا فيه لينتظم بتقديره عاملا أمران : مصادفة الظرف للعامل والفعل المعلل لعلته ، فتعين ما ذكره الزمخشري لأجل الفاء لا لتنافى الدلالتين. والله أعلم.
(١) أجاز محمود في نصبه أن يكون حالا عن كتاب لتخصصه بالصفة ... الخ. قال أحمد : وجهان حسنان أعززهما بثالث : وهو النصب على الاختصاص ، وهذه الوجوه في قوله تعالى (فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنا) ، والله أعلم.
وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ)(١٦)
قرئ : حسنا ، بضم الحاء وسكون السين. وبضمهما. وبفتحهما. وإحسانا. وكرها ، بالفتح والضم ، وهما لغتان في معنى المشقة ، كالفقر والفقر. وانتصابه على الحال : أى : ذات كره. أو على أنه صفة للمصدر ، أى : حملا ذا كره (وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ) ومدّة حمله وفصاله (ثَلاثُونَ شَهْراً) وهذا دليل على أن أقل الحمل ستة أشهر ، لأن مدّة الرضاع إذا كانت حولين لقوله عز وجل (حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ) بقيت للحمل ستة أشهر. وقرئ : وفصله. والفصل والفصال : كالفطم والفطام ، بناء ومعنى. فإن قلت : المراد بيان مدّة الرضاع لا الفطام ، فكيف عبر عنه بالفصال؟ قلت : لما كان الرضاع يليه الفصال ويلابسه لأنه ينتهى به ويتم : سمى فصالا ، كما سمى المدّة بالأمد من قال :
|
كل حى مستكمل مدّة العمر |
|
ومود إذا انتهى أمده (١) |
وفيه فائدة وهي الدلالة على الرضاع التام المنتهى بالفصال ووقته. وقرئ : حتى إذا استوى وبلغ أشدّه. وبلوغ الأشد : أن يكتهل ويستوفى السنّ التي تستحكم فيها قوّته وعقله وتمييزه ، وذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح الأربعين. وعن قتادة : ثلاث وثلاثون سنة ، ووجهه أن يكون ذلك أوّل الأشد ، وغايته الأربعين. وقيل : لم يبعث نبىّ قط إلا بعد أربعين سنة. والمراد بالنعمة التي استوزع الشكر عليها : نعمة التوحيد والإسلام ، وجمع بين شكرى النعمة عليه وعلى والديه ، لأن النعمة عليهما نعمة عليه. وقيل في العمل المرضى : هو الصلوات الخمس. فإن قلت : ما معنى (فِي) في قوله (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي)؟ قلت : معناه : أن يجعل ذرّيته موقعا للصلاح (٢) ومظنة له كأنه قال : هب لي الصلاح في ذرّيتى وأوقعه فيهم ونحوه :
يجرح في عراقيبها نصلى (٣)
(مِنَ الْمُسْلِمِينَ) من المخلصين. وقرئ : يتقبل ، ويتجاوز ، بفتح الياء ، والضمير فيهما لله عز
__________________
(١) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٢٧٧ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٢) قال محمود : «فان قلت : ما معنى في هاهنا ، وأجاب بأن المراد جعل ذريته ... الخ» قال أحمد : ومثله قوله تعالى (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) عدولا عن قوله : إلا مودة القربى. أو المودة للقربى ، والله أعلم.
(٣) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثاني صفحة ٥٧٨ فراجعه إن شئت اه مصححه.
وجل. وقرئا بالنون. فإن قلت : ما معنى قوله (فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ)؟ قلت : هو نحو قولك : أكرمنى الأمير في ناس من أصحابه ، تريد : أكرمنى في جملة من أكرم منهم ، ونظمنى في عدادهم ، ومحله النصب على الحال ، على معنى : كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين فيهم (وَعْدَ الصِّدْقِ) مصدر مؤكد ، لأن قوله : يتقبل ، ويتجاوز : وعد من الله لهم بالتقبل والتجاوز. وقيل : نزلت في أبى بكر رضى الله عنه وفي أبيه أبى قحافة وأمّه أم الخير وفي أولاده ، واستجابة دعائه فيهم. وقيل : لم يكن أحد من الصحابة من المهاجرين منهم والأنصار أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبى بكر.
(وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ)(١٨)
(وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ) مبتدأ خبره : أولئك الذين حق عليهم القول. والمراد بالذي قال : الجنس القائل ذلك القول ، ولذلك وقع الخبر مجموعا. وعن الحسن : هو في الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث. وعن قتادة : هو نعت عبد سوء عاق لوالديه فاجر لربه. وقيل : نزلت في عبد الرحمن بن أبى بكر (١) قبل إسلامه وقد دعاه أبوه أبو بكر وأمّه أمّ رومان إلى الإسلام ، فأفف بهما وقال : ابعثوا لي جدعان بن عمرو وعثمان بن عمرو ، وهما من أجداده حتى أسألهما
__________________
(١) قال محمود : «زعم بعضهم أن المعنى بالآية عبد الرحمن بن أبى بكر ... الخ» قال أحمد : ونحن نختار أن المراد الجنس لا عبد الرحمن بن أبى بكر ، ولكنا لا نختار الرد على قائل ذلك بهذا الوجه ، فان له أن يقول : أراد عبد الرحمن وأمته ، ومثل ذلك قول الله تعالى حكاية عن العزيز يخاطب زليخا (إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) فخاطبها وخاطب أمتها ، والمقصودة هي ، وقد عاد إلى خطابها خصوصا بقوله (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ) ولكن وجه الرد على من زعم أن المراد عبد الرحمن : ما ذكره الزمخشري ثانيا فقال (قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) هم المخلدون في النار في علم الله تعالى ، وعبد الرحمن كان من أفاضل المسلمين وسرواتهم. ونقل أن معاوية كتب إلى مروان بأن يبايع الناس ليزيد فقال عبد الرحمن : لقد جئتم بها هرقلية أتبايعون لأبنائكم فقال مروان أيها الناس : إن هذا هو الذي قال الله فيه (وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ ...) الآية فسمعت عائشة فغضبت وقالت : والله ما هو به ، ولو شئت أن أسميه لسميته ، ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه فأنت فضض من لعنة الله» قال أحمد : وفي هذه الآية رد على من زعم أن المفرد الجنسي لا يعمم ، لأنه لا يعامل معاملة الجمع لا في الصفة ولا في الخبر ، فلا يجوز أن تقول : الدينار الصفر خير من الدرهم البيض ، وهذا مردود بأن خبر الذي الواقع جنسا جاء على نعت خبر المجموع كما رأيت ، والله أعلم.
عما يقول محمد ، ويشهدوا لبطلانه أن المراد بالذي قال : جنس القائلين ذلك ، وأنّ قوله الذين حق عليهم القول : هم أصحاب النار ، وعبد الرحمن كان من أفاضل المسلمين وسرواتهم. وعن عائشة رضى الله عنها إنكار نزولها فيه ، وحين كتب معاوية إلى مروان بأن يبايع الناس ليزيد قال عبد الرحمن : لقد جئتم بها هرقلية : تبايعون لأبنائكم ، فقال مروان : يا أيها الناس ، هو الذي قال الله فيه (وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما) فسمعت عائشة فغضبت وقالت : والله ما هو به ، ولو شئت أن أسميه لسميته (١) ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه ، فأنت فضض من لعنة الله (٢). وقرئ : أف ، بالكسر والفتح بغير تنوين ، وبالحركات الثلاث مع التنوين ، وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر ، كما إذا قال : حس ، علم منه أنه متوجع ، واللام للبيان ، معناه : هذا التأفيف لكما خاصة ، ولأجلكما دون غير كما. وقرئ : أتعدانني : بنونين. وأ تعداني : بأحدهما. وأ تعداني : بالإدغام. وقد قرأ بعضهم : أتعدانني بفتح النون ، كأنه استثقل اجتماع النونين والكسرتين والياء ، ففتح الأولى تحريا للتخفيف ، كما تحراه من أدغم ومن أطرح أحدهما (أَنْ أُخْرَجَ) أن ابعث وأخرج من الأرض. وقرئ : أخرج (وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي) يعنى : ولم يبعث منهم أحد (يَسْتَغِيثانِ اللهَ) يقولان : الغياث بالله منك ومن قولك ، وهو استعظام لقوله (وَيْلَكَ) دعاء عليه بالثبور : والمراد به الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك (فِي أُمَمٍ) نحو قوله (فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ) وقرئ : أن ، بالفتح ، على معنى : آمن بأن وعد الله حق.
(وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)(١٩)
(وَلِكُلٍ) من الجنسين المذكورين (دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) أى منازل ومراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر ، ومن أجل ما عملوا منهما (٣). فإن قلت : كيف قيل : درجات ، وقد جاء : الجنة درجات والنار دركات؟ قلت : يجوز أن يقال ذلك على وجه التغليب ، لاشتمال كل على الفريقين (وَلِيُوَفِّيَهُمْ) وقرئ : بالنون تعليل معلله محذوف لدلالة الكلام عليه ، كأنه قيل :
__________________
(١) أخرجه النسائي ، واللفظ له وابن أبى خيثمة والحاكم وابن مردويه من رواية محمد بن زياد ـ وقال «لما بايع معاوية لابنه قال مروان : سنة أبى بكر وعمر. فقال عبد الرحمن بن أبى بكر : سنة هر قل وقيصر قال مروان : هذا الذي أنزل ـ فذكر الآية فبلغ ذلك عائشة فقالت : كذب والله. ما هو به. فذكره. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان ومروان في صلبه إلى آخره. ولفظ ابن أبى خيثمة «إن معاوية كتب إلى مروان بن الحكم أن يبايع الناس ليزيد بن معاوية. فقال عبد الرحمن لقد جئتم بها هر قلبة ـ إلى آخر لفظ المصنف. قلت : أصله في البخاري من رواية يوسف بن ماهك عن عائشة دون ما في آخره.
(٢) قوله «فأنت فضض من لعنة الله» في الصحاح كل شيء تفرق فهو فضض. وفي الحديث : أنت فضض من لعنة الله ، يعنى : ما انفض من نطفة الرجل وتردد في صلبه. (ع)
(٣) قوله «ومن أجل ما عملوا منهما» لعله : أو من أجل. (ع)
وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم : قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم ، فجعل الثواب درجات والعقاب دركات.
(وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) (٢٠)
ناصب الظرف هو القول المضمر قبل (أَذْهَبْتُمْ) وعرضهم على النار : تعذيبهم بها ، من قولهم : عرض بنو فلان على السيف (١) إذا قتلوا به. ومنه قوله تعالى (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها) ويجوز أن يراد : عرض النار عليهم من قولهم : عرضت الناقة على الحوض ، يريدون : عرض الحوض عليها فقلبوا. ويدل عليه تفسير ابن عباس رضى الله عنه : يجاء بهم إليها فيكشف لهم عنها (أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ) أى : ما كتب لكم حظ من الطيبات إلا ما قد أصبتموه في دنياكم ، وقد ذهبتم به وأخذتموه ، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها. وعن عمر رضى الله عنه : لو شئت لدعوت بصلائق وصناب (٢) وكراكر وأسنمة ، ولكنى رأيت الله تعالى نعى على قوم طيباتهم فقال : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا (٣). وعنه : لو شئت لكنت أطيبكم طعاما وأحسنكم لباسا ، ولكنى أستبقى طيباتى : (٤) وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعا ، فقال : أأنتم اليوم خير أم يوم
__________________
(١) قال محمود : «عرضهم على النار إما من قولهم عرض بنو فلان على السيف ... الخ» قال أحمد : وإن كان قولهم : عرضت الناقة على الحوض مقلوبا ، فليس قوله : يعرض الذين كفروا على النار مقلوبا ، لأن الملجئ ثم إلى اعتقاد القلب أن الحوض جماد لا إدراك له ، والناقة هي المدركة ، فهي التي يعرض عليها الحوض حقيقة. وأما النار فقد وردت النصوص بأنها حينئذ مدكرة إدراك الحيوانات بل إدراك أولى العلم ، فالأمر في الآية على ظاهره ، كقولك : عرضت الأسرى على الأمير ، والله أعلم.
(٢) قوله «بصلائق وصناب» في الصحاح : الصلائق : الخبز الرقاق. والصناب : صباغ يتخذ من الخردل والزبيب. والكركرة : رحى زور البعير : والزور : أعلى الصدر اه أخذا من مواضع. (ع)
(٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد أخبرنا جرير بن حازم أنه سمع الحسن يقول «قدم على أمير المؤمنين عمر وقد أهل البصرة مع أبى موسى الأشعرى قال لو كنا ندخل وأنه كل يوم خبز بيت. فذكر الحديث. وفيه «أما والله ما أجهل من كراكر وأسنمة وصلا وصناب وقال جرير : الصلا هو الشواء والصناب الخردل ، والصلائق الخبز الرقاق. ولكن سمعت الله عير أقواما بأمر فعلوه. فقال : (أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ) الآية. وأخرجه أبو عبيدة في الغريب. وابن سعد وأحمد في الزهد. وأبو نعيم في الحلية كلهم من طريق جرير به.
(٤) أخرجه الطبري من رواية سعيد عن قتادة قال ذكر لنا عمر قال : فذكره.
يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى ، ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ، ويستر بيته كما تستر الكعبة. قالوا : نحن يومئذ خير. قال. بل أنتم اليوم خير (١) وقرئ : أذهبتم بهمزة الاستفهام. وآ أذهبتم بألف بين همزتين ، الهون. والهوان : وقرئ عذاب الهوان ، وقرئ يفسقون بضم السين وكسرها.
(وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)(٢١)
الأحقاف : جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء ، من احقوقف الشيء إذا اعوج ، وكانت عاد أصحاب عمد يسكنون بين رمال مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشحر من بلاد اليمن. وقيل : بين عمان ومهرة. و (النُّذُرُ) جمع نذير بمعنى المنذر أو الإنذار (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) من قبله (وَمِنْ خَلْفِهِ) ومن بعده. وقرئ : من بين يديه ومن بعده. والمعنى : أنّ هودا عليه السلام قد أنذرهم فقال لهم : لا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم العذاب ، وأعلمهم أنّ الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره وعن ابن عباس رضى الله عنه : يعنى الرسل الذين بعثوا قبله والذين بعثوا في زمانه. ومعنى (وَمِنْ خَلْفِهِ) على هذا التفسير ومن بعد إنذاره ، هذا إذا علقت ، وقد خلت النذر بقوله : أنذر قومه ، ولك أن تجعل قوله تعالى (وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) اعتراضا بين أنذر قومه وبين (أَلَّا تَعْبُدُوا) ويكون المعنى : واذكر إنذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب العظيم ؛ وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك ، فاذكرهم.
(قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)(٢٢)
الإفك : الصرف. يقال أفكه عن رأيه (عَنْ آلِهَتِنا) عن عبادتها (بِما تَعِدُنا) من معاجلة العذاب على الشرك (إِنْ كُنْتَ) صادقا في وعدك.
(قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ)(٢٣)
فإن قلت : من أين طابق قوله تعالى (إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ) جوابا لقولهم (فَأْتِنا بِما تَعِدُنا)؟
__________________
(١) أخرجه الطبري من رواية سعد عن قتادة قال : ذكر لنا. فذكره. ومن طريقه الشعبي. ورواه أبو نعيم في الحلية في ترجمة أهل الصفة من طريق الحسن قال «حسب أضعاف المسلمين» فذكر نحوه مطولا وفي الترمذي من طريق محمد بن كعب القرظي : حدثني من سمع على بن أبى طالب رضى الله عنه قال : بينا نحن جلوس في المسجد إذ طلع علينا مصعب بن عمير ما عليه إلا بردة له مرقوعة بفرو. فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى للذي كان فيه من النعمة. ثم قال : كيف بكم ... الحديث نحوه».
قلت : من حيث إنّ قولهم هذا استعجال منهم بالعذاب. ألا ترى إلى قوله تعالى (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ) فقال لهم : لا علم عندي بالوقت الذي يكون فيه تعذيبكم حكمة وصوابا ، إنما علم ذلك عند الله ، فكيف أدعوه بأن يأتيكم بعذابه في وقت عاجل تقترحونه أنتم؟ ومعنى : (وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ) وقرئ بالتخفيف : أن الذي هو شأنى وشرطي : أن أبلغكم ما أرسلت به من الإنذار والتخويف والصرف عما يعرّضكم لسخط الله بجهدي ، ولكنكم جاهلون لا تعلمون أنّ الرسل لم يبعثوا إلا منذرين لا مقترحين ، ولا سائلين غير ما أذن لهم فيه.
(فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ)(٢٥)
(فَلَمَّا رَأَوْهُ) في الضمير وجهان : أن يرجع إلى ما تعدنا ، وأن يكون مبهما قد وضح أمره بقوله (عارِضاً) إما تمييزا وإما حالا. وهذا الوجه أعرب وأفصح. والعارض : السحاب الذي يعرض في أفق السماء. ومثله : الحبى والعنان ، من حبا وعنّ : إذا عرض. وإضافة مستقبل وممطر مجازية غير معرفة ؛ بدليل وقوعهما وهما مضافان إلى معرفتين وصفا للنكرة (بَلْ هُوَ) القول قبله مضمر ، والقائل : هود عليه السلام ، والدليل عليه قراءة من قرأ : قال هود ، بل هو. وقرئ : قل بل ما استعجلتم به هي ريح ، أى قال الله تعالى : قل (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) تهلك من نفوس عاد وأموالهم الجم الكثير ، فعبر عن الكثرة بالكلية. وقرئ يدمر كل شيء من دمر دمارا إذا هلك (لا تَرى) الخطاب للرائى من كان. وقرئ : لا يرى ، على البناء للمفعول بالياء والتاء ، وتأويل القراءة بالتاء وهي عن الحسن رضى الله عنه : لا ترى بقايا ولا أشياء منهم إلا مساكنهم. ومنه بيت ذى الرمّة :
وما بقيت إلّا الضلوع الجراشع (١)
وليست بالقوية. وقرئ : لا ترى إلا مسكنهم ، ولا يرى إلا مسكنهم. وروى أنّ الريح كانت تحمل الفسطاط والظعينة فترفعها في الجوّ حتى ترى كأنها جرادة. وقيل : أوّل من أبصر العذاب امرأة منهم قالت : رأيت ريحا فيها كشهب النار. وروى : أوّل ما عرفوا به أنه عذاب : أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رحالهم ومواشيهم تطير به الريح السماء والأرض ، فدخلوا بيوتهم وغلقوا أبوابهم ، فقلعت الريح
__________________
(١) تقدم شرح هذا الشاهد بهذا الجزء صفحة ١٢ فراجعه إن شئت اه مصححه.
الأبواب وصرعتهم ، وأما الله عليهم الأحقاف فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين ، ثم كشفت الريح عنهم ، فاحتملتهم فطرحتهم في البحر. وروى أنّ هودا لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطا إلى جنب عين تنبع. وعن ابن عباس رضى الله عنهما : اعتزل هود ومن معه في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا مايلين على الجلود وتلذه الأنفس ، وإنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال : اللهم إنى أسألك خيرها وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت (١) به ، وإذا رأى مخيلة : قام وقعد ، وجاء وذهب ، وتغير لونه ، فيقال له : يا رسول الله ما تخاف؟ فيقول : إنى أخاف أن يكون مثل قوم عاد حيث قالوا : «هذا عارض ممطرنا». فإن قلت : ما فائدة إضافة الرب إلى الريح؟ قلت : الدلالة على أن الريح وتصريف أعنتها مما يشهد لعظم قدرته ، لأنها من أعاجيب خلقه وأكابر جنوده. وذكر الأمر وكونها مأمورة من جهته عز وجل : يعضد ذلك ويقوّيه ،
(وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)(٢٦)
(إِنْ) نافية ، أى : فيما ما مكنا كم فيه ، إلا أنّ (إِنْ) أحسن في اللفظ ، لما فيه مجامعة (ما) مثلها من التكرير المستبشع. ومثله مجتنب ، ألا ترى أن الأصل في «مهما» : «ماماز» لبشاعة التكرير : قلبوا الألف هاء. ولقد أغث (٢) أبو الطيب في قوله:
لعمرك ماما بان منك لضارب (٣)
وما ضره لو اقتدى بعذوبة لفظ التنزيل فقال :
لعمرك ما إن بان منك لضارب (٤)
__________________
(١) أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبزار وأبو يعلى والبخاري في الأدب المفرد ، كلهم من رواية عطاء عن عائشة ، ولفظ مسلم قريب من لفظ الكتاب.
(٢) قوله «ولقد أغث أبو الطيب» في الصحاح «أغث» : أى ردؤ وفسد ، تقول : أغث الرجل في منطقه. (ع)
|
(٣) لعمرك ماما بان منك لضارب |
|
بأقتل مما بان منك لعائب |
لأبى الطيب. يقول : وحياتك ليس الذي ظهر منك للضارب يعنى السنان ، أفتل : أى أسرع قتلا من الذي ظهر منك للعائب ، يعنى : اللسان ، بل هما سواء في الحدة. ويجوز أنه استعار القتل للضرب تصريحا.
(٤) قال أحمد : بيت المتنبي ليس كما أنشده ، وإنما هو كما يروى :
|
لعمرك إن ما بان منك لضارب |
|
بأقتل مما بان منك لعائب |
وقد جعلت إن صلة ، مثلها فيما أنشده الأخفش :
|
يرجّى المرء ما إن لا يراه |
|
وتعرض دون أدناه الخطوب (١) |
وتؤوّل بإنا مكناهم في مثل ما مكناكم فيه : والوجه هو الأوّل ، ولقد جاء عليه غير آية في القرآن (هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً) ، (كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً) وهو أبلغ في التوبيخ ، وأدخل في الحث على الاعتبار (مِنْ شَيْءٍ) أى من شيء من الإغناء ، وهو القليل منه. فإن قلت بم انتصب (إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ)؟ قلت : بقوله تعالى (فَما أَغْنى). فإن قلت : لم جرى مجرى التعليل؟ قلت : لاستواء مؤدى التعليل والظرف في قولك : ضربته لإساءته وضربته إذا أساء ، لأنك إذا ضربته في وقت إساءته ، فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه ، إلا أن «إذ ، وحيث ، غلبتا دون سائر الظروف في ذلك.
__________________
ولا يستقيم إلا كذلك لأن قبله :
|
هو ابن رسول الله وابن صفيه |
|
وشبههما شبهت بعد التجارب |
من قصيدة يمدح بها طاهر بن الحسين العلوي ، ولو أنى أبو الطيب عوض «ما» ب «إن» لجاء البيت :
يرى أن إن ما بان منك لضارب
وهذا التكرار أثقل من تكرار «ما» بلا مراء. وإنما فنده الزمخشري وألزمه استعمال «إن» عوض «ما» لاعتقاده أن البيت كما أنشده :
|
لعمرك ما مابان منك لضارب |
|
بأقتل مما بان منك لعائب |
ولو عوض «إن» عوض «ما» كما أصلحه الزمخشري : لزم دخول الباء في خبر «ما» وإنما تدخل الباء في خبر «ما» الحجازية العاملة ، و «إن» لا تعمل عمل «ما» على الصحيح ، فلا يستقيم دخول الباء في خبرها ، فما عدل المتنبي عن ذلك إلا لتعذره عليه من كل وجه. على أنى لا أبرئ المتنبي من التعجرف ، فانه كان مغرى به ، مغرما بالغريب من النظم. ونقل الزمخشري في الآية وجها آخر : وهو جعلها صلة مثلها في قوله :
|
يرجى المرء ما إن لا يراه |
|
وتعرض دون أدناه الخطوب |
قال : ويكون معناه على هذا مكناهم في مثل ما مكناكم ... الخ» قلت : واختص بهذه الطائفة قوله تعالى (وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) وقوله (مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ).
|
(١) فان أمسك فان العيش حلو |
|
إلى كأنه عسل مشوب |
|
يرجي المرء ما إن لا يراه |
|
وتعرض دون أدناه الخطوب |
|
وما يدرى الحريص علام يلقى |
|
شراشره أيخطئ أم يصيب |
لجابر بن رالان الطائي. وقيل : لا ياس بن الأرت. والشراشر : جمع شرشر ، وهي أطراف الشيء المشرشرة ، أى : المفرقة المنشورة ، وتطلق على الجسد وعلى الثقل ويكنى بها عن النفس كما هنا. وقيل : هي حبال الصيد. يقول : إن أبخل فالعيش حلو عنده كحلاوة العسل الممزوج بالماء لتزول حرارته وضمن «حلو» معنى محبوب ، فعداء بإلى. ثم قال : ولكن لا خير في الإمساك ، فان المرء يرتجى الأمر الغائب عنه. وتحول أهوال الموت أو شدائد الدهر بينه وبين أدنى شيء منه. وإن : زائدة بعد ما الموصولة حملا على ما النافية ، وما يدرى الذي وجه نفسه بكليتها للدنيا عواقب أمره ، أريح أم خسر ، وعلى أنها حبال الصيد ففي الكلام استعارة تمثيلية حيث شبه حال من أخذ في أسباب الأمر جاهلا عاقبته : بحال من نصب الحبال للصيد ، فقد وقد.
(وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧))
(ما حَوْلَكُمْ) يا أهل مكة (مِنَ الْقُرى) من نحو حجر ثمود وقرية سدوم وغيرهما. والمراد : أهل القرى. ولذلك قال (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
(فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ)(٢٨)
القربان : ما تقرب به إلى الله تعالى ، أى : اتخذوهم شفعاء متقربا بهم إلى الله ، حيث قالوا : هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وأحد مفعولي اتخذ الراجع إلى الذين (١) المحذوف (٢) ، والثاني: آلهة. وقربانا : حال ولا يصح أن يكون قربانا مفعولا ثانيا وآلهة بدلا منه لفساد المعنى. وقرئ قربانا بضم الراء. والمعنى : فهلا منعهم من الهلاك آلهتهم (بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ) أى غابوا عن نصرتهم (وَذلِكَ) إشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم لهم وضلالهم عنهم ، أى : وذلك أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة ، وثمرة شركهم وافترائهم على الله الكذب من كونه ذا شركاء. وقرئ : إفكهم : والأفك والإفك : كالحذر والحذر. وقرئ : وذلك إفكهم ، أى : وذلك الاتخاذ الذي هذا أثره وثمرته صرفهم عن الحق. وقرئ : أفكهم على التشديد للمبالغة. وآفكهم : جعلهم آفكين. وآفكهم ، أى : قولهم الآفك ذو الإفك ، كما تقول قول كاذب ، وذلك إفك مما كانوا يفترون ، أى : بعض ما كانوا يفترون من الإفك.
(وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ
__________________
(١) قال محمود : «أحد مفعولي اتخذ الراجع إلى الموصول محذوف ... الخ» قال أحمد : لم يتبين وجه فساد المعنى على هذا الاعراب. ونحن نبينه فنقول : لو كان قربانا مفعولا ثانيا ومعناه متقربا بهم : لصار المعنى إلى أنهم وبخوا على ترك اتخاذ الله متقربا به ، لأن السيد إذا ونخ عبده وقال : اتخذت فلانا سيدا دوني ، فإنما معناه اللوم على نسبة السيادة إلى غيره ، وليس هذا المقصد ، فان الله تعالى يتقرب إليه ولا يتقرب به لغيره ، فإنما وقع التوبيخ على نسبة الالهية إلى غير الله تعالى ، فكان حق الكلام أن يكون آلهة هو المفعول الثاني لا غير.
(٢) قوله «اتخذ الراجع إلى الذين المحذوف» هو الذي أبرزه في قوله : أى اتخذوهم. (ع)
ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(٣٢)
(صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً) أملناهم إليك وأقبلنا بهم نحوك. وقرئ : صرفنا بالتشديد ، لأنهم جماعة. والنفر : دون العشرة. ويجمع أنفارا. وفي حديث أبى ذر رضى الله عنه : لو كان هاهنا أحد من أنفارنا (١) (فَلَمَّا حَضَرُوهُ) الضمير للقرآن. أى : فلما كان بمسمع منهم. أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وتعضده قراءة من قرأ (فَلَمَّا قُضِيَ) أى أتمّ قراءته وفرع منها (قالُوا) قال بعضهم لبعض (أَنْصِتُوا) اسكتوا مستمعين. يقال : أنصت لكذا واستنصت له. روى أنّ الجنّ كانت تسترق السمع ، فلما حرست السماء ورجموا بالشهب قالوا : ما هذا إلا لنبإ حدث ، فنهض سبعة نفر أو تسعة من أشراف جنّ نصيبين أو نينوى : منهم زوبعة ، فضربوا حتى بلغوا تهامة ، ثم اندفعوا إلى وادى نخلة ، فوافقوا (٢) رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم في جوف الليل يصلى أو في صلاة الفجر ، فاستمعوا لقراءته ، وذلك عند منصرفه من الطائف حين خرج إليهم يستنصرهم فلم يجيبوه إلى طلبته وأغروا به سفهاء ثقيف (٣). وعن سعيد بن جبير رضى الله عنه : ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم ، وإنما كان يتلو في صلاته فمروا به فوقفوا مستمعين وهو لا يشعر ، فأنبأه الله باستماعهم (٤). وقيل : بل أمر الله رسوله أن ينذر الجنّ ويقرأ عليهم فصرف إليه نفرا منهم جمعهم له فقال : إنى أمرت أن أقرأ على الجنّ الليلة فمن يتبعني : قالها ثلاثا ، فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال : لم يحضره ليلة الجنّ أحد غيرى ، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة في شعب الحجون فخط لي خطا وقال : لا تخرج منه حتى أعود إليك ، ثم افتتح القرآن وسمعت لغطا شديدا حتى خفت
__________________
(١) هذا طرف من قصة إسلام أبى ذر رضى الله عنه من رواية عبد الله بن الصامت عن أبى ذر ذكره مطولا. وفيه : فبينا أنا في ليلة قمراء ختموانية وقد ضرب الله على أهل مكة فما يطوف غير امرأتين ، فأتيا على فذكر القصة. وفيه ثم انطلقتا يولولان. ويقولان لو كان هاهنا أحد من أنصارنا» أخرجه مسلم مطولا.
(٢) قوله «فوافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم» لعله : فوافوا. (ع)
(٣) متفق عليه بمعناه من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس دون أوله. ودون قوله «وكانوا تسعة نفر أحدهم زوبعة» ودون قوله «في جوف الليل يصلى» ودون قوله «من نينوى» ودون قوله «عند منصرفه إلى آخره» وأما زوبعة فأخرجه الحاكم من رواية ذر عن ابن مسعود قال «هبطوا ـ يعنى الجن ـ على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة. فلما سمعوه قالوا أنصتوا. وكانوا تسعة أحدهم زوبعة. فأنزل الله (وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ ـ) الآية وقوله «نينوى» أخرجه الطبري من رواية قتادة في هذه الآية قال : ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى الحديث».
(٤) متفق عليه من رواية سعيد بن جبير ، وهو في الذي قبله.
على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته ثم انقطعوا كقطع السحاب فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل رأيت شيئا؟ قلت : نعم رجالا سودا مستثفري ثياب بيض (١) ، فقال : أولئك جنّ نصيبين» (٢) وكانوا اثنى عشر ألفا ، والسورة التي قرأها عليهم (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ). فإن قلت : كيف قالوا (مِنْ بَعْدِ مُوسى)؟ قلت : عن عطاء رضى الله عنه : أنهم كانوا على اليهودية. وعن ابن عباس رضى الله عنهما : إنّ الجنّ لم تكن سمعت بأمر عيسى عليه السلام ، فلذلك قالت : من بعد موسى. فإن قلت : لم بعّض في قوله (مِنْ ذُنُوبِكُمْ)؟ قلت : لأن من الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كذنوب المظالم (٣) ونحوها. ونحوه قوله عزّ وجل (أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ). فإن قلت : هل للجنّ ثواب كما للإنس؟ قلت : اختلف فيه فقيل : لا ثواب لهم إلا النجاة من النار ، لقوله تعالى (وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) وإليه كان يذهب أبو حنيفة رحمه الله. والصحيح أنهم في حكم بنى آدم ، لأنهم مكلفون مثلهم (فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ) أى : لا ينجى منه مهرب ، ولا يسبق قضاءه سابق. ونحوه قوله تعالى (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً).
__________________
(١) قوله «مستثفري ثياب بيض» في القاموس «الاستئفار» : أن يدخل إزاره بين فخذيه ملويا وإدخال الكلب ذنبه بين فخذيه حتى يلزقه ببطنه اه (ع)
(٢) لم أجده بتمامه في سياق واحد. بل وجدته مفرقا. فروى الطبري من رواية قتادة ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم قال «إنى أمرت أن أقرأ على الجن. فأيكم يتبعني فأطرقوا ثلاثا إلا ابن مسعود قاتبعه حتى دخل شعبا يقال له شعب الحجون قال : وخط على ابن مسعود خطا. فذكر أى قوله حتى خفت عليه ـ وزاد فيه : فقلت ما هذا اللغط؟ فقال : اختصموا إلى في جبل قضيت بينهم بالحق» وروى الحاكم والطبراني والدارقطني من طريق أبى عثمان ابن شيبة الخزاعي وكان رجلا من أهل الشام أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه وهو بمكة : من أحب منكم أن يحضر الليلة أمر الجن فليفعل. فلم يحضر منهم أحد غيرى. قال : فانطلقت حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي برجله خطا ثم أمرنى أن أجلس فيه ، ثم انطلق حتى قام. فافتتح القرآن ـ الحديث» ولم يذكر قوله «رجالا سودا إلى آخره» وروى الطبري من رواية عمرو بن غيلان الثقفي أنه سأل ابن مسعود فذكر القصة. وفيها فقال «رأيت شيئا؟ قلت : نعم. قد رأيت رجالا سودا مستشعرين بثياب بيض. فقال : أولئك جن نصيبين سألونى المتاع ـ فذكر الحديث» وليس فيه عددهم ولا اسم السورة. وروى ابن أبى حاتم من رواية عكرمة في هذه الآية قال «كانوا من جن نصيبين جاءوا من جزيرة الموصل. وكانوا اثنى عشر ألفا» فهذه الأحاديث من مجموعها ما ذكر إلا اسم السورة.
(٣) قال محمود : «إنما بعض المغفرة لأن من الذنوب مالا يغفره الايمان كذنوب المظالم» قال أحمد : ليس ما أطلقه من أن الايمان لا يغفر المظالم بصحيح ، لأن الحربي لو نهب الأموال المصونة وسفك الدماء المحقونة ثم حسن إسلامه : جب الإسلام عنه إثم ما تقدم بلا إشكال. ويقال : إنه ما وعد المغفرة الكافر على تقدير الايمان في كتاب الله تعالى إلا مبعضة ، وهذا منه ، فان لم يكن لاطراده بذلك سر فما هو إلا أن مقام الكافر قبض لا بسط ، فلذلك لم يبسط رجاءه في مغفرة جملة الذنوب. وقد ورد في حق المؤمنين مثله كثيرا ، والله أعلم.
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(٣٣)
(بِقادِرٍ) محله الرفع ، لأنه خبر أن ، يدل عليه قراءة عبد الله : قادر ، وإنما دخلت الباء لاشتمال النفي في أوّل الآية على أن وما في حيزها. وقال الزجاج : لو قلت : ما ظننت أنّ زيدا بقائم : جاز ، كأنه قيل : أليس الله بقادر. ألا ترى إلى وقوع بلى مقرّرة للقدرة على كل شيء من البعث وغيره ، لا لرؤيتهم. وقرئ : يقدر. ويقال : عييت بالأمر ، إذا لم تعرف وجهه. ومنه (أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ).
(وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)(٣٤)
(أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِ) محكي بعد قول مضمر ، وهذا المضمر هو ناصب الظرف. وهذا إشارة إلى العذاب ، بدليل قوله تعالى (فَذُوقُوا الْعَذابَ) والمعنى : التهكم بهم ، والتوبيخ لهم على استهزائهم بوعد الله ووعيده ، وقولهم (وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ).
(فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ)(٣٥)
(أُولُوا الْعَزْمِ) أولوا الجد والثبات والصبر. و (مِنَ) يجوز أن تكون للتبعيض ، ويراد بأولى العزم : بعض الأنبياء. قيل : هم نوح ، صبر على أذى قومه : كانوا يضربونه حتى يغشى عليه ، وإبراهيم على النار وذبح ولده ، وإسحاق على الذبح ، ويعقوب على فقد ولده وذهاب بصره ، ويوسف على الجب والسجن ، وأيوب على الضرّ ، وموسى قال له قومه : إنا لمدركون ، قال : كلا إنّ معى ربى سيهدين ، وداود بكى على خطيئته أربعين سنة ، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة وقال : إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها. وقال الله تعالى في آدم (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) وفي يونس (وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ) ويجوز أن تكون للبيان ، فيكون أولو العزم صفة الرسل كلهم (وَلا تَسْتَعْجِلْ) لكفار قريش بالعذاب ، أى : لا تدع لهم بتعجيله ، فإنه نازل بهم لا محالة ، وإن تأخر ، وأنهم مستقصرون حينئذ مدّة لبثهم في الدنيا حتى يحسبوها (ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ)
أى هذا الذي وعظتم به كفاية في الموعظة. أو هذا تبليغ من الرسول عليه السلام (فَهَلْ يُهْلَكُ) إلا الخارجون عن الاتعاظ به ، والعمل بموجبه. ويدل على معنى التبليغ قراءة من قرأ : بلغ فهل يهلك : وقرئ : بلاغا ، أى بلغوا بلاغا : وقرئ : يهلك ، بفتح الياء وكسر اللام وفتحها ، من هلك وهلك. ونهلك بالنون (إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ).
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة الأحقاف كتب له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا» (١).
سورة محمد صلى الله عليه وسلم
مدنية عند مجاهد. وقال الضحاك وسعيد بن جبير : مكية. وهي سورة القتال
وهي تسع وثلاثون آية. وقيل ثمان وثلاثون [نزلت بعد الحديد]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ)(٢)
(وَصَدُّوا). وأعرضوا وامتنعوا عن الدخول في الإسلام : أو صدّوا غيرهم عنه. قال ابن عباس رضى الله عنه : هم المطعمون يوم بدر. وعن مقاتل : كانوا اثنى عشر رجلا من أهل الشرك يصدّون الناس عن الإسلام ويأمرونهم بالكفر. وقيل : هم أهل الكتاب الذين كفروا وصدّوا من أراد منهم ومن غيرهم أن يدخل في الإسلام. وقيل : هو عامّ في كل من كفر وصدّ (أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ) أبطلها وأحبطها. وحقيقته : جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يتقبلها
__________________
(١) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب رضى الله عنه.
ويثيب عليها ، كالضالة من الإبل (١) التي هي بمضيعة لا ربّ لها يحفظها ويعتنى بأمرها. أو جعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم ومغلوبة بها ، كما يضل الماء في اللبن. وأعمالهم : ما عملوه في كفرهم بما كانوا يسمونه مكارم : من صلة الأرحام وفك الأسارى وقرى الأضياف وحفظ الجوار.
وقيل : أبطل ما عملوه من الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم والصدّ عن سبيل الله : بأن نصره عليهم وأظهر دينه على الدين كله (وَالَّذِينَ آمَنُوا) قال مقاتل : هم ناس من قريش. وقيل : من الأنصار. وقيل : هم مؤمنو أهل الكتاب. وقيل : هو عام. وقوله (وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ) اختصاص للإيمان بالمنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين ما يجب به الإيمان تعظيما لشأنه وتعليما ، لأنه لا يصح الإيمان ولا يتم إلا به. وأكد ذلك بالجملة الاعتراضية التي هي قوله (وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) وقيل : معناها إنّ دين محمد هو الحق ، إذ لا يرد عليه النسخ ، وهو ناسخ لغيره. وقرئ : نزل وأنزل ، على البناء للمفعول. ونزّل على البناء للفاعل ، ونزل بالتخفيف (كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) ستر بإيمانهم وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي لرجوعهم عنها وتوبتهم (وَأَصْلَحَ بالَهُمْ) أى حالهم وشأنهم بالتوفيق في أمور الدين ، وبالتسليط على الدنيا بما أعطاهم من النصرة والتأييد.
(ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ)(٣)
(ذلِكَ) مبتدأ وما بعده خبره ، أى : ذلك الأمر وهو إضلال أعمال أحد الفريقين وتكفير سيئات الثاني : كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل وهؤلاء الحق. ويجوز أن يكون ذلك خبر مبتدإ محذوف ، أى. الأمر كما ذكر بهذا السبب ، فيكون محل الجار والمجرور منصوبا على هذا ، ومرفوعا على الأوّل و (الْباطِلَ) ما لا ينتفع به. وعن مجاهد : الباطل الشيطان : وهذا الكلام يسميه علماء البيان التفسير (كَذلِكَ) مثل ذلك الضرب (يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ) والضمير راجع إلى الناس ، أو إلى المذكورين من الفريقين ، على معنى : أنه يضرب أمثالهم لأجل الناس
__________________
(١) قال محمود : «معناه جعلها كالضالة من الإبل ... الخ» قال أحمد : هذا المعنى الثاني حسن متمكن مليء بمقابلة قوله (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) ثم قال (كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ) وتحرير المقابلة بينهما أن الكفار ضلت أعمالهم الصالحة في جملة أعمالهم السيئة من الكفر والمعاصي ، حتى صار صالحهم مستهلكا في غمار سيئهم ، ومقابله في المؤمنين ستر الله لأعمالهم السيئة في كنف أعمالهم الصالحة من الايمان والطاعة ، حتى صار سيئهم مكفرا ممحقا في جنب صالح أعمالهم ، وإلى هذا التمثيل الحسن في عدم تقبل صالح الكفار والتجاوز عن سيئ أعمال المؤمنين وقعت الاشارة بقوله تعالى (كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ) والله أعلم.
ليعتبروا بهم. فإن قلت : أين ضرب الأمثال؟ قلت : في أن جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكفار ، واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين. أو في أن جعل الإضلال مثلا لخيبة الكفار ، وتكفير السيئات مثلا لفوز المؤمنين.
(فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ) (٦)
(لَقِيتُمُ) من اللقاء وهو الحرب (فَضَرْبَ الرِّقابِ) أصله : فاضربوا الرقاب ضربا ، فحذف الفعل وقدّم المصدر فأنيب منابه مضافا إلى المفعول. وفيه اختصار مع إعطاء معنى التوكيد ، لأنك تذكر المصدر وتدل على الفعل بالنصبة التي فيه. وضرب الرقاب عبارة عن القتل ، لأنّ الواجب أن تضرب الرقاب خاصة دون غيرها من الأعضاء ، وذلك أنهم كانوا يقولون : ضرب الأمير رقبة فلان ، وضرب عنقه وعلاوته ، وضرب ما فيه عيناه (١) إذا قتله ، وذلك أن قتل الإنسان أكثر ما يكون بضرب رقبته ، فوقع عبارة عن القتل ، وإن ضرب بغير رقبته من المقاتل كما ذكرنا في قوله (فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) على أن في هذه العبارة من الغلظة والشدّة ما ليس في لفظ القتل ، لما فيه (٢) من تصوير القتل بأشنع صورة وهو حز العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وعلوه وأوجه أعضائه. ولقد زاد في هذه الغلظة في قوله تعالى (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ). (أَثْخَنْتُمُوهُمْ) أكثرتم قتلهم وأغلظتموه ، من الشيء الثخين : وهو الغليظ. أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى أذهبتم عنهم النهوض (فَشُدُّوا الْوَثاقَ) فأسروهم. والوثاق بالفتح والكسر : ـ اسم ما يوثق به (مَنًّا) و (فِداءً) منصوبان بفعليهما مضمرين ، أى : فإمّا تمنون منا ، وإما تفدون فداء. والمعنى : التخيير بعد الأسر بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم ، وبين أن يفادوهم. فإن قلت : كيف حكم أسارى المشركين؟ قلت : أمّا عند أبى حنيفة وأصحابه فأحد أمرين : إمّا قتلهم وإمّا استرقاقهم : أيهما رأى الإمام ، ويقولون في المنّ والفداء المذكورين في الآية : نزل ذلك في يوم بدر ثم نسخ. وعن مجاهد : ليس اليوم منّ ولا فداء ، وإنما هو الإسلام أو ضرب العنق. ويجوز أن يراد بالمنّ : أن يمنّ عليهم بترك القتل ويسترقوا.
__________________
(١) قوله «وضرب ما فيه عيناه» لعله كناية عن رأسه أو عن وجهه. (ع)
(٢) قوله «لما فيه من تصوير القتل» لعله لما فيها. (ع)
أو يمنّ عليهم فيخلوا لقبولهم الجزية ، وكونهم من أهل الذمّة. وبالفداء أن يفادى بأساراهم أسارى المشركين ، فقد رواه الطحاوي مذهبا عن أبى حنيفة ، والمشهور أنه لا يرى فداءهم لا بمال ولا بغيره ، خيفة أن يعودوا حربا للمسلمين ، وأما الشافعي فيقول : للإمام أن يختار أحد أربعة على حسب ما اقتضاه نظره للمسلمين ، وهو : القتل ، والاسترقاق (١) ، والفداء بأسارى المسلمين ، والمن. ويحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منّ على أبى عروة الحجبي (٢) ، وعلى ثمامة بن أثال الحنفي ، (٣) وفادى رجل برجلين من المشركين (٤) : وهذا كله منسوخ عند أصحاب الرأى. وقرئ : فدى ، بالقصر مع فتح الفاء. أوزار الحرب : آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع. قال الأعشى :
|
وأعددت للحرب أوزارها |
|
رماحا طوالا وخيلا ذكورا (٥) |
وسميت أوزارها لأنه لما لم يكن لها بد من جرّها فكأنها تحملها وتستقل بها ، فإذا انقضت فكأنها وضعتها. وقيل. أوزارها آثامها ، يعنى : حتى يترك أهل الحرب. هم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا. فإن قلت : (حَتَّى) بم تعلقت؟ قلت : لا تخلو إما أن تتعلق بالضرب والشد : أو بالمن والفداء ، فالمعنى على كلا المتعلقين عند الشافعي رضى الله عنه : أنهم لا يزالون على ذلك أبدا إلى أن لا يكون حرب مع المشركين. وذلك إذا لم يبق لهم شوكة. وقيل : إذا نزل عيسى ابن مريم عليه السلام. وعند أبى حنيفة رحمه الله : إذا علق بالضرب والشد ، فالمعنى : أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار ، وذلك حين لا تبقى شوكة للمشركين. وإذا علق بالمن والفداء ، فالمعنى : أنه يمن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها
__________________
(١) قوله «وهو القتل والاسترقاق» لعله : وهي ... (ع)
(٢) هو مذكور في المغازي لابن إسحاق وغيره «أنه أسر يوم بدر. فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير فداء ثم أسره يوم أحد فقتله صبرا» ورواه الواقدي عن ابن أخى الزهري عن عمه عن سعيد بن المسيب.
(٣) قوله «على ثمامة بن أثال الحنفي» هو في حديث أبى هريرة عند الشيخين مطولا
(٤) قوله «وفادى رجلا برجلين من المشركين» : هذا طرف من حديث أخرجه مسلم والترمذي وغيرهما من حديث عمران ، ولكن فيه «أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسروا رجلا من بنى عقيل ، وكانت ثقيف أسرت رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففداه النبي صلى الله عليه وسلم بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف» وروى البيهقي في المعرفة عن الشافعي من هذا الوجه مثل لفظ الكتاب. ثم قال : أظنه من الكاتب ، والصحيح الأول.
(٥) للأعشى ، واستعار الأوزار لآلات الحرب على طريق التصريحية ، ويحتمل أنه شبيه الحرب بمطايا ذات أوزار ، أى : أحمال ثقال على طريق المكنية ، وإثبات الأوزار تخييل ، ورماحا : بدل.
إلا أن يتأول المن والفداء بما ذكرنا من التأويل (ذلِكَ) أى الأمر ذلك ، أو افعلوا ذلك (لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ) لانتقم منهم ببعض أسباب الهلك : من خسف ، أو رجفة ، أو حاصب ، أو غرق. أو موت جارف ، (وَلكِنْ) أمركم بالقتال ليبلو المؤمنين بالكافرين : أن يجاهدوا ويصبروا حتى يستوجبوا الثواب العظيم ، والكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض ما وجب لهم من العذاب. وقرئ : قتلوا ، بالتخفيف والتشديد : وقتلوا. وقاتلوا. وقرئ : فلن يضل أعمالهم ، وتضل أعمالهم : على البناء للمفعول. ويضل أعمالهم من ضل. وعن قتادة : أنها نزلت في يوم أحد (عَرَّفَها لَهُمْ) أعلمها لهم وبينها بما يعلم به كل أحد منزلته ودرجته من الجنة. قال مجاهد : يهتدى أهل الجنة إلى مساكنهم منها لا يخطئون ، كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا لا يستدلون عليها. وعن مقاتل : إن الملك الذي وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشى بين يديه فيعرفه كل شيء أعطاه الله. أو طيبها لهم ، من العرف : وهو طيب الرائحة. وفي كلام بعضهم : عزف كنوح القمارى (١) ، وعرف كفوح القمارى. أو حددها لهم ، فجنة كل أحد محدودة مفرزة عن غيرها ، من : عرف الدار وارفها. والعرف والارف ، الحدود.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ)(٧)
(إِنْ تَنْصُرُوا) دين (اللهَ) ورسوله (يَنْصُرْكُمْ) على عدوكم ويفتح لكم (وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ) في مواطن الحرب أو على محجة الإسلام.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ)(٩)
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا) يحتمل الرفع على الابتداء والنصب بما يفسره (فَتَعْساً لَهُمْ) كأنه قال : أتعس الذين كفروا. فإن قلت : علام عطف قوله (وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ)؟ قلت : على الفعل الذي نصب تعسا ، لأنّ المعنى فقال : تعسا لهم ، أو فقضى تعسا لهم. وتعسا له : نقيض «لعاله» قال الأعشى :
فالتّعس أولى لها من أن أقول لعا (٢)
__________________
(١) قوله «عزف كنوح القمارى» العزف : الغناء. والقمارى : جمع قمرى ، اسم طير. والعود القمارى : منسوب إلى موضع ببلاد الهند. أفاده الصحاح. (ع)
|
(٢) وبلدة يرهب الجواب دلجتها |
|
حتى تراه عليها يبتغى الشيما |
|
كلفت مجهولها نفسي وشايعنى |
|
همى عليها إذا ما آلها لمعا |
يريد : فالعثور والانحطاط أقرب لها من الانتعاش والثبوت. وعن ابن عباس رضى الله عنهما : يريد في الدنيا القتل ، وفي الآخرة التردي في النار (كَرِهُوا) القرآن وما أنزل الله فيه من التكاليف والأحكام ، لأنهم قد ألفوا الإهمال وإطلاق العنان في الشهوات والملاذ فشق عليهم ذلك وتعاظمهم.
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها)(١٠)
دمره : أهلكه ، ودمر عليه : أهلك عليه ما يختص به. والمعنى : دمر الله عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأموالهم وأولادهم وكل ما كان لهم (وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها) الضمير للعاقبة المذكورة أو للهلكة ، لأن التدمير يدل عليها. أو للسنة ، لقوله عزّ وعلا (سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا).
(ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ)(١١)
(مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا) وليهم وناصرهم. وفي قراءة ابن مسعود : ولى الذين آمنوا. ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في الشعب يوم أحد وقد فشت فيهم الجراحات ، وفيه نزلت ، فنادى المشركون : اعل هبل : فنادى المسلمون : الله أعلى وأجل ، فنادى المشركون : يوم بيوم والحرب سجال ، إن لنا عزى ولا عزى لكم ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم ، إن القتلى مختلفة أما قتلانا فأحياء يرزقون وأما قتلاكم ففي النار يعذبون (١). فإن قلت : قوله تعالى (وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ) مناقض لهذه الآية. قلت : لا تناقض بينهما ، لأن الله مولى عباده جميعا على معنى أنه ربهم ومالك أمرهم ؛ وأما على معنى الناصر فهو مول المؤمنين خاصة.
__________________
|
ـ بذات لوث عفرناة إذا عثرت |
|
فالتعس أولى لها من أن يقال لعا |
للأعشى ، أى : ورب مفازة يخاف الجواب : أى كثير السير ، من جبت الأرض : قطعتها بالسير. والدلجة من دلج وأدلج ، وزن افتعل. وأدلج وزن أكرم : إذا سار ليلا. والدلجة : ساعة من الليل ، أى : يخاف المعتاد على السير من سيرها ليلا ، حتى يطلب الجماعات المساعدين له على سيرها ، كلفت نفسي سير المجهول منها ، وعاونني عزمي على سيرها وقت لمعان آلها وهو السراب الذي يرى عند شدة الحر ، كأنه ماء ، مع أن سير الهاجرة أشد من سير الليل ، ثم قال : مع ناقة صاحبة قوة. ويطلق اللوث على الضعف أيضا ، فهو من الأضداد. عفرناة : غليظة. ويقال للعاثر : لعا لك : دعاء له بالانتعاش. وتعسا له : دعاء عليه بالسقوط ، يريد أنها لا تعثر ، ولو عثرت فالدعاء عليها أحق بها من الدعاء لها.
(١) أخرجه الطبري من رواية سعيد عن قتادة قال «ذكر لنا أن هذه الآية. يعنى (بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا) نزلت يوم أحد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب وقد فشت فيهم الجراحات. الخ» سواء. وله شاهد في البخاري من حديث البراء بن عازب.
(إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ)(١٢)
(يَتَمَتَّعُونَ) ينتفعون بمتاع الحياة الدنيا أياما قلائل (وَيَأْكُلُونَ) غافلين غير مفكرين في العاقبة (كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ) في مسارحها ومعالفها ، غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح (مَثْوىً لَهُمْ) منزل ومقام.
(وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ)(١٣)
وقرئ : وكائن ، بوزن كاعن (١). وأراد بالقرية أهلها ، ولذلك قال (أَهْلَكْناهُمْ) كأنه قال : وكم من قوم هم أشد قوّة من قومك الذين أخرجوك أهلكناهم. ومعنى أخرجوك: كانوا سبب خروجك. فإن قلت : كيف قال (فَلا ناصِرَ لَهُمْ)؟ وإنما هو أمر قد مضى. قلت : مجراه مجرى الحال المحكية ، كأنه قال أهلكناهم فهم لا ينصرون.
(أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ)(١٤)
من زين له : هم أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ورسوله ، ومن كان على بينة من ربه أى على حجة من عنده وبرهان : وهو القرآن المعجز وسائر المعجزات هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرئ : أمن كان على بينة من ربه. وقال تعالى (سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا) للحمل على لفظ (مِنْ) ومعناه.
(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ)(١٥)
__________________
(١) قوله «وكائن بوزن كاعن» في الصحاح «كائن» : معناها معنى كم في الخبر والاستفهام ، وفيها لغتان : كأين. مثال كعين وكائن : مثال كاعن اه. (ع)
فإن قلت : ما معنى قوله تعالى (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ) كمن هو خالد في النار؟ قلت : هو كلام في صورة الإثبات ومعنى النفي والإنكار (١) ، لانطوائه تحت حكم كلام مصدّر بحرف الإنكار ، ودخوله في حيزه ، وانخراطه في سلكه ، وهو قوله تعالى (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) فكأنه قيل : أمثل الجنة كمن هو خالد في النار ، أى كمثل جزاء من هو خالد في النار. فإن قلت : فلم عرّى في حرف الإنكار؟ وما فائدة التعرية؟ قلت : تعريته من حرف الإنكار فيها زيادة تصوير لمكابرة من يسوّى بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه ، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التي تجرى فيها تلك الأنهار ، وبين النار التي يسقى أهلها الحميم. ونظيره قول القائل :
|
أفرح أن أرزأ الكرام وأن |
|
أورث ذودا شصائصا نبلا (٢) |
هو كلام منكر للفرح برزية الكرام ووراثة الذود ، مع تعريه عن حرف الإنكار لانطوائه تحت حكم قول من قال : أتفرح بموت أخيك وبوراثة إبله ، والذي طرح لأجله حرف الإنكار إرادة أن يصوّر قبح ما أزن به (٣) فكأنه قال له : نعم مثلي يفرح بمرزاة الكرام وبأن يستبدل منهم ذودا يقل طائله (٤) ، وهو من التسليم الذي تحته كل إنكار ، ومثل الجنة : صفة الجنة العجيبة الشأن ، وهو مبتدأ ، وخبره : كمن هو خالد. وقوله : فيها أنهار ، داخل في حكم الصلة كالتكرير لها. ألا ترى إلى صحة قولك : التي فيها أنهار. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف هي فيها (٥)
__________________
(١) قال محمود : «هو كلام في صورة الإثبات ومعناه النفي ... الخ» قال أحمد : كم ذكر الناس في تأويل هذه الآية ، فلم أر أطلى ولا أحلى من هذه النكت التي ذكرها ، لا يعوزها إلا للتنبيه على أن في الكلام محذوفا لا بد من تقديره لأنه لا معادلة بين الجنة وبين الخالدين في النار إلا على تقدير مثل ساكن فيه يقوم وزن الكلام ويتعادل كفتاه. ومن هذا النمط قوله تعالى (أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ) فانه لا بد من تقدير محذوف مع الأول أو الثاني ، ليتعادل القسمان ، وبهذا الذي قدرته في الآية ينطبق آخر الكلام على أوله ، فيكون المقصود تنظير بعد التسوية بين المتمسك بالسيئة والراكب للهوى ببعد التسوية بين المنعم في الجنة والمعذب في النار على الصفات المتقابلة المذكورة في الجهتين. وهو من وادى تنظير الشيء بنفسه ، باعتبار حالتين إحداهما أوضح في البيان من الأخرى ، فان المتمسك بالسنة هو المنعم في الجنة الموصوفة. والمتبع للهوى : هو المعذب في النار المنعوتة ، ولكن أنكر التسوية بينهما باعتبار الأعمال أولا ، وأوضح ذلك بإنكار التسوية بينهما باعتبار الأعمال أولا ، وأوضح ذلك بإنكار التسوية بينهما باعتبار الجزاء ثانيا.
(٢) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثالث صفحة ٢٦٤ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٣) قوله «ما أزن» أى اتهم. أفاده الصحاح. (ع)
(٤) قوله «يقل طائله» لأن الشصائص قليلات اللبن. والنبل : الكبار من الإبل ، والصغار منها أيضا ، فهو من الأضداد. أفاده الصحاح. (ع)
(٥) قوله «هي فيها» لعله : أى هي فيها. (ع)
أنهار ، وكأن قائلا قال : وما مثلها؟ فقيل : فيها أنهار ، وأن يكون في موضع الحال ، أى : مستقرّة فيها أنهار ، وفي قراءة على رضى الله عنه : أمثال الجنة ، أى : ما صفاتها كصفات النار. وقرئ : أسن. يقال : أسن الماء وأجن : إذا تغير طعمه وريحه. وأنشد ليزيد بن معاوية:
|
لقد سقتني رضابا غير ذى أسن |
|
كالمسك فتّ على ماء العناقيد (١) |
(مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ) كما تتغير ألبان الدنيا ، فلا يعود قارصا ولا حاذرا (٢) ، ولا ما يكره من الطعوم (لَذَّةٍ) تأنيث لذّ ، وهو اللذيذ ، أو وصف بمصدر. وقرئ بالحركات الثلاث ، فالجر على صفه الخمر ، والرفع على صفة الأنهار ، والنصب على العلة ، أى : لأجل لذة الشاربين. والمعنى : ما هو إلا التلذذ الخالص ، ليس معه ذهاب عقل ولا خمار ولا صداع ، ولا آفة من آفات الخمر (مُصَفًّى) لم يخرج من بطون النحل فيخالطه الشمع وغيره (ماءً حَمِيماً) قيل إذا دنا منهم شوى وجوههم ، وانمازت فروة رءوسهم ، فإذا شربوه قطع أمعاءهم.
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ)(١٦)
هم المنافقون : كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يلقون له إلا تهاونا منهم ، فإذا خرجوا قالوا لأولى العلم من الصحابة ، ما ذا قال الساعة؟ على جهة الاستهزاء. وقيل : كان يخطب فإذا عاب المنافقين خرجوا فقالوا ذلك للعلماء. وقيل : قالوه لعبد الله بن مسعود. وعن ابن عباس : أنا منهم ، وقد سميت فيمن سئل (آنِفاً) وقرئ : أنفا على فعل ، نصب على الظرف (٣) قال الزجاج : هو من استأنفت الشيء : إذا ابتدأته. والمعنى : ما ذا قال في أوّل وقت يقرب منا.
(وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ) (١٧)
(زادَهُمْ) الله (هُدىً) بالتوفيق (وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ) أعانهم عليها. أو أتاهم جزاء تقواهم.
__________________
(١) ليزيد بن معاوية. وترضب الرجل ريق المرأة : إذا ترشفه. وأسن أسنا كتعب تعبا : تغير طعمه أو ريحه أو لونه. لطول مدته. يقول : سقتني ريقها الذي لم يتغير. وماء العناقيد : كناية عن الخمر ، واستعاره لريقها على التصريحية ، وناولتني المسك حال كونه تفتت على ريقها الشبيه بالخمر ، أى : كأنه كذلك لطيبه. ويروى : كالمسك وهي الظاهرة ، والتشبيه من قبيل تشبيه المفرد بالمركب ، لأنه لا يريد تشبيه الرضاب بالمسك فقط.
(٢) قوله «ولا حاذرا ولا ما يكره» لعله محذوف ، وأصله : حازر بالزاي ، وفي الصحاح : الحاذر : اللبن الحامض
(٣) قوله «وقرئ أنفا على فعل نصب على الظرف» لعله : بالضم. (ع)
وعن السدى : بين لهم ما يتقون. وقرئ : وأعطاهم. وقيل : الضمير في زادهم ، لقول الرسول أو لاستهزاء المنافقين.
(فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ)(١٨)
(أَنْ تَأْتِيَهُمْ) بدل اشتمال من الساعة ، نحو : أن تطؤهم من قوله (رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ) وقرئ : أن تأتهم ، بالوقف على الساعة واستئناف الشرط ، وهي في مصاحف أهل مكة كذلك : فإن قلت : فما جزاء الشرط؟ قلت : قوله فأنى لهم. ومعناه : إن تأتهم الساعة فكيف لهم ذكراهم ، أى تذكرهم واتعاظهم إذا جاءتهم الساعة ، يعنى لا تنفعهم الذكرى حينئذ ، كقوله تعالى (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى). فإن قلت : بم يتصل قوله (فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها) على القراءتين؟ قلت : بإتيان الساعة اتصال العلة بالمعلول ، كقولك : إن أكرمنى زيد فأنا حقيق بالإكرام أكرمه. والأشراط : العلامات. قال أبو الأسود :
|
فإن كنت قد أزمعت بالصّرم بيننا |
|
فقد جعلت أشراط أوّله تبدو (١) |
وقيل : مبعث محمد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم وعليهم منها ، وانشقاق القمر ، والدخان. وعن الكلبي : كثرة المال والتجارة ، وشهادة الزور ، وقطع الأرحام ، وقلة الكرام ، وكثرة اللثام. وقرئ : بغتة بوزن جربة (٢) ، وهي غريبة لم ترد في المصادر أختها ، وهي مروية عن أبى عمرو ، وما أخوفنى أن تكون غلطة من الراوي على أبى عمرو ، وأن يكون الصواب: بغتة ، بفتح الغين من غير تشديد ، كقراءة الحسن فيما تقدم.
(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ)(١٩)
لما ذكر حال المؤمنين وحال الكافرين قال : إذا علمت أن الأمر كما ذكر من سعادة هؤلاء وشقاوة هؤلاء ، فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله ، وعلى التواضع وهضم النفس :
__________________
(١) لأبى الأسود. يقول : إن كنت جزمت بقطع المودة بيننا فلا تكتميه ، لأن علامات ابتدائه شرعت في الظهور.
(٢) قوله «بغتة بوزن جربة وهي غريبة» في القاموس «الجربة» محركة مشددة : جماعة الحمراء. وفي الصحاح «الجربة» بالفتح : بغتة ، وتشديد الباء : العانة من الحمير. رفيه أيضا «العانة» القطيع من حمر الوحش. (ع)
باستغفار ذنبك وذنوب من على دينك. والله يعلم أحوالكم ومتصرفاتكم ومتقلبكم في معايشكم ومتاجركم ، ويعلم حيث تستقرون في منازلكم أو متقلبكم في حياتكم ومثواكم في القبور. أو متقلبكم في أعمالكم ومثواكم من الجنة والنار. ومثله حقيق بأن يخشى ويتقى ، وأن يستغفر ويسترحم. وعن سفيان بن عيينة : أنه سئل عن فضل العلم فقال : ألم تسمع قوله حين بدأ به فقال (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) فأمر بالعمل بعد العلم وقال : (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) إلى قوله (سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) وقال : (وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) ثم قال بعد (فَاحْذَرُوهُمْ) وقال : (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) ثم أمر بالعمل بعد.
(وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ)(٢١)
كانوا يدعون الحرص على الجهاد ويتمنونه بألسنتهم ويقولون (لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ) في معنى الجهاد (فَإِذا أُنْزِلَتْ) وأمروا فيها بما تمنوا وحرصوا عليه كاعوا (١) وشق عليهم ، وسقطوا في أيديهم ، كقوله تعالى (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ). (مُحْكَمَةٌ) مبينة غير متشابهة لا تحتمل وجها إلا وجوب القتال. وعن قتادة : كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة ، وهي أشدّ القرآن على المنافقين. وقيل لها «محكمة» لأنّ النسخ لا يرد عليها من قبل أنّ القتال قد نسخ ما كان من الصفح والمهادنة ، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة. وقيل : هي المحدثة ، لأنها حين يحدث نزولها لا يتناولها النسخ ، ثم تنسخ بعد ذلك أو تبقى غير منسوخة. وفي قراءة عبد الله : سورة محدثة. وقرئ : فإذا نزلت سورة وذكر فيها القتال. على البناء للفاعل ونصب القتال (الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) هم الذين كانوا على حرف غير ثابتى الأقدام (نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) أى تشخص أبصارهم جبنا وهلعا وغيظا ، كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت (فَأَوْلى لَهُمْ) وعيد بمعنى : فويل لهم ، وهو أفعل : من الولي وهو القرب. ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه (طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) كلام مستأنف ، أى : طاعة وقول معروف خير لهم. وقيل : هي حكاية قولهم ، أى قالوا طاعة وقول معروف ،
__________________
(١) قوله «كاعوا» في الصحاح : كاع الكلب يكوع ، أى : مشى على كوعه في الرمل من شدة الحر. (ع)
بمعنى : أمرنا طاعة وقول معروف. وتشهد له قراءة أبىّ : يقولون طاعة وقول معروف (فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ) أى جدّ. والعزم والجد لأصحاب الأمر. وإنما يسندان إلى الأمر إسنادا مجازيا. ومنه قوله تعالى (إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ). (فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ) فيما زعموا من الحرص على الجهاد. أو : فلو صدقوا في إيمانهم وواطأت قلوبهم فيه ألسنتهم.
(فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ)(٢٣)
عسيت وعسيتم : لغة أهل الحجاز. وأما بنو تميم فيقولون : عسى أن تفعل ، وعسى أن تفعلوا ، ولا يلحقون الضمائر : وقرأ نافع بكسر السين وهو غريب ، وقد نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات ، ليكون أبلغ في التوكيد. فإن قلت : ما معنى : فهل عسيتم ... أن تفسدوا في الأرض؟ قلت : معناه : هل يتوقع منكم الإفساد؟ فإن قلت : فكيف يصح هذا في كلام الله عز وعلا وهو عالم بما كان وما يكون؟ قلت : معناه إنكم ـ لما عهد منكم ـ أحقاء بأن يقول لكم كل من ذاقكم وعرف تمريضكم ورخاوة عقدكم في الإيمان : يا هؤلاء ، ما ترون؟ هل يتوقع منكم إن توليتم أمور الناس وتأمرتم عليهم لما تبين منكم من الشواهد ولاح من المخايل (أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ) تناحرا على الملك وتهالكا على الدنيا؟ وقيل : إن أعرضتم وتوليتم عن دين رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض : بالتغاور والتناهب ، وقطع الأرحام : بمقاتلة بعض الأقارب بعضا ووأد البنات؟ وقرئ : وليتم (١). وفي قراءة على بن أبى طالب رضى الله عنه : توليتم ، أى : إن تولاكم ولاة غشمة خرجتم معهم ومشيتم تحت لوائهم وأفسدتم بإفسادهم؟ وقرئ : وتقطعوا ، وتقطعوا ، من التقطيع والتقطع (أُولئِكَ) إشارة إلى المذكورين (لَعَنَهُمُ اللهُ) لإفسادهم وقطعهم الأرحام ، فمنعهم ألطافه وخذلهم ، حتى صموا عن استماع الموعظة ، وعموا عن إبصار طريق الهدى. ويجوز أن يريد بالذين آمنوا : المؤمنين الخلص الثابتين ، وأنهم يتشوفون إلى الوحى إذا أبطأ عليهم ، فإذا أنزلت سورة في معنى الجهاد : رأيت المنافقين فيما بينهم يضجرون منها.
(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها)(٢٤)
__________________
(١) قوله «وقرئ وليتم» لعله بالبناء للمجهول ، وكذا توليتم في قراءة على. (ع)
(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) ويتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر ووعيد العصاة ، حتى لا يجسروا على المعاصي ، ثم قال (أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها) وأم بمعنى بل وهمزة التقرير ، للتسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يتوصل إليها ذكر. وعن قتادة : إذا والله يجدوا في القرآن زاجرا عن معصية الله لو تدبروه ، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا. فإن قلت : لم نكرت القلوب وأضيفت الأقفال إليها؟ قلت : أما التنكير ففيه وجهان : أن يراد على قلوب قاسية مبهم أمرها في ذلك. أو يراد على بعض القلوب : وهي قلوب المنافقين. وأما إضافة الأقفال ، فلأنه يريد الأقفال المختصة بها ، وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح. وقرئ : إقفالها ، على المصدر.
(إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ)(٢٨)
(الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ) جملة من مبتدإ وخبر وقعت خبرا لإنّ ، كقولك : إنّ زيدا عمرو مرّ به. سوّل لهم : سهل لهم ركوب العظائم ، من السول وهو الاسترخاء ، وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعا (١) (وَأَمْلى لَهُمْ) ومدّ لهم في الآمال والأمانى. وقرئ وأملى لهم ، يعنى : إنّ الشيطان يغويهم وأنا أنظرهم ، كقوله تعالى (أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ) وقرئ : وأملى لهم على البناء للمفعول ، أى : أمهلوا ومدّ في عمرهم. وقرئ : سوّل لهم (٢) ، ومعناه : كيد الشيطان زين لهم على تقدير حذف المضاف. فإن قلت : من هؤلاء؟ قلت : اليهود كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم من بعد ما تبين لهم الهدى ، وهو نعته في التوراة. وقيل : هم المنافقون. الذين قالوا القائلون : اليهود. والذين كرهوا ما نزل الله : المنافقون. وقيل عكسه ، وأنه قول المنافقين لقريظة والنضير : لئن أخرجتم لنخرجنّ معكم. وقيل (بَعْضِ الْأَمْرِ) : التكذيب برسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو بلا إله إلا الله ، أو ترك القتال معه. وقيل : هو قول أحد الفريقين
__________________
(١) قال محمود : «هو مشتق من السول وهو الاسترخاء ، أى : سهل لهم ركوب العظائم. قال : وقد أشقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعا ، قلت : لأن السؤل مهموز ، وسول معتل.
(٢) قوله «وقرئ سول لهم» لعله بالبناء للمجهول. (ع)
للمشركين : سنطيعكم في التظافر على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عن الجهاد معه. ومعنى (فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) في بعض ما تأمرون به. أو في بعض الأمر الذي يهمكم (وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ) وقرئ : إسرارهم على المصدر ، قالوا ذلك سرا فيما بينهم ، فأفشاه الله عليهم. فكيف يعملون وما حيلتهم حينئذ؟ وقرئ : توفاهم ، ويحتمل أن يكون ماضيا ، ومضارعا قد حذفت إحدى تاءيه ، كقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ) وعن ابن عباس رضى الله عنهما : لا يتوفى أحد على معصية الله إلا يضرب من الملائكة في وجهه ودبره (ذلِكَ) إشارة إلى التوفي الموصوف (ما أَسْخَطَ اللهَ) من كتمان نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. و (رِضْوانَهُ) الإيمان برسول الله.
(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ) (٣٠)
(أَضْغانَهُمْ) أحقادهم وإخراجها : إبرازها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، وإظهارهم على نفاقهم وعداوتهم لهم ، وكانت صدورهم تغلى حنقا عليهم (لَأَرَيْناكَهُمْ) لعرفناكهم ودللناك عليهم. حتى تعرفهم بأعيانهم لا يخفون عليك (بِسِيماهُمْ) بعلامتهم : وهو أن يسمعهم الله تعالى بعلامة تعلمون بها. وعن أنس رضى الله عنه : ما خفى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين : كان يعرفهم بسيماهم ، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين يشكوهم الناس ، فناموا ذات ليلة وأصبحوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب : هذا منافق (١). فإن قلت : أى فرق بين اللامين في (فَلَعَرَفْتَهُمْ) و (لَتَعْرِفَنَّهُمْ)؟ قلت : الأولى هي الداخلة في جواب «لو» كالتي في (لَأَرَيْناكَهُمْ) كررت في المعطوف ، وأما اللام في (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ) فواقعة مع النون في جواب قسم محذوف (فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) في نحوه وأسلوبه. وعن ابن عباس : هو قولهم : مالنا إن أطعنا من الثواب؟ ولا يقولون : ما علينا إن عصينا من العقاب. وقيل : اللحن : أن تلحن بكلامك ، أى : تميله إلى نحو من الأنحاء ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية. قال :
|
ولقد لحنت لكم لكيما تفقهوا |
|
واللّحن يعرفه ذوو الألباب (٢) |
__________________
(١) ذكره الشعبي بغير سند ، ولم أجده.
(٢) اللحن : العدول بالكلام عن الظاهر ، كالتعريض والتورية ، والمخطئ لاحن ، لعدوله عن الصواب ـ
وقيل للمخطئ : لاحن ، لأنه يعدل بالكلام عن الصواب.
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ)(٣١)
(أَخْبارَكُمْ) ما يحكى عنكم وما يخبر به عن أعمالكم ، ليعلم حسنها من قبيحها ، لأن الخبر على حسب المخبر عنه : إن حسنا فحسن ، وإن قبيحا فقبيح ، وقرأ يعقوب : ونبلو ، بسكون الواو على معنى : ونحن نبلو أخباركم. وقرئ : وليبلونكم ويعلم ، ويبلو بالياء. وعن الفضيل : أنه كان إذا قرأها بكى وقال : اللهم لا تبلنا ، فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ)(٣٢)
(وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ) التي عملوها في دينهم يرجون بها الثواب ، لأنها مع كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم باطلة ، وهم قريظة والنضير. أو سيحبط أعمالهم التي عملوها ، والمكايد التي نصبوها في مشاقة الرسول ، أى : سيبطلها فلا يصلون منها إلى أغراضهم ، بل يستنصرون بها ولا يثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم. وقيل هم رؤساء قريش ، والمطعمون يوم بدر.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ)(٣٣)
(وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ) أى لا تحبطوا الطاعات بالكبائر (١) ، كقوله تعالى (لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ) إلى أن قال (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ) وعن أبى العالية : كان أصحاب
__________________
ـ أى : لكي تفهموا دون غيركم ، فان اللحن يعرفه أرباب الألباب دون غيرهم. والألباب : العقول اه.
(١) قال محمود : «معناه : لا تحبطوا الطاعات بالكبائر ... الخ» قال أحمد : قاعدة أهل السنة مؤسسة على أن الكبائر ما دون الشرك لا تحبط حسنة مكتوبة ، لأن الله (لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) نعم يقولون : إن الحسنات يذهبن السيئات كما وعد به الكريم جل وعلا. وقاعدة المعتزلة موضوعة على أن كبيرة واحدة تحبط ما تقدمها من الحسنات ولو كانت مثل زيد البحر ، لأنهم يقطعون بخلود الفاسق في النار ، وسلب سمة الايمان عنه ، ومتى خلد في النار لم تنفع طاعاته ولا إيمانه ، فعلى هذا بنى الزمخشري كلامه وجلب الآثار التي في بعضها موافقة في الظاهر لمعتقده ، ولا كلام عليها جملة من غير تفصيل ، لأن القاعدة المتقدمة ثابتة قطعا بأدلة اقتضت ذلك يحاشى كل معتبر في الحل والعقد عن مخالفتها ، فمهما ورد من ظاهر يخالفها وجب رده إليها بوجه من التأويل ، فان كان نصا لا يقبل التأويل فالطريق في ذلك تحسين الظن بالمنقول عنه ، والتوريك بالغلط على النقلة ، على أن الأثر المذكور عن ابن عمر هو أولى بأن يدل ظاهره لأهل السنة فتأمله ، وأما محمل الآية عند أهل الحق فعلى أن النهى عن الإخلال بشرط من شروط العمل وبركن يقتضى بطلانه من أصله ، لا أنه يبطل بعد استجماعه شرائط الصحة والقبول.
رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع الإيمان ذنب ، كما لا ينفع مع الشرك (١) عمل ، حتى نزلت (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ) فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم. وعن حذيفة : فخافوا أن تحبط الكبائر أعمالهم. وعن ابن عمر : كنا ترى أنه ليس شيء من حسناتنا إلا مقبولا ، حتى نزل (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ) فقلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا : الكبائر الموجبات (٢) والفواحش ، حتى نزل (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) فكففنا عن القول في ذلك ، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر ونرجو لمن لم يصبها (٣). وعن قتادة رحمه الله : رحم الله عبدا لم يحبط عمله الصالح بعمله السيئ. وقيل : لا تبطلوها بمعصيتهما. وعن ابن عباس رضى الله عنهما : لا تبطلوها بالرياء والسمعة ، وعنه : بالشك والنفاق : وقيل : بالعجب ، فإنّ العجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. وقيل : ولا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ)(٣٤)
(ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ) قيل ، هم أصحاب القليب ، والظاهر العموم.
(فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ)(٣٥)
(فَلا تَهِنُوا) ولا تضعفوا ولا تذلوا للعدوّ (وَ) لا (تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ) وقرئ : السلم وهما المسالمة (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) أى الأغلبون الأقهرون (وَاللهُ مَعَكُمْ) أى ناصركم ، وعن قتادة : لا تكونوا أوّل الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها بالموادعة. وقرئ : ولا تدّعوا ، من ادّعى القوم وتداعوا : إذا دعوا. نحو قولك : ارتموا الصيد وتراموه. وتدعوا : مجزوم لدخوله
__________________
(١) أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب قدر الصلاة له. قال حدثنا أبو قدامة حدثنا وكيع حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس بهذا وزاد : فنزلت (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ) وفي الكتاب حديث مرفوع. أخرجه إسحاق وأبو يعلى وأبو نعيم في الحلية من حديث ابن مسعود. قال أبو نعيم : تفرد به يحيى بن يمان عن سفيان اه. ويحيى ضعيف. وفيه عن عمر أيضا أخرجه العقيلي. وابن عدى من رواية حجاج بن نصير عن منذر بن زياد وهما ضعيفان.
(٢) قوله «فقلنا الكبائر الموجبات» عبارة الخازن : الكبائر والفواحش. (ع)
(٣) أخرجه ابن مردويه. من طريق عبد الله بن المبارك عن بكير بن معروف. عن مقاتل بن حيان. عن نافع. عن ابن عمر بهذا. وأخرجه محمد بن نصر أيضا. من هذا الوجه.
في حكم النهى. أو منصوب لإضمار إن. ونحو قوله تعالى (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) : قوله تعالى (إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى). (وَلَنْ يَتِرَكُمْ) من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا من ولد أو أخ أو حميم ، أو حربته ، وحقيقته : أفردته من قريبه أو ماله ، من الوتر وهو الفرد ؛ فشبه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر ، وهو من فصيح الكلام. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : «من فاتته صلاة العصر ، فكأنما وتر أهله وماله» (١) أى أفرد عنهما قتلا ونهبا.
(إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ)(٣٨)
(يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ) ثواب إيمانكم وتقواكم (وَلا يَسْئَلْكُمْ) أى ولا يسألكم جميعها ، إنما يقتصر منكم على ربع العشر ، ثم قال (إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ) أى يجهدكم ويطلبه كله ، والإحفاء : المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء ، يقال : أحفاه في المسألة إذا لم يترك شيئا من الإلحاح. وأحفى شاربه : إذا استأصله (تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ) أى تضطغنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم (٢) ، وتضيق صدوركم لذلك ، وأظهرتم كراهتكم ومقتكم لدين يذهب بأموالكم ، والضمير في (يُخْرِجْ) لله عز وجل ، أى يضغنكم بطلب أموالكم. أو للبخل ، لأنه سبب الاضطغان. وقرئ : نخرج. بالنون. ويخرج ، بالياء والتاء مع فتحهما ورفع أضغانكم (هؤُلاءِ) موصول بمعنى الذين صلته (تُدْعَوْنَ) أى أنتم الذين تدعون. أو أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون ، ثم استأنف وصفهم ، كأنهم قالوا : وما وصفنا؟ فقيل : تدعون (لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) قيل : هي النفقة في الغزو. وقيل : الزكاة ، كأنه قيل : الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم وكرهتم العطاء واضطغنتم أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر ، فمنكم ناس يبخلون به ، ثم قال (وَمَنْ يَبْخَلْ) بالصدقة وأداء الفريضة. فلا يتعداه ضرر بخله ، وإنما (يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) يقال بخلت عليه وعنه ، وكذلك
__________________
(١) متفق عليه من حديث ابن عمر.
(٢) قوله «أى تضطغنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم» في الصحاح : «الضغن» الحقد. وتضاغن القوم واضطغنوا : انطووا على الأحقاد. (ع)
ضننت عليه وعنه. ثم أخبر أنه لا يأمر بذلك ولا يدعو اليه لحاجته إليه ، فهو الغنى الذي تستحيل عليه الحاجات ، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا) معطوف على: وإن تؤمنوا وتتقوا (يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ) يخفق قوما سواكم على خلاف صفتكم راغبين في الإيمان والتقوى ، غير متولين عنهما ، كقوله تعالى (وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) وقيل : هم الملائكة. وقيل : الأنصار. وعن ابن عباس : كندة والنخع. وعن الحسن : العجم وعن عكرمة : فارس والروم. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القوم وكان سلمان إلى جنبه ، فضرب على فخذه وقال : «هذا وقومه ، والذي نفسي بيده ، لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس» (١).
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة محمد صلى الله عليه وسلم كان حقا على الله أن يسقيه من أنهار الجنة» (٢)
سورة الفتح
مدنية [نزلت في الطريق عند الانصراف من الحديبية]
وآياتها ٢٩ [نزلت بعد الجمعة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً) (٣)
هو فتح مكة ، وقد نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة عام الحديبية عدة له
__________________
(١) أخرجه الترمذي وابن حبان والحاكم. والطبري وابن أبى حاتم وغيرهم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة وله طرق عنه وعن غيره.
(٢) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي ، بأسانيدهم إلى أبى بن كعب.
بالفتح ، وجيء به على لفظ الماضي على عادة رب العزة سبحانه في أخباره ، لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة ، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخير (١) ما لا يخفى (٢). فإن قلت : كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟ قلت : لم يجعل علة للمغفرة ، ولكن لاجتماع ما عدّد من الأمور الأربعة : وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز ، كأنه قيل : يسرنا لك فتح مكة ، ونصرناك على عدوّك ، لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل. ويجوز أن يكون فتح مكة ـ من حيث إنه جهاد للعدوّ ـ سببا للغفران والثواب والفتح والظفر بالبلد عنوة أو صلحا بحرب أو بغير حرب ، لأنه منغلق ما لم يظفر به ، فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح. وقيل : هو فتح الحديبية ، ولم يكن فيه قتال شديد ، ولكن ترام بين القوم بسهام وحجارة. وعن ابن عباس رضى الله عنه : رموا المشركين حتى أدخلوهم ديارهم. وعن الكلبي : ظهروا عليهم حتى سألوا الصلح. فإن قلت : كيف يكون فتحا وقد أحصروا فنحروا وحلقوا بالحديبية؟ قلت : كان ذلك قبل الهدنة ، فلما طلبوها وتمت كان فتحا مبينا. وعن موسى بن عقبة : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعا ، فقال رجل من أصحابه : ما هذا بفتح ، لقد صدّونا عن البيت وصد هدينا ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : «بئس الكلام هذا ، بل هو أعظم الفتوح ، وقد رضى المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح ، (٣) ويسألوكم القضية ، ويرغبوا إليكم في الأمان ، وقد رأوا منكم ما كرهوا» (٤) وعن الشعبي : نزلت بالحديبية وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة أصاب: أن بويع بيعة الرضوان ، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر ، وظهرت الروم على فارس ، وبلغ الهدى محله ، وأطعموا نخل خيبر ، وكان في فتح الحديبية آية عظيمة. وذلك أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة ، فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مجه فيها ، فدرت بالماء حتى
__________________
(١) قوله «علو شأن المخبر» لعله : المخبر به. وعبارة النسفي : المخبر عنه. (ع)
(٢) قال محمود : «جاء الاخبار بالفتح على لفظ الماضي وإن لم يقع بعد ، لأن المراد فتح مكة ، والآية نزلت حين رجع عليه الصلاة والسلام من الحديبية قبل عام الفتح ، وذلك على عادة رب العزة في أخباره ، لأنها كانت محققة نزلت منزلة الكائنة الموجودة ، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر ما لا يخفى» قال أحمد : ومن الفخامة الالتفات من التكلم إلى الغيبة.
(٣) قوله «عن بلادهم بالراح» في الصحاح «الراح» : الخمر ، والراح : جمع راحة وهي الكف. والراح : الارتياح اه والظاهر هنا الثالث. (ع)
(٤) هكذا هو في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري وأخرجه البيهقي في الدلائل من طريقه ومن طريق أبى الأسود عن عروة أيضا نحوه مطولا
شرب جميع من كان معه ، وقيل : فجاش الماء حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها (١) بعد ـ وقيل : هو فتح خيبر ، وقيل : فتح الروم. وقيل : فتح الله له بالإسلام والنبوّة والدعوة بالحجة والسيف ، ولا فتح أبين منه وأعظم ، وهو رأس الفتوح كلها ، إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا وهو تحته ومتشعب منه. وقيل : معناه قضينا لك قضاء بينا على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل ؛ لتطوفوا بالبيت : من الفتاحة وهي الحكومة ، وكذا عن قتادة (ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) يريد : جميع ما فرط منك. وعن مقاتل : ما تقدم في الجاهلية وما بعدها. وقيل : ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد (نَصْراً عَزِيزاً) فيه عز ومنعة ـ أو وصف بصفة المنصور إسنادا مجازيا أو عزيزا صاحبه.
(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً)(٧)
(السَّكِينَةَ) السكون كالبهيتة للبهتان ، أى : أنزل الله في قلوبهم السكون والطمأنينة بسبب
__________________
(١) متفق عليه. من حديث البراء مطولا باللفظ الأول. ولمسلم من حديث سلمة بن الأكوع. قال «قدمنا المدينة ونحن أربع عشرة مائة وعليها خمسون شاة لا ترويها. فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنب الركية فاما دعا وإما بصق ، قال فجاشت. فسقينا واستقينا. وعند البخاري في الحديث الطويل عن المسور بن مخرمة ومروان : فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء. فلم يلبث الناس أن سرحوه. وشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه. فو الله ما زال يجيش لهم بالري ولا مخالفة في هذا لحديث البراء. لما رواه الواقدي من طريق عطاء بن أبى مروان. عن أبيه. حدثني أربعة عشر رجلا من أسلم صحابة. أن ناجية بن الأعجم. قال «دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم. حين شكا إليه من قلة الماء فدفع إلى سهما من كنانته وأمر بدلو من مائها. فمضمض فاه منه ثم مجه في الدلو. وقال لي : انزل الماء فصبه في البئر وفتحت الماء بالسهم. ففعلت. فو الذي بعثه بالحق. ما كدت أخرج حتى كاد يغمرنى». وروى أيضا من حديث قتادة. قال : لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل. فنزل بالسهم وتوضأ. ومج فاه منه ، ثم رده في البئر : جاشت بالرواء.
الصلح والأمن ، ليعرفوا فضل الله عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف ، والهدنة غب القتال ، فيزدادوا يقينا إلى يقينهم ، وأنزل فيها السكون إلى ما جاء به محمد عليه السلام من الشرائع (لِيَزْدادُوا إِيماناً) بالشرائع مقرونا إلى إيمانهم وهو التوحيد. عن ابن عباس رضى الله عنهما : أن أوّل ما أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد ، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة والزكاة ، ثم الحج ، ثم الجهاد ، فازدادوا إيمانا إلى إيمانهم. أو أنزل فيها الوقار والعظمة لله عزّ وجل ولرسوله ، ليزدادوا باعتقاد ذلك إيمانا إلى إيمانهم. وقيل : أنزل فيها الرحمة ليتراحموا فيزداد إيمانهم (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) يسلط بعضها على بعض كما يقتضيه علمه وحكمته ، ومن قضيته أن سكن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية ووعدهم أن يفتح لهم ، وإنما قضى ذلك ليعرف المؤمنون نعمة الله فيه ويشكروها فيستحقوا الثواب ، فيثيبهم ويعذب الكافرين والمنافقين لما غاظهم من ذلك وكرهوه. وقع السوء : عبارة عن رداءة الشيء وفساده ، والصدق عن جودته وصلاحه ، فقيل في المرضى الصالح من الأفعال : فعل صدق ، وفي المسخوط الفاسد منها : فعل سوء. ومعنى (ظَنَّ السَّوْءِ) ظنهم أن الله تعالى لا ينصر الرسول والمؤمنين ، ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين فاتحيها عنوة وقهرا (عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ) أى : ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم ـ والسوء : الهلاك والدمار. وقرئ : دائرة السوء (١) بالفتح ، أى. الدائرة التي يذمونها ويسخطونها ، فهي عندهم دائرة سوء ، وعند المؤمنين دائرة صدق. فإن قلت : هل من فرق بين السوء والسوء؟ قلت : هما كالكرة والكره والضعف والضعف ، من ساء ، إلا أنّ المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء. وأما السوء بالضم فجار مجرى الشر الذي هو نقيض الخير. يقال : أراد به السوء وأراد به الخير ، ولذلك أضيف الظن إلى المفتوح لكونه مذموما ، وكانت الدائرة محمودة فكان حقها أن لا تضاف إليه إلا على التأويل الذي ذكرنا وأما دائرة السوء بالضم ، فلأن الذي أصابهم مكروه وشدة ، فصح أن يقع عليه اسم السوء ، كقوله عزّ وعلا (إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً).
(إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)(٩)
(شاهِداً) تشهد على أمّتك ، كقوله تعالى (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً). (لِتُؤْمِنُوا) الضمير للناس (وَتُعَزِّرُوهُ) ويقووه بالنصرة (وَتُوَقِّرُوهُ) ويعظموه (وَتُسَبِّحُوهُ) من التسبيح. أو من
__________________
(١) قوله «وقرئ دائرة السوء بالفتح ، يفيد أن القراءة المشهورة. دائرة السوء. بالضم. (ع)
السبحة ، والضمائر لله عز وجلّ والمراد بتعزير الله : تعزير دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم. ومن فرق الضمائر فقد أبعد. وقرئ : لتؤمنوا وتعزروه (١) وتوقروه وتسبحوه ، بالتاء ، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمّته. وقرئ : وتعزروه بضم الزاى وكسرها. وتعزروه بضم التاء والتخفيف ، وتعززوه بالزاءين. وتوقروه من أوقره بمعنى وقره. وتسبحوا الله (بُكْرَةً وَأَصِيلاً) عن ابن عباس رضى الله عنهما : صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر.
(إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)(١٠)
لما قال (إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ) أكده تأكيدا على طريق التخييل (٢) فقال (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) يريد أن يد رسول الله التي تعلو أيدى المبايعين : هي يد الله ، والله تعالى منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام ، وإنما المعنى : تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما ، كقوله تعالى (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ) والمراد : بيعة الرضوان (فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ) فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه. قال جابر بن عبد الله رضى الله عنه : بايعنا رسول الله تحت الشجرة على الموت ، وعلى أن لا نفرّ ، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس وكان منافقا ، اختبأ تحت إبط بعيره ولم يسر مع القوم (٣). وقرئ : إنما يبايعون لله ، أى : لأجل الله ولوجهه ، وقرئ : ينكث بضم الكاف وكسرها ، وبما عاهد وعهد (فَسَيُؤْتِيهِ) بالنون والياء ، يقال : وفيت بالعهد وأوفيت به ، وهي لغة تهامة. ومنها قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ).
(سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ
__________________
(١) قوله «قرئ لتؤمنوا وتعزروه» يفيد أن قراءة الياء هي المشهورة ، وقد تشير إلى تفريق الضمائر قراءة : وتسبحوا الله ... الآية. (ع)
(٢) قال محمود : «لما قال إنما يبايعون الله أكده تأكيدا على طريق التخييل ... الخ» قال أحمد : كلام حسن بعد إسقاط لفظ التخييل وإبداله بالتمثيل ، وقد تقدمت أمثاله.
(٣) لم أجده هكذا بل في حديث جابر «أنه سئل كم كانوا يوم الحديبية؟ قال : كنا أربعة عشر مائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة. وهي سمرة. فبايعناه. وجد بن قيس اختبأ تحت بطن بعيره» أخرجه مسلم. ولأبى يعلى من هذا الوجه «لم نبايعه على الموت وإنما بايعناه على أن لا نفر ، بايعناه كلنا. إلا الجد بن قيس ، فانه اختبأ تحت بطن بعيره» فهذا ليس فيه أنه بايع ونكث ، بل فيه أنه لم يبايع أصلا.
أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً)(١١)
هم الذين خلفوا عن الحديبية ، وهم أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم والديل. وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذرا من قريش (١) أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت ، وأحرم هو صلى الله عليه وسلم وساق معه الهدى ، ليعلم أنه لا يريد حربا ، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا : يذهب إلى قوم قد غزوه في عقر (٢) داره بالمدينة وقتلوا أصحابه ، فيقاتلهم ، وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة واعتلوا بالشغل بأهاليهم وأموالهم وأنه ليس لهم من يقوم بأشغالهم. وقرئ : شغلتنا ، بالتشديد (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) تكذيب لهم في اعتذارهم. وأن الذي خلفهم ليس بما يقولون ، وإنما هو الشك في الله والنفاق ، وطلبهم للاستغفار أيضا ليس بصادر عن حقيقة (فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ) فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه (إِنْ أَرادَ بِكُمْ) ما يضركم من قتل أو هزيمة (أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً) من ظفر وغنيمة (٣) وقرئ : ضرا ، بالفتح والضم. الأهلون : جمع أهل. ويقال : أهلات ، على تقدير تاء التأنيث. كأرض وأرضات ، وقد جاء أهلة. وأمّا أهال ، فاسم جمع ، كليال.
(بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً)(١٢)
__________________
(١) أخرجه البيهقي في الدلائل من رواية آدم عن ورقاء. عن ابن نجيج عن مجاهد نحوه
(٢) قوله «قد غزوه في عقر داره» في المصباح : عقر الدار أصلها ، وهو محلة القوم. وأهل المدينة يقولون : عقر الدار ، بالضم. (ع)
(٣) قال محمود : «أى قتلا وهزيمة أو أراد بكم نفعا أى ظفرا وغنيمة» قال أحمد : لا تخلو الآية من الفن المعروف عند علماء البيان باللف ، وكان الأصل ـ والله أعلم ـ : فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا ، ومن يحرمكم النفع إن أراد بكم نفعا ، لأن مثل هذا النظم يستعمل في الضر ، وكذلك ورد في الكتاب العزيز مطردا ، كقوله (فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ). (وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ) ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في بعض الحديث «إنى لا أملك لكم شيئا» يخاطب عشيرته وأمثاله كثيرة ، وسر اختصاصه بدفع المضرة : أن الملك مضاف في هذه المواضع باللام ودفع المضرة نفع يضاف للمدفوع عنه ، وليس كذلك حرمان المنفعة ، فانه ضرر عائد عليه لا له ، فإذا ظهر ذلك فإنما انتظمت الآية على هذا الوجه ، لأن القسمين يشتركان في أن كل واحد منهما نفى لدفع المقدر من خير وشر ، فلما تقاربا أدرجهما في عبارة واحدة ، وخص عبارة دفع الضر ، لأنه هو المتوقع لهؤلاء ، إذ الآية في سياق التهديد أو الوعيد الشديد ، وهي نظير قوله (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً) فان العصمة إنما تكون من السوء لا من الرحمة. فهاتان الآيتان يرامان في التقرير الذي ذكرته ، والله أعلم.
وقرئ : إلى أهلهم. وزين ، على البناء للفاعل وهو الشيطان ، أو الله عز وجل ، وكلاهما جاء في القرآن (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) ، (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ) والبور : من بار ، كالهلك : من هلك ، بناء ومعنى ؛ ولذلك وصف به الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. ويجوز أن يكون جمع بائر كعائذ وعوذ. والمعنى : وكنتم قوما فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم. أو هالكين عند الله مستوجبين لسخطه وعقابه.
(وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً)(١٣)
(لِلْكافِرِينَ) مقام مقام لهم ، للإيذان بأنّ من لم يجمع بين الإيمانين الإيمان بالله وبرسوله فهو كافر ، ونكر (سَعِيراً) لأنها نار مخصوصة ، كما نكر (ناراً تَلَظَّى).
(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً)(١٤)
(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) يدبره تدبير قادر حكيم ، فيغفر ويعذب بمشيئته (١) ، ومشيئته تابعة لحكمته ، وحكمته المغفرة للتائب وتعذيب المصر (وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) رحمته سابقة لغضبه ، حيث يكفر السيئات باجتناب الكبائر ، ويغفر الكبائر بالتوبة.
(سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً)(١٥)
(سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ) الذين تخلفوا عن الحديبية (إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ) إلى غنائم خيبر (أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ) وقرئ كلم الله ، أن يغيروا موعد الله لأهل الحديبية ، وذلك أنه وعدهم أن يعوّضهم من مغانم مكة مغانم خيبر (٢) إذا قفلوا موادعين لا يصيبون منهم شيئا. وقيل :
__________________
(١) قال محمود : «يغفر ويعذب بمشيئته ... الخ» قال أحمد : قد تقدمت أمثالها ، والقول بأن موجب الحكمة ما ذكر تحكم. هذا وأدلة الشرع القاطعة تأتى على ما يعتقده فلا تبقى ولا تذر ، فكم من دليل على أن المغفرة لا تقف على التوبة ، وكم يروم إتباع القرآن للرأى الفاسد فيقيد مطلقا ويحجر واسعا ، والله الموفق.
(٢) قال محمود : «المراد بكلام الله وعده أهل الحديبية بغنائم خيبر عوضا عما يفوتهم من غنائم مكة ... الخ» قال أحمد : فالاضراب الأول إذا هو المعروف ، والثاني هو المستغرب المستعذب الذي ليس فيه مباينة بين الأول والثاني ، بل زيادة بينة ومبالغة متمكنة ، وإنما كان المنسوب إليهم ثانيا أشد من المنسوب إليهم أولا ، لأن الأول نسبة إلى جهل في شيء مخصوص ، وهو نسبتهم الحسد إلى المؤمنين ، والثاني يعتبر بجهل على الإطلاق. وقلة فهم على الاسترسال.
هو قوله تعالى (لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً). (تَحْسُدُونَنا) أن نصيب معكم من الغنائم. قرئ بضم السين وكسرها (لا يَفْقَهُونَ) لا يفهمون إلا فهما (قَلِيلاً) وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين ، كقوله تعالى (يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا) فإن قلت : ما الفرق بين حرفى الإضراب؟ قلت. الأوّل إضراب معناه : ردّ أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات الحسد. والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين ، إلى وصفهم مما هو أطم منه ، وهو الجهل وقلة الفقه.
(قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً) (١٦)
(قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ) هم الذين تخلفوا عن الحديبية (إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) يعنى بنى حنيفة قوم مسيلمة ، وأهل الردّة الذين حاربهم أبو بكر الصديق رضى الله عنه ؛ لأن مشركي العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف عند أبى حنيفة ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب. والمجوس تقبل منهم الجزية ، وعند الشافعي لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس دون مشركي العجم والعرب. وهذا دليل على إمامة أبى بكر الصديق رضى الله عنه ، فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن بعد وفاته. وكيف يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قوله تعالى (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا) وقيل : هم فارس والروم. ومعنى (يُسْلِمُونَ) ينقادون ، لأنّ الروم نصارى ، وفارس مجوس يقبل منهم إعطاء الجزية. فإن قلت : عن قتادة أنهم ثقيف وهوازن ، وكان ذلك في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت : إن صح ذلك فالمعنى : لن تخرجوا معى أبدا ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب والاضطراب في الدين. أو على قول مجاهد : كان الموعد أنهم لا يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم (كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ) يريد في غزوة الحديبية. أو يسلمون. معطوف على تقاتلونهم ، أى : يكون أحد الأمرين : إما المقاتلة ، أو الإسلام ، لا ثالث لهما. وفي قراءة أبىّ : أو يسلموا ، بمعنى : إلى أن يسلموا.
(لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ
يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً)(١٧)
نفى الحرج عن هؤلاء من ذوى العاهات في التخلف عن الغزو. وقرئ : ندخله ونعذبه ، بالنون.
(لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً)(١٩)
هي بيعة الرضوان ، سميت بهذه الآية ، وقصتها : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم حين نزل الحديبية بعث جوّاس (١) بن أمّية الخزاعي رسولا إلى أهل مكة ، فهموا به فمنعه الأحابيش ، فلما رجع دعا بعمر رضى الله عنه ليبعثه فقال : إنى أخافهم على نفسي ، لما عرف من عداوتي إياهم وما بمكة عدوىّ يمنعني ، ولكنى أدلك على رجل هو أعز بها منى وأحب إليهم : عثمان بن عفان فبعثه فخبرهم أنه لم يأت بحرب ، وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته ، فوقروه وقالوا : إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل ، فقال : ما كنت لأطوف قبل أن يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتبس عندهم ، فأرجف بأنهم قتلوه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا نبرح حتى نناجز القوم. ودعا الناس إلى البيعة فبايعوه تحت الشجرة وكانت سمرة. قال جابر ابن عبد الله : لو كنت أبصر لأريتكم مكانها (٢). وقيل : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في أصل الشجرة وعلى ظهره غصن من أغصانها. قال عبد الله بن المغفل : وكنت قائما
__________________
(١) «جواس» الذي في أبى السعود وفي الشهاب : خراش ، بالخاء والراء والشين اه ملخصا من هامش ، وكذا في النسفي والخازن. (ع)
(٢) أخرجه أحمد من رواية عروة عن المسور ومروان. قالا : «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت» فذكر الحديث مطولا. وفيه هذه القصة دون قصة جابر وروى الطبري من رواية عكرمة مولى ابن عباس قال «دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم جواس بن أمية الخزاعي فذكره ومن طريق أبى إسحاق حدثني عبد الله بن أبى بكر «بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قتل فقال : لا نبرح حتى نناجز القوم. ودعا الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة ، فكان الناس يقولون : بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت ، وجابر يقول : لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر ، إلى أن قال : وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل» وقوله وكانت سمرة. رواه مسلم من حديث جابر قال «فبايعناه وأخذ عمر بيده تحت الشجرة وكانت سمرة» وقول جابر : لو كنت أبصر الخ : متفق عليه من حديثه.
على رأسه وبيدي غصن من الشجرة أذب عنه ، فرفعت الغصن عن ظهره فبايعوه على الموت دونه ، وعلى أن لا يفروا ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أنتم اليوم خير أهل الأرض» (١) وكان عدد المبايعين ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين (٢) وقيل : ألفا وأربعمائة : وقيل : ألفا وثلاثمائة (فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ) من الإخلاص وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه (فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ) أى : الطمأنينة والأمن بسبب الصلح على قلوبهم (وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) وقرئ : وآتاهم ، وهو فتح خيبر غب انصرافهم من مكة. وعن الحسن : فتح هجر ، وهو أجلّ فتح : اتسعوا بثمرها زمانا (مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها) هي مغانم خيبر ، وكانت أرضا ذات عقار (٣) وأموال ، فقسمها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عليهم ، ثم أتاه عثمان بالصلح فصالحهم وانصرف بعد أن نحر بالحديبية وحلق.
(وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً)(٢٠)
(وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً) وهي ما يفيء على المؤمنين إلى يوم القيامة (فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ) المغانم يعنى مغانم خيبر (وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ) يعنى أيدى أهل خيبر وحلفاؤهم من أسد وغطفان حين جاءوا لنصرتهم ، فقذف الله في قلوبهم الرعب فنكصوا. وقيل : أيدى أهل مكة بالصلح (وَلِتَكُونَ) هذه الكفة (آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) وعبرة يعرفون بها أنهم من الله تعالى بمكان ،
__________________
(١) قوله «وقيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل الشجرة وعلى ظهره غصن من أغصانها. قال عبد الله بن مغفل : كنت قائما على رأسه وبيدي غصن من الشجرة أذب عنه ، فرفعت الغصن عن ظهره وبايعوه على الموت دونه ، وعلى أن لا يفروا ، فقال لهم : أنتم اليوم خير أهل الأرض «أخرجه النسائي من رواية ثابت عن عبد الله بن مغفل. قال «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة وعلى رأسه غصن إلى قوله عن ظهره». وفي حديث معقل بن يسار «لقد رأيتنى يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها ـ الحديث». وأما قوله «بايعوه ... الخ» فهو في حديث جابر.
(٢) أما الأولى فمتفق عليها من حديث سالم بن أبى الجعد عن جابر. دون قوله «وخمسا وعشرين» وأما الثانية ففي رواية عمرو بن مرة عن جابر في الصحيحين. وفي رواية أبى الزبير عنه ومسلم وعندهما عن قتادة. قلت : لسعيد ابن المسيب «لم كان عدد الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال : خمس عشرة مائة قال : قلت : فان جابرا قال : كانوا أربع عشرة مائه قال : رحمه الله لقد وهم ، هو والله حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة» قال البيهقي في الدلائل : كأن جابرا رجع عن رواية خمس عشرة. إلى ألف وأربعمائة. وكذلك قال البراء ومعقل بن يسار. وسلمة بن الأكوع. انتهى. والرواية الثالثة في الصحيحين من رواية عمرو بن مرة عن عبد الله بن أبى أوفى. قال «كان أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة وكان من أسلم من المهاجرين. قلت والرواية التي فيها ألفا وخمسمائة وخمسا وعشرين.
أخرجها ابن مردويه في تفسيره من حديث ابن عباس موقوفا. وفي عددهم أقوال غير هذه بسطنها في شرح البخاري
(٣) قوله «ذات عقار» في الصحاح «العقار» بالفتح : الأرض والضياع والنخل. (ع)
وأنه ضامن نصرهم والفتح عليهم. وقيل : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة في منامه ، ورؤيا الأنبياء صلوات الله عليهم وحى ، فتأخر ذلك إلى السنة القابلة ، فجعل فتح خيبر علامة وعنوانا لفتح مكة (وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً) ويزيدكم بصيرة ويقينا ، وثقة بفضل الله.
(وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً)(٢١)
(وَأُخْرى) معطوفة على هذه ، أى : فعجل لكم هذه المغانم ومغانم أخرى (لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها) وهي مغانم هوازن في غزوة حنين ، وقال : لم تقدروا عليها لما كان فيها من الجولة (قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها) أى قدر عليها واستولى وأظهركم عليها وغنمكموها. ويجوز في (أُخْرى) النصب بفعل مضمر ، يفسره (قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها) تقديره : وقضى الله أخرى قد أحاط بها. وأما (لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها) فصفة لأخرى ، والرفع على الابتداء لكونها موصوفة بلم تقدروا ، وقد أحاط الله بها : خبر المبتدإ ، والجرّ بإضمار رب. فإن قلت : قوله تعالى (وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) كيف موقعه؟ قلت : هو كلام معترض. ومعناه : ولتكون الكفة آية للمؤمنين فعل ذلك. ويجوز أن يكون المعنى : وعدكم المغانم ، فعجل هذه الغنيمة وكف الأعداء لينفعكم بها ، ولتكون آية للمؤمنين إذا وجدوا وعد الله بها صادقا ، لأنّ صدق الإخبار عن الغيوب معجزة وآية ، ويزيدكم بذلك هداية وإيقانا.
(وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً)(٢٣)
(وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) من أهل مكة ولم يصالحوا. وقيل : من حلفاء أهل خيبر لغلبوا وانهزموا (سُنَّةَ اللهِ) في موضع المصدر المؤكد ، أى : سن الله غلبة أنبيائه سنه ، وهو قوله تعالى (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي).
(وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً)(٢٤)
(أَيْدِيَهُمْ) أيدى أهل مكة ، أى : قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة بعد ما خولكم الظفر عليهم والغلبة ، وذلك يوم الفتح. وبه استشهد أبو حنيفة رحمه الله ، على أنّ مكة فتحت عنوة لا صلحا. وقيل : كان ذلك في غزوة الحديبية لما روى أنّ عكرمة بن أبى جهل خرج في خمسمائة ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من هزمه وأدخله حيطان (١) مكة. وعن ابن
__________________
(١) أخرجه الطبري عن شيخه محمد بن حميد عن يعقوب القمي عن جعفر هو ابن أبى المغيرة عن ابن أبزى.
عباس رضى الله عنه : أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت. وقرئ : تعملون ، بالتاء والياء.
(هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً)(٢٥)
وقرئ : والهدى ، والهدى : بتخفيف الياء وتشديدها ، وهو ما يهدى إلى الكعبة : بالنصب عطفا على الضمير المنصوب في صدّوكم. أى : صدّوكم وصدّوا الهدى وبالجر عطفا على المسجد الحرام. بمعنى : وصدّوكم عن نحر الهدى (مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) محبوسا عن أن يباع ، وبالرفع على : وصدّ الهدى. ومحله : مكانه الذي يحل فيه نحره ، أى يجب. وهذا دليل لأبى حنيفة على أن المحصر محل هديه الحرم. فإن قلت : فكيف حل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه وإنما نحر هديهم بالحديبية؟ قلت : بعض الحديبية من الحرم (١). وروى أن مضارب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في الحل ، ومصلاه في الحرم (٢). فإن قلت : فإذن قد نحر في الحرم ، فلم قيل : (مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ)؟ قلت : المراد المحل المعهود وهو منى (لَمْ تَعْلَمُوهُمْ) صفة الرجال والنساء جميعا. و (أَنْ تَطَؤُهُمْ) بدل اشتمال منهم أو من الضمير
__________________
ـ قال «لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالهدى وانتهي إلى ذى الحليفة : قال له نمر : يا نبى الله تدخل على حرب قوم حرب لك بغير سلاح ولا كراع. قال : فبعث إلى المدينة فلم يدع فيها كراعا ولا سلاحا إلا حمله. فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل فسار حتى أتى منى فنزل بها. فأتاه عتبة بن عكرمة بن أبى جهل ، قد خرج عليه في خمسمائة. فقال لخالد بن الوليد : يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل. فقال خالد : أنا سيف الله ورسوله فيومئذ سمى سيف الله ، يا رسول الله ارم بن أين شئت ، فبعثه على خيل ، فلقى عكرمة في الشعب ، فهزمه ، حتى أدخله حيطان مكة ـ الحديث» وأخرجه ابن أبى حاتم من هذا الوجه وفي صحته نظر ، لأن خالدا لم يكن أسلم في الحديبية وظاهر السياق أن هذه القصة كانت في الحديبية. فلو كانت في عمرة القضية لأمكن ، مع أن المشهور أنهم فيها لم يمانعوه ولم يقاتلوه.
(١) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر قال : «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا فحال كفار قريش بينه وبين البيت ، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية» وفيه من رواية المسور ومروان «أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : قوموا فانحروا ثم احلقوا» قال البخاري : والحديبية خارج الحرم.
(٢) أخرجه أحمد من رواية المسور ومروان. في أثناء الحديث الطويل. قال «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى في الحرم. وهو مضطرب في الحل»
المنصوب في تعلموهم. والمعرة : مفعلة ، من عره بمعنى عراه إذا دهاه (١) ما يكره ويشق عليه. و (بِغَيْرِ عِلْمٍ) متعلق بأن تطؤهم ، يعنى : أن تطئوهم غير عالمين بهم. والوطء والدوس : عبارة عن الإيقاع والإبادة. قال :
|
ووطئتنا وطأ على حنق |
|
وطأ المقيّد نابت الهرم (٢) |
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وأن آخر وطأة وطئها الله بوج» (٣) والمعنى: أنه كان بمكة قوم من المسلمين مختلطون بالمشركين غير متميزين منهم ولا معروفى الأماكن ؛ فقيل : ولو لا كراهة أن تهلكوا ناسا مؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم ، فتصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة : لما كف أيديكم عنهم ، وحذف جواب «لو لا» لدلالة الكلام عليه (٤). ويجوز أن يكون (لَوْ تَزَيَّلُوا) كالتكرير للولا رجال مؤمنون ، لمرجعهما إلى معنى واحد ، ويكون (لَعَذَّبْنَا) هو الجواب. فإن قلت : أى معرة تصيبهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون. قلت : يصيبهم وجوب الدية والكفارة ، وسوء قالة المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز ، والمأثم إذا جرى منهم بعض التقصير. فإن قلت : قوله تعالى (لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ) تعليل لما ذا؟ قلت : لما دلت عليه الآية وسيقت له :
__________________
(١) قوله «بمعنى عراه إذا دهاه» عبارة الصحاح بلفظها : هو يعر قومه : أى يدخل عليهم مكروها يلطخهم به.
والمعرة : الإثم. (ع)
|
(٢) ووطئتنا وطأ على حنق |
|
وطأ المقيد نابت الهرم |
|
وتركتنا لحما على وضم |
|
لو كنت تستبقى من اللحم |
للحرث بن وعلة الذهلي. والوطء : وضع القدم فوق الشيء بشدة. وهو كناية عن الإهلال. والحنق ـ كسبب ، الحقد والغيظ. والهرم ـ بالسكون ـ : ضرب من الحمض ترعاه الإبل ، وبعير هارم : يرعى الهرم. يقول : أتيتنا مرتفعا علينا بقوتك وشدة بطشك كوطء الجمل المقيد للهرم النابت : أى الحديث النبات. ويروى : يابس الهرم فيهلكه لعظمه وقوته ، مع رطوبة ذلك النبات وضعفه ، أو مع يبسه فيتفتت ، فجعله مقيدا لتكون بطشته قوية ، حيث يرفع رجليه معا ويضربها عند الوثوب. أو جعله مقيدا ، لأن الذليل إذا قدر لا يعفو. والوضم : خوان الجزار الذي يقطع عليه اللحم. و «لو» شرطية ، جوابها دل عليه قوله «تركتنا» أى : على فرض أنك تركت هنا بقية تركتنا كهذا اللحم الذي يهيأ للأكل. وفي التعبير بلو : دلالة على أنه لم يستبق منهم.
(٣) تقدم في آخر براءة.
(٤) قال محمود : «يجوز أن يكون جواب لو لا محذوفا ... الخ» قال أحمد : وإنما كان مرجعهما هاهنا واحدا وإن كانت لو لا تدل على امتناع لوجود ، و «لو» تدل على امتناع لامتناع ، وبين هذين تناف ظاهر ، لأن لو لا هاهنا دخلت على وجود ، ولو دخلت على قوله تزيلوا وهو راجع إلى عدم وجودهم وامتناع عدم الوجود وجود ، فآلا إلى أمر واحد من هذا الوجه. وكان جدي رحمه الله يختار هذا الوجه الثاني ويسميه تطرية ، وأكثر ما تكون إذا تطاول الكلام وبعد عهد أوله واحتيج إلى رد الآخر على الأول ، فمرة يطرى بلفظه ، ومرة بلفظ آخر يؤدى مؤداه. وقد تقدمت لها أمثال ، والله أعلم. وهو الموفق.
من كف الأيدى عن أهل مكة ، والمنع من قتلهم ، صونا لمن بين أظهرهم من المؤمنين ، كأنه قال : كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله في رحمته ، أى : في توفيقه لزيادة الخير والطاعة مؤمنيهم. أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم (لَوْ تَزَيَّلُوا) لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض : من زاله يزيله. وقرئ : لو تزايلوا.
(إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً)(٢٦)
(إِذْ) يجوز أن يعمل فيه ما قبله. أى : لعذبناهم أو صدوهم عن المسجد الحرام في ذلك الوقت ، وأن ينتصب بإضمار اذكر. والمراد بحمية الذين كفروا وسكينة المؤمنين ـ والحمية الأنفة والسكينة الوقار ـ ما روى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بالحديبية بعثت قريش سهيل بن عمرو القرشي وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص بن الأخيف ، على أن يعرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع من عامه ذلك على أن تخلى له قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام ، ففعل ذلك ، (١) وكتبوا بينهم كتابا ، فقال عليه الصلاة والسلام لعلى رضى الله عنه : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال سهيل وأصحابه : ما نعرف هذا ، ولكن اكتب : باسمك اللهم ، ثم قال : اكتب «هذا ما صالح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة» فقالوا : لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة ، فقال عليه الصلاة والسلام : اكتب ما يريدون ، فأنا أشهد أنى رسول الله وأنا محمد بن عبد الله ، فهمّ المسلمون أن يأبوا ذلك ويشمئزوا منه ، فأنزل الله على رسوله السكينة فتوقروا وحلموا. و (كَلِمَةَ التَّقْوى) بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله : قد اختارها الله لنبيه وللذين معه أهل الخير ومستحقيه ومن هم أولى بالهداية من غيرهم. وقيل : هي كلمة الشهادة. وعن الحسن رضى الله عنه : كلمة التقوى هي الوفاء بالعهد. ومعنى إضافتها إلى التقوى : أنها سبب التقوى وأساسها. وقيل : كلمة أهل التقوى. وفي مصحف الحرث بن سويد صاحب عبد الله : وكانوا أهلها وأحق بها ، وهو الذي دفن مصحفه أيام الحجاج.
__________________
(١) أخرجه البيهقي في الدلائل من رواية عروة في قصة الحديبية. وفيه ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو الخ مطولا. والقصة في الصحيح من رواية البراء بن عازب ومن رواية مروان والمسور. وفي النسائي مختصرة من رواية ثابت اليماني عن عبد الله بن مغفل.
(لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً)(٢٧)
رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا وقصروا ، فقصّ الرؤيا على أصحابه ، ففرحوا واستبشروا وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم ، وقالوا : إن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق ، فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبىّ وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن الحرث : والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام (١) فنزلت. ومعنى (صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا) صدقه في رؤياه ولم يكذبه ـ تعالى الله عن الكذب وعن كل قبيح علوا كبيرا ـ فحذف الجارّ وأوصل الفعل ، كقوله تعالى : صدقوا ما عاهدوا الله عليه. فإن قلت : بم تعلق (بِالْحَقِ)؟ قلت : إمّا بصدق ، أى : صدقه فيما رأى ، وفي كونه وحصوله صدقا ملتبسا بالحق : أى بالغرض الصحيح والحكمة البالغة ، وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن المخلص ، وبين من في قلبه مرض. ويجوز أن يتعلق بالرؤيا حالا منها أى : صدقه الرؤيا ملتبسا (٢) بالحق ، على معنى أنها لم تكن من أضغاث الأحلام. ويجوز أن يكون (بِالْحَقِ) قسما : إمّا بالحق الذي هو نقيض الباطل. أو بالحق الذي هو من أسمائه. و (لَتَدْخُلُنَ) جوابه. وعلى الأوّل هو جواب قسم محذوف. فإن قلت : ما وجه دخول (إِنْ شاءَ اللهُ) في أخبار الله عز وجل؟ قلت : فيه وجوه : أن يعلق عدته بالمشيئة تعليما لعباده أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك ، متأدّبين بأدب الله ، ومقتدين بسنته ، وأن يريد : لتدخلنّ جميعا إن شاء الله ولم يمت منكم أحدا ، أو كان ذلك على لسان ملك ، فأدخل الملك إن شاء الله. أو هي حكاية ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقصّ عليهم. وقيل : هو متعلق بآمنين (فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا) من الحكمة والصواب في تأخير فتح مكة إلى العام القابل (فَجَعَلَ مِنْ
__________________
(١) لم أجده هكذا مفسرا وروى الطبري من روآية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ـ) الآية فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «إنى قد رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رؤسكم ومقصرين. فلما ترك الحديبية ولم يدخل ذلك العام طعن المنافقون في ذلك. فقالوا : أين رؤياه ، فقال الله (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا ـ) الآية وروى الطبري من طريق ابن أبى نجيح عن مجاهد قال «أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية أنه يدخل في أهل مكة هو وأصحابه محلقين فلما نحر الهدى وهو بالحديبية قال أصحابه : أين رؤياك يا رسول الله؟ فنزلت» وبه قال وقوله (فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً) قال : النحر بالحديبية ، فرجعوا ففتحوا خيبرا. وقال : ثم اعتمر بعد ذلك فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة».
(٢) قوله «أى صدقه الرؤيا ملتبسا» لعله : ملتبسة. (ع)
دُونِ ذلِكَ) أى من دون فتح مكة (فَتْحاً قَرِيباً) وهو فتح خيبر ، لتستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود.
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً)(٢٨)
(بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِ) بدين الإسلام (لِيُظْهِرَهُ) ليعليه (عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) على جنس الدين كله ، يريد : الأديان المختلفة من أديان المشركين والجاحدين من أهل الكتاب : ولقد حقق ذلك سبحانه ، فإنك لا ترى دينا قط إلا وللإسلام دونه العز والغلبة. وقيل : هو عند نزول عيسى حين لا يبقى على وجه الأرض كافر. وقيل : هو إظهاره بالحجج والآيات. وفي هذه الآية تأكيد لما وعد من الفتح وتوطين لنفوس المؤمنين على أنّ الله تعالى سيفتح لهم من البلاد ويقيض لهم من الغلبة على الأقاليم ما يستقلون إليه فتح مكة (وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً) على أنّ ما وعده كائن. وعن الحسن رضى الله عنه : شهد على نفسه أنه سيظهر دينك (١)
(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)(٢٩)
(مُحَمَّدٌ) إما خبر مبتدإ ، أى : هو محمد لتقدّم قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ) وإما مبتدأ ، ورسول الله : عطف بيان. وعن ابن عامر أنه قرأ : رسول الله ، بالنصب على المدح (وَالَّذِينَ مَعَهُ) أصحابه (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) جمع شديد ورحيم. ونحوه (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ) ، (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ). (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) وعن الحسن رضى الله عنه : بلغ من تشدّدهم على الكفار : أنهم كانوا يتحرّزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم ، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم ، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه ، والمصافحة لم تختلف فيها الفقهاء. وأما المعانقة فقد كرهها أبو حنيفة رحمه الله ، وكذلك
__________________
(١) قوله «إنه سيظهر دينك» لعله : دينه ، كعبارة النسفي. (ع)
التقبيل. قال لا أحب أن يقبل الرجل من الرجل وجهه ولا يده ولا شيئا من جسده. وقد رخص أبو يوسف في المعانقة. ومن حق المسلمين في كل زمان أن يراعوا هذا التشدّد وهذا التعطف : فيتشدّدوا على من ليس على ملتهم ودينهم ويتحاموه ، ويعاشروا إخوتهم في الإسلام متعطفين بالبر والصلة. وكف الأذى ، والمعونة ، والاحتمال ، والأخلاق السجيحة (١). ووجه من قرأ : أشداء ، ورحماء ـ بالنصب ـ : أن ينصبهما على المدح ، أو على الحال بالمقدّر في (مَعَهُ) ، ويجعل (تَراهُمْ) الخبر (سِيماهُمْ) علامتهم. وقرئ سيماؤهم ، وفيها ثلاث لغات : هاتان. والسيمياء ، والمراد بها السمة التي تحدث في جبهة السجاد من كثرة السجود ، وقوله تعالى (مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) يفسرها ، أى : من التأثير الذي يؤثره السجود ، وكان كل من العليين : علىّ بن الحسين زين العابدين ، وعلىّ بن عبد الله بن عباس أبى الأملاك ، يقال له : ذو الثفنات ، لأنّ كثرة سجودهما أحدثت في مواقعه منهما أشباه ثفنات (٢) البعير. وقرئ : من أثر السجود ، ومن آثار السجود ، وكذا عن سعيد ابن جبير : هي السمة في الوجه. فإن قلت : فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم «لا تعلبوا (٣) صوركم (٤)» وعن ابن عمر رضى الله عنه أنه رأى رجلا قد أثر في وجهه السجود فقال : إن صورة وجهك أنفك ، فلا تعلب وجهك ، ولا تشن صورتك (٥). قلت : ذلك إذا اعتمد بجبهته على الأرض لتحدث فيه تلك السمة. وذلك رياء ونفاق يستعاذ بالله منه ، ونحن فيما حدث في جبهة السجاد الذي لا يسجد إلا خالصا لوجه الله تعالى. وعن بعض المتقدّمين : كنا نصلى فلا يرى بين أعيننا شيء ، ونرى أحدنا الآن يصلى فيرى بين عينيه ركبة البعير ، فما ندرى أثقلت الأرؤس أم خشنت الأرض وإنما أراد بذلك من تعمد ذلك للنفاق. وقيل : هو صفرة الوجه من خشية الله. وعن الضحاك : ليس بالندب (٦) في الوجوه ، ولكنه صفرة. وعن سعيد بن المسيب : ندى الطهور وتراب الأرض. وعن عطاء رحمه الله : استنارت وجوههم من طول
__________________
(١) قوله «والأخلاق السجبحة» أى السهلة. أفاده الصحاح. (ع)
(٢) قوله «ثفنات البعير» في الصحاح : هي ما يقع على الأرض من أعضائه إذا استناخ. (ع)
(٣) قوله «لا تعلبوا صوركم» في الصحاح : علبته أعلبه ـ بالضم ـ : إذا وسمته أو خدشته ، أو أثرت فيه. (ع)
(٤) لم أجده مرفوعا وهو في الذي بعده موقوف.
(٥) أخرجه عبد الرزاق عن الثوري. عن الأعمش عن حبيب عن أبى الثعثاء. عن ابن عمر «أنه رأى رجلا ينتحز إذا سجد فقال : لا تقلب صورتك» يقول لا تؤثرها. قلت : ما تقلب صورتك؟ قال : لا تغير لا تشن» ورواه إبراهيم الحربي من رواية أبى معاوية عن الأعمش عن حبيب عن عطاء عن عمر «أنه رأى رجلا قد أثر السجود بوجهه فقال : لا تقلب صورتك. ثم قال : قلبت الشيء إذا أثرت فيه.
(٦) قوله «ليس بالندب في الوجوه» في الصحاح «الندب» : أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد. (ع)
ما صلوا بالليل ، كقوله «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» (١) (ذلِكَ) الوصف (مَثَلُهُمْ) أى وصفهم العجيب الشأن في الكتابين جميعا ، ثم ابتدأ فقال (كَزَرْعٍ) يريد : هم كزرع. وقيل : تم الكلام عند قوله (ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ) ثم ابتدئ (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ) ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ) كقوله تعالى (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ). وقرئ : الإنجيل ، بفتح الهمزة (شَطْأَهُ) فراخه. يقال : أشطا الزرع إذا فرخ. وقرئ : شطأه ، بفتح الطاء. وشطأه ، بتخفيف الهمزة : وشطاءه ، بالمدّ. وشطه ، بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى ما قبلها. وشطوه ، بقلبها واوا (فَآزَرَهُ) من المؤازرة وهي المعاونة. وعن الأخفش : أنه أفعل. وقرئ : فأزره بالتخفيف والتشديد ، أى : فشدّ أزره وقوّاه. ومن جعل آزر أفعل ، فهو في معنى القراءتين (فَاسْتَغْلَظَ) فصار من الدقة إلى الغلظ (فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ) فاستقام على قصبه جمع ساق. وقيل : مكتوب في الإنجيل سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وعن عكرمة : أخرج شطأه بأبى بكر ، فآزره بعمر ، فاستغلظ بعثمان ، فاستوى على سوقه بعلىّ. وهذا مثل ضربه الله لبدء أمر الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوى واستحكم ، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم ، قام وحده. ثم قوّاه الله بمن آمن معه كما يقوى الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها حتى يعجب الزرّاع. فإن قلت : قوله (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) تعليل لما ذا؟ قلت : لما دل عليه تشبيههم بالزرع من نمائهم وترقيهم في الزيادة والقوّة ، ويجوز أن يعلل به (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا) لأنّ الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك. ومعنى (مِنْهُمْ) البيان ، كقوله تعالى (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ).
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «من قرأ سورة الفتح فكأنما كان ممن شهد مع محمد فتح مكة» (٢).
__________________
(١) أخرجه ابن ماجة عن إسماعيل الطلحي عن ثابت بن موسى عن شريك عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر مرفوعا بهذا واتفق أئمة الحديث وابن عدى والدارقطني والعقيلي وابن حبان والحاكم على أنه من قول شريك قاله لثابت لما دخل. وقال ابن عدى سرقه جماعة من ثابت كعبد الله بن شبرمة الشريكى وعبد الحميد بن بحر وغيرهما وأورده صاحب مسند الشهاب من رواية عبد الرزاق عن الثوري وابن جريج عن أبى الزبير عن جابر وهو موضوع على هذا الاسناد. وكذا من رواية الحسين بن حفص عن الثوري عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر والأمر فيه كذلك. ومن طرق أخرى واهية. قال ابن طاهر : ظن القضاعي أن الحديث صحيح ، لكثرة طرقه. وهو معذور لأنه لم يكن حافظا. وله طرق أخرى من غير رواية جابر أخرجه ابن جميع في معجمه من حديث أنس وابن الجوزي من وجه آخر عنه وهو باطل أيضا من الوجهين.
(٢) أخرجه ابن مردويه والواحدي بالإسناد إلى أبى بن كعب.
سورة الحجرات
مدنية ، وآياتها ١٨ [نزلت بعد المجادلة]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(١)
قدّمه وأقدمه : منقولان بتثقيل الحشو والهمزة ، من قدمه إذا تقدّمه (١) في قوله تعالى (يَقْدُمُ قَوْمَهُ) ونظيرهما معنى ونقلا : سلفه وأسلفه. وفي قوله تعالى (لا تُقَدِّمُوا) من غير ذكر مفعول : وجهان ، أحدهما : أن يحذف ليتناول كل ما يقع في النفس مما يقدّم. والثاني : أن لا يقصد قصد (٢) مفعول ولا حذفه ، ويتوجه بالنهى إلى نفس التقدمة ، كأنه قيل : لا تقدموا على التلبس بهذا الفعل ، ولا تجعلوه منكم بسبيل (٣) ، كقوله تعالى (هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) ويجوز أن يكون من قدّم بمعنى تقدّم ، كوجه وبين. ومنه مقدّمة الجيش خلاف ساقته ، وهي الجماعة المتقدّمة منه. وتعضده قراءة من قرأ : لا تقدموا ، بحذف إحدى تاءى تتقدموا ، إلا أن الأوّل أملأ بالحسن وأوجه ، وأشدّ ملاءمة لبلاغة القرآن ، والعلماء له أقبل. وقرئ : لا تقدموا من القدوم ، أى لا تقدموا إلى أمر من أمور الدين قبل قدومها ، ولا تعجلوا عليهما. وحقيقة قولهم : جلست بين يدي فلان ، أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريبا منه ،
__________________
(١) قوله «إذا تقدمه في قوله تعالى» لعله كما في قوله تعالى. (ع)
(٢) قوله «أن لا يقصد قصد ... الخ» عبارة النسفي : أن لا يقصد مفعول. والتهجي متوجه إلى نفس التقدمة. (ع)
(٣) ذكر الزمخشري من النكت : «أنه تعالى ابتدأ السورة بإيجاب أن يكون الأمر الذي ينتهى إلى الله ورسوله متقدما على الأمور كلها من غير تقييد ولا تخصيص» قال أحمد : يريد أنه لم يذكر المفعول الذي يتقاضاه تقدموا ، باطراح ذلك المفعول كقوله (يُحْيِي وَيُمِيتُ) وحلى الكلام بمجاز التمثيل في قوله (بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ) بفائدة ليست في الكلام العريان ، وهو تصور الهجنة والشناعة فيما نهوا عنه من الاقدام على أمر دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة ، وجعل صورة ذلك المنهي عنه مثل أن يجلس العبد في الجهتين المسامتتين ليمين سيده ويساره ويوليه دبره ، ومعناه : أن لا تقدموا على أمر حتى يأذن الله ورسوله فيه فتكونوا مقتدين فيما تأتون وتذرون بكتاب الله وسنة نبيه.
فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع للقرب منهما توسعا ، كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره وداناه في غير موضع ، وقد جرت هذه العبارة هاهنا على سنن ضرب من المجاز ، وهو الذي يسميه أهل البيان تمثيلا. ولجريها هكذا فائدة جليلة ليست في الكلام العريان : وهي تصوير الهجنة والشناعة فيما نهوا عنه من الإقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة : والمعنى : أن لا تقطعوا أمرا إلا بعد ما يحكمان به ويأذنان فيه ، فتكونوا إما عاملين بالوحي المنزل ، وإما مقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم. وعليه يدور تفسير ابن عباس رضى الله عنه. وعن مجاهد : لا تفتاتوا على الله شيئا حتى يقصه (١) على لسان رسوله. ويجوز أن يجرى مجرى قولك : سرني زيد وحسن حاله ، وأعجبت بعمرو وكرمه. وفائدة هذا الأسلوب : الدلالة على قوّة الاختصاص ، ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله بالمكان الذي لا يخفى : سلك به ذلك المسلك. وفي هذا تمهيد وتوطئة لما نقم منهم فيما يتلوه من رفع أصواتهم فوق صوته : لأنّ من أحظاه الله بهذه الأثرة واختصه هذا الاختصاص القوى : كان أدنى ما يجب له من التهيب والإجلال أن يخفض بين يديه الصوت ، ويخافت لديه بالكلام. وقيل : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تهامة سرية سبعة وعشرين رجلا وعليهم المنذر بن عمرو الساعدي ، فقتلهم بنو عامر وعليهم عامر بن الطفيل ، إلا ثلاثة نفر نجوا فلقوا رجلين من بنى سليم قرب المدينة ، فاعتزيا لهم إلى بنى عامر ، لأنهم أعز من بنى سليم ، فقتلوهما وسلبوهما ، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «بئسما صنعتم كانا من سليم ، والسلب ما كسوتهما» فوداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم (٢) ونزلت ، أى : لا تعملوا شيئا من ذات أنفسكم حتى تستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن مسروق : دخلت على عائشة في اليوم الذي يشك فيه ، فقالت للجارية : اسقه عسلا ، فقلت : إنى صائم ، فقالت : قد نهى الله عن صوم هذا اليوم (٣). وفيه نزلت. وعن الحسن أنّ أناسا ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة فنزلت ، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا ذبحا (٤) آخر. وهذا مذهب أبى حنيفة رحمه
__________________
(١) قوله «حتى يقصه على لسان رسوله» لعله : يقضيه. (ع)
(٢) أخرجه البيهقي في الشعب في الخامس عشر من طريق مقاتل بن حيان قال «بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية واستعمل عليهم المنذر بن عمرو ـ فذكر قصة بئر معونة مطولا. وفيه هذا اللفظ. ورو : الدلائل من طريق ابن إسحاق ، ومن طريق موسى بن عقبة : هذه القصة على غير هذا السياق وأن المقتولين بنى كلاب ، وأن الثلاثة قتل منهم واحد. وهو المحفوظ والمشهور في المغازي
(٣) هكذا ذكره الثعلبي بغير سند. وذكره الدارقطني من رواية مالك بن حمزة بضم المهملة والراء. عن مسروق قال «دخلت على عائشة رضى الله عنها في اليوم الذي يشك فيه أنه يوم عرفة» ... الحديث
(٤) أخرجه عبد الرزاق. حدثنا معمر عن الحسن في قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ
الله ، إلا أن تزول الشمس. وعند الشافعي : يجوز الذبح إذا مضى من الوقت مقدار الصلاة. وعن الحسن أيضا : لما استقرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أتته الوفود من الآفاق فأكثروا عليه بالمسائل ، فنهوا أن يبتدؤه بالمسئلة حتى يكون هو المبتدئ (١). وعن قتادة : ذكر لنا أنّ ناسا كانوا يقولون : لو أنزل فيه كذا لكان كذا ، فكره الله ذلك منهم وأنزلها. وقيل : هي عامة في كل قول وفعل : ويدخل فيه أنه إذا جرت مسألة في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسبقوه بالجواب ، وأن لا يمشى بين يديه إلا لحاجة ، وأن يستأنى (٢) في الافتتاح بالطعام (وَاتَّقُوا اللهَ) فإنكم إن اتقيتموه عاقتكم التقوى عن التقدمة المنهي عنها وعن جميع ما تقتضي مراقبة الله تجنبه ، فإن التقىّ حذر لا يشافه أمرا (٣) إلا عن ارتفاع الريب وانجلاء الشك في أن لا تبعة عليه فيه ، وهذا كما تقول لمن يقارف بعض الرذائل : لا تفعل هذا وتحفظ مما يلصق بك العار ، فتنهاه أوّلا عن عين ما قارفه ، ثم تعم وتشيع وتأمره بما لو امتثل فيه أمرك لم يرتكب تلك الفعلة وكل ما يضرب في طريقها ويتعلق بسببها (إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ) لما تقولون (عَلِيمٌ) بما تعملون ، وحق مثله أن يتقى ويراقب.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)(٢)
إعادة النداء عليهم : استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد ، وتطرية الإنصات لكل حكم نازل ، وتحريك منهم لئلا يفتروا ويغفلوا عن تأملهم وما أخذوا به عند حضور مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأدب الذي المحافظة عليه تعود عليهم بعظيم الجدوى في دينهم ، وذلك لأنّ في إعظام صاحب الشرع إعظام ما ورد به ، ومستعظم الحق لا يدعه استعظامه أن يألو عملا بما يحدوه (٤) عليه ، وارتداعا عما يصده عنه ، وانتهاء إلى كل خير ، والمراد بقوله (لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ) أنه إذا نطق ونطقتم فعليكم أن
__________________
ـ اللهِ وَرَسُولِهِ) قال : هم قوم ذبحوا قبل أن يصلى النبي صلى الله عليه وسلم. فأمرهم أن يعيدوا الذبح» وأخرجه الطبري من رواية سعيد عن قتادة. قال «ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون : لو أنزل كذا ، لو صنع كذا ، لو قبل كذا» قال : وقال الحسن هم أناس ، فذكره.
(١) لم أجده.
(٢) قوله «وأن يستأنى في الافتتاح» أى : ينتظر. أفاده الصحاح. (ع)
(٣) قوله «لا يشافه أمرا» أى : لا يتشاغل بأمر ، وفي الصحاح : «الشفه» : الشغل ، يقال : شفهنى عن كذا ، أى : شغلني. (ع)
(٤) قوله «بما يحدوه عليه» أى : يحضه. (ع)
لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحدّ الذي يبلغه بصوته ، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليا لكلامكم ، وجهره باهرا لجهركم ، حتى تكون مزيته عليكم لائحة ، وسابقته واضحة ، وامتيازه عن جمهوركم كشية الأبلق (١) غير خاف ، لا أن تغمروا صوته بلغطكم وتبهروا منطقه بصخبكم. وبقوله : ولا تجهروا له بالقول : إنكم إذا كلمتموه وهو صامت فإياكم والعدول عما نهيتم عنه من رفع الصوت ، بل عليكم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم ، وأن تتعمدوا في مخاطبته القول اللين المقرّب من الهمس الذي يضادّ الجهر ، كما تكون مخاطبة المهيب المعظم ، عاملين بقوله عز اسمه (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ) وقيل معنى (وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) لا تقولوا له : يا محمد ، يا أحمد ، وخاطبوه بالنبوّة. قال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر رضى الله عنه : يا رسول الله ، والله لا أكلمك إلا السرار أو أخا السرار حتى ألقى الله ، (٢) وعن عمر رضى الله عنه : انه كان يكلم النبي صلى الله عليه وسلم كأخى السرار لا يسمعه حتى يستفهمه (٣) ، وكان أبو بكر إذا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد : أرسل إليهم من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم بالسكينة والوقار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، (٤) وليس الغرض برفع الصوت ولا الجهر : ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة ، لأنّ ذلك كفر ، والمخاطبون مؤمنون ، وإنما الغرض صوت هو في نفسه والمسموع من جرسه غير مناسب لما يهاب به العظماء ويوقر الكبراء ، فيتكلف الغض منه ، وردّه إلى حدّ يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزير والتوقير ، ولم يتناول النهى أيضا رفع الصوت الذي لا يتأذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدوّ أو ما أشبه ذلك ، ففي الحديث : أنه قال عليه الصلاة والسلام للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين :
__________________
(١) قوله «كشية الأبلق» في الصحاح «الشية» : لون يخالف معظم لون الفرس وغيره. وفيه أيضا : اللغط الصوت والجلبة. وفيه الصخب : الصياح والجلبة. (ع)
(٢) ذكره الواحدي عن عطاء عن ابن عباس. ولم يسق سنده إليه. وأخرجه البزار وابن مردويه من طريق طارق بن شهاب عن أبى بكر. قال لما نزل (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ) قلت : يا رسول الله آليت ألا أكلمك إلا كأخى السرار حتى ألقى الله» وأخرجه الحاكم والبيهقي في المدخل من حديث أبى هريرة. قال «لما نزلت (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ ـ) الآية قال أبو بكر. والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخى السرار حتى ألقى الله عز وجل «وقال صحيح على شرط مسلم
(٣) أخرجه البخاري من حديث أبى الزبير. قال «لما نزلت (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ـ) الآية كان عمر بعد ذلك إذا حدث النبي صلى الله عليه وسلم حدثه كأخى السرار. لم يسمعه حتى يستفهمه.
(٤) لم أجده
«اصرخ بالناس (١)» وكان العباس أجهر الناس صوتا (٢). يروى : أنّ غارة أتتهم يوما فصاح العباس يا صباحاه ، فأسقطت الحوامل لشدّة صوته (٣). وفيه يقول نابغة بنى جعدة :
|
زجر أبى عروة السّباع إذا |
|
أشفق أن يختلطن بالغنم (٤) |
زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيفتق مرارة السبع في جوفه (٥). وفي قراءة ابن مسعود : لا ترفعوا بأصواتكم والباء مزيدة محذوّ بها حذو التشديد في قول الأعلم الهذلي :
|
رفعت عينى بالحجا |
|
ز إلى أناس بالمناقب (٦) |
وليس المعنى في هذه القراءة أنهم نهوا عن الرفع الشديد ، تخيلا أن يكون ما دون الشديد مسوغا لهم ، ولكن المعنى نهيهم عما كانوا عليه من الجلبة ، واستجفاؤهم فيما كانوا يفعلون. وعن ابن عباس : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس ، وكان في أذنه وقر ، وكان جهوري الصوت ، فكان إذا تكلم رفع صوته ، وربما كان يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتأذى بصوته (٧). وعن أنس أن هذه الآية لما نزلت : فقد ثابت ، فتفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر بشأنه ، فدعاه ، فسأله فقال : يا رسول الله ، لقد أنزلت إليك هذه الآية ، وإنى رجل جهير الصوت. فأخاف أن يكون عملى قد حبط ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لست هناك ، إنك تعيش بخير وتموت بخير ، وإنك من أهل الجنة (٨) .. وأمّا ما يروى عن الحسن : أنها نزلت فيمن كان يرفع صوته من المنافقين فوق صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمحمله والخطاب للمؤمنين : على أن ينهى المؤمنون ليندرج المنافقون تحت النهى ، ليكون الأمر أغلظ عليهم وأشق. وقيل : كان المنافقون يرفعون أصواتهم ليظهروا قلة مبالاتهم ، فيقتدى بهم ضعفة المسلمين. وكاف التشبيه في محل النصب ،
__________________
(١) لم أجده ، وقد تقدم أن ذلك كان يوم حنين ، والعباس لم يشهد أحدا.
(٢) لم أجده
(٣) لم أجده
(٤) تقدم شرح هذا الشاهد بهذا الجزء صفحة ٣٨ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٥) لم أجده
(٦) للأعلم الهذلي ، يقول : نظرت وأنا في الحجاز إلى من في المناقب. وهذان الموضعان بينهما مسافة بعيدة ، وهذا من شدة الشوق إلى من في المناقب.
(٧) لم أجده
(٨) متفق عليه من حديث أنس دون قوله «لست هناك ، وزاد أحمد والطبراني فيه : فقال أنس : فكنا نراه يمشى بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة».
أى : لا تجهروا له جهرا مثل جهر بعضكم لبعض. وفي هذا : أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقا ، حتى لا يسوغ لهم أن يكلموه إلا بالهمس والمخافتة ، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة ، أعنى : الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم ، وهو الخلو من مراعاة أبهة النبوّة وجلالة مقدارها ، وانحطاط سائر الرتب وإن جلت عن رتبتها (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ) منصوب الموضع ، على أنه مفعول له ، وفي متعلقه وجهان ، أحدهما : أن يتعلق بمعنى النهى ، فيكون المعنى : انتهوا عما نهيتم عنه لحبوط أعمالكم ، أى : لخشية حبوطها على تقدير حذف المضاف ، كقوله تعالى (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) والثاني : أن يتعلق بنفس الفعل ، ويكون المعنى : أنهم نهوا عن الفعل الذي فعلوه لأجل الحبوط ، لأنه لما كان بصدد الأداء إلى الحبوط : جعل كأنه فعل لأجله ، وكأنه العلة والسبب في إيجاده على سبيل التمثيل ، كقوله تعالى (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا). فإن قلت : لخص الفرق بين الوجهين. قلت : تلخيصه أن يقدر الفعل في الثاني مضموما إليه المفعول له ، كأنهما شيء واحد (١) ، ثم يصب النهى عليهما جميعا صبا. وفي الأوّل يقدر النهى
__________________
(١) قال محمود : «إنه مفعول له ومتعلقه إما معنى النهى ، كأنه قال : انتهوا كراهية حبوط أعمالكم على حذف مضاف ، كقوله (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) وأما نفس الفعل فهو المنهي عنه ، على معنى تنزيل صيرورة الجهر المنهي عنه إلى الحبوط. منزلة جعل الحبوط علة في الجهر على التمثيل ، من وادى (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً) قال : وتلخيص الفرق بينهما أنه على الثاني يقدر انضمام المفعول من أجله إلى الفعل الأول ... الخ» قال أحمد : هو يحوم على شرعة وبيئة إياك. ورودها : وذلك أنه يعتقد أن ما دون الكفر ولو كبيرة واحدة تحبط العمل وتوجب الخلود في العذاب المقيم ، وتخرج المؤمن من اسم الايمان ورسمه ، ومعاذ الله من هذا المعتقد ، فعليك بعقيدة أهل السنة الممهدة في مواضع من هذا المجموع ، فجدد العهد بها : وهي اعتقاد أن المؤمن لا يخلد في النار ، وأن الجنة له بوعد الله حتم ولو كانت خطاياه ما دون الشرك أو ما يؤدى إليه كزبد البحر ، وأنه لا تحبط حسنة سيئة طارئة كائنة ما كانت سوى الشرك. والزمخشري اغتنم الفرصة في ظاهر هذه الآية فنزلها على معتقده ووجه ظهورها فيما يدعيه : أن رفع الصوت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم معصية لا تبلغ الشرك ، وقد أخاف الله عباده من إحباطه الأعمال بها ، ولو كان الإحباط مقطوعا بنفيه : لم تستقم الاخافة به ، وأنى له أن يبلغ من ذلك آماله ، ونظم الكلام يأباه عنده البصر بمعناه ، فنقول : المراد في الآية النهى عن رفع الصوت على الإطلاق ، ومعلوم أن حكم النهي : الحذر مما يتوقع في ذلك من إيذاء النبي عليه السلام ، والقاعدة المختارة أن إيذاءه عليه الصلاة والسلام يبلغ مبلغ الكفر المحبط للعمل باتفاق ، فورد النهى عما هو مظنة لأذى النبي عليه الصلاة والسلام سواء وجد هذا المعنى أولا ، حماية للذريعة وحسما للمادة ، ثم لما كان هذا المنهي عنه وهو رفع الصوت منقسما إلى ما يبلغ ذلك المبلغ أولا ، ولا دليل يميز أحد القسمين عن الآخر : لزم المكلف أن يكف عن ذلك مطلقا ، وخوف أن يقع فيهما هو محبط للعمل ، وهو البالغ حد الإيذاء ، إذ لا دليل ظاهر يميزه ، وإن كان فلا يتفق تمييزه في كثير من الأحيان ، وإلى التباس أحد القسمين بالآخر وقعت الاشارة بقوله (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) وإلا فلو كان الأمر على ما يعتقده الزمخشري : لم يكن لقوله (وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) موقع ، إذ الأمر بين أن يكون رفع الصوت مؤذيا فيكون كفرا محبطا قطعا ، وبين أن يكون غير مؤذ فيكون كبيرة محبطة ، على رأيه قطعا ، فعلى كلا حاليه الإحباط به محقق ، إذا فلا موقع لادعام الكلام بعدم الشعور ، مع أن الإحباط ثابت مطلقا ، والله أعلم وهذا التقرير الذي ذكرته يدور على مقدمتين كلتا هما صحيحة
موجها على الفعل على حياله ، ثم يعلل له منهيا عنه. فإن قلت : بأى النهيين تعلق المفعول له؟ قلت : بالثاني عند البصريين ، مقدرا إضماره عند الأوّل ، كقوله تعالى (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) وبالعكس عند الكوفيين ، وأيهما كان فمرجع المعنى إلى أنّ الرفع والجهر كلاهما منصوص أداؤه إلى حبوط العمل : وقراءة ابن مسعود : فتحبط أعمالكم ، أظهر نصا بذلك ، لأنّ ما بعد الفاء لا يكون إلا مسببا عما قبله ، فيتنزل الحبوط من الجهر منزلة الحلول من الطغيان في قوله تعالى (فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) والحبوط من حبطت الإبل : إذا أكلت الخضر فنفخ بطونها ، وربما هلكت. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام «وإن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطا أو يلم» (١) ومن أخواته : حبجت الإبل ، إذا أكلت العرفج (٢) فأصابها ذلك. وأحبض عمله : مثل أحبطه. وحبط الجرح وحبر : إذا غفر ، وهو نكسه وتراميه إلى الفساد : جعل العمل السيئ في إضراره بالعمل الصالح كالداء والحرض (٣) لمن يصاب به ، أعاذنا الله من حبط الأعمال وخيبة الآمال. وقد دلت الآية على أمرين هائلين ، أحدهما : أن فيما يرتكب من يؤمن من الآثام ما يحبط عمله. والثاني : أن في آثامه ما لا يدرى أنه محبط ، ولعله عند الله كذلك ، فعلى المؤمن أن يكون في تقواه كالماشى في طريق شائك لا يزال يحترز ويتوقى ويتحفظ.
(إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ)(٣)
(امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى) من قولك : امتحن فلان لأمر كذا وجرب له ، ودرب للنهوض به. فهو مضطلع به غير وان عنه. والمعنى أنهم صبر على التقوى ، أقوياء على احتمال مشاقها.
أو وضع الامتحان موضع المعرفة ، لأنّ تحقق الشيء باختباره ، كما يوضع الخبر موضعها ، فكأنه قيل : عرف الله قلوبهم للتقوى ، وتكون اللام متعلقة بمحذوف ، واللام هي التي في قولك : أنت لهذا الأمر ، أى كائن له ومختص به قال :
أنت لها أحمد من بين البشر (٤)
__________________
ـ إحداهما : أن رفع الصوت من جنس ما يحصل به الإيذاء ، وهذا أمر يشهد به النقل والمشاهدة الآن ، حتى إن الشيخ ليتأذى برفع التلميذ صوته بين يديه ، فكيف برتبة النبوة وما يستحقه من الإجلال والإعظام. المقدمة الأخرى : أن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم كفر ، وهذا أمر ثابت قد نص عليه أئمتنا وأفتوا بقتل من تعرض لذلك كفرا ، ولا تقبل توبته ، فما أتاه أعظم عند الله وأكبر ، والله الموفق.
(١) أخرجه مسلم وغيره.
(٢) قوله «إذا أكلت العرفج» في الصحاح : شجر ينبت في السهل ، الواحدة : عرفجة. (ع)
(٣) قوله «كالداء والحرض» أى الفساد. أفاده الصحاح.
(٤) رائعة : خالية من الحشو والتعقيد ، وصوغتها ـ بالتشديد ـ : للمبالغة ، وأنت لها : أى أهل لها وكفؤ ، وأحمد : منادى ، ومن بين البشر : متعلق بمحذوف حال ، أى : منتخبا من بينهم. ويجوز أن «أحمد» أفعل تفضيل ، كذا قيل.
أعدّاء من لليعملات على الوجى (١)
وهي مع معمولها منصوبة على الحال. أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الصعبة لأجل التقوى ، أى لتثبت وتظهر تقواها ، ويعلم أنهم متقون ، لأن حقيقة التقوى لا تعلم إلا عند المحن والشدائد والاصطبار عليها. وقيل أخلصها للتقوى. من قولهم : امتحن الذهب وفتنه ، إذا أذا به فخلص إبريزه من خبشه ونقاه. وعن عمر رضى الله عنه : أذهب الشهوات عنها. والامتحان : افتعال ، من محنه ، وهو اختبار بليغ أو بلاء جهيد. قال أبو عمرو : كل شيء جهدته فقد محنته. وأنشد :
|
أتت رذايا باديا كلالها |
|
قد محنت واضطربت آطالها (٢) |
قيل : أنزلت في الشيخين رضى الله عنهما ، لما كان منهما من غض الصوت والبلوغ به أخا السرار. وهذه الآية بنظمها الذي رتبت عليه من إيقاع الغاضين أصواتهم اسما لإنّ المؤكدة. وتصيير خبرها جملة من مبتدإ وخبر معرفتين معا. والمبتدأ : اسم الإشارة ، واستئناف الجملة المستودعة ما هو جزاؤهم على عملهم ، وإيراد الجزاء نكرة : مبهما أمره ناظرة في الدلالة على غاية الاعتداد والارتضاء لما فعل الذين وقروا رسول الله صلى الله عليه وسلم من خفض أصواتهم ، وفي الإعلام بمبلغ عزة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدر شرف منزلته ، وفيها تعريض بعظيم ما ارتكب الرافعون أصواتهم واستيجابهم ضد ما استوجب هؤلاء.
(إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(٥)
__________________
|
(١) أعداء من لليعملات على الوجا |
|
وأضياف بيت بيتوا لنزول |
|
أعداء ما للعيش بعدك لذة |
|
ولا لخليل بهجة بخليل |
|
أعداء ما وجدي عليك بهين |
|
ولا الصبر إن أعطيته بجميل |
لعتبة بن مالك العقيلي ، يرثى عداء صاحبه. والهمزة للنداء. وعداء ـ كفعال ـ : على صيغة المبالغة ، أى : يا من كان معدا لاغاثة المطايا الكثيرات العمل ، والسفر مع الوجاء وهو الحفاء في أخفافها من كثرة السير ، واليعملات : جمع يعملة ، والبعير يعمل ، ومن كان معدا لأضياف بيته الذين يبيتون للنزول والاستراحة عنده. والعيش : الحياة ، أو ما يعاش به. والبهجة : السرور. والوجد : الحزن. وإن أعطيته : اعتراض ، دل على أنه لم يصبر. ونفى جمال الصبر مبالغة في عظم عداء عنده وحبه إياه ، وكرر النداء لإظهار التفجع.
(٢) الرذايا جمع رذية وهي الناقة المهزولة الضعيفة. ومحنته : بلوته. ويقال : محنت ناقتي أجهدتها في السير. ومحنت الجلد : مددته ووسعته. والآطال : جمع أطل وهو الخاصرة ، كأسباب وسبب. يقول : أتت المطايا مهازيل ظاهرا ملالها وتعبها من السير ، قد أجهدت تلك النوق بالسير. أو قد تدلت واضطربت خواصرها من شدة الجوع ويروى : أوصالها ، أى : أعضاؤها.
والوراء : الجهة التي يواريها عنك الشخص بظله من خلف أو قدام (١). ومن لابتداء الغاية ، وأنّ المناداة نشأت من ذلك المكان. فإن قلت : فرق بين الكلامين بين ما تثبت فيه وما تسقط عنه. قلت : الفرق بينهما أنّ المنادى والمنادى في أحدهما يجوز أن يجمعهما الوراء ، وفي الثاني : لا يجوز لأنّ الوراء تصير بدخول من مبتدأ الغاية ، ولا يجتمع على الجهة الواحدة أن تكون مبتدأ ومنتهى لفعل واحد ، والذي يقول : ناداني فلان من وراء الدار. لا يريد وجه الدار ولا دبرها ، ولكن أى قطر من أقطارها الظاهرة كان مطلقا بغير تعيين واختصاص ، والإنكار لم يتوجه عليهم من قبل أنّ النداء وقع منهم في أدبار الحجرات أو في وجوهها ، وإنما أنكر عليهم أنهم نادوه من البرّ (٢) والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض ، من غير قصد إلى جهة دون جهة. والحجرة : الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها ، وحظيرة الإبل تسمى الحجرة ، وهي فعلة بمعنى مفعولة ، كالغرفة والقبضة ، وجمعها : الحجرات ـ بضمتين ، والحجرات ـ بفتح الجيم ، والحجرات بتسكينها. وقرئ بهنّ جميعا ، والمراد : حجرات نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت لكل واحدة منهنّ حجرة. ومناداتهم من ورائها يحتمل أنهم قد تفرّقوا على الحجرات متطلبين له ، فناداه بعض من وراء هذه ، وبعض من وراء تلك ، وأنهم قد أتوها حجرة حجرة فنادوه من ورائها ، وأنهم نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها ، ولكنها جمعت إجلالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمكان حرمته. والفعل وإن كان مسندا إلى جميعهم فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم ، وكان الباقون راضين ، فكأنهم تولوه جميعا ، فقد ذكر الأصم أنّ الذي ناداه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس. والإخبار عن أكثرهم بأنهم لا يعقلون : يحتمل أن يكون فيهم من قصد بالمحاشاة. ويحتمل أن يكون الحكم بقلة العقلاء فيهم قصدا إلى نفى أن يكون فيهم من يعقل ، فإنّ القلة تقع موقع النفي في كلامهم. وروى أن وفد بنى تميم أتوا رسول الله صلى الله
__________________
(١) قال محمود : «الوراء الجهة التي يواريها عنك الشخص بظله من خلف أو قدام ... الخ» قال أحمد : ولقد اغتر بعضهم في تبكيت بنى تميم بما لا تساعده عليه الآية ، فإنها نزلت في المتولين لمناداة النبي عليه الصلاة والسلام ، أو في الحاضرين حينئذ الراضين بفعل المنادين له ، وقد سئل عليه الصلاة والسلام عنهم فقال : هم جفاة بنى تميم ، وعلى الجملة (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) فكيف يسوغ إطلاق اللسان بالسوء في حق أمة عظيمة لأن واحدا منهم أو اثنين ارتكب جهالة وجفاء ، فقد ورد أن المنادى له عليه السلام : هو الأقرع ، هذا مع توارد الأحاديث في فضائل تميم وتخليدها وجوه الكتب الصحاح.
(٢) قوله «أنهم نادوه من البر والخارج» الظاهر أن تفسيره ما بعده. وفي الصحاح «في مادة برر» أن البرية هي الصحراء. وفي مادة ضمن : في تفسير قوله عليه الصلاة والسلام في بعض كتبه : «إن لنا الضاحية من البعل ولكم الضامنة من النخل» ما نصه : فالضاحية : هي الظاهرة التي في البر من النخل ، والضامنة : ما تضمنها أمصارهم وقراهم. (ع)
عليه وسلم وقت الظهيرة وهو راقد ، فجعلوا ينادونه : محمد اخرج إلينا ، فاستيقظ فخرج (١) ونزلت. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فقال : «هم جفاة بنى تميم ، لو لا أنهم من أشدّ الناس قتالا للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم» (٢) فورود الآية على النمط الذي وردت عليه فيه مالا يخفى على الناظر : من بينات إكبار محل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجلاله : منها مجيئها على النظم المسجل على الصائحين به بالسفه والجهل ، لما أقدموا عليه. ومنها لفظ الحجرات وإيقاعها كناية عن موضع خلوته. ومقيله مع بعض نسائه. ومنها : المرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذي تبين به ما استنكر عليهم. ومنها : التعريف باللام دون الإضافة. ومنها : أن شفع ذمهم باستجفائهم واستركاك عقولهم وقلة ضبطهم لمواضع التمييز في المخاطبات ، تهوينا للخطب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتسلية له ، وإماطة لما تداخله من إيحاش تعجرفهم وسوء أدبهم ، وهلم جرا : من أوّل السورة إلى آخر هذه الآية ، فتأمّل كيف ابتدئ بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمى إلى الله ورسوله متقدّمة على الأمور كلها من غير حصر ولا تقييد ، ثم أردف ذلك النهى عما هو من جنس التقديم من رفع الصوت والجهر. كأن الأوّل بساط للثاني ووطاء لذكره ما هو ثناء على الذين تحاموا ذلك فغضوا أصواتهم ، دلالة على عظيم موقعه عند الله ، ثم جيء على عقب ذلك بما هو أطم وهجنته أتم : من الصياح برسول الله صلى الله عليه وسلم في حال خلوته ببعض حرماته من وراء الجدر ، كما يصاح بأهون الناس قدرا ، لينبه على فظاعة من أجروا إليه وجسروا عليه ، لأنّ من رفع الله قدره على أن يجهر له بالقول حتى خاطبه جلة المهاجرين (٣) والأنصار بأخى السرار ، كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ من التفاحش مبلغا ، ومن هذا وأمثاله يقتطف ثمر الألباب
__________________
(١) أخرجه ابن اسحق في السيرة قال : «قدمت وفود العرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر القصة قال : ولما قدم وفد بنى تميم دخلوا المسجد. فنادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات يا محمد اخرج إلينا ـ فذكره إلى آخره» وأخرجه ابن مردويه من رواية ابن إسحاق عن الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس قال «لما قدم وفد بنى تميم وهم سبعون رجلا ـ فذكره مطولا. وأخرجه ابن مندة في المعرفة. وأورده الثعلبي من طريق يعلى بن عبد الرحمن عن عبد الحميد بن جعفر عن شمر بن الحكم عن جابر قال «جاءت بنو تميم فدخلوا المسجد فنادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات أن اخرج إلينا يا محمد فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم. فذكره مطولا.
(٢) أخرجه الثعلبي من رواية هاشم بن القاسم الحراني عن يعلى بن الأشدق حدثنا سعد بن عبد الله : أن النبي صلى الله عليه وسلم ـ فذكره : ولمسلم من حديث أبى هريرة «لا أزال أحب بنى تميم لثلاث ـ فذكر فيه «وهم أشد أمتى على الدجال».
(٣) قوله «حتى خاطبه جلة المهاجرين» معظم المهاجرين. (ع)
وتقتبس محاسن الآداب ، كما يحكى عن أبى عبيد ـ ومكانه من العلم والزهد وثقة الرواية ما لا يخفى ـ أنه قال : ما دققت بابا على عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه (أَنَّهُمْ صَبَرُوا) في موضع الرفع على الفاعلية ، لأنّ المعنى : ولو ثبت صبرهم. والصبر : حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها. قال الله تعالى (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) وقولهم : صبر عن كذا ، محذوف منه المفعول ، وهو النفس ، وهو حبس فيه شدّة ومشقة على المحبوس ، فلهذا قيل للحبس على اليمين أو القتل : صبر. وفي كلام بعضهم : الصبر مرّ لا يتجرّعه إلا حرّ. فإن قلت : هل من فرق بين (حَتَّى تَخْرُجَ) وإلى أن تخرج؟ قلت : إنّ «حتى» مختصة بالغاية المضروبة. تقول : أكلت السمكة حتى رأسها ، ولو قلت : حتى نصفها ، أو صدرها : لم يجز ، و «إلى» عامّة في كل غاية ، فقد أفادت «حتى» بوضعها : أنّ خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم غاية قد ضربت لصبرهم ، فما كان لهم أن يقطعوا أمرا دون الانتهاء إليه. فإن قلت : فأى فائدة في قوله (إِلَيْهِمْ)؟ قلت : فيه أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم ، للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أنّ خروجه إليهم (لَكانَ خَيْراً لَهُمْ) في «كان» إما ضمير فاعل الفعل المضمر بعد لو ، وإما ضمير مصدر (صَبَرُوا) ، كقولهم : من كذب كان شرا له (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) بليغ الغفران والرحمة واسعهما ، فلن يضيق غفرانه ورحمته عن هؤلاء إن تابوا وأنابوا.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٨)
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمّه ـ وهو الذي ولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبى وقاص ، فصلى بالناس وهو سكران صلاة الفجر أربعا ، ثم قال : هل أزيدكم ، فعزله عثمان (١) عنهم ـ مصدّقا إلى بنى المصطلق ، وكانت بينه وبينهم إحقة ، فلما شارف ديارهم ركبوا مستقبلين له ، فحسبهم مقاتليه ، فرجع وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
__________________
(١) أخرجه مسلم من طريق أبى ساسان حصين بن منذر قال شهدت عثمان أخى الوليد بن عقبة وقد صلى الغداة بالكوفة أربعا ـ الحديث بطوله» وأخرجه ابن إسحاق والنسائي من هذا الوجه وقالوا فيه «وقد صلى للغداة أربعا»
قد ارتدوا ومنعوا الزكاة (١) ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمّ أن يغزوهم ، فبلغ القوم فوردوا وقالوا : نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله ، فاتهمهم فقال : «لتنتهنّ أو لأبعثنّ إليكم رجلا هو عندي كنفسي يقاتل مقاتلتكم ويسبى ذراريكم» ثم ضرب بيده على كتف على رضى الله عنه. وقيل : بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلوات متهجدين ، فسلموا إليه الصدقات (٢) ، فرجع. وفي تنكير الفاسق والنبأ : شياع في الفساق والأنباء ، كأنه قال : أىّ فاسق جاءكم بأىّ نبإ (٣). فتوقفوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة ، ولا تعتمدوا قول الفاسق «لأنّ من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه. والفسوق : الخروج من الشيء والانسلاخ منه. يقال : فسقت الرطبة عن قشرها. ومن مقلوبه : قفست البيضة ، إذا كسرتها وأخرجت ما فيها. ومن مقلوبه أيضا : قفست الشيء إذا أخرجته عن يد مالكه مغتصبا له عليه ، ثم استعمل في الخروج عن القصد والانسلاخ من الحق.
قال رؤبة :
فواسقا عن قصدها جوائرا (٤)
وقرأ ابن مسعود : فتثبتوا. والتثبت والتبين : متقاربان ، وهما طلب الثبات والبيان والتعرّف ، ولما كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم والذين معه بالمنزلة التي لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب ، وما كان يقع مثل ما فرط من الوليد إلا في الندرة. قيل : إن جاءكم بحرف الشك وفيه أنّ على المؤمنين أن يكونوا على هذه الصفة ، لئلا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور (أَنْ تُصِيبُوا) مفعول له ، أى : كراهة إصابتكم (قَوْماً بِجَهالَةٍ) حال ، كقوله تعالى (وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ) يعنى جاهلين بحقيقة الأمر وكنه القصة. والإصباح : بمعنى الصيرورة. والندم : ضرب من الغم ، وهو : أن تغتمّ على ما وقع منك تتمنى أنه لم يقع ، وهو غم يصحب
__________________
(١) أخرجه إسحاق والطبراني من حديث أم سلمة. دون قوله «فاتهمهم فقال لتنتهن أو لأبعثن إليكم رجلا هو عندي كنفسي يقاتل مقاتلتكم الخ» وعندهما بدل ذلك «فما زالوا يعتذرون إليه حتى نزلت فيهم الآية» وفيه موسى بن عبيدة ، وهو ضعيف ونحوه رواه أحمد والطبراني أيضا من حديث الحارث بن دثار الخزاعي أخرجه ابن مردويه من طريق عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش عن موسى بن المسيب عن سالم بن أبى الجعد. عن جابر قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة ـ فذكر الحديث بنحوه وزاد فقال عليه الصلاة والسلام : لتنتهن أو لأبعثن إليكم رجلا ـ فذكره.
(٢) لم أره.
(٣) قال محمود : «نكر فاسقا ونبأ لقصد الشياع ، فكأنه قيل أىّ فاسق جاء بأى نبأ» قال أحمد : تسامح بلفظ الشياع والمراد الشمول ، لأن النكرة إذا وقعت في سياق الشرط تعم ، كما إذا وقعت في سياق النفي ، والله أعلم.
(٤) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ١١٩ فراجعه إن شئت اه مصححه.
الإنسان صحبة لها دوام ولزام ، لأنه كلما تذكر المتندّم عليه راجعه من الندام : وهو لزام الشريب ودوام صحبته. ومن مقلوباته : أدمن الأمر أدامه. ومدن بالمكان : أقام به. ومنه : المدينة وقد تراهم يجعلون الهم صاحبا ونجيا وسميرا وضجيعا ، وموصوفا بأنه لا يفارق صاحبه. الجملة المصدّرة بلو لا تكون كلاما مستأنفا ، لأدائه إلى تنافر النظم (١) ، ولكن متصلا بما قبله حالا من أحد الضميرين في فيكم المستتر المرفوع ، أو البارز المجرور. وكلاهما مذهب سديد. والمعنى : أن فيكم رسول الله على حالة يجب عليكم تغييرها. أو أنتم على حالة يجب عليكم تغييرها : وهي أنكم تحاولون منه أن يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعنّ لكم من رأى ، واستصواب فعل المطواع لغيره التابع له فيما يرتئيه ، المحتذى على أمثلته ، ولو فعل ذلك (لَعَنِتُّمْ) أى لوقعتم في العنت والهلاك. يقال : فلان يتعنت فلانا ، أى : يطلب ما يؤدّيه إلى الهلاك. وقد أعنت العظم : إذا هيض (٢) بعد الجبر. وهذا يدل على أن بعض المؤمنين زينوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد. وأن نظائر ذلك من الهنات كانت تفرط منهم ، وأن بعضهم كانوا يتصوّنون ويزعهم جدّهم في التقوى عن الجسارة على ذلك ، وهم الذين استثناهم بقوله تعالى (وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ) أى إلى بعضكم ، ولكنه أغنت عن ذكر البعض : صفتهم المفارقة لصفة غيرهم ، وهذا من إيجازات القرآن ولمحاته اللطيفة ، التي لا يفطن لها إلا الخواص. وعن بعض المفسرين : هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى. وقوله (أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أى : أولئك المستثنون هم الراشدون يصدق ما قلته. فإن قلت : ما فائدة تقديم خبر إن على اسمها؟ قلت : القصد إلى توبيخ بعض المؤمنين على ما استهجن الله منهم من استتباع رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم لآرائهم ، فوجب تقديمه لانصباب الغرض إليه. فإن قلت : فلم قيل (يُطِيعُكُمْ) دون : أطاعكم؟ قلت : للدلالة على أنه كان في إرادتهم استمرار عمله على ما يستصوبونه. وأنه كلما عنّ لهم رأى في أمر كان
__________________
(١) قال محمود : «الجملة المصدرة بلو لا تكون مستأنفة ، لأدائه إلى تنافر النظم ... الخ» قال أحمد : من جملة هنات المعتزلة : ثلبهم على عثمان رضى الله عنه ووقوفهم عن الحكم بتعنيف قتلته ، فضم إلى هذا المعتقد غير معرج عليه : ما أورده الزمخشري في هذا الموضع من حكايات تولية عثمان لأخيه الوليد الفاعل تلك الفعلة الشنعاء عوضا عن سعد بن أبى وقاص أحد الصحابة ، وما عرض به من أن بعض الصحابة كان يصدر منهم هنات ، فمنها مطالبتهم النبي صلى الله عليه وسلم باتباع آرائهم التي من جملتها تصديق الوليد في الإيقاع ببني المصطلق ، فإذا ضممت هذه النبذة التي ذكرها إرسالا إلى ما علمت من معتقده : تبين لك من حال ـ أعنى الزمخشري ـ ما لا أطيق التصريح به ، لأنه لم يصرح وإنما سلكنا معه سبيل الانصاف ومحجة الانتصاف : نص بنص ، وتلويح بتلويح ، فنسأل الله العظيم ـ بعد الصلاة على نبيه محمد خاتم النبيين ـ أن يرضى عن أصحابه أجمعين ، وعنا بهم آمين.
(٢) قوله «إذا هيض بعد الجبر» في الصحاح : هاض العظم يهيضه هيضا : كسره بعد الجبر. وفيه أيضا : جبرت العظم جبرا ، وجبر العظم بنفسه جبورا ، أى : انجبر. (ع)
معمولا عليه ، بدليل قوله (فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ) كقولك : فلان يقرى الضيف ويحمى الحريم ، تريد : أنه مما اعتاده ووجد منه مستمرّا. فإن قلت : كيف موقع (لكِنْ) وشريطتها مفقودة : من مخالفة ما بعدها لما قبلها نفيا وإثباتا؟ قلت : هي مفقودة من حيث اللفظ ، حاصلة من حيث المعنى ؛ لأن الذين حبب إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم صفة المتقدّم ذكرهم ، فوقعت ، لكنّ في حاق موقعها من الاستدراك. ومعنى تحبيب الله وتكريهه اللطف والإمداد بالتوفاق (١) ، وسبيله الكناية كما سبق ، وكل ذى لب وراجع إلى بصيرة وذهن لا يغبى عليه أن الرجل لا يمدح بغير فعله ، وحمل الآية على ظاهرها يؤدّى إلى أن يثنى عليهم بفعل الله ، وقد نفى الله هذا عن الذين أنزل فيهم (وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا) فإن قلت : فإنّ العرب تمدح بالجمال وحسن الوجوه ، وذلك فعل الله ، وهو مدح مقبول عند الناس غير مردود. قلت : الذي سوّغ ذلك لهم أنهم رأوا حسن الرواء (٢) وو سامة المنظر في الغالب ، يسفر عن مخبر مرضى وأخلاق محمودة ومن ثم قالوا : أحسن ما في الدميم وجهه (٣) ، فلم يجعلوه من صفات المدح لذاته ، ولكن لدلالته على غيره. على أن من محققة الثقات وعلماء المعاني من دفع صحة ذلك وخطأ المادح به ، وقصر المدح على النعت بأمّهات الخير : وهي الفصاحة والشجاعة والعدل والعفة ، وما يتشعب منها ويرجع إليها ، وجعل الوصف بالجمال والثروة وكثرة الحفدة والأعضاد وغير ذلك مما ليس
__________________
(١) عاد كلامه. قال : «ومعنى تحبيب الله وتكريهه اللطف والامداد بالتوفيق ... الخ» قال أحمد : تلجلج والحق أبلج ، وزاغ والسبيل منهج ، وقاس الخلق بالواحد الحق ، وجعل أفعالهم لهم من إيمان وكفر وخير وشر ، اغترارا بحال اعتقد اطراده في الشاهد ، وهو أن الإنسان لا يمدح بفعل غيره ، وقاس الغائب على الشاهد تحكما ، وتغلغل باتباع هوى معجما ، فجره ذلك بل جرأه على تأويل الآية وإبطال ما ذكرته من نسبة تحبيب الايمان إلى الله تعالى على حقيقته ، وجعله مجازا لأنه يعتقد أنها لو بقيت على ظاهرها لكان خلق الايمان مضافا إلى الله تعالى ، والعبد إذا ممدوح بما ليس من فعله. وهذا عنده محال ، فأتبع الآية رأيه الفاسد ، فإذا عرضت عليه الأدلة العقلية على الوحدانية ، والنقلية على أنه لا خالق إلا الله خالق كل شيء ، وطولب بابقاء الآية على ظاهرها المؤيد بالعقل والنقل ، فانه يتمسك في تأويلها بالحبال المذكورة في التحكم بقياس الغائب على الشاهد ، مما له إدلاء إلى تعويج كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فالذي نعتقده ـ ثبتنا الله على الحق ـ أن الله تعالى منح ومدح وأعطى وامتن ، فلا موجود إلا الله وصفاته وأفعاله ، غير أنه تعالى جعل أفعاله بعضها محلا لبعض ، فسمى المحل فاعلا والحال فعلا ، فهذا هو التوحيد الذي لا محيص عنه للمؤمن ولا محيد ، ولا بد أن أطارحه القول فأقول : أخبرنى عن ثناء الله على أنبيائه ورسله بما حاصله اصطفاؤه لهم لاختياره إياهم : هل بمكتسب أم بغير مكتسب ، فلا يسعه أن يقول إلا أنه أثنى عليهم بما لم يكتسبوه ، بل بما وهبه إياهم فاتهبوه. وإن عرج على القسم الآخر وهو دعوى أنهم أثنى عليهم بمكتسب لهم من رسالة أو نبوة ، فقد خرج عن أهل الملة ، وانحرف عن أهل القبلة ، وهذه البذة كفاية إن شاء الله تعالى.
(٢) قوله «حسن الرواء» في الصحاح : الرواء ـ بالضم ـ : المنظر. (ع)
(٣) قوله «ما في الدميم وجهه» في الصحاح «الدميم» : القبيح. (ع)
للإنسان فيه عمل غلطا ومخالفة عن المعقول و (الْكُفْرَ) تغطية نعم الله تعالى وغمطها بالجحود. و (الْفُسُوقَ) الخروج عن قصد الإيمان ومحجته بركوب الكبائر (وَالْعِصْيانَ) ترك الانقياد والمضي لما أمر به الشارع. والعرق العاصي : العانذ (١). واعتصت النواة : اشتدّت. والرشد : الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه من الرشادة وهي الصخرة : قال أبو الوازع : كل صخرة رشادة. وأنشد :
|
وغير مقلّد وموشّمات |
|
صلين الضّوء من صمّ الرّشاد (٢) |
و (فَضْلاً) مفعول له ، أو مصدر من غير فعله (٣). فإن قلت : من أين جاز وقوعه مفعولا له ، والرشد فعل القوم ، والفضل فعل الله تعالى ، والشرط أن يتحد الفاعل. قلت : لما وقع الرشد عبارة عن التحبيب والتزيين والتكريه ، مسندة إلى اسمه تقدست أسماؤه : صار الرشد كأنه فعله ، فجاز أن ينتصب عنه أو لا ينتصب عن الراشدون ، ولكن عن الفعل المسند إلى اسم الله تعالى ، والجملة التي هي (أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) اعتراض. أو عن فعل مقدر ، كأنه قيل : جرى ذلك ، أو كان ذلك فضلا من الله. وأما كونه مصدرا من غير فعله ، فأن يوضع موضع رشدا ، لأنّ رشدهم فضل من الله لكونهم موفقين فيه ، والفضل والنعمة بمعنى الإفضال والإنعام (وَاللهُ عَلِيمٌ)
__________________
(١) قوله «والعرق العاصي : العانذ» في الصحاح : عنذ العرق : سال ولم يرقأ ، فهو عرق عانذ. (ع)
(٢) الظاهر أن الشاعر يصف الديار بأنها لم يبق فيها غير وتد الخباء المقلد بالحبل ، وغير الأثافى المغير لونها بالنار. والوشم والتوشيم : تغيير اللون ، أى : التي احترقت بضوءها أى حرها. ومن صم الرشاد : بيان لها. والصم : جمع صماء ، أى : صلبة. والرشاد الصخر. واحدة رشادة. وقيل : يصف مطايا بأنها مطبوعة على العمل غير محتاجة الزمام ، وأنها غيرها أثر السير قوية ، بحيث يظهر الشرر من شدة وقع خفافها على الصخر الصلب.
(٣) أعرب الزمخشري فضلا في الآية مفعولا لأجله ، منصبا عن قوله : الراشدون ... الخ. قال أحمد : أورد الاشكال بعد تقرير أن الرشد ليس من فعل الله تعالى ، وإنما هو فعلهم حقيقة على ما هو معتقده ، ونحن بنينا على ما بينا : أن الرشد من أفعال الله ومخلوقاته ، فقد وجد شرط انتصاب المفعول له ، وهو اتحاد فاعل الفعلين ، على أن الاشكال وارد نصا على تقريرنا على غير الحد الذي أورده عليه الزمخشري ، بل من جهة أن الله تعالى خاطب خلقه بلغتهم المعهودة عندهم. ومما يعهدونه أن الفاعل من نسب إليه الفعل ، وسواء كان ذلك حقيقة أو مجازا حتى يكون زبد فاعلا وانقض الحائط وأشباهه كذلك. وقد نسب الرشد إليهم على طريقة أنهم الفاعلون وإن كانت النسبة مجازية باعتبار المعتقد ، وإذا تقرر وروده على هذا الوجه فلك في الجواب عنه طريقان : إما جواب الزمخشري ، وإما أمكن منه وأبين : وهو أن الرشد هنا يستلزم كونه راشدا ، إذ هو مطاوعه ، لأن الله تعالى أرشدهم فرشدوا. وحينئذ يتحد الفاعل على طريقة الصناعة المطابقة للحقيقة وهو عكس قوله (يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً) فان الاشكال بعينه وارد فيها ، إذ الخوف والطمع فعلهم ، أى : منسوب إليهم على طريقة أنهم الخانفون الطامعون ، والفعل الأول لله تعالى ، لأنه مريهم ذلك ، والجواب عنه : أنهم مفعولون في معنى الفاعلين ، بواسطة استلزام المطاوعة ، لأنه إذا أراهم فقد رأوا. وقد سلف هذا الجواب مكانه ، فصححت الكلام هاهنا بتقدير المفعول فاعلا وعكسه آية الحجرات ، إذ تصحيح الكلام فيها بتقدير الفاعل مفعولا ، وهذا من دقائق العربية فتأمله ، والله الموفق.
بأحوال المؤمنين وما بينهم من التمايز والتفاضل (حَكِيمٌ) حين يفضل وينعم بالتوفيق على أفاضلهم.
(وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(٩)
عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مجلس بعض الأنصار وهو على حمار فبال الحمار ، فأمسك عبد الله ابن أبىّ بأنفه وقال : خل سبيل حمارك فقد آذانا نتنه. فقال عبد الله بن رواحة : والله إنّ بول حماره لأطيب من مسكك (١) وروى : حماره أفضل منك ، وبول حماره أطيب من مسكك (٢) ، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطال الخوض بينهما حتى استبا وتجالدا ، وجاء قوماهما وهما الأوس والخزرج ، فتجالدوا بالعصى ، وقيل بالأيدى والنعال والسعف ، فرجع إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصلح بينهم ، ونزلت. وعن مقاتل : قرأها عليهم فاصطلحوا. والبغي : الاستطالة والظلم وإباء الصلح. والفيء : الرجوع ، وقد سمى به الظل والغنيمة ، لأنّ الظل يرجع بعد نسخ الشمس ، والغنيمة : ما يرجع من أموال الكفار إلى المسلمين ، وعن أبى عمرو : حتى تفي ، بغير همز ، ووجهه أنّ أبا عمرو خفف الأولى من الهمزتين الملتقيتين فلطفت على الراوي تلك الخلسة (٣) ، فظنه قد طرحها. فإن قلت : ما وجه قوله (اقْتَتَلُوا) والقياس اقتتلتا (٤) ، كما قرأ ابن أبى عبلة. أو اقتتلا ، كما قرأ عبيد بن عمير على تأويل الرهطين أو النفرين؟ قلت : هو مما حمل على المعنى دون اللفظ ، لأنّ الطائفتين في معنى القوم والناس. وفي قراءة عبد الله : حتى يفيئوا إلى أمر الله ، فإن فاءوا فخذوا بينهم بالقسط. وحكم الفئة الباغية : وجوب قتالها ما قاتلت. وعن ابن عمر : ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدته
__________________
(١) لم أره عن ابن عباس. وهو في الصحيحين من حديث أنس. وفيه «فبلغنا أنها أنزلت (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ...) الآية. دون بول الحمار. وقوله «والله إن بول حماره لأطيب من مسك» وليس فيه أيضا «وإنه صلى الله عليه وسلم مضى. ثم نزلت الآية.
(٢) لم أره هكذا وحديث أنس في الصحيحين «والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك».
(٣) قوله «تلك الخلسة» في الصحاح : خلست الشيء واختلسته ، إذا استلبته «والاسم الخلسة ـ بالضم. (ع)
(٤) قال محمود : «لم قال اقتتلوا عدولا ... الخ» قال أحمد : قد تقدم في مواضع إنكار النحاة الحمل على لفظ «من» ، بعد الحمل على معناها ، وفي هذه الآية حمل على المعنى بقوله (اقْتَتَلُوا) ثم على اللفظ بقوله (بَيْنَهُما) فلا يعتقد أن المقول في «مق» مطرد في هذا ، لأن المانع لزوم الإجمال والإبهام بعد التفسير ، وهاهنا لا يلزم ذلك ، إذ لا إبهام في الطائفة ، بل لفظها مفرد أبدا ، ومعناها جمع أبدا ، وكانت كذلك لاختلاف أحوالها من حيث المعنى مرة جمعا ومرة مقردا ، فتأمله ، والله الموفق.
من أمر هذه الآية إن لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرنى الله عز وجل. قاله بعد أن اعتزل ، فإذا كافت وقبضت عن الحرب أيديها تركت ، وإذا تولت عمل بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «يا ابن أم عبد ، هل تدرى كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمّة؟ قال : الله ورسوله أعلم قال : لا يجهز على جريحها ، ولا يقتل أسيرها ، ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيؤها» (١) ولا تخلو الفئتان من المسلمين في اقتتالهما : إما أن يقتتلا على سبيل البغي منهما جميعا ، فالواجب في ذلك أن يمشى بينهما بما يصلح ذات البين ويثمر المكافة والموادعة ، فإن لم تتحاجزا ولم تصطلحا وأقامتا على البغي : صير إلى مقاتلتهما ، وإما أن يلتحم بينهما القتال لشبهة دخلت عليهما ، وكلتاهما عند أنفسهما محقة ، فالواجب إزالة الشبهة بالحجج النيرة والبراهين القاطعة ، واطلاعهما على مراشد الحق. فإن ركبتا متن اللجاج ولم تعملا على شاكلة ما هديتا إليه ونصحتا من اتباع الحق بعد وضوحه لهما ، فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين. وإما أن تكون إحداهما الباغية على الأخرى ، فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب ، فإن فعلت أصلح بينهما وبين المبغى عليها بالقسط والعدل ، وفي ذلك تفاصيل : إن كانت الباغية من قلة العدد بحيث لا منعة لها : ضمنت بعد الفيئة ما جنت ، وإن كانت كثيرة ذات منعة وشوكة ، لم تضمن إلا عند محمد بن الحسن رحمه الله ، فإنه كان يفتي بأن الضمان يلزمها إذا فاءت. وأمّا قبل التجمع والتجند أو حين تتفرق عند وضع الحرب أوزارها ، فما جنته ضمنته عند الجميع ، فمحمل الإصلاح بالعدل في قوله تعالى (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ) على مذهب محمد واضح منطبق على لفظ التنزيل ، وعلى قول غيره : وجهه أن يحمل على كون الفئة قليلة العدد ، والذي ذكروا أن الغرض إماتة الضغائن وسل الأحقاد دون ضمان الجنايات : ليس بحسن الطباق للمأمور به من أعمال العدل ومراعاة القسط. فإن قلت : فلم قرن بالإصلاح الثاني العدل دون الأوّل؟ قلت : لأنّ المراد بالاقتتال في أول الآية أن يقتتلا باغيتين معا أو راكبتى شبهة ، وأيتهما كانت ، فالذي يجب على المسلمين أن يأخذوا به في شأنهما : إصلاح ذات البين ، وتسكين الدهماء (٢) بإراءة الحق والمواعظ الشافية ، ونفى الشبهة ، إلا إذا أصرتا ، فحينئذ تجب المقاتلة. وأما الضمان فلا يتجه ، وليس كذلك إذا بغت إحداهما ، فإنّ الضمان متجه على الوجهين المذكورين (وَأَقْسِطُوا) أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعد ما أمر به في إصلاح ذات البين ، والقول فيه مثله في
__________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك والبزار والحارث. وابن عدى من رواية كوثر بن حكيم النافع عن نافع عن ابن عمر. وكوثر متروك ، قال فيه أحمد : أحاديثه أباطيل.
(٢) قوله «الدهماء» اى الجماعة. (ع)
الأمر باتقاء الله على عقب النهى عن التقديم بين يديه ، والقسط ـ بالفتح ـ : الجور من القسط : وهو اعوجاج في الرجلين (١). وعود قاسط : يابس. وأقسطته الرياح. وأمّا القسط بمعنى العدل ، فالفعل منه : أقسط ، وهمزته للسلب ، أى : أزال القسط وهو الجور.
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)(١٠)
هذا تقرير لما ألزمه من تولى الإصلاح بين من وقعت بينهم المشاقة من المؤمنين ، وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب والنسب اللاصق : ما إن لم يفضل الأخوّة ولم يبرز عليها لم ينقص عنها ولم يتقاصر عن غايتها ، ثم قد جرت عادة الناس على أنه إذا نشب مثل ذلك بين اثنين من إخوة الولاد ، لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه وإزاحته ، ويركبوا الصعب والذلول مشيا بالصلح وبثا للسفراء (٢) بينهما ، إلى أن يصادف ما وهي من الوفاق من يرقعه ، وما استشن (٣) من الوصال من يبله ، فالأخوة في الدين أحق بذلك وبأشدّ منه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يعيبه ، ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عنه الريح إلا بإذنه ، ولا يؤذيه بقتار قدره» (٤) ثم قال «احفظوا ، ولا يحفظ منكم إلا قليل» (٥). فإن قلت : فلم خص الاثنان بالذكر دون الجمع؟ قلت : لأن أقل من يقع بينهم الشقاق اثنان ، فإذا لزمت المصالحة بين الأقل كانت بين الأكثر ألزم ، لأنّ الفساد في شقاق الجمع أكثر منه في شقاق الاثنين ، وقيل : المراد بالأخوين الأوس والخزرج ، وقرئ : بين إخوتكم وإخوانكم. والمعنى : ليس المؤمنون إلا إخوة ، وأنهم خلص لذلك متمحضون ، قد انزاحت عنهم شبهات الأجنبية ، وأبى لطف حالهم في التمازج والاتحاد أن يقدموا على ما يتولد منه التقاطع ، فبادروا قطع ما يقع من ذلك إن وقع واحسموه (وَاتَّقُوا اللهَ) فإنكم إن فعلتم لم تحملكم التقوى إلا على التواصل والائتلاف ، والمسارعة إلى إماطة ما يفرط منه ، وكان عند فعلكم ذلك وصول رحمة الله إليكم ، واشتمال رأفته عليكم حقيقا بأن تعقدوا به رجاءكم.
__________________
(١) قوله «وهو اعوجاج في الرجلين» في الصحاح : القسط ـ بالتحريك ـ : انتصاب في رجلي الدابة ، وذلك عيب ، لأنه يستحب فيهما الانحناء والتوقير اه. (ع)
(٢) قوله «وبنا السفراء بينهما ... الخ» جمع سفير : وهو الرسول والمصلح بين القوم. (ع)
(٣) قوله «استشن» في الصحاح : تشنن الجلد يبس ، واستشن الرجل : هزل. (ع)
(٤) قوله «بقتار قدره» في الصحاح : «القتار» : ريح الشواء. (ع)
(٥) أخرجه الثعلبي من رواية إسماعيل بن رافع عن سعيد عن أبى هريرة به سواء وزاد فيه «ولا يؤذيه بقتار قدره إلا أن يغرف له منها. ولا يشترى لبنيه الفاكهة ، فيخرجون بها إلى صبيان جاره ثم لا يطعمونهم منها» قلت : وإسناده ضعيف وأول الحديث في الصحيحين» من وجه آخر عن أبى هريرة : وسيأتى في آخر تفسير سورة الواقعة.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(١١)
القوم : الرجال خاصة ، لأنهم القوّام بأمور النساء. قال الله تعالى (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ) وقال عليه الصلاة والسلام : «النساء لحم على وضم (١) إلا ما ذب (٢) عنه» والذابون هم الرجال ، وهو في الأصل جمع قائم ، كصوّم وزوّر : في جمع صائم وزائر. أو تسمية بالمصدر. عن بعض العرب : إذا أكلت طعاما أحببت نوما وأبغضت قوما. أى قياما ، واختصاص القوم بالرجال : صريح في الآية وفي قول زهير :
أقوم آل حصن أم نساء (٣)
وأما قولهم في قوم فرعون وقوم عاد : هم الذكور والإناث ، فليس لفظ القوم بمتعاط للفريقين ، ولكن قصد ذكر الذكور وترك ذكر الإناث لأنهن توابع لرجالهن ، وتنكير القوم والنساء
__________________
(١) قوله «على وضم» الوضم : ما يوضع تحت اللحم من خشب وغيره يوقى به من الأرض. أفاده الصحاح. (ع)
(٢) لم أره عن على ، وأخرجه ابن المبارك في البر والصلة من قول عمر بن الخطاب ، وكذلك رواه أبو عبيد وابراهيم الحربي في الغريب.
|
(٣) وما أدرى وسوف إخال أدرى |
|
أقوم آل حصن أم نساء |
|
فان تكن النساء مخبآت |
|
فحق لكل محصنة اهتداء |
لزهير يهجو حصن بن حذيفة الفزاري. والقوم : الرجال فقط ، حتى قيل : إنه جمع قائم ، كصوم وزور ، في صائم وزائر. وقيل إنه في الأصل مصدر ، والهمزة لطلب التعيين ، ولكن الكلام من مجاهل العارف. ونساء : عطف على قوم الوقع خبرا من آل حصن ، أو خبرا لمبتدأ محذوف ، والعطف من عطف الجمل. ويجوز أن الهمزة التسوية كالواقعة بعد سواء ، كأنه. قال : ما أبالى منهم ، سواء أكانوا رجالا أو نساء ، فيتعين أنه من عطف الجمل لأجل التسوية ، ولكن المقام يؤيد الأول ، وفي البيت الاعتراض بين سوف ومدخلها بالفعل الملقى عند المفعول ، والاعتراض أيضا بين ما أدرى وبين الاستفهام بجملة التسويف ، لأن «أدرى» طالب لمفعولين وجملة «أقوم» سادة مسدهما ، وانظر كيف خطر بباله أن ينفى الدراية بحال الآل. ثم قبل أن يكمل ذلك خطر بباله الجزم بأنه سوف يدرى ، ثم قبل أن يكمل ذلك قال : إن حصول الدراية في المستقبل على سبيل التخيل والظن ، فحكى حال النفس عند ترددها في شأنه ، فلله در العرب ما ألطفهم في حكاية الحال بأبلغ مقال. وروى لست بدل سوف. وفيه نظر ، واسم تكن ضمير القوم ، والنساء خبرها ومخبآت حال ، أى : فان كن محصنات فحق لهن أن يهدين إلى أزواجهن ، وهدى المرأة إلى زوجها وأهداها إليه إهداء ، بمعنى.
يحتمل معنيين : أن يراد : لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات (١) من بعض ؛ وأن تقصد إفادة الشياع ، وأن تصير كل جماعة منهم منهية عن السخرية ، وإنما لم يقل : رجل من رجل ، ولا امرأة من امرأة على التوحيد ، (٢) إعلاما بإقدام غير واحد من رجالهم وغير واحدة من نسائهم على السخرية ، واستفظاعا للشأن الذي كانوا عليه ، ولأنّ مشهد الساخر لا يكاد يخلو ممن يتلهى ويستضحك على قوله ، ولا يأتى ما عليه من النهى (٣) والإنكار ، فيكون شريك الساخر وتلوه في تحمل الوزر ، وكذلك كل من يطرق سمعه فيستطيبه ويضحك به ، فيؤدى ذلك ـ وإن أوجده واحد ـ إلى تكثر السخرة وانقلاب الواحد جماعة وقوما. وقوله تعالى (عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ) كلام مستأنف قد ورد مورد جواب المستخبر (٤) عن العلة الموجبة لما جاء النهى (٥) عنه ، وإلا فقد كان حقه أن يوصل بما قبله بالفاء. والمعنى وجوب أن يعتقد كل أحد أن المسخور منه ربما كان عند الله خيرا من الساخر ، لأنّ الناس لا يطلعون إلا على ظواهر الأحوال ولا علم لهم بالخفيات ، وإنما الذي يزن (٦) عند الله : خلوص الضمائر وتقوى القلوب ، وعلمهم من ذلك بمعزل ، فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رث الحال ، أو ذا عاهة في بدنه ، أو غير لبيق في محادثته ، فلعله أخلص ضميرا وأتقى قلبا ممن هو على ضدّ صفته ، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله والاستهانة بمن عظمه الله ، ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيهم وتصونهم من ذلك أن قال عمرو بن شرجيل : لو رأيت رجلا يرضع عنزا فضحكت منه : خشيت أن أصنع مثل الذي صنعه (٧). وعن عبد الله بن مسعود : البلاء موكل بالقول ، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلبا (٨). وفي قراءة عبد الله : عسوا أن يكونوا ، وعسين
__________________
(١) قال محمود : «لم يقل لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات ... الخ» قال أحمد : ولو عرف فقال : لا يسخر المؤمنون بعضهم من بعض : لكانت كل جماعة منهم منهية ضرورة شمول النهى ، ولكن أورد الزمخشري هذا ، وإنما أراد أن في التنكير فائدة : أن كل جماعة منهية على التفصيل في الجماعات والتعرض بالنهى لكل جماعة على الخصوص ، ومع التعريف تحصيل النهي ، لكن لا على التفصيل بل على الشمول ، والنهى على التفصيل أبلغ وأوقع.
(٢) عاد كلامه. قال : «وإنما لم يقل رجل من رجل ولا امرأة من امرأة للاشعار ... الخ» قال أحمد : وهو في غاية الحسن لا مزيد عليه.
(٣) قوله «ولا يأتى ما عليه من النهى» أى يتلهى ولا يفعل ما عليه من نهى الساخر والإنكار عليه. (ع)
(٤) قال محمود : «وقوله عسى أن يكونوا خيرا منهم جواب للمستخبر عن علة النهى ... الخ» قال أحمد : وهو من الطراز الأول.
(٥) قوله «لما جاء النهى عنه» لعل ما مصدرية ، ولفظ عنه مزيد من ناسخ الأصل ، أى : لمجيء النهى ، وإلا : أى وإلا يكن مستأنفا. (ع)
(٦) قوله «وإنما الذي يزن عند الله» لعله يزين. (ع)
(٧) لم أره عنه ، وفي ابن أبى شيبة عن أبى موسى من قوله نحوه.
(٨) أخرجه ابن أبى شيبة في الأدب المفرد من رواية إبراهيم عن ابن مسعود بهذا.
أن يكن ، فعسى على هذه القراءة هي ذات الخبر كالتي في قوله تعالى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ) وعلى الأولى التي لا خبر لها كقوله تعالى (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً). واللمز : الطعن والضرب باللسان. وقرئ : ولا تلمزوا ـ بالضم. والمعنى : وخصوا أيها المؤمنون أنفسكم بالانتهاء عن عيبها والطعن فيها ، ولا عليكم أن تعيبوا غيركم ممن لا يدين بدينكم ولا يسير بسيرتكم ، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اذكروا الفاجر بما فيه كى يحذره الناس» (١) وعن الحسن رضى الله عنه في ذكر الحجاج : أخرج إلى بنانا قصيرة قلما عرقت فيها الأعنة في سبيل الله ثم جعل يطبطب شعيرات له ويقول : يا أبا سعيد يا أبا سعيد ، وقال لما مات : اللهم أنت أمته فاقطع سنته ، فإنه أتانا أخيفش أعيمش (٢) يخطر في مشيته ويصعد المنبر حتى تفوته الصلاة ، لا من الله يتقى ولا من الناس يستحى : فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون ، لا يقول له قائل : الصلاة أيها الرجل الصلاة أيها الرجل ، هيهات دون ذلك السيف والسوط. وقيل : معناه لا يعب بعضكم بعضا ، لأنّ المؤمنين كنفس واحدة ، فمتى عاب المؤمن المؤمن فكأنما عاب نفسه. وقيل : معناه لا تفعلوا ما تلمزون به ، لأن من فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه حقيقة. والتنابز بالألقاب : التداعي بها : تفاعل من نبزه ، وبنو فلان يتنابزون ويتنازبون ويقال : النبز (٣) والنزب : لقب السوء والتلقيب المنهي عنه ، وهو ما يتداخل المدعوّ به كراهة لكونه تقصيرا به وذمّا له وشينا ، فأما ما يحبه مما يزينه وينوّه به فلا بأس به. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم : «من حق المؤمن على أخيه أن يسميه بأحب أسمائه إليه» (٤) ولهذا كانت التكنية من السنة والأدب الحسن.
__________________
(١) أخرجه أبو يعلى والترمذي الحكيم في النوادر في الثامن والستين والعقيلي وابن عدى وابن حبان كلهم من رواية الجارود بن يزيد عن بهز بن حكيم. عن أبيه عن جده مرفوعا أترعوون عن ذكر الفاجر؟ اذكره بما فيه ، كى يحذره الناس» واتفقوا على أن الجارود غير ثقة ، وقال الدارقطني : هو من وضع الجارود ثم سرقه منه جماعة منهم عمرو بن الأزهر ، وسليمان بن عيسى عن الثوري عن بهز وسليمان وعمرو كذا بان وقد رواه العلاء بن بشر عن ابن عيينة عن بهز : قال الدارقطني : وابن عيينة لم يسمع من بهز وغير لفظه فقال : «ليس للفاسق غيبة» انتهى وهذا أورده البيهقي في الشعب عن الحاكم بسنده إلى العلاء وقال : قال الحاكم : هذا غير صحيح ولا معتمد. وقال ابن طاهر : روى عن معمر عن بهز أيضا أخرجه عبد الوهاب أخو عبد الرزاق. وعبد الوهاب كذاب وأخرجه الطبراني في الأوسط وقال لم يروه عن معمر غيره ، قال : وله طريق أخرى عن عمر بن الخطاب رواه يوسف بن أبان حدثنا الأبرد بن حاتم أخبرنى منهال السراج عن عمر.
(٢) قوله «فانه أتانا أخيفش أعيمش» في الصحاح «الخفش» : صغر في العين ، وضعف في البصر خلقة والرجل أخفش. وفيه : العمش في العين : ضعف الرؤية مع سيلان الدمع. والرجل أعمش اه. وأخيفش وأعيمش تصغير : أخفش وأعمش. (ع)
(٣) قوله «ويقال النبز» في الصحاح «النبز» بالتحريك : اللقب ، وبالتسكين : المصدر. (ع)
(٤) لم أجده هكذا ، وروى البيهقي في الشعب في الحادي والستين عن عثمان بن طلحة الحجى رفعه قال «ثلاث مصفين لك ود أخيك : تسلم عليه إذا لقيته ، وتوسع له في المجلس ، وتدعوه بأحب أسمائه إليه» وفيه موسى بن
قال عمر رضى الله عنه : أشيعوا الكي فإنها منبهة. ولقد لقب أبو بكر بالعتيق والصدّيق ، وعمر بالفاروق ، وحمزة بأسد الله ، وخالد بسيف الله. وقلّ من المشاهير في الجاهلية والإسلام من ليس له لقب ، ولم تزل هذه الألقاب الحسنة في الأمم كلها من العرب والعجم تجرى في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير. روى عن الضحاك أن قوما من بنى تميم استهزؤا ببلال وخباب وعمار وصهيب وأبى ذرّ وسالم مولى حذيفة ، فنزلت. وعن عائشة رضى الله عنها أنها كانت تسخر من زينب بنت خزيمة الهلالية وكانت قصيرة. وعن ابن عباس أن أمّ سلمة ربطت حقويها بسبيبة ، (١) وسدلت طرفها خلفها وكانت تجرّه ، فقالت عائشة لحفصة : انظري ما تجرّ خلفها كأنه لسان كلب. وعن أنس : عيرت نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّ سلمة بالقصر. وعن عكرمة عن ابن عباس أن صفية بنت حيّى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن النساء يعيرننى ويقلن يا يهودية بنت يهوديين ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : «هلا قلت إن أبى هرون وإن عمى موسى وإن زوجي محمد» (٢) وروى أنها نزلت في ثابت بن قيس وكان به وقر ، وكانوا يوسعون له في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمع ، فأتى يوما وهو يقول : تفسحوا لي ، حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ، فقال لرجل : تنح ، فلم يفعل ، فقال : من هذا؟ فقال الرجل. أنا فلان ، فقال : بل أنت ابن فلانة ، يريد : أمّا كان يعير بها في الجاهلية ، فخجل الرجل فنزلت ، فقال ثابت : لا أفخر على أحد في الحسب بعدها أبدا (٣) (الِاسْمُ) هاهنا بمعنى الذكر ، من قولهم : طار اسمه في الناس بالكرم أو باللؤم ، كما يقال : طار ثناؤه وصيته. وحقيقته : ما سما من ذكره وارتفع بين الناس. ألا ترى إلى قولهم : أشاد بذكره ، كأنه قيل : بئس الذكر المرتفع للمؤمنين (٤) بسبب ارتكاب
__________________
ـ عبد الملك بن عمير وهو ضعيف. وروى أبو يعلى والطبراني من حديث ذيال بن عبيد بن حنظلة حدثني جدي حنظلة بن جذيم قال : «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يدعى الرجل بأحب الأسماء إليه».
(١) قوله «حقويها بسبيبة» في الصحاح «السب» : شقة كتان : والسبيبة : مثله. (ع)
(٢) ذكره الثعلبي عن عكرمة ، عن ابن عباس بغير إسناد وفي الترمذي من رواية هاشم بن سعيد الكوفي : حدثنا كنانة حدثتنا صفية بنت حيي قالت «دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وقد بلغني عن عائشة وحفصة كلام. فذكرت ذلك له فقال : ألا قلت : وكيف تكونا خيرا منى وزوجي محمد صلى الله عليه وسلم وأبى هارون وعمى موسى عليهما الصلاة والسلام. وكان الذي بلغها أنهن قلن نحن أكرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وخير منها نحن أزواجه وبنات عمه» وقال : غريب. وليس إسناده بذاك. وروى الترمذي وابن حبان وأحمد والطبراني من رواية معمر عن ثابت عن أنس قال. «بلغ صفية أن حفصة قالت بنت يهودى فبكت ... فذكر معناه.
(٣) ذكره الثعلبي ، ومن تبعه عن ابن عباس بغير سند.
(٤) قال محمود : «الاسم هاهنا الذكر ، من قولهم : طار اسمه في الناس بالكرم. كأنه قال : بئس الذكر المرتفع للمؤمنين ... الخ» قال أحمد : أقرب الوجوه الثلاثة ملائمة لقاعدة أهل السنة وأولاها : هو أولها ، ولكن بعد
هذه الجرائر (١) أن يذكروا بالفسق. وفي قوله (بَعْدَ الْإِيمانِ) ثلاثة أوجه : أحدها استقباح الجمع بين الايمان وبين الفسق الذي يأباه الإيمان ويحظره ، كما تقول : بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة (٢). والثاني : أنه كان في شتائمهم لمن أسلم من اليهود : يا يهودى يا فاسق ، فنهوا عنه ، وقيل لهم : بئس الذكر أن تذكروا الرجل بالفسق واليهودية بعد إيمانه ، والجملة على هذا التفسير متعلقة بالنهى عن التنابز. والثالث : أن يجعل من فسق غير مؤمن ، كما تقول للمتحول عن التجارة إلى الفلاحة : بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)(١٢)
يقال : جنبه الشر إذا أبعده عنه ، وحقيقته : جعله منه في جانب ، فيعدى إلى مفعولين. قال الله عز وجل (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ) ثم يقال في مطاوعه : اجتنب الشر فتقص المطاوعة مفعولا ، والمأمور باجتنابه هو بعض الظن ، وذلك البعض موصوف بالكثرة : ألا ترى إلى قوله (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)؟ فإن قلت : بين الفصل بين (كَثِيراً) ، حيث جاء نكرة وبينه لو جاء معرفة. قلت : مجيئه نكرة يفيد معنى البعضية ، وإنّ في الظنون ما يجب أن يجتنب من غير تبيين لذلك ولا تعيين ، لئلا يجترئ أحد على ظنّ إلا بعد نظر وتأمّل ، وتمييز بين حقه وباطله بأمارة بينة ، مع استشعار للتقوى والحذر ، ولو عرف لكان الأمر باجتناب الظنّ منوطا بما يكثر منه دون ما يقل ، ووجب أن يكون كل ظنّ متصف بالكثرة مجتنبا ، وما اتصف منه بالقلة مرخصا في تظننه. والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها : أنّ كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر : كان حراما واجب الاجتناب ، وذلك إذا كان المظنون
__________________
ـ صرف الذم إلى نفس الفسق ، وهو مستقيم لأن الاسم هو المسمى. ولكن الزمخشري لم يستطع ذلك : انحرافا إلى قاعدة : يصرف الذم إلى ارتفاع ذكر الفسق من المؤمن ، تحوما على أن الاسم التسمية ، ولا شك أن صرف الذم إلى نفس الفسق أولى. وأما الوجه الثاني ، فأدخله ليتم له حمل الاسم على التسمية صريحا. وأما الثالث فليتم له أن الفاسق غير مؤمن ، وكلا القاعدتين مخالف للسنة فاحذرهما ، وبالله التوفيق. ولقد كشف الله لي عن مقاصده ، حتى ما تنقلب له كلمة متحيزة إلى فئة البدعة إلا إذا أدركها الحق فكلمها ، ولله الحمد.
(١) قوله «هذه الجرائر» جمع جريرة ، وهي الجناية. أفاده الصحاح. (ع)
(٢) قوله «بعد الكبرة الصبوة» الكبرة ـ بالفتح ـ : اسم للكبر في السن. والصبوة : الميل إلى الجهل والفتوة. أفاده الصحاح. (ع)
به ممن شوهد منه الستر والصلاح ، وأونست منه الأمانة في الظاهر ، فظنّ الفساد والخيانة به محرّم ، بخلاف من اشتهره الناس بتعاطى الريب والمجاهرة بالخبائث. عن النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى حرّم من المسلم دمه وعرضه وأن يظنّ به ظنّ السوء» (١) وعن الحسن : كنا في زمان الظن بالناس حرام ، وأنت اليوم في زمان اعمل واسكت ، وظنّ بالناس ما شئت. وعنه : لا حرمة لفاجر. وعنه : إن الفاسق إذا أظهر فسقه وهتك ستره هتكه الله ، وإذا استتر لم يظهر الله عليه لعله أن يتوب. وقد روى : من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له (٢). والإثم : الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب. ومنه قيل لعقوبته : الأثام ، فعال منه : كالنكال والعذاب والوبال. قال :
|
لقد فعلت هذى النّوى بى فعلة |
|
أصاب النّوى قبل الممات أثامها (٣) |
والهمزة فيه عن الواو ، كأنه يثم الأعمال : أى يكسرها بإحباطه. وقرئ : ولا تحسسوا بالحاء والمعنيان متقاربان. يقال : تجسس الأمر إذا تطلبه وبحث عنه : تفعل من الجس ، كما أن التلمس بمعنى التطلب من اللمس ، لما في اللمس من الطلب. وقد جاء بمعنى الطلب في قوله تعالى (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ) والتحسس : التعرّف من الحس ، ولتقاربهما قيل لمشاعر الإنسان : الحواس بالحاء والجيم ، والمراد النهى عن تتبع عورات المسلمين ومعايبهم والاستكشاف عما ستروه. وعن مجاهد. خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله. وعن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه خطب فرفع صوته حتى أسمع العواتق في خدورهنّ. قال : يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه ، لا تتبعوا عورات المسلمين : فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه
__________________
(١) أخرجه ابن ماجة. من حديث ابن عمر بإسناد فيه لين ، ولفظه «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة وهو يقول : ما أطيبك وأطيب ريحك ، ما أعظمك وأعظم حرمتك ، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك : ماله ودمه وأن يظن به إلا خيرا» وروى ابن أبى شيبة من طريق مجالد عن الشعبي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى الكعبة فقال «ما أعظمك وأعظم حرمتك والمسلم أعظم حرمة منك. حرم الله دمه وماله وعرضه ، وأن يظن به ظن السوء. وروى البيهقي في الشعب من طريق مجاهد عن ابن عباس نحوه. وفيه حفص بن عبد الرحمن.
(٢) أخرجه البيهقي في الشعب في التاسع والستين والقضاعي في مسند الشهاب من طريق رواه بن الجراح عن أبى سعد الساعدي عن أنس وإسناده ضعيف. وأخرجه ابن عدى من رواية الربيع بن بدر عن أبان عن أنس وإسناده أضعف من الأول.
(٣) النوى : نية المسافر من قرب أو بعد ، فهي مؤنثة ، وتستعمل اسم جمع نية ، فيذكر : أى لقد فعلت في هذه النية فعلة مسيئة ، فهي بمعنى في ، ثم دعا عليها بقوله : أصاب النوى التي أذتنى أثامها ، أى : جزاء تلك الفعلة. أو جزاء النوى التي تستحقه. وقد يسمى الذنب إثما وأثاما ، من إطلاق المسبب على السبب ، وقال قبل الممات ، أى : قبل موته ليتشفى فيها ، فكأنه شبهها بعدو ، ثم دعا عليها.
ولو في جوف بيته (١). وعن زيد بن وهب : قلنا لا بن مسعود : هل لك في الوليد بن عقبة ابن أبى معيط تقطر لحيته خمرا؟ فقال ابن مسعود : إنا قد نهينا عن التجسس ، فإن ظهر لنا شيء أخذنا به (٢). غابه واغتابه : كغاله واغتاله. والغيبة من الاغتياب ، كالغيلة من (٣) الاغتيال : وهي ذكر السوء في الغيبة. سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال : «أن تذكر أخاك بما يكره ، فإن كان فيه فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه فقد بهته» (٤) وعن ابن عباس رضى الله عنهما : الغيبة إدام كلاب الناس (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ) تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفظع وجه وأفحشه. وفيه مبالغات شتى : منها الاستفهام الذي معناه التقرير. ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة. ومنها إسناد الفعل إلى أحدكم والإشعار بأن أحدا من الأحدين لا يحب ذلك. ومنها أن لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان ، حتى جعل الإنسان أخا. ومنها أن لم يقتصر على أكل لحم الأخ حتى جعل ميتا. وعن قتادة : كما تكره إن وجدت جيفة مدوّدة أن تأكل منها ، كذلك فاكره لحم أخيك وهو حى. وانتصب (مَيْتاً) على الحال من اللحم. ويجوز أن ينتصب عن الأخ. وقرئ : ميتا. ولما قرّرهم عز وجل بأنّ أحدا منهم لا يحب أكل جيفة أخيه ، عقب ذلك بقوله تعالى (فَكَرِهْتُمُوهُ) معناه : فقد كرهتموه واستقرّ ذلك. وفيه معنى الشرط ، أى : إن صحّ هذا فكرهتموه ، وهي الفاء الفصيحة ،
__________________
(١) أخرجه الطبراني والعقيلي. وابن عدى من رواية قدامة بن محمد الأشجعى عن إسماعيل بن شبيب الطائفي عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس بهذا وفي الباب عن ابن عمر رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه ولفظه «صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع : قال يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الايمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ، ولا تتبعوا عوراتهم ، فانه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ، ولو في جوف رحله» وعن أبى بردة عند أبى داود وأحمد والطبراني وأبى يعلى وعن البراء بن عازب عند أبى يعلى والبيهقي في الشعب في التاسع والستين من رواية مصعب بن سلام عن أبى إسحاق عن البراء. وعن ثوبان عند أحمد بلفظ «لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم ولا تطلبوا عوراتهم فانه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته» وعن بريدة عند الطبراني وابن مردويه ولفظه «صلينا الظهر خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلما انفتل أقبل علينا غضبان فنادى بصوت أسمع العواتق في جوف الخدور فذكر نحوه.
(٢) أخرجه أبو داود وابن أبى شيبة وعبد الرزاق والطبراني والبيهقي في الشعب في الثاني والخمسين من طرق عن الأعمش عن زيد بن وهب قال «أتى ابن مسعود قيل له : هذا فلان تقطر لحيته خمرا» لفظ أبى داود والباقين نحوه. ورواه الحاكم والبزار من رواية أسباط عن الأعمش فقال فيه «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن التجسس» قال البزار تفرد به أسباط وقال ابن أبى حاتم عن أبى زرعة والترمذي عن البخاري : أخطأ فيه أسباط. والصحيح من رواية أبى معاوية وغيره عن الأعمش «إن الله نهانا»
(٣) قوله «كالغيلة من الاغتيال» كذا في الصحاح. وفيه يقال : قتله غيلة ، وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع فيقتله فيه. (ع)
(٤) متفق عليه من حديث أبى هريرة.
أى : فتحققت ـ بوجوب الإقرار عليكم وبأنكم لا تقدرون على دفعه وإنكاره ، لإباء البشرية عليكم أن تجحدوه ـ كراهتكم له وتقذركم منه ، فليتحقق أيضا أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة والطعن في أعراض المسلمين. وقرئ : فكرهتموه. أى : جبلتم على كراهته. فإن قلت : هلا عدّى بإلى كما عدّى في قوله (وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ) وأيهما القياس؟ قلت : القياس تعدّيه بنفسه ، لأنه ذو مفعول واحد قبل تثقيل حشوه ، تقول : كرهت الشيء ، فإذا ثقل استدعى زيادة مفعول. وأما تعدّيه بإلى ، فتأوّل وإجراء لكره مجرى بغض ، لأنّ بغض منقول من بغض إليه الشيء فهو بغيض إليه ، كقولك : حب إليه الشيء فهو حبيب إليه. والمبالغة في التواب للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عباده ، أو لأنه ما من ذنب يقترفه المقترف إلا كان معفوا عنه بالتوبة. أو لأنه بليغ في قبول التوبة ، منزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط ، لسعة كرمه. والمعنى : واتقوا الله بترك ما أمرتم باجتنابه والندم على ما وجد منكم منه ، فإنكم إن اتقيتم تقبل الله توبتكم وأنعم عليكم بثواب المتقين التائبين. وعن ابن عباس : أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوّى لهما طعامهما ، فنام عن شأنه يوما ، فبعثاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبغى لهما إداما ، وكان أسامة على طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما عندي شيء ، فأخبرهما سلمان بذلك ، فعند ذلك قالا : لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها ، فلما راحا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما : مالى أرى خضرة اللحم في أفواهكما ، فقالا : ما تناولنا لحما فقال : إنكما قد اغتبتما (١) فنزلت.
(يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(١٣)
(مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى) من آدم وحوّاء. وقيل : خلقنا كل واحد منكم من أب وأمّ ، فما منكم أحد إلا وهو يدلى بمثل ما يدلى به الآخر سواء بسواء ، فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب. والشعب : الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب ، وهي : الشعب ، والقبيلة ، والعمارة ، والبطن ، والفخذ ، والفصيلة ، فالشعب يجمع القبائل ، والقبيلة تجمع ، العمائر ، والعمارة تجمع البطون ، والبطن تجمع الأفخاذ ، والفخذ تجمع الفصائل : خزيمة شعب ، وكنانة قبيلة ، وقريش عمارة ، وقصى بطن ، وهاشم فخذ ، والعباس فصيلة. وسميت الشعوب ،
__________________
(١) هكذا ذكره الثعلبي وربيعة بغير سند ولا راو. وفي الترغيب لأبى القاسم الأصبهانى من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبى ليلة نحوه.
لأنّ القبائل تشعبت منها. وقرئ : لتتعارفوا ، ولتعارفوا بالإدغام. ولتعرفوا ، أى لتعلموا كيف تتناسبون. ولتتعرفوا. والمعنى : أنّ الحكمة التي من أجلها رتبكم على شعوب وقبائل هي أن يعرف بعضكم نسب بعض ، فلا يعتزى إلى غير آبائه ، لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد ، وتدعوا التفاوت والتفاضل في الأنساب. ثم بين الخصلة التي بها يفضل الإنسان غيره ويكتسب الشرف والكرم عند الله تعالى فقال : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) وقرئ : أنّ ، بالفتح ، كأنه قيل : لم لا يتفاخر بالأنساب؟ فقيل : لأنّ أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه طاف يوم فتح مكة ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : «الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية (١) الجاهلية وتكبرها ، يا أيها الناس ، إنما الناس رجلان : مؤمن تقى كريم على الله ، وفاجر شقىّ هين على الله» (٢) ثم قرأ الآية. وعنه عليه السلام : من سرّه أن يكون أكرم الناس فليتق الله (٣). وعن ابن عباس : كرم الدنيا الغنى ، وكرم الآخرة التقوى. وعن يزيد بن شجرة : مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق المدينة فرأى غلاما أسود يقول : من اشترانى فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، فاشتراه رجل فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يراه عند كل صلاة ، ففقده يوما فسأل عنه صاحبه ، فقال : محموم ، فعاده ثم سأل عنه بعد ثلاثة أيام فقال : هو لما به ، فجاءه وهو في ذمائه (٤) ، فتولى غسله ودفنه ، فدخل على المهاجرين والأنصار أمر (٥) عظيم ، فنزلت.
__________________
(١) قوله «عبية الجاهلية» في الصحاح : رجل فيه عبية ، أى : كبر وتجبر. وعبية الجاهلية : نخوتها. (ع)
(٢) أخرجه الترمذي وابن حبان وأبو يعلى وابن أبى حاتم من رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر. وفي الباب عن أبى هريرة أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد والبزار وابن المبارك في البر والصلة من رواية سعيد بن أبى سعيد عن أبيه عنه نحوه. ومنهم من قال عن سعيد عن أبى هريرة : وعن عبد الملك بن قدامة الحاطبى. حدثني أبى أن النبي صلى الله عليه وسلم عام فتح مكة. صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد يا أيها الناس» فذكر نحوه وأخرجه.
(٣) أخرجه الحاكم والبيهقي وأبو يعلى وإسحاق وعبد والطبراني وأبو نعيم في الحلية كلهم من طريق هشام ابن زياد أبى المقدام عن محمد بن كعب عن ابن عباس وأتم منه ، قال البيهقي في الزهد : تكلموا في هشام بسبب هذا الحديث ، وأنه كان يقول : حدثني عن محمد بن كعب ثم ادعى أنه سمعه من محمد ، ثم أخرجه البيهقي من طريق عبد الجبار بن محمد العطاردي والد أحمد عن عبد الرحمن الطيبي بن القاسم بن عروة عن محمد بن كعب عن ابن عباس يرفع الحديث نحوه.
(٤) قوله «وهو في ذمائه» في الصحاح «الدماء» : ممدود بقية الروح في المذبوح. (ع)
(٥) هكذا ذكره الثعلبي والواحدي بغير سند.
(قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(١٤)
الإيمان : هو التصديق مع الثقة وطمأنينة النفس. والإسلام : الدخول في السلم. والخروج من أن يكون حربا للمؤمنين بإظهار الشهادتين. ألا ترى إلى قوله تعالى (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ) فاعلم أنّ ما يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب فهو إسلام ، وما واطأ فيه القلب اللسان فهو إيمان. فإن قلت : ما وجه قوله تعالى (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا) والذي يقتضيه نظم الكلام أن يقال : قل لا تقولوا آمنا ، ولكن قولوا أسلمنا. أو قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم؟ قلت : أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أوّلا ، ودفع ما انتحلوه (١) ، فقيل : قل لم تؤمنوا. وروعي في هذا النوع من التكذيب أدب حسن حين لم يصرّح بلفظه ، فلم يقل : كذبتم ، ووضع (لَمْ تُؤْمِنُوا) الذي هو نفى ما ادعوا إثباته موضعه ، ثم نبه على ما فعل من وضعه موضع كذبتم في قوله في صفة المخلصين (أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) تعريضا بأن هؤلاء هم الكاذبون ، ورب تعريض لا يقاومه التصريح ، واستغنى بالجملة التي هي (لَمْ تُؤْمِنُوا) عن أن يقال : لا تقولوا آمنا ، لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤدّاه النهى عن القول بالإيمان ، ثم وصلت بها الجملة المصدّرة بكلمة الاستدراك محمولة على المعنى ، ولم يقل : ولكن أسلمتم ، ليكون خارجا مخرج الزعم والدعوى ، كما كان قولهم (آمَنَّا) كذلك ، ولو قيل : ولكن أسلمتم ، لكان خروجه في معرض التسليم لهم والاعتداد بقولهم وهو غير معتدّ به. فإن قلت : قوله (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ) بعد قوله تعالى (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا) يشبه التكرير من غير استقلال بفائدة متجددة. قلت : ليس كذلك ، فإن فائدة قوله (لَمْ تُؤْمِنُوا) هو تكذيب دعواهم ، وقوله (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ) توقيت لما أمروا به أن يقولوه ، كأنه قيل لهم (وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا) حين
__________________
(١) قال محمود : «وجه هذا النظم تكذيب دعواهم أولا الخ» قال أحمد : ونظير هذا النظم ومراعاة هذه اللطيفة قوله تعالى (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) ثم قال : (وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) ولما كان مؤدى هذا تكذيب الله تعالى لهم في شهادتهم برسالة النبي صلى الله عليه وسلم قدم على ذلك مقدمة تلخص المقصود وتخلصه من حوادث الوهم ونوائبه ، فقال بين الكلامين ، (وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) ، ثم قال بعد ذلك : (وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) فتلخص من ذلك أنهم كذبوا فيما ادعوه من شهادة قلوبهم الحق ، لأن ذلك حقيقة الشهادة ، لا أنهم كذبوا في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول من الله وكان المخلص من ذلك قوله جل وعلا (وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ).
لم تثبت مواطأة قلوبكم لألسنتكم ، لأنه كلام واقع موقع الحال من الضمير في (قُولُوا) وما في (لَمَّا) من معنى التوقع : دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد (لا يَلِتْكُمْ) لا ينقصكم ولا يظلمكم. يقال : ألته السلطان حقه أشدّ الألت ، وهي لغة غطفان. ولغة أسد وأهل الحجاز : لاته ليتا. وحكى الأصمعى عن أمّ هشام السلولية أنها قالت : الحمد لله الذي لا يفات ولا يلات ، ولا تصمه الأصوات (١). وقرئ باللغتين : لا يلتكم ، ولا يألتكم. ونحوه في المعنى (فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً). ومعنى طاعة الله ورسوله : أن يتوبوا عما كانوا عليه من النفاق ويعقدوا قلوبهم على الإيمان ويعملوا بمقتضياته ، فان فعلوا ذلك تقبل الله توبتهم ، ووهب لهم مغفرته ، وأنعم عليهم بجزيل ثوابه. وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنّ نفرا من بنى أسد قدموا المدينة في سنة جدبة ، فأظهروا الشهادة ، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات ، وأغلوا أسعارها ، وهم يغدون ويروحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون : أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها ، وجئناك بالأثقال والذراري ، يريدون الصدقة ويمنون عليه ، فنزلت.
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)(١٥)
ارتاب : مطاوع را به إذا أوقعه في الشك مع التهمة. والمعنى : أنهم آمنوا ثم لم يقع في نفوسهم شك فيما آمنوا به ، ولا اتهام لمن صدّقوه واعترفوا بأنّ الحق منه. فإن قلت : ما معنى ثم هاهنا وهي التراخي وعدم الارتياب يجب أن يكون مقارنا للإيمان لأنه وصف فيه ، لما بينت من إفادة الإيمان معنى الثقة والطمأنينة التي حقيقتها التيقن وانتفاء الريب؟ قلت : الجواب على طريقين ، أحدهما أنّ من وجد منه الإيمان ربما اعترضه الشيطان أو بعض المضلين بعد ثلج الصدر فشككه وقذف في قلبه ما يثلم يقينه ، أو نظر هو نظرا غير سديد يسقط به على الشك ثم يستمرّ على ذلك راكبا رأسه لا يطلب له مخرجا ، فوصف المؤمنون حقا بالبعد عن هذه الموبقات. ونظيره قوله (ثُمَّ اسْتَقامُوا) والثاني : أنّ الإيقان وزوال الريب لما كان ملاك الإيمان أفرد بالذكر بعد تقدّم الايمان ، تنبيها على مكانه ، وعطف على الإيمان بكلمة التراخي إشعارا باستقراره في الأزمنة المتراخية المتطاولة غضا جديدا (وَجاهَدُوا) يجوز أن يكون المجاهد منويا وهو العدوّ المحارب أو الشيطان أو الهوى ، وأن يكون جاهد مبالغة في جهد. ويجوز أن يراد بالمجاهدة بالنفس : الغزو ، وأن يتناول العبادات بأجمعها ، وبالمجاهدة بالمال : نحو
__________________
(١) قوله «ولا تصمه الأصوات» إن كان من الوصم فالمعنى : لا تصدعه الأصوات ولا تعيبه ، وإن كان من الصمم فالمعنى : لا تجد أصم. وفي الصحاح «الوصم» : الصدع والعيب. وفيه «أصممته» : وجدته أصم. (ع)
ما صنع عثمان رضى الله عنه في جيش العسرة ، وأن يتناول الزكوات وكل ما يتعلق بالمال من أعمال البر التي يتحامل فيها الرجل على ماله لوجه الله تعالى (أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) الذين صدقوا في قولهم آمنا ، ولم يكذبوا كما كذب أعراب بنى أسد. أو هم الذين إيمانهم إيمان صدق وإيمان حق وجدّ وثبات.
(قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(١٦)
يقال : ما علمت بقدومك ، أى : ما شعرت به ولا أحطت به. ومنه قوله تعالى (أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ) وفيه تجهيل لهم.
(يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)(١٨)
يقال : منّ عليه بيد أسداها إليه ، كقولك : أنعم عليه وأفضل عليه. والمنة : النعمة التي لا يستثيب مسديها من يزلها إليه (١) ، واشتقاقها من المنّ الذي هو القطع ، لأنه إنما يسديها إليه ليقطع بها حاجته لا غير ، من غير أن يعمد لطلب مثوبة. ثم يقال : منّ عليه صنعه ، إذا اعتده عليه منة وإنعاما. وسياق هذه الآية فيه لطف ورشاقة ، وذلك أنّ الكائن من الأعاريب قد سماه الله إسلاما ، ونفى أن يكون كما زعموا إيمانا ، فلما منوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان منهم قال الله سبحانه وتعالى لرسوله عليه السلام : إنّ هؤلاء يعتدّون عليك بما ليس جديرا بالاعتداد به من حدثهم الذي حق تسميته أن يقال له إسلام ، فقل لهم : لا تعتدوّا علىّ إسلامكم ، أى حدثكم المسمى إسلاما عندي لا إيمانا. ثم قال : بل الله يعتدّ عليكم أن أمدّكم بتوفيقه حيث هداكم للإيمان على ما زعمتم وادعيتم أنكم أرشدتم إليه ووفقتم له إن صحّ زعمكم وصدقت دعواكم ، إلا أنكم تزعمون وتدعون ما الله عليم بخلافه. وفي إضافة الإسلام إليهم وإيراد الايمان غير مضاف : ما لا يخفى على المتأمل ، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه ، تقديره : إن كنتم صادقين في ادعائكم الإيمان ، فلله المنة عليكم. وقرئ : إن هداكم ، بكسر الهمزة.
__________________
(١) قوله «من يزلها إليه» في الصحاح : أزللت إليه نعمته ، أى : استديتها إليه. وفي الحديث «من أزلت إليه نعمة فليشكرها» وأزللت شيئا من حقه ، أى : أعطيت اه. (ع)
وفي قراءة ابن مسعود رضى الله عنه : إذ هداكم. وقرئ : تعلمون ، بالتاء والياء ، وهذا بيان لكونهم غير صادقين في دعواهم ، يعنى أنه عزّ وجل يعلم كل مستتر في العالم ويبصر كل عمل تعملونه في سركم وعلانيتكم ، لا يخفى عليه منه شيء ، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم ولا يظهر على صدقكم وكذبكم ، وذلك أنّ خاله مع كل معلوم واحدة لا تختلف.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة الحجرات أعطى من الأجر بعدد من أطاع الله وعصاه» (١).
سورة ق
مكية [إلا آية ٣٨ فمدنية]
وآياتها ٤٥ [نزلت بعد المرسلات]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ)(٣)
الكلام في (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا) نحوه في (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا) سواء بسواء ، لالتقائهما في أسلوب واحد. والمجيد : ذو المجد والشرف على غيره من الكتب ، ومن أحاط علما بمعانيه وعمل بما فيه : مجد عند الله وعند الناس ، وهو بسبب من الله المجيد ، فجاز اتصافه بصفته. قوله بل عجبوا (أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب ، وهو أن ينذرهم بالمخوف رجل منهم قد عرفوا وساطته فيهم وعدالته وأمانته ، ومن كان على صفته لم يكن إلا ناصحا لقومه مترفرفا (٢) عليهم ، خائفا أن ينالهم سوء ويحل بهم مكروه ، وإذا علم أنّ مخوفا أظلهم ، لزمه أن
__________________
(١) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي من طرق عن أبى بن كعب به.
(٢) قوله «مترفرفا عليهم» في الصحاح : فلان يرفنا ، أى : يحوطنا ، ورفرف الطائر : إذا حرك جناحيه حول الشيء يريد أن يقع عليه. ورف لونه بالفاء رفا ورفيفا : برق وتلألأ. وثوب رفيف وشجر رفيف : إذا تدانت أوراقه. وفيه أيضا : ترقرق الشيء بالقاف : تلألأ. (ع)
ينذرهم ويحذرهم ، فكيف بما هو غاية المخاوف ونهاية المحاذير ، وإنكار لتعجبهم مما أنذرهم به من البعث ، مع علمهم بقدرة الله تعالى على خلق السماوات والأرض وما بينهما ، وعلى اختراع كل شيء وإبداعه ، وإقرارهم بالنشأة الأولى ، ومع شهادة العقل بأنه لا بدّ من الجزاء. ثم عوّل على أحد الإنكارين بقوله تعالى (فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ، أَإِذا مِتْنا) دلالة على أن تعجبهم من البعث أدخل في الاستبعاد وأحق بالإنكار ، ووضع الكافرون موضع الضمير للشهادة على أنهم في قولهم هذا مقدمون على الكفر العظيم ، وهذا إشارة إلى الرجع ، وإذا منصوب بمضمر ، معناه : أحين نموت ونبلى نرجع؟ (ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) مستبعد مستنكر ، كقولك : هذا قول بعيد. وقد أبعد فلان في قوله. ومعناه : بعيد من الوهم والعادة. ويجوز أن يكون الرجع بمعنى المرجوع. وهو الجواب ، ويكون من كلام الله تعالى استبعادا لإنكارهم ما أنذروا به من البعث ، والوقف قبله على هذا التفسير حسن. وقرئ : إذا متنا ، على لفظ الخبر ، ومعناه : إذا متنا بعد أن نرجع ، والدال عليه (ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ). فإن قلت : فما ناصب الظرف إذا كان الرجع بمعنى المرجوع؟ قلت : ما دل عليه المنذر من المنذر به ، وهو البعث
(قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ) (٤)
(قَدْ عَلِمْنا) ردّ لاستبعادهم الرجع ، لأن من لطف علمه حتى تغلغل إلى ما تنقص الأرض من أجساد الموتى وتأكله من لحومهم وعظامهم ، كان قادرا على رجعهم أحياء كما كانوا. عن النبي صلى الله عليه وسلم «كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب» (١) وعن السدى (ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ) ما يموت فيدفن في الأرض منهم (كِتابٌ حَفِيظٌ) محفوظ من الشياطين ومن التغير ، وهو اللوح المحفوظ. أو حافظ لما أودعه وكتب فيه.
(بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ)(٥)
(بَلْ كَذَّبُوا) إضراب أتبع الإضراب الأوّل ، للدلالة على أنهم جاءوا بما هو أفظع من تعجبهم ، وهو التكذيب بالحق الذي هو النبوّة الثابتة بالمعجزات في أوّل وهلة من غير تفكر ولا تدبر (فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ) مضطرب. يقال : مرج الخاتم في أصبعه وجرج ، فيقولون تارة : شاعر ، وتارة : ساحر ، وتارة : كاهن ، لا يثبتون على شيء واحد : وقرئ : لما جاءهم ، بكسر اللام وما المصدرية ، واللام هي التي في قولهم لخمس خلون ، أى : عند مجيئه إياهم ، وقيل (بِالْحَقِ) : القرآن. وقيل : الإخبار بالبعث.
__________________
(١) متفق عليه من حديث أبى صالح عن أبى هريرة وأخرجه الحاكم من حديث أبى سعيد ، وزاد «قالوا : ما هو يا رسول الله؟ قال : هو مثل حبة الخردل ، منه ينبتون».
(أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ)(٦)
(أَفَلَمْ يَنْظُرُوا) حين كفروا بالبعث إلى آثار قدرة الله في خلق العالم (بَنَيْناها) رفعناها بغير عمد (مِنْ فُرُوجٍ) من فتوق : يعنى أنها ملساء سليمة من العيوب لا فتق فيها ولا صدع ولا خلل ، كقوله تعالى : (هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ).
(وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ)(٨)
(مَدَدْناها) دحوناها (رَواسِيَ) جبالا ثوابت لو لا هي لتكفأت (مِنْ كُلِّ زَوْجٍ) من كل صنف (بَهِيجٍ) يبتهج به لحسنه (تَبْصِرَةً وَذِكْرى) لتبصر به ونذكر كل (عَبْدٍ مُنِيبٍ) راجع إلى ربه ، مفكر في بدائع خلقه. وقرئ : تبصرة وذكرى بالرفع ، أى : خلقها تبصرة.
(وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ)(١١)
(ماءً مُبارَكاً) كثير المنافع (وَحَبَّ الْحَصِيدِ) وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد ، وهو ما يقتات به من نحو الحنطة والشعير وغيرهما (باسِقاتٍ) طوالا في السماء : وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم : باصقات ، بإبدال السين صادا لأجل القاف (نَضِيدٌ) منضود بعضه فوق بعض : إما أن يراد كثرة الطلع وتراكمه ، أو كثرة ما فيه من الثمر (رِزْقاً) على أنبتناها رزقا ، لأنّ الإنبات في معنى الرزق. أو على أنه مفعول له ، أى: أنبتناها لنرزقهم (كَذلِكَ الْخُرُوجُ) كما حييت هذه البلدة الميتة ، كذلك تخرجون أحياء بعد موتكم ، والكاف في محل الرفع على الابتداء :
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ)(١٤)
أراد بفرعون قومه كقوله تعالى (مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ) لأنّ المعطوف عليه قوم نوح ، والمعطوفات جماعات (كُلٌ) يجوز أن يراد به كل واحد منهم ، وأن يراد جميعهم ، إلا أنه وحد
الضمير الراجع إليه على اللفظ دون المعنى (فَحَقَّ وَعِيدِ) فوجب وحل وعيدى ، وهو كلمة العذاب. وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتهديد لهم.
(أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ)(١٥)
عيى بالأمر : إذا لم يهتد لوجه عمله ، والهمزة للإنكار. والمعنى : أنا لم نعجز كما علموا عن الخلق الأول ، حتى نعجز عن الثاني ، ثم قال : هم لا ينكرون (١) قدرتنا على الخلق الأوّل ، واعترافهم بذلك في طيه الاعتراف بالقدرة على الإعادة (بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ) أى في خلط وشبهة. قد لبس عليهم الشيطان وحيرهم. ومنه قول على رضى الله عنه : يا حار (٢) إنه لملبوس عليك ، اعرف الحق تعرف أهله. ولبس الشيطان عليهم : تسويله إليهم أن إحياء الموتى أمر خارج عن العادة ، فتركوا لذلك القياس الصحيح : أن من قدر على الإنشاء كان على الإعادة أقدر. فإن قلت : لم نكر الخلق الجديد ، (٣) وهلا عرّف كما عرّف الخلق الأول؟ قلت : قصد في تنكيره إلى خلق جديد له شأن عظيم وحال شديد ، حق من سمع به أن يهتم به ويخاف ، ويبحث عنه ولا يقعد على لبس في مثله.
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)(١٦)
__________________
(١) قوله «ثم قال هم لا ينكرون» يعنى كأنه قال ذلك بمعونة الاضراب. وقوله «في طيه ... الخ» أى يلزمه ذلك وإن لم يقع منهم اللبس. (ع)
(٢) قوله «يا حار إنه لملبوس» لعله ترخيم حارث. (ع)
(٣) وقع في النسخة ما أحكيه وصورته : «فان قلت لم نكر الخلق الجديد ... الخ» قال أحمد : هذا كلام كما تراه غير منتظم ، والظاهر أنه لفساد في النسخة ، والذي يتحرر في الآية ـ وهو مقتضى تفسير الزمخشري : أن فيها أسئلة ثلاثة : لم عرف الخلق الأول ونكر اللبس والخلق الجديد؟ فاعلم أن التعريف لا غرض منه إلا تفخيم ما قصد تعريفه وتعظيمه ، ومنه تعريف الذكور في قوله (وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ) ولهذا المقصد عرف الخلق الأول ، لأن الغرض جعله دليلا على إمكان الخلق الثاني بطريق الأولى أى إذا لم يعي تعالى بالخلق الأول على عظمته ، فالخلق الآخر أولى أن لا يعبأ به ، فهذا سر تعريف الخلق الأول. وأما التنكير فأمره منقسم : فمرة يقصد به تفخيم المنكر من حيث ما فيه من الإبهام ، كأنه أفخم من أن يخاطبه معرفة ، ومرة يقصد به التقليل من المنكر والوضع منه ، وعلى الأول (سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) وقوله (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) و (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ) وقوله (بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) وهو أكثر من أن يحصى. والثاني : هو الأصل في التنكير ، فلا يحتاج إلى تمثيله ، فتنكير اللبس من التعظيم والتفخيم ، كأنه قال : في لبس أىّ لبس : وتنكير الخلق الجديد للتقليل منه والتهوين لأمره بالنسبة إلى الخلق الأول ، ويحتمل أن يكون التفخيم ، كأنه أمر أعظم من أن يرضى الإنسان بكونه ملتبسا عليه ، مع أنه أول ما تبصر فيه صحته ، ولعل إشارة الزمخشري إلى هذا والله أعلم ، فهذا كما تراه كلام مناسب لاستطراف أسئلة وأجوبة ، فان يكن هو ما أراده الزمخشري فذاك ، وإلا فالعق العسل ولا تسل.
الوسوسة : الصوت الخفي. ومنها : وسواس الحلي. ووسوسة النفس : ما يخطر ببال الإنسان ويهجس في ضميره من حديث النفس. والباء مثلها في قولك : صوت بكذا وهمس به. ويجوز أن تكون للتعدية والضمير للإنسان ، أى : ما تجعله موسوسا ، وما مصدرية ، لأنهم يقولون : حدّث نفسه بكذا ، كما يقولون : حدثته به نفسه. قال :
وأكذب النّفس إذا حدّثتها (١)
(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ) مجاز ، والمراد : قرب علمه منه ، وأنه يتعلق بمعلومه منه ومن أحواله تعلقا لا يخفى عليه شيء من خفياته ، فكأن ذاته قريبة منه ، كما يقال : الله في كل مكان ، وقد جل عن الأمكنة. وحبل الوريد : مثل في فرط القرب ، كقولهم : هو منى مقعد القابلة ومعقد الإزار. وقال ذو الرمة :
والموت أدنى لي من الوريد (٢)
والحبل : العرق ، شبه بواحد الحبال. ألا ترى إلى قوله :
__________________
|
(١) وأكذب النفس إذا حدثها |
|
إن صدق النفس يزرى بالأمل |
|
غير أن لا تكذبنها في التقى |
|
واخزها بالبر لله الأجل |
للبيد بن ربيعة ، وسئل بشار : أى بيت قالته العرب أشعر؟ فقال تفضيل بيت واحد على الشعر كله غير سديد ، ولكنه أحسن لبيد في قوله : وأكذب النفس ، يقال : كذبه وصدقه مخففا ومشددا ، بمعنى. وما هنا من الأول للوزن ، أى : لا تصدقها إذا حدثتك بأمر وحدثتها فيه ، لأنها مثبطة عن نيل الفضائل. طامحة إلى الرذائل ، وهذا معنى «إن صدق النفس» أى : تصديقها ، يزرى بالأمل. يقال : زراه ، إذا عابه. وأزرى به : إذا أوقع به العيب ، غير أنه الحال والشأن لا تكذبها في تحديثها إياك بالتقى ، والخوف من الله ، فان مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن. ويجوز أنه ضمير المخاطب ، ولا ناهية ، وإجراء الكلام على الاستثناء يحتاج إلى تكلف في بيان المستثنى والمستثنى منه ، ويمكن إجراؤه على الاستدراك ، لكن نصب «غير» يحتاج إلى الحمل على الاستثناء» ويحتمل أن تكون «أن» مصدرية «ولا» نافية أو زائدة ، لكن تأكيد الفعل بالنون بعد النهى كثير ، وبعد النفي قليل ، ومع الإثبات في هذا شاذ أو ضرورة ، ولا بد من إجراء الكلام بهذا الوجه على الاستثناء معنى ولفظا. وقد قال القسطلاني في شرح صحيح البخاري باحتمال النهي والزيادة. وبعضهم باحتمال النفي في قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة حين حاضت في الحج : «فأقضي ما يقضى الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» وخزاه يخزوه : قهره وغلبه ، أى : واقهرها بالخير لله الأجل الأعظم ، وكأن في البر قهرا لها لمشقته عليها عادة.
(٢)
|
هل أغدون في عيشة رغيد |
|
والموت أدنى لي من الوريد |
لذي الرمة. والاستفهام إنكارى ، أى : لا أكون في عيشة واسعة والحال أن الموت أقرب إلىّ من الوريد. وروى : أوفى. والمعنى واحد. والوريدان : عرقان في مقدم صفحتي العتق ، سميا بذلك لأنهما يردان من الرأس. ولأن الروح تردهما. وقال : عيشة رغيد ، كقوله الله تعالى (إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ) وإن كان قليلا في فعيل بمعنى فاعل.
كأن وريديه رشاءا خلب (١)
والوريدان : عرقان مكتنفان لصفحتى العنق في مقدمهما متصلان بالوتين ، يردان من الرأس إليه. وقيل : سمى وريدا لأنّ الروح ترده. فإن قلت : ما وجه إضافة الحبل إلى الوريد ، والشيء لا يضاف إلى نفسه؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما : أن تكون الاضافة للبيان ، كقولهم : بعير سانية. والثاني : أن يراد حبل العاتق فيضاف إلى الوريد ، كما يضاف إلى العاتق لاجتماعهما في عضو واحد» كما لو قيل : حبل العلياء (٢) مثلا.
(إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)(١٨)
(إِذْ) منصوب بأقرب ، وساغ ذلك لأنّ المعاني تعمل في الظرف متقدّمة ومتأخرة: والمعنى : أنه لطيف يتوصل علمه إلى خطرات النفس وما لا شيء أخفى منه ، وهو أقرب من الإنسان (٣) من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به ، إيذانا بأن استحفاظ الملكين أمر هو غنى عنه ، وكيف لا يستغنى عنه وهو مطلع على أخفى الخفيات؟ وإنما ذلك لحكمة اقتضت ذلك : وهي ما في كتبة الملكين وحفظهما ، وعرض صحائف العمل يوم يقوم الأشهاد. وعلم العبد بذلك مع علمه بإحاطة الله بعمله : من زيادة لطف له في الانتهاء عن السيئات والرغبة في الحسنات. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «إنّ مقعد ملكيك على ثنيتيك ، ولسانك قلمهما ، وريقك مدادهما ، وأنت تجرى فيما لا يعنيك لا تستحي من الله تعالى ولا منهما» (٤) ويجوز أن يكون تلقى الملكين بيانا للقرب ، يعنى : ونحن قريبون منه مطلعون على أحواله مهيمنون عليه ، إذ حفظتنا وكتبتنا موكلون به ، والتلقي: التلقن بالحفظ والكتبة. والقعيد : القاعد ،
__________________
|
(١) غضنفر تلقاء عند الغضب |
|
كأن وريديه رشاءا خلب |
لرؤبة. والغضنفر : الأسد. والوريدان : عرقان يردان من الرأس يكتنفان الحلقوم. وقيل : تردهما الروح. والرشاءان : حبلان للاستقاء. والخلب ـ بضمتين ، وقد يسكن ـ : اللب والماء المخلوط بالطين. ويجوز أن يراد به هنا البئر الكدرة : شبه الشجاع بالأسد ، وشبه وريديه عند الغضب بالرشاءين ، وكأن هنا عاملة ، وهي مخففة ، وهو قليل ، والكثير إهمالها.
(٢) قوله «لو قيل حبل العلباء» هي عصب العنق ، كما في الصحاح. (ع)
(٣) قوله «وهو أقرب من الإنسان» يقال : قرب من الشيء كما يقال : قرب إليه. (ع)
(٤) أخرجه الثعلبي من رواية جميل بن الحسن عن أرطاه بن الأشعث العدوى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «مقعد ملكيك» فذكره.
كالجليس بمعنى الجالس ، وتقديره : عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد من المتلقيين ، فترك أحدهما لدلالة الثاني عليه ، كقوله :
|
... كنت منه ووالدي |
|
بريّا ....... (١) .. |
(رَقِيبٌ) ملك يرقب عمله (عَتِيدٌ) حاضر ، واختلف فيما يكتب الملكان ، فقيل : يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه. وقيل : لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه أو يؤزر به. ويدل عليه قوله عليه السلام «كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل ، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات ، فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرا ، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال : دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر» (٢) وقيل : إنّ الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه. وقرئ : ما يلفظ ، على البناء للمفعول.
(وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)(٢٢)
لما ذكر إنكارهم البعث واحتج عليهم بوصف قدرته وعلمه ، أعلمهم أن ما أنكروه وجحدوه هم لا قوه عن قريب عند موتهم وعند قيام الساعة ، ونبه على اقتراب ذلك بأن عبر عنه بلفظ الماضي ، وهو قوله (وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِ) ونفخ في الصور ، وسكرة الموت : شدّته الذاهبة بالعقل. والباء في بالحق للتعدية ، يعنى : وأحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر الذي أنطق الله به كتبه وبعث به رسله. أو حقيقة الأمر وجلية الحال : من سعادة الميت وشقاوته. وقيل : الحق الذي خلق له الإنسان ، من أن كل نفس ذائقة الموت. ويجوز أن تكون الباء مثلها في قوله (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) أى وجاءت ملتبسة بالحق ، أى : بحقيقة الأمر. أو
__________________
(١) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثاني صفحة ٥٢ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٢) أخرجه الثعلبي والبغوي من طريق جعفر عن القاسم عن أبى أمامة. ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني. وأخرجه البيهقي من هذا الوجه. ومن رواية بشر بن نمير عن القاسم نحوه. وأخرجه الطبراني من رواية ثور بن يزيد عن القاسم نحوه. وروى أبو نعيم في الحلية وابن مردويه من طريق إسماعيل بن عياش عن عاصم بن رجاء عن عروة بن رديم ، عن القاسم عن أبى أمامة وعند الطبري من طريق على بن جرير عن حماد بن سلمة عن عبد الحميد بن جعفر عن كنانة ، قال «دخل عثمان بن عفان على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال : يا رسول الله ، كم مع العبد ملك؟ ـ الحديث»
بالحكمة والغرض الصحيح ، كقوله تعالى (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) وقرأ أبو بكر وابن مسعود رضى الله عنهما : سكرة الحق بالموت ، على إضافة السكرة إلى الحق والدلالة على أنها السكرة التي كتبت على الإنسان وأوجبت له ، وأنها حكمة ، والباء للتعدية ، لأنها سبب زهوق الروح لشدتها ، أو لأنّ الموت يعقبها ، فكأنها جاءت به. ويجوز أن يكون المعنى : جاءت ومعها الموت. وقيل سكرة الحق سكرة الله ، أضيفت إليه تفظيعا لشأنها وتهويلا. وقرئ : سكرات الموت (ذلِكَ) إشارة إلى الموت ، والخطاب للإنسان في قوله (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ) على طريق الالتفات. أو إلى الحق والخطاب للفاجر (تَحِيدُ) تنفر وتهرب. وعن بعضهم : أنه سأل زيد بن أسلم عن ذلك فقال : الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحكاه لصالح بن كيسان فقال : والله ما سنّ عالية ولا لسان فصيح ولا معرفة بكلام العرب ، هو للكافر. ثم حكاهما للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس فقال : أخالفهما جميعا : هو للبر والفاجر (ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ) على تقدير حذف المضاف ، أى : وقت ذلك يوم الوعيد ، والإشارة إلى مصدر نفخ (سائِقٌ وَشَهِيدٌ) ملكان : أحدهما يسوقه إلى المحشر ، والآخر يشهد عليه بعمله. أو ملك واحد جامع بين الأمرين ، كأنه قيل : معها ملك يسوقها ويشهد عليها ، ومحل (مَعَها سائِقٌ) النصب على الحال من كل لتعرّفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة. قرئ : لقد كنت. عنك غطاءك فبصرك ، بالكسر على خطاب النفس ، أى : يقال لها لقد كنت. جعلت الغفلة كأنها غطاء غطى به جسده كله أو غشاوة غطى بها عينيه فهو لا يبصر شيئا ، فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت الغفلة عنه وغطاؤها فيبصر ما لم يبصره من الحق. ورجع بصره الكليل عن الإبصار لغفلته : حديدا لتيقظه.
(وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ)(٢٣)
(وَقالَ قَرِينُهُ) هو الشيطان الذي قيض له في قوله (نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) يشهد له قوله تعالى (قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ). (هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ) هذا شيء لدىّ وفي ملكتي عتيد لجهنم. والمعنى : أن ملكا يسوقه وآخر يشهد عليه ، وشيطانا مقرونا به ، يقول : قد أعتدته لجهنم وهيأته لها بإغوائى وإضلالى. فإن قلت : كيف إعراب هذا الكلام؟ قلت : إن جعلت (ما) موصوفة ، فعتيد : صفة لها : وإن جعلتها موصولة ، فهو بدل ، أو خبر بعد خبر. أو خبر مبتدأ محذوف.
(أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ)(٢٦)
(أَلْقِيا) خطاب من الله تعالى للملكين السابقين : السائق والشهيد : ويجوز أن يكون خطابا للواحد على وجهين : أحدهما قول المبرد : أن تثنية الفاعل نزلت منزلة تثنية الفعل لا تحادهما ، كأنه قيل : ألق ألق : للتأكيد. والثاني : أنّ العرب أكثر ما يرافق الرجل منهم اثنان ، فكثر على ألسنتهم أن يقولوا : خليلىّ وصاحبيّ ، وقفا وأسعدا ، حتى خاطبوا الواحد خطاب الاثنين عن الحجاج أنه كان يقول : يا حرسى ، اضربا عنقه. وقرأ الحسن : ألقين ، بالنون الخفيفة. ويجوز أن تكون الألف في (أَلْقِيا) بدلا من النون : إجراء للوصل مجرى الوقف (عَنِيدٍ) معاند مجانب للحق معاد لأهله (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ) كثير المنع للمال عن حقوقه ، جعل ذلك عادة له لا يبذل منه شيئا قط. أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله يحول بينه وبينهم. قيل : نزلت في الوليد بن المغيرة ، كان يمنع بنى أخيه من الإسلام ، وكان يقول : من دخل منكم فيه لم أنفعه بخير ما عشت (مُعْتَدٍ) ظالم متخط للحق (مُرِيبٍ) شاك في الله وفي دينه (الَّذِي جَعَلَ) مبتدأ مضمن معنى الشرط ، ولذلك أجيب بالفاء. ويجوز أن يكون (الَّذِي جَعَلَ) منصوبا بدلا من (كُلَّ كَفَّارٍ) ويكون (فَأَلْقِياهُ) تكريرا للتوكيد.
(قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ)(٢٧)
فإن قلت : لم أخليت هذه الجملة عن الواو وأدخلت على الأولى؟ قلت : لأنها استؤنفت كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول كما رأيت في حكاية المقاولة بين موسى وفرعون. فإن قلت ، فأين التقاول هاهنا؟ قلت : لما قال قرينه (هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ) وتبعه قوله (قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ) وتلاه (لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَ) : علم أنّ ثم مقاولة من الكافر ، لكنها طرحت لما يدل عليها ، كأنه قال : رب هو أطغانى ، فقال قرينه : ربنا ما أطغيته. وأمّا الجملة الأولى فواجب عطفها للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول ، أعنى مجيء كل نفس مع الملكين : وقول قرينه ما قال له (ما أَطْغَيْتُهُ) ما جعلته طاغيا ، وما أوقعته في الطغيان ، ولكنه طغى واختار الضلالة على الهدى كقوله تعالى : (وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي).
(قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ)(٢٩)
(قالَ لا تَخْتَصِمُوا) استئناف مثل قوله (قالَ قَرِينُهُ) كأن قائلا قال : فما ذا قال الله؟ فقيل : قال لا تختصموا. والمعنى : لا تختصموا في دار الجزاء وموقف الحساب ، فلا فائدة في اختصامكم ولا طائل تحته ، وقد أوعدتكم بعذابي على الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي ، فما تركت لكم
حجة علىّ ، ثم قال : لا تطمعوا أن أبدل قولي ووعيدى فأعفيكم عما أوعدتكم به (وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) فأعذب من ليس بمستوجب للعذاب. والباء في (بِالْوَعِيدِ) مزيدة مثلها في (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) أو معدية ، على أن «قدّم» مطاوع بمعنى «تقدّم» ويجوز أن يقع الفعل على جملة قوله (ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ويكون (بِالْوَعِيدِ) حالا ، أى : قدّمت إليكم هذا ملتبسا بالوعيد مقترنا به. أو قدّمته إليكم موعدا لكم به. فإن قلت : إنّ قوله (وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ) واقع موقع الحال من (لا تَخْتَصِمُوا) والتقديم بالوعيد في الدنيا والخصومة في الآخرة واجتماعها في زمان واحد واجب. قلت : معناه ولا تختصموا وقد صح عندكم أنى قدمت إليكم بالوعيد ، وصحة ذلك عندهم في الاخرة. فإن قلت : كيف قال (بِظَلَّامٍ) على لفظ المبالغة (١)؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما : أن يكون من قولك : هو ظالم لعبده ، وظلام لعبيده. والثاني : أن يراد لو عذبت من لا يستحق العذاب لكنت ظلاما مفرط الظلم ، فنفى ذلك.
(يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)(٣٠)
قرئ : نقول ، بالنون والياء. وعن سعيد بن جبير : يوم يقول الله لجهنم. وعن ابن مسعود والحسن : يقال. وانتصاب اليوم بظلام أو بمضمر ، نحو : أذكر وأنذر. ويجوز أن ينتصب بنفخ ، كأنه قيل. ونفخ في الصور يوم نقول لجهنم. وعلى هذا يشار بذلك إلى يوم نقول ، ولا يقدّر حذف المضاف. وسؤال جهنم وجوابها من باب التخييل (٢) الذي يقصد به تصوير
__________________
(١) قال محمود : «إن قلت كيف جاء على لفظ المبالغة ... الخ» قال أحمد : وذكر فيه وجهان آخران ، أحدهما أن فعالا قد ورد بمعنى فاعل ، فهذا منه. الثاني : أن المنسوب في المعتاد إلى الملوك من الظلم تحت ظلمهم : إن عظيما فعظيم ، وإن قليلا فقليل ، فلما كان ملك الله تعالى على كل شيء ملكه قدس ذاته عما يتوهم مخذول والعياذ بالله أنه منسوب إليه من ظلم تحت شمول كل موجود ، ولقد بدل القدرية فتوهموا أن الله تعالى لم يأمر إلا بما أراده وبما هو من خلق العبد ، بناء على أنه لو كلف على خلاف ما أراد وبما ليس من خلق العبد لكان تكليفا بما لا يطاق ، واعتقدوا أن ذلك ظلم في الشاهد ، فلو ثبت في الغائب لكان كما هو في الشاهد ظلما ، والله تعالى مبرأ من الظلم. ألا ترى هذا المعتقد كيف لزمهم عليه أن يكون الله تعالى ظلاما لعبيده ، تعالى الله عن ذلك ، لأن الحق الذي قامت بصحته البراهين : هو عين ما اعتقدوه ظلما فنفوه ، فلمثلهم وردت هذه الآية وأشباهها ، لتبين الناس ما نزل إليهم ، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، والله الموفق للصواب.
(٢) قال محمود : «سؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تصوير المعنى ... الخ» قال أحمد : قد تقدم إنكارى عليه إطلاق التخييل في غير ما موضع ، والنكير هاهنا أشد عليه ، فان إطلاق التخييل قد مضى له في مثل قوله (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ) وفي مثل قوله (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) وإنما أراد به حمل الأيدى على نوع من المجاز ، فمعنى كلامه صحيح ، لأنا نعتقد فيهما المجاز ، وندين الله بتقديسه عن المفهوم الحقيقي ، فلا بأس عليه في معنى إطلاقه ، غير أنا مخاطبون باجتناب الألفاظ الموهمة في حق جلال الله تعالى وإن كانت معانيها صحيحة ، وأى إيهام أشد من إيهام لفظ التخييل. ألا ترى كيف استعمله الله فيما أخبر أنه سحر وباطل في قوله (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ
المعنى في القلب وتثبيته ، وفيه معنيان ، أحدهما : أنها تمتلئ مع اتساعها وتباعد أطرافها حتى لا يسعها شيء (١) ولا يزاد على امتلائها ، لقوله تعالى (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) والثاني : أنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيها موضع للمزيد. ويجوز أن يكون (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) استكثارا للداخلين فيها واستبداعا للزيادة (٢) عليهم لفرط كثرتهم. أو طلبا للزيادة غيظا على العصاة. والمزيد : إما مصدر كالمحيد والمميد ، وإما اسم مفعول كالمبيع.
(وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ)(٣٥)
(غَيْرَ بَعِيدٍ) نصب على الظرف ، أى : مكانا غير بعيد. أو على الحال ، وتذكيره لأنه على زنة المصدر ، كالزئير والصليل ، والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث. أو على حذف الموصوف ، أى : شيئا غير بعيد ، ومعناه التوكيد ، كما تقول : هو قريب غير بعيد ، وعزيز غير ذليل. وقرئ : توعدون بالتاء والياء ، وهي جملة اعتراضية. و (لِكُلِّ أَوَّابٍ) بدل من قوله للمتقين ، بتكرير الجارّ كقوله تعالى (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) ، وهذا إشارة إلى الثواب. أو إلى مصدر أزلفت. والأوّاب : الرجاع إلى ذكر الله تعالى ، والحفيظ : الحافظ لحدوده تعالى. و (مَنْ خَشِيَ) بدل بعد بدل تابع لكل. ويجوز أن يكون بدلا عن موصوف أوّاب وحفيظ ، ولا يجوز أن يكون في حكم أوّاب وحفيظ ، لأنّ من لا يوصف به
__________________
ـ أَنَّها تَسْعى) فلا يشك في وجوب اجتنابه ، ثم يعود بنا الكلام إلى إطلاقه هاهنا فنقول : هو منكر لفظا ومعنى. أما اللفظ فقد تقدم ، وأما المعنى فلأنا نعتقد أن سؤال جهنم وجوابها حقيقة ، وأن الله تعالى يخلق فيها الإدراك بذلك بشرطه ، وكيف نفرض وقد وردت الأخبار وتظاهرت على ذلك : منها هذا : ومنها : لجاج الجنة والنار. ومنها : اشتكاؤها إلى ربها فأذن لها في نفسين. وهذه وإن لم تكن نصوصا فظواهر يجب حملها على حقائقها ، لأنا متعبدون باعتقاد الظاهر ما لم يمنع مانع ، ولا مانع هاهنا «فان القدرة صالحة. والعقل يجوز ، والظواهر قاضية بوقوع ما صوره العقل ، وقد وقع مثل هذا قطعا في الدنيا ، كتسليم الشجر وتسبيح الحصا في كف النبي صلى الله عليه وسلم وفي يد أصحابه ، ولو فتح باب المجاز والعدول عن الظواهر في تفاصيل المقالة لا تسع الخرق وضل كثير من الخلق عن الحق ، وليس هذا كالظواهر الواردة في الإلهيات مما لم يجوز العقل اعتقاد ظاهرها ، فان العدول فيها عن ظاهر الكلام بضرورة الانقياد إلى أدلة العقل المرشدة إلى المعتقد الحق ، فاشدد يدك بما فصل في هذا الفصل ، مما أرشدتك به إلى منهج القرب والوصل ، والله الموفق.
(١) قوله «حتى لا يسعها شيء» كأن فيه قلبا. (ع)
(٢) قوله «واستيداعا للزيادة» لعله واستبعادا. (ع)
ولا يوصف من بين الموصولات إلا بالذي وحده. ويجوز أن يكون مبتدأ خبره : يقال لهم ادخلوها بسلام ، لأنّ (مَنْ) في معنى الجمع. ويجوز أن يكون منادى كقولهم : من لا يزال محسنا أحسن إلىّ ، وحذف حرف النداء للتقريب (بِالْغَيْبِ) حال من المفعول ، أى : خشيه وهو غائب لم يعرفه ، وكونه معاقبا إلا بطريق الاستدلال. أو صفة لمصدر خشي ، أى خشيه خشية ملتبسة بالغيب ، حيث خشي عقابه وهو غائب ، أو خشيه بسبب الغيب الذي أوعده به من عذابه. وقيل : في الخلوة حيث لا يراه أحد. فإن قلت : كيف قرن بالخشية اسمه الدال على سعة الرحمة؟ (١) قلت : للثناء البليغ على الخاشى وهو خشيته ، مع علمه أنه الواسع الرحمة ، كما أثنى عليه بأنه خاش ، مع أنّ المخشى منه غائب ، ونحوه (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) فوصفهم بالوجل مع كثرة الطاعات. وصف القلب بالإنابة وهي الرجوع إلى الله تعالى ، لأنّ الاعتبار بما ثبت منها في القلب. يقال لهم (ادْخُلُوها بِسَلامٍ) أى سالمين من العذاب وزوال النعم. أو مسلما عليكم يسلم عليكم الله وملائكته (ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ) أى يوم تقدير الخلود ، كقوله تعالى (فَادْخُلُوها خالِدِينَ) أى مقدرين الخلود (وَلَدَيْنا مَزِيدٌ) هو ما لم يخطر ببالهم ولم تبلغه أمانيهم ، حتى يشاؤه. وقيل : إن السحاب تمرّ بأهل الجنة فتمطرهم الحور ، فتقول : نحن المزيد الذي قال الله عز وجل : (وَلَدَيْنا مَزِيدٌ).
(وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ)(٣٦)
(فَنَقَّبُوا) وقرئ بالتخفيف : فخرقوا في البلاد ودوّخوا (٢). والتنقيب : التنقير عن الأمر والبحث والطلب. قال الحرث بن حلزة :
|
نقّبوا في البلاد من حذر الموت |
|
وجالوا في الأرض كلّ مجال (٣) |
ودخلت الفاء للتسبيب عن قوله (هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً) أى : شدّة بطشهم أبطرتهم وأقدرتهم على التنقيب وقوّتهم عليه. ويجوز أن يراد : فنقب أهل مكة في أسفارهم ومسايرهم في بلاد القرون ،
__________________
(١) قال محمود : «إن قلت : كيف قرن الخشية باسمه الدال على سعة الرحمة ... الخ» قال أحمد : ومن هذا الوادي بالغ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثناء على صهيب بقوله : «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه».
(٢) قوله «ودوخوا» الذي في الصحاح : أن دوخ البلاد بمعنى قهرها واستولى على أهلها. (ع)
(٣) للحرث بن كلدة. والنقب : الطريق. ونقبوا ، أى : ساروا في طرق البلاد ونقروا وفتشوا على مهرب وملجأ ، لأجل حذرهم من الموت. وجالوا ، أى : ذهبوا في الأرض. والجول : الناحية والجانب ، أى : ساروا في نواحي الأرض وجوانبها ، كل مجال ، أى : كل طريق ، أو كل جولان ، لأن مفعل صالح للمكان والحدث.
فهل رأوا لهم محيصا حتى يؤملوا مثله لأنفسهم ، والدليل على صحته قراءة من قرأ (فَنَقَّبُوا) على الأمر ، كقوله تعالى (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ) وقرئ بكسر القاف مخففة من النقب وهو أن يتنقب خف البعير. قال :
ما مسّها من نقب ولا دبر (١)
والمعنى : فنقبت أخفاف إبلهم. أو : حفيت أقدامهم ونقبت ، كما تنقب أخفاف الإبل لكثرة طوفهم في البلاد (هَلْ مِنْ مَحِيصٍ) من الله ، أو من الموت.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)(٣٧)
(لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ) أى قلب واع ، لأنّ من لا يعي قلبه فكأنه لا قلب له. وإلقاء السمع : الإصغاء (وَهُوَ شَهِيدٌ) أى حاضر بفطنته ، لأنّ من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب ، وقد ملح الإمام عبد القاهر في قوله لبعض من يأخذ عنه :
|
ما شئت من زهزهة والفتى |
|
بمصقلاباذ لسقى الزروع (٢) |
__________________
|
(١) أقسم بالله أبو حفص عمر |
|
ما مسها من نقب ولا دبر |
|
اغفر له اللهم إن كان فجر |
||
لأعرابى : شكا إلى عمر رضى الله عنه ضعف ناقته ، فأعطاه شيئا من الدقيق ولم يعطه مطية ، فولى يقول ذلك ، فأعطاه مراده. ومن زائدة في الفاعل ، مفيدة للمبالغة في الاستغراق. والنقب ـ كالتعب ـ : ضرر خف البعير من الحفا ، ويطلق على الجرب والحكة ورقة الجلد. والدبر كالتعب أيضا : انجراح مؤخر الظهر من الحمل ونحوه ، ووقوع ألف الوصل أول المصراع سائغ ، لأنها محل ابتداء ، كما نص عليه الخليل ، والمراد بالفجور : الحنث.
|
(٢) يجيء في فضلة وقت له |
|
مجيء من شاب الهوى بالنزوع |
|
ثم يرى جبلة مشبوبة |
|
قد شددت أحماله بالنسوع |
|
ما شئت من زهزهة والفتى |
|
بمصقلاباذ لسقى الزروع |
ملح ولمح به الامام عبد القاهر في بعض من يأخذ عنه ولا يحضر ذهنه ، وهو أبو عامر الجرجاني ، أى : يجيء في بقية وقت له مع تعلق فكره بغير ما جاء له ، كمجيء من خلط الهوى بالنزوع ، أى الرجوع ويطلق النزوع على الشوق أيضا ، ثم يرى خلقة وطبيعة غليظة مشعلة بشهوات الشباب. والجبلة ـ بكسرتين فتشديد ، وبتثليث أوله وسكون ثانيه ـ : الخلقة والطبيعة ، ولعلها مضافة لما بعدها إضافة الموصوف لصفته. ويقال : شب يشب ويشب شبابا وشبيا : قمص ولعب. وشببت النار شبا وشبوبا : أوقدتها. وشببته : أظهرته. وأشببته : هيجته. ويروى : ثم ترى جلسة مستوفز ، أى : مستعجل متهيأ للقيام. وهذه الرواية أوفق بالوزن والمعنى. والنسع : حزام عريض يوضع تحت صدر المطية ، وستر الهودج ، واسترخاء لحم الأسنان ، وريح الشمال ، والذهاب ، وسرعة الانبات. وجمعه : أنساع ونسوع ونسع. أى : والحال أنه قد شددت أحماله بالنسوع ، كناية عن الرحيل. ويقول الفارسي عند استحسان الأمر : زهازه ، فأخذ منه الزهزهة ، أى : ما شئت من الاستحسان عند التعلم موجود منه كثير ، والخطاب لغير معين ، والحال أن الفتى في مصقلاباد ، وهي محلة بجرجان ، ويروى بالذال المعجمة ، أى : كائن ـ
أو : وهو مؤمن شاهد على صحته وأنه وحى من الله ، أو وهو بعض الشهداء في قوله تعالى (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) وعن قتادة وهو شاهد على صدقه من أهل الكتاب لوجود نعته عنده وقرأ السدى وجماعة : ألقى السمع ، على البناء للمفعول. ومعناه : لمن ألقى غيره السمع وفتح له أذنه فحسب ولم يحضر ذهنه وهو حاضر الذهن متفطن. وقيل : ألقى سمعه أو السمع منه.
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ)(٣٨)
اللغوب : الإعياء. وقرئ بالفتح بزنة القبول والولوع. قيل : نزلت في اليهود لعنت تكذيبا لقولهم : خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام أوّلها الأحد وآخرها الجمعة ، واستراح يوم السبت واستلقى على العرش. وقالوا : إنّ الذي وقع من التشبيه في هذه الأمة إنما وقع من اليهود ومنهم أخذ.
(فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ)(٤٣)
(فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ) أى اليهود ويأتون به من الكفر والتشبيه. وقيل : فاصبر على ما يقول المشركون من إنكارهم البعث ، فإنّ من قدر على خلق العالم قدر على بعثهم والانتقام منهم. وقيل : هي منسوخة بآية السيف. وقيل : الصبر مأمور به في كل حال (بِحَمْدِ رَبِّكَ) حامدا ربك ، والتسبيح محمول على ظاهره أو على الصلاة ، فالصلاة (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) الفجر (وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) الظهر والعصر (وَمِنَ اللَّيْلِ) العشا آن. وقيل التهجد (وَأَدْبارَ السُّجُودِ) التسبيح في آثار الصلوات ، والسجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة. وقيل النوافل بعد المكتوبات. وعن على رضى الله عنه : الركعتان بعد المغرب. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم «من صلى بعد المغرب قبل أن يتكلم كتبت صلاته في عليين» (١) وعن ابن عباس رضى الله
__________________
ـ هناك لسقى زروعه. لما كان قلبه غير متعلق إلا بذلك المكان ، كان جسمه كأنه هناك ، ولقد ترقى في التشبيه حيث شبهه بمن خلط الهوى بغيره تشبيها بليغا. ثم بمن تهيأ للرحيل على سبيل التمثيل ، ثم بمن سافر بالفعل ووصل مقصده واشتغل بما فيه تشبيها بليغا ، فلله دره بليغا.
(١) أخرجه ابن أبى شيبة وعبد الرزاق من رواية عبد العزيز بن عمر : سمعت مكحولا يقول : بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من صلى ركعتين بعد المغرب قبل أن يتكلم كتبتا ـ أو قال رفعتا ـ في عليين» هذا
عنهما : الوتر بعد العشاء. والأدبار : جمع دبر. وقرئ : وأدبار ، من أدبرت الصلاة إذا انقضت وتمت. ومعناه : ووقت انقضاء السجود ، كقولهم : آتيك خفوق النجم (وَاسْتَمِعْ) يعنى واستمع لما أخبرك به من حال يوم القيامة. وفي ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبر به والمحدّث عنه ، كما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل : «يا معاذ اسمع ما أقول لك» ، ثم حدّثه بعد ذلك (١). فإن قلت : بم انتصب اليوم؟ قلت : بما دل عليه (ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) أى : يوم ينادى المنادى يخرجون من القبور. ويوم يسمعون : بدل من (يَوْمَ يُنادِ) و (الْمُنادِ) إسرافيل ينفخ في الصور وينادى : أيتها العظام البالية والأوصال المنقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرّقة إنّ الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وقيل : إسرافيل ينفخ وجبريل ينادى بالحشر (مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ) من صخرة بيت المقدس ، وهي أقرب الأرض من السماء باثنى عشر ميلا ، وهي وسط الأرض. وقيل : من تحت أقدامهم. وقيل : من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة : أيتها العظام البالية ـ و (الصَّيْحَةَ) النفخة الثانية (بِالْحَقِ) متعلق بالصيحة ، والمراد به البعث والحشر للجزاء.
(يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ)(٤٤)
وقرئ : تشقق ، وتشقق بإدغام التاء في الشين ، وتشقق على البناء للمفعول ، وتنشق (سِراعاً) حال من المجرور (عَلَيْنا يَسِيرٌ) تقديم الظرف يدل على الاختصاص ، يعنى : لا يتيسر مثل ذلك الأمر العظيم إلا على القادر الذات الذي لا يشغله شأن عن شأن ، كما قال تعالى (ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ).
(نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ)(٤٥)
(نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ) تهديد لهم وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم (بِجَبَّارٍ) كقوله تعالى (بِمُصَيْطِرٍ) حتى تقسرهم على الإيمان ، إنما أنت داع وباعث (٢). وقيل : أريد التحلم عنهم وترك الغلظة عليهم. ويجوز أن يكون من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه ، أى : ما أنت
__________________
ـ مرسل. وقد روى موصولا عن أنس عن عائشة رضى الله عنهما. أما حديث أنس فرواه الدارقطني في غرائب مالك ، من رواية أحمد بن سليمان الأسدى عنه عن الزهري عن أنس به وأتم منه. وقال. هذا موضوع على مالك. وأما حديث عائشة فرواه ابن شاهين في الترغيب. وفي إسناده جعفر بن جميع
(١) لم أجده.
(٢) قوله «إنما أنت داع وباعث» أى : تبعث الناس على الايمان. (ع)
بوال عليهم تجبرهم على الإيمان. وعلى بمنزلته في قولك : هو عليهم ، إذا كان واليهم ومالك أمرهم (مَنْ يَخافُ وَعِيدِ) كقوله تعالى (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها) لأنه لا ينفع إلا فيه دون المصر على الكفر.
عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : «من قرأ سورة ق هوّن الله عليه تارات (١) الموت وسكراته» (٢).
سورة الذاريات
مكية وآياتها ٦٠ [نزلت بعد الأحقاف]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ)(٦)
(وَالذَّارِياتِ) الرياح لأنها تذرو التراب وغيره. قال الله تعالى : (تَذْرُوهُ الرِّياحُ) وقرئ بإدغام التاء في الذال (فَالْحامِلاتِ وِقْراً) السحاب ، لأنها تحمل المطر. وقرئ : وقرأ ، بفتح الواو على تسمية المحمول بالمصدر. أو على إيقاعه موقع حملا (فَالْجارِياتِ يُسْراً) الفلك. ومعنى (يُسْراً) : جريا ذا يسر ، أى ذا سهولة (فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً) الملائكة ، لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها. أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك. وعن مجاهد : تتولى تقسيم أمر العباد : جبريل للغلظة ، وميكائيل للرحمة. وملك الموت لقبض الأرواح ، وإسرافيل للنفخ. وعن علىّ رضى الله عنه أنه قال وهو على المنبر : سلوني قبل أن لا تسألونى ، ولن تسألوا بعدي مثلي ، فقام ابن الكوّاء فقال : ما الذاريات ذروا؟ قال : الرياح. قال : فالحاملات وقرا؟
__________________
(١) قوله «هون الله عليه تارات الموت» في الصحاح : فعل ذلك الأمر تارة بعد تارة ، أى : مرة بعد مرة. (ع)
(٢) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي من حديث أبى بن كعب رضى الله عنه.
قال السحاب. قال : فالجاريات يسرا؟ قال : الفلك. قال فالمقسمات أمرا؟ قال : الملائكة (١) وكذا عن ابن عباس. وعن الحسن (فَالْمُقَسِّماتِ) السحاب ، يقسم الله بها أرزاق العباد ، وقد حملت على الكواكب السبعة ، ويجوز أن يراد : الرياح لا غير ، لأنها تنشئ السحاب وتقله وتصرفه ، وتجرى في الجوّ جريا سهلا ، وتقسم الأمطار بتصريف السحاب. فإن قلت : ما معنى الفاء على التفسيرين؟ قلت : أمّا على الأوّل فمعنى التعقيب فيها أنه تعالى أقسم بالرياح ، فبالسحاب الذي تسوقه ، فبالفلك التي تجريها بهبوبها ، فبالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر ومنافعه. وأمّا على الثاني ، فلأنها تبتدئ بالهبوب (٢) ، فتذرو التراب والحصباء ، فتنقل السحاب ، فتجرى في الجوّ باسطة له فتقسم المطر (إِنَّ ما تُوعَدُونَ) جواب القسم ، وما موصولة أو مصدرية ، والموعود : البعث. ووعد صادق : كعيشة راضية. والدين : الجزاء ، والواقع : الحاصل.
(وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ)(٩)
(الْحُبُكِ) الطرائق ، مثل حبك الرمل والماء : إذا ضربته الريح ، وكذلك حبك الشعر : آثار تثنيه وتكسره. قال زهير :
|
مكلّل بأصول النّجم تنسجه |
|
ريح خريق لضاحى مائه حبك (٣) |
__________________
(١) أخرجه الحاكم والطبري. وغيرهما من رواية أبى الطفيل قال : رأيت على بن أبى طالب رضى الله عنه على المنبر فذكره وزاد فيه : قال «فمن الذين بدلوا نعمة الله كفرا؟ قال : هم منافقو قريش» وفي الباب عن عمر مرفوعا أخرجه البزار ، وفيه قصة منبع ، وقال ابن أبى سيرة : لين الحديث ، وسعيد بن سلام ليس من أصحاب الحديث اه ولم ينفرد به سعيد فقد رواه ابن مردويه من طريق عبيد بن موسى عن أبى سبرة أيضا.
(٢) قوله «فلأنها تبتدئ بالهبوب» لعله : فإنها. (ع)
|
(٣) حتى استغاثت بماء لا رشاء له |
|
من الأباطح في حافاته البرك |
|
مكلل بأصول النجم تنسجه |
|
ريح خريق لضاحى مائه حبك |
|
كما استغاث بسيء فز غيطلة |
|
خاف العيون ولم ينظر به الحشك |
لزهير : يصف قطاة فرت من صفر حتى استغاثت منه بماء قريب لا رشاء له ، أى : لا حبل يستقى به منه لعدم احتياجه إليه من الأباطح ، أى : في الأمكنة المتسعة المستوية ، فان أراد من الماء مكانه ، فمن بيانية ، في حاماته أى جوانبه البرك جمع بركة ، كرطب ورطبة نوع من طير الماء يكلل ذلك الماء بأصول النجم ، أى : النبات الذي لا ساق له. وروى بعميم النجم ، أى : طويله ، تنسجه : أى تثنيه تثنيا منتظما كالنسج ، فهو استعارة مصرحة. والخريق ـ بالقاف ـ : الباردة والشديدة السير. والضاحي : الظاهر. والحبك : الطريق في وجه الماء إذا ضربته الريح ، جمع حباك أو حبيكة. والسيئ بالفتح وبالكسر : اللبن في طرف الثدي. والفز : ولد البقرة الوحشية. والغيطلة : الشجر الملتف ، فاضافة الفز إليها لأنه فيها. وقيل : هي البقرة الوحشية. والعيون هنا : رقباء الصيد ـ
والدرع محبوكة : لأنّ حلقها مطرق طرائق. ويقال : إنّ خلقة السماء كذلك. وعن الحسن : حبكها نجومها. والمعنى : أنها تزينها كما تزين الموشى طرائق الوشي. وقيل : حبكها صفاقتها وإحكامها ، من قولهم : فرس محبوك المعاقم ، (١) أى محكمها. وإذا أجاد الحائك الحياكة قالوا : ما أحسن حبكه ، وهو جمع حباك ، كمثال ومثل. أو حبيكة ، كطريقة وطرق. وقرئ : الحبك ، بوزن القفل. والحبك ، بوزن السلك. والحبك ، بوزن الجبل. والحبك بوزن البرق. والحبك بوزن النعم. والحبك بوزن الإبل (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) قولهم في الرسول : ساحر وشاعر ومجنون ، وفي القرآن : شعر وسحر وأساطير الأولين. وعن الضحاك : قول الكفرة لا يكون مستويا ، إنما هو متناقض مختلف. وعن قتادة : منكم مصدّق ومكذب ، ومقرّ ومنكر (يُؤْفَكُ عَنْهُ) الضمير للقرآن أو للرسول ، أى : يصرف عنه ، من صرف الصرف الذي لا صرف أشد منه (٢) وأعظم ، كقوله : لا يهلك على الله إلا هالك. وقيل : يصرف عنه من صرف في سابق علم الله ، أى : علم فيما لم يزل أنه مأفوك عن الحق لا يرعوى. ويجوز أن يكون الضمير لما توعدون أو للدين : أقسم بالذاريات على أن وقوع أمر القيامة حق ، ثم أقسم بالسماء على أنهم في قول مختلف في وقوعه ، فمنهم شاك ، ومنهم جاحد. ثم قال : يؤفك عن الإقرار بأمر القيامة من هو المأفوك. ووجه آخر : وهو أن يرجع الضمير إلى قول مختلف وعن مثله في قوله :
ينهون عن أكل وعن شرب (٣)
أى : يتناهون في السمن بسبب الأكل والشرب. وحقيقته : يصدر تناهيهم في السمن عنهما ،
__________________
ـ وجواسيسه. وحشكت الدرة باللبن حشكا وحشوكا : امتلأت به. وحرك الحشك هنا للضرورة ، أى : لم ينتظر به امتلاء الدرة ، ولعمري نعمت هذه الاستغاثة. وفيه دلالة على أنها كانت ظمآنة.
(١) قوله «فرس محبوك المعاقم» في الصحاح : المعاقم من الخيل : المفاصل ، فالراسغ عند الحافر معقم ، والركبة معقم ، والعرقوب معقم. اه (ع)
(٢) قال محمود : «يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا صرف أشد منه ... الخ» قال أحمد : إنما أفاد هذا النظم المعنى الذي ذكر من قبل أنك إذا قلت : يصرف عنه من صرف ، علم السامع أن قولك يصرف عنه يغنى عن قولك من صرف ، لأنه بمجرده كالتكرار للأول ، لو لا ما يستشعر فيه من فائدة تأبى جعله تكرارا ، وتلك الفائدة أنك لما خصصت هذا بأنه هو الذي صرف ، أفهم أن غيره لم يصرف ، فكأنك قلت : لا يثبت الصرف في الحقيقة إلا لهذا ، وكل صرف دونه فكلا صرف بالنسبة إليه ، والله تعالى أعلم.
|
(٣) ينهون عن أكل وعن شرب |
|
مثل المها يرتعن في خصب |
يقال : نهي الجمل فهو ناه ، إذا فرط في السمن. والمها : جمع مهاة وهي البقرة الوحشية. ويقال : أخصب المكان فهو مخصب ، وأخصبه الله. وخصب خصبا ، كتعب تعبا ، وعلم علما : إذا كثر كلأه ونباته. يصف أضيافا بأنهم يصدر تناهيهم وسمنهم عن الأكل والشرب. وشبههم بالمها اللاتي يرتعن في الكلأ ، فالخصب في الأصل : مصدر سمى به الكلأ.
وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف. وقرأ سعيد بن جبير : يؤفك عنه من أفك ، على البناء للفاعل. أى : من أفك الناس عنه وهم قريش ، وذلك أنّ الحي كانوا يبعثون الرجل ذا العقل والرأى ليسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقولون له : احذره ، فيرجع فيخبرهم. وعن زيد بن على : يأفك عنه من أفك ، أى : يصرف الناس عنه من هو مأفوك في نفسه. وعنه أيضا : يأفك عنه من أفك ، أى : يصرف الناس عنه من هو أفاك كذاب. وقرئ : يؤفن عنه من أفن ، أى : يحرمه من حرم ، من أفن الضرع إذا نهكه حلبا.
(قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١) يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) (١٤)
(قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) دعاء عليهم ، كقوله تعالى (قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ) وأصله الدعاء بالقتل والهلاك ، ثم جرى مجرى : لعن وقبح. والخرّاصون : الكذابون المقدرون ما لا يصح ، وهم أصحاب القول المختلف ، واللام إشارة إليهم ، كأنه قيل : قتل هؤلاء الخراصون. وقرئ : قتل الخراصين ، أى : قتل الله (فِي غَمْرَةٍ) في جهل يغمرهم (ساهُونَ) غافلون عما أمروا به (يَسْئَلُونَ) فيقولون (أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ) أى متى يوم الجزاء. وقرئ بكسر الهمزة وهي لغة. فإن قلت : كيف وقع أيان ظرفا لليوم ، وإنما تقع الأحيان ظروفا للحدثان؟ قلت : معناه : أيان وقوع يوم الدين. فإن قلت : فبم انتصب اليوم الواقع في الجواب؟ قلت : بفعل مضمر دل عليه السؤال ، أى : يقع يوم هم على النار يفتنون. ويجوز أن يكون مفتوحا لإضافته إلى غير متمكن وهي الجملة. فإن قلت : فما محله مفتوحا؟ قلت : يجوز أن يكون محله نصبا بالمضمر الذي هو يقع ، ورفعا على هو يوم هم على النار يفتنون. وقرأ ابن أبى عيلة بالرفع (يُفْتَنُونَ) يحرقون ويعذبون. ومنه الفتين : وهي الحرّة ، لأن حجارتها كأنها محرقة (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ) في محل الحال ، أى : مقولا لهم هذا القول (هذَا) مبتدأ ، و (الَّذِي) خبره ، أى : هذا العذاب هو الذي (كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) ويجوز أن يكون هذا بدلا من فتنتكم ، أى : ذوقوا هذا العذاب.
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧)
وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)(١٩)
(آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ) قابلين لكل ما أعطاهم راضين به ، يعنى أنه ليس فيما آتاهم إلا ما هو متلقى بالقبول مرضى غير مسخوط ، لأن جميعه حسن طيب. ومنه قوله تعالى (وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ) أى يقبلها ويرضاها (مُحْسِنِينَ) قد أحسنوا أعمالهم ، وتفسير إحسانهم ما بعده (ما) مزيدة. والمعنى : كانوا يهجعون في طائفة قليلة من الليل إن جعلت قليلا ظرفا ، ولك أن تجعله صفة للمصدر ، أى : كانوا يهجعون هجوعا قليلا. ويجوز أن تكون (ما) مصدرية أو موصولة ، على : كانوا قليلا من الليل هجوعهم ، أو ما يهجعون فيه. وارتفاعه بقليلا على الفاعلية (١). وفيه مبالغات لفظ الهجوع ، وهو الفرار من النوم (٢). قال :
|
قد حصت البيضة رأسى فما |
|
أطعم نوما غير تهجاع (٣) |
وقوله (قَلِيلاً) و (مِنَ اللَّيْلِ) لأن الليل وقت السبات والراحة ، وزيادة (ما) المؤكدة لذلك :
__________________
(١) ذكر الزمخشري فيه وجهين أن تكون ما زائدة وقليلا ظرف منتصب بيهجعون ، أى : كانوا يهجعون في طائفة قليلة من الليل. أو تكون (ما) مصدرية أو موصولة على : كانوا قليلا من الليل هجوعهم. أو ما يهجعون فيه ، وارتفاعه بقليلا على الفاعلية» قال أحمد : وجوه مستقيمة خلا جعل (ما) مصدرية ، فان قليلا حينئذ واقع على الهجوع ، لأنه فاعله. وقوله (مِنَ اللَّيْلِ) لا يستقيم أن يكون صفة للقليل ولا بيانا له ، ولا يستقيم أن يكون «من» صلة المصدر لأنه تقدم عليه ، ولا كذلك على أنها موصولة ، فان قليلا حينئذ واقع على الليل ، كأنه قال : قليلا المقدار الذي كانوا يهجعون فيه من الليل ، فلا مانع أن يكون (مِنَ اللَّيْلِ) بيانا للقليل على هذا الوجه ، وهذا الذي ذكره إنما تبع فيه الزجاج. وقد رد الزمخشري أن تكون ما نفيا وقليلا منصوب بيهجعون على تقدير : كانوا ما يهجعون قليلا من الليل ، وأسند رده إلى امتناع تقدم ما في حيز النفي عليه. قلت : وفيه خلل من حيث المعنى ، فان طلب قيام جميع الليل غير مستثنى منه الهجوع وإن قل غير ثابت في الشرع ولا معهود. ثم قال : وصفهم بأنهم يحيون الليل متهجدين ، فإذا اسحروا شرعوا في الاستغفار. كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم. قال : وقوله (هُمْ) معناه : هم الأحقاء بالاستغفار دون المصرين. قال : وفي الآية مبالغات منها لفظ الهجوع وهو الخفيف الفرار من النوم. قال : وقوله : (قَلِيلاً) وقوله (مِنَ اللَّيْلِ) لأنه وقت السبات. قال : ومنها زيادة ما في بعض الوجوه. قلت : وفي عدها من المبالغة نظر ، فإنها تؤكد الهجوع وتحققه ، إلا أن يجعلها بمعنى القلة فيحتمل.
(٢) قوله «وهو الفرار من النوم» في الصحاح : الفرار بالكسر : النوم القليل اه. (ع)
|
(٣) قد حصت البيضة رأسى فما |
|
أطعم نوما غير تهجاع |
|
أسعى على جل بنى مالك |
|
كل امرئ في شأنه ساع |
لقيس بن الأسلت. وحصت : أهلكت أو حلقت ، البيضة التي تلبس على الرأس في الحرب ، أى حلقت شعر رأسى من دوام لبسها للحرب. وشبه النوم بالمطعوم لاستلذاذ مباديه على طريق المكنية ، وأطعم : أى أتناول تخييل لذلك والتهجاع : التغافل قليلا لطرد النوم ، فالاستثناء منقطع. وجلهم : مهم أمورهم ومعظمها كالغارات يدفعها عنهم. وروى : على حبل بنى مالك ، وعليه فشبه العهد بالحبل للتوثق والتوصل بكل على طريق التصريحية ، أى : أسعى في شأنى متمسكا بعهدهم ، وعلى الأول فقوله «كل امرى في شأنه ساع» فيه دلالة على إلزام نفسه بشأنهم ، وأنه شأنه
وصفهم بأنهم يحيون الليل متهجدين ، فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار ، كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم. وقوله (هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) فيه أنهم هم المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرين ، فكأنهم المختصون به لاستدامتهم له وإطنابهم فيه. فإن قلت : هل يجوز أن تكون ما نافية كما قال بعضهم ، وأن يكون المعنى : أنهم لا يهجعون من الليل قليلا ، ويحيونه كله؟ قلت : لا ، لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. تقول : زيدا لم أضرب ، ولا تقول. زيدا ما ضربت : السائل : الذي يستجدى (وَالْمَحْرُومِ) الذي يحسب غنيا فيحرم الصدقة لتعففه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : «ليس المسكين الذي تردّه الأكلة والأكلتان واللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان» قالوا : فما هو؟ قال «الذي لا يجد ولا يتصدق عليه» (١) وقيل : الذي لا ينمى له مال. وقيل : المحارف (٢) الذي لا يكاد يكسب.
(وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ)(٢١)
(وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ) تدل على الصانع وقدرته وحكمته وتدبيره حيث هي مدحوّة كالبساط لما فوقها كما قال (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً) وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها والماشين في مناكبها ، وهي مجزأة : فمن سهل وجبل وبر وبحر : وقطع متجاورات : من صلبة ورخوة ، وعذاة (٣) وسبخة ، وهي كالطروقة تلقح بألوان النبات وأنواع الأشجار بالثمار المختلفة الألوان والطعوم والروائح تسقى بماء واحد (وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) وكلها موافقة لحوائج ساكنيها ومنافعهم ومصالحهم في صحتهم واعتلالهم ، وما فيها من العيون المتفجرة والمعادن المفتنة والدواب المنبثة في برها وبحرها المختلفة الصور والأشكال والأفعال : من الوحشي والإنسى والهوام ، وغير ذلك (لِلْمُوقِنِينَ) الموحدين الذين سلكوا الطريق السوي البرهاني الموصل إلى المعرفة ، فهم نظارون بعيون باصرة وأفهام نافذة ، كلما رأوا آية عرفوا وجه تأملها ، فازدادوا إيمانا مع إيمانهم ، وإيقانا إلى إيقانهم (وَفِي أَنْفُسِكُمْ) في حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال وفي بواطنها وظواهرها من عجائب الفطر وبدائع الخلق : ما تتحير فيه الأذهان ، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول وخصت به من أصناف المعاني ، وبالألسن ، والنطق ، ومخارج الحروف ، وما في تركيبها وترتيبها ولطائفها : من الآيات الساطعة والبينات القاطعة على حكمة المدبر ، دع الأسماع والأبصار والأطراف وسائر الجوارح وتأتيها لما خلقت له ، وما سوّى في الأعضاء
__________________
(١) أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة.
(٢) قوله «وقيل المحارف» في الصحاح : رجل محارف ، بفتح الراء : أى محدود محروم ، خلاف قولك : مبارك اه. (ع)
(٣) قوله «وعذاة» في الصحاح «العذاة» : الأرض الطيبة التربة ، والجمع عذوات. (ع)
من المفاصل للانعطاف والتثني ، فإنه إذا جسا (١) شيء منها جاء العجز ، وإذا استرخى أناخ الذل ، فتبارك الله أحسن الخالقين.
(وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)(٢٣)
(وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ) هو المطر ، لأنه سبب الأقوات. وعن سعيد بن جبير : هو الثلج وكل عين دائمة منه. وعن الحسن : أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه : فيه والله رزقكم ، ولكنكم تحرمونه لخطاياكم (وَما تُوعَدُونَ) الجنة : هي على ظهر السماء السابعة تحت العرش. أو أراد : أن ما ترزقونه في الدنيا وما توعدون به في العقبى كله مقدر مكتوب في السماء. قرئ : مثل ما بالرفع صفة للحق ، أى حق مثل نطقكم ، وبالنصب على : إنه لحق حقا مثل نطقكم. ويجوز أن يكون فتحا لإضافته إلى غير متمكن. وما مزيدة بنص الخليل ، وهذا كقول الناس : إن هذا لحق ، كما أنك ترى وتسمع ، ومثل ما إنك هاهنا. وهذا الضمير إشارة إلى ما ذكر من أمر الآيات والرزق وأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، أو إلى ما توعدون. وعن الأصمعى : أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابى على قعود له فقال : من الرجل؟ قلت : من بنى أصمع. قال : من أين أقبلت؟ قلت : من موضع يتلى فيه كلام الرحمن. فقال : اتل علىّ ، فتلوت (وَالذَّارِياتِ) فلما بلغت قوله تعالى : (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ) قال : حسبك ، فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر ، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى ، فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف ، فإذا أنا بمن يهتف بى بصوت دقيق ، فالتفت فإذا أنا بالأعرابى قد نحل واصفر ، فسلم علىّ واستقرأ السورة ، فلما بلغت الآية صاح وقال : قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ، ثم قال : وهل غير هذا؟ فقرأت : فورب السماء والأرض إنه لحق ، فصاح وقال : يا سبحان الله ، من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف ، لم يصدقوه بقوله حتى ألجأوه إلى اليمين ، قالها ثلاثا وخرجت معها نفسه.
(هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ
__________________
(١) قوله «إذا جسا شيء منها» في الصحاح : جست اليد وغيرها جسوا وجساء : يبست اه. (ع)
وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) (٣٠)
(هَلْ أَتاكَ) تفخيم للحديث وتنبيه على أنه ليس من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما عرفه بالوحي. والضيف للواحد والجماعة كالزور والصوم ، لأنه في الأصل مصدر ضافه ، وكانوا اثنى عشر ملكا. وقيل : تسعة عاشرهم جبريل. وقيل ثلاثة : جبريل ، وميكائيل ، وملك معهما. وجعلهم ضيفا ، لأنهم كانوا في صورة الضيف : حيث أضافهم إبراهيم. أو لأنهم كانوا في حسبانه كذلك. وإكرامهم : أنّ إبراهيم خدمهم بنفسه ، وأخدمهم امرأته ، وعجل لهم القرى أو أنهم في أنفسهم مكرمون. قال الله تعالى (بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ). (إِذْ دَخَلُوا) نصب بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم لهم ، وإلا فبما في ضيف من معنى الفعل. أو بإضمار اذكر (سَلاماً) مصدر سادّ مسدّ الفعل مستغنى به عنه. وأصله : نسلم عليكم سلام ، وأمّا (سَلامٌ) فمعدول به إلى الرفع على الابتداء. وخبره محذوف ، معناه : عليكم سلام ، للدلالة على ثبات السلام ، كأنه قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به ، أخذا بأدب الله تعالى. وهذا أيضا من إكرامه لهم. وقرئا مرفوعين. وقرئ : سلاما قال سلما. والسلم : السلام. وقرئ : سلاما قال سلم (قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام. أو أراد : أنهم ليسوا من معارفه أو من جنس الناس الذين عهدهم ، كما لو أبصر العرب قوما من الخزر (١) أو رأى لهم حالا وشكلا خلاف حال الناس وشكلهم ، أو كان هذا سؤالا لهم ، كأنه قال : أنتم قوم منكرون ، فعرفوني من أنتم (فَراغَ إِلى أَهْلِهِ) فذهب إليهم في خفية من ضيوفه ، ومن أدب المضيف أن يخفى أمره (٢) ، وأن يباده بالقرى من غير أن يشعر به الضيف ، حذرا من أن يكفه ويعذره. قال قتادة : كان عامة مال نبى الله إبراهيم : البقر (فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ). والهمزة في (أَلا تَأْكُلُونَ) للإنكار : أنكر عليهم ترك الأكل. أو حثهم عليه (فَأَوْجَسَ) فأضمر. وإنما خافهم لأنهم لم يتحرّموا بطعامه (٣)
__________________
(١) قوله «قوما من الخزر» في الصحاح : الخزر : جيل من الناس. والأخزر : ضيق العين صغيرها ، كما أفاده الصحاح. (ع)
(٢) قال محمود : «فيه إشارة لاختفائه من ضيوفه ، ومن أدب المضيف أن يخفى أمره ... الخ» قال أحمد : معنى حسن ، وقد نقل أبو عبيد أنه لا يقال : راغ إلا إذا ذهب على خفية. ونقل أبو عبيد في قوله عليه السلام : «إذا كفى أحدكم خادمه حر طعامه فليقعده معه ، وإلا فليروغ له لقمة» قال أبو عبيد : يقال روغ اللقمة وسغبلها وسغسغها ومرغها : إذا غمسها فرويت سمنا قلت : وهو من هذا المعنى ، لأنها تذهب مغموسة في السمن حتى تخفى ومن مقلوبه : غور الأرض والجرح وسائر مقلوباته قريبة من هذا المعنى ، والله أعلم.
(٣) قوله «لأنهم لم يتحرموا بطعامه» في الصحاح «الحرمة» : ما لا يحل انتهاكه ، وقد تحرم بصحبته اه. وهو يفيد أن التحرم مراعاة الحرمة ، من حيث لا يحل انتهاكها. (ع)
فظن أنهم يريدون به سوءا. وعن ابن عباس : وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب. وعن عون بن شداد : مسح جبريل العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمّه (بِغُلامٍ عَلِيمٍ) أى يبلغ ويعلم. وعن الحسن : عليم : نبىّ ، والمبشر به إسحاق ، وهو أكثر الأقاويل وأصحها ، لأن الصفة صفة سارّة لا هاجر ، وهي امرأة إبراهيم وهو بعلها. وعن مجاهد : هو إسماعيل (فِي صَرَّةٍ) في صيحة ، من : صر الجندب ، وصرّ القلم والباب ، ومحله النصب على الحال ، أى : فجاءت صارّة. قال الحسن : أقبلت إلى بيتها وكانت في زاوية تنظر إليهم ، لأنها وجدت حرارة الدم فلطمت وجهها من الحياء ، وقيل : فأخذت في صرة ، كما تقول : أقبل يشتمني. وقيل : صرتها قولها : أوه. وقيل : يا ويلتا. وعن عكرمة : رنتها (١) (فَصَكَّتْ) فلطمت ببسط يديها. وقيل : فضربت بأطراف أصابعها جبهتها فعل المتعجب (عَجُوزٌ) أنا عجوز ، فكيف ألد (كَذلِكَ) مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به (قالَ رَبُّكِ) أى إنما نخبرك عن الله ، والله قادر على ما تستبعدين. وروى أنّ جبريل قال لها : انظري إلى سقف بيتك ، فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة.
(قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)(٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ)(٣٧)
لما علم أنهم ملائكة وأنهم لا ينزلون إلا بإذن الله رسلا في بعض الأمور (قالَ فَما خَطْبُكُمْ) أى : فما شأنكم وما طلبكم (إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) إلى قوم لوط (حِجارَةً مِنْ طِينٍ) يريد : السجيل ، وهو طين طبخ كما يطبخ الآجر ، حتى صار في صلابة الحجارة (مُسَوَّمَةً) معلمة ، من السومة وهي العلامة على كل واحد منها اسم من يهلك به. وقيل: أعلمت بأنها من حجارة العذاب. وقيل : بعلامة تدل على أنها ليست من حجارة الدنيا. سماهم مسرفين ، كما سماهم عادين ، لإسرافهم وعدوانهم في عملهم : حيث لم يقنعوا بما أبيح لهم. الضمير في (فِيها) للقرية ، ولم يجر لها ذكر لكونها معلومة. وفيه دليل على أنّ الإيمان والإسلام واحد ، وأنهما صفتا مدح. قيل : هم لوط وابنتاه. وقيل : كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة عشر. وعن قتادة : لو كان فيها
__________________
(١) قوله «رنتها» في الصحاح «الرنة» الصوت : ، يقال : رفت المرأة رنينا وأرنت أيضا : صاحت. (ع)
أكثر من ذلك لأنجاهم ، ليعلموا أن الإيمان محفوظ لا ضيعة على أهله عند الله (آيَةً) علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم. قال ابن جريج : هي صخر منضود فيها. وقيل: ماء أسود منتن.
(وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ)(٤٠)
(وَفِي مُوسى) عطف على (وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ) أو على قوله (وَتَرَكْنا فِيها آيَةً) على معنى : وجعلنا في موسى آية كقوله :
علفتها تبنا وماء باردا
(فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ) فازورّ وأعرض ، كقوله تعالى (وَنَأى بِجانِبِهِ) وقيل : فتولى بما كان يتقوّى به من جنوده وملكه. وقرئ : بركنه ، بضم الكاف (وَقالَ ساحِرٌ) أى هو ساحر (مُلِيمٌ) آت بما يلام عليه من كفره وعناده ، والجملة مع الواو حال من الضمير في فأخذناه. فإن قلت : كيف وصف نبى الله يونس صلوات الله عليه بما وصف به فرعون في قوله تعالى (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ)؟ قلت : موجبات اللوم تختلف وعلى حسب اختلافها تختلف مقادير اللوم ، فراكب الكبيرة ملوم على مقدارها ، وكذلك مقترف الصغيرة. ألا ترى إلى قوله تعالى (وَعَصَوْا رُسُلَهُ) ، (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ) لأنّ الكبيرة والصغيرة يجمعهما اسم العصيان ، كما يجمعهما اسم القبيح والسيئة.
(وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ)(٤٢)
(الْعَقِيمَ) التي لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر ، وهي ريح الهلاك. واختلف فيها : فعن على رضى الله عنه : النكباء. وعن ابن عباس : الدبور. وعن ابن المسيب : الجنوب. الرميم : كل ما رم أى بلى وتفتت من عظم أو نبات أو غير ذلك.
(وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ)(٤٥)
(حَتَّى حِينٍ) تفسيره قوله (تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ). (فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ) فاستكبروا عن امتثاله. وقرئ : الصعقة وهي المرّة ، من مصدر صعقتهم الصاعقة : والصاعقة النازلة نفسها (وَهُمْ يَنْظُرُونَ) كانت نهارا يعاينونها. وروى أن العمالقة كانوا معهم في الوادي ينظرون إليهم وما ضرّتهم (فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ) كقوله تعالى (فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ) وقيل : هو من قولهم : ما يقوم به ، إذا عجز عن دفعه (مُنْتَصِرِينَ) ممتنعين من العذاب.
(وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ)(٤٦)
(وَقَوْمَ) قرئ بالجر على معنى : وفي قوم نوح وتقوّيه قراءة عبد الله : وفي قوم نوح. وبالنصب على معنى : وأهلكنا قوم نوح ، لأنّ ما قبله يدل عليه. أو واذكر قوم نوح.
(وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ)(٤٨)
(بِأَيْدٍ) بقوّة. والأيد والآد : القوّة. وقد آد يئيد وهو أيد (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) لقادرون ، من الوسع وهو الطاقة. والموسع : القوى على الإنفاق. وعن الحسن : لموسعون الرزق بالمطر. وقيل : جعلنا بينها وبين الأرض سعة (فَنِعْمَ الْماهِدُونَ) فنعم الماهدون نحن.
(وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(٤٩)
(وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ) أى من كل شيء من الحيوان (خَلَقْنا زَوْجَيْنِ) ذكرا وأنثى. وعن الحسن : السماء والأرض ، والليل والنهار ، والشمس والقمر ، والبر والبحر ، والموت والحياة ، فعدّد أشياء وقال : كل اثنين منها زوج ، والله تعالى فرد لا مثل له (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) أى فعلنا ذلك كله من بناء السماء وفرش الأرض وخلق الأزواج إرادة أن تتذكروا فتعرفوا الخالق وتعبدوه.
(فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ)(٥١)
(فَفِرُّوا إِلَى اللهِ) أى إلى طاعته وثوابه (١) من معصيته وعقابه ، ووحدوه ولا تشركوا به
__________________
(١) قال محمود : «معنى ففروا إلى الله ، أى : إلى طاعته من معصيته وإلى ثوابه ... الخ» قال أحمد : حمل الآية ما لم تحمله ، لأنه لا يكاد يخلى سورة حتى يدس في تفسيرها بيده إلى معتقده ، فدس هاهنا القطع بوعيد الفساق وبخلودهم كالكفار ، ولا تحتمل الآية لما ذكر ، فان العناية في قوله (فَفِرُّوا إِلَى اللهِ) الفرار إلى عبادة الله ـ
شيئا ، وكرّر قوله (إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) عند الأمر بالطاعة والنهى عن الشرك ، ليعلم أن الإيمان لا ينفع إلا مع العمل ، كما أنّ العمل لا ينفع إلا مع الإيمان ، وأنه لا يفوز عند الله إلا الجامع بينهما. ألا ترى إلى قوله تعالى (لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً) والمعنى : قل يا محمد : ففرّوا إلى الله.
(كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ)(٥٣)
(كَذلِكَ) الأمر ، أى مثل ذلك ، وذلك إشارة إلى تكذيبهم الرسول وتسميته ساحرا ومجنونا ، ثم فسر ما أجمل بقوله (ما أَتَى) ولا يصح أن تكون الكاف منصوبة بأتى ، لأنّ ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. ولو قيل : لم يأت ، لكان صحيحا ، على معنى : مثل ذلك الإتيان لم يأت من قبلهم رسول إلا قالوا (أَتَواصَوْا بِهِ) الضمير للقول ، يعنى : أتواصى الأوّلون والآخرون بهذا القول حتى قالوه جميعا متفقين عليه (بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ) أى لم يتواصوا به لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد ، بل جمعتهم العلة الواحدة وهي الطغيان ، والطغيان هو الحامل عليه.
(فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)(٥٥)
(فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) فأعرض عن الذين كرّرت عليهم الدعوة فلم يجيبوا ، وعرفت عنهم العناد واللجاج ، فلا لوم عليك في إعراضك بعد ما بلغت الرسالة وبذلت مجهودك في البلاغ والدعوة ، ولا تدع التذكير والموعظة بأيام الله (فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) أى تؤثر في الذين عرف الله منهم أنهم يدخلون في الإيمان. أو يزيد الداخلين فيه إيمانا. وروى أنه لما نزلت (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد ذلك على أصحابه ، ورأوا أنّ الوحى قد انقطع وأنّ العذاب قد حضر ، فأنزل الله. وذكر.
(وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)(٥٦)
__________________
ـ فتوعد من لم يعبد الله ، ثم نهي عابده أن يشرك بعبادة ربه غيره ، وتوعده على ذلك. وفائدة تكرار النذارة الدلالة على أنه لا تنفع العبادة مع الاشراك ، بل حكم المشرك حكم الجاحد المعطل ، لا كما قال الزمخشري : المأمور به في الأول الطاعة الموظفة بعد الايمان ، فتوعد تاركها بالوعيد المعروف له وهو الخلود. وعلى هذا لا يكون تكرارا على اختلاف الوعيدين ، فهو أولى ، فكيف يحمل الآية على خلاف ما هو أولى بها ، ليتم الاستدلال بها على معتقده الفاسد ، نعوذ بالله من ذلك.
أى : وما خلقت الجن والإنس إلا لأجل العبادة ، ولم أرد من جميعهم إلا إياها (١). فإن قلت : لو كان مريدا (٢) للعبادة منهم لكانوا كلهم عبادا؟ قلت : إنما أراد منهم أن يعبدوه مختارين للعبادة لا مضطرين إليها ، لأنه خلقهم ممكنين ، فاختار بعضهم ترك العبادة مع كونه مريدا لها ، ولو أرادها على القسر والإلجاء لوجدت من جميعهم.
(ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)(٥٨)
يريد : أنّ شأنى مع عبادي ليس كشأن السادة مع عبيدهم ، فإنّ ملاك العبيد إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم وأرزاقهم ، فإمّا مجهز في تجارة ليفي ربحا. أو مرتب في فلاحة ليعتلّ أرضا. أو مسلم في حرفة لينتفع بأجرته. أو محتطب. أو محتش. أو طابخ. أو خابز ، وما أشبه ذلك من الأعمال والمهن التي هي تصرف في أسباب المعيشة وأبواب الرزق ، فأمّا مالك ملك العبيد وقال لهم : اشتغلوا بما يسعدكم في أنفسكم ، ولا أريد أن أصرفكم في تحصيل رزقي ولا رزقكم ، وأنا غنىّ عنكم وعن مرافقكم ، ومتفضل عليكم برزقكم وبما يصلحكم ويعيشكم من عندي ، فما هو إلا أنا وحدي (الْمَتِينُ) الشديد القوة. قرئ بالرفع صفة لذو ، وبالجر صفة للقوّة على تأويل الاقتدار ، والمعنى في وصفه بالقوة والمتانة : أنه القادر البليغ الاقتدار على كل شيء. وقرئ : الرازق. وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم : إنى أنا الرازق.
__________________
(١) قال محمود : «إلا لأجل العبادة ، ولم أرد من جميعهم إلا إياها ... الخ» قال أحمد : من عاداته أنه إذا استشعر أن ظاهرا موافق لمعتقده نزله على مذهبه بصورة إيراد معتقد أهل السنة سؤالا ، وإيراد معتقده جوابا ، فكذلك صنع هاهنا ، فنقول : السؤال الذي أورده مما لا يجاب عنه بما ذكره ، فانه سؤال مقدماته قطعية عقلية ، فيجب تنزيل الآية عليه ، وهي أن ظاهر سياق الآية دليل لأهل السنة ، فإنها إنما سيقت لبيان عظمته عز وجل ، وأن شأنه مع عبيده لا يقاس به شأن عبيد الخلق معهم ، فان عبيدهم مطلوبون بالخدمة والتكسب للسادة ، وبواسطة مكاسب عبيدهم قدر أرزاقهم. والله تعالى لا يطلب من عباده رزقا ولا إطعاما ، وإنما يطلب منهم عبادته لا غير ، وزائد على كونه لا يطلب منهم رزقا أنه هو الذي يرزقهم ، فهذا المعنى الشريف هو الذي تحلى تحت راية هذه الآية ، وله سيقت ، وبه نطقت ، ولكن الهوى يعمى ويصم ، فحاصله : وما خلقت الجن والانس إلا لأدعوهم إلى عبادتي ، وهذا ما لا يعدل عنه أهل السنة ، فانه وافق معتقدهم وبالله التوفيق.
(٢) قوله «لو كان مريدا العبادة» قد يقال : لا يلزم من خلقهم العبادة أن يريدها من جميعهم. وقوله «مع كونه مريدا لها» هذا على مذهب المعتزلة من أن إرادة الله الفعل من العبد بمعنى الأمر. وأما مذهب أهل السنة فكل ما أراده الله كان ، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد ، وتحقيقه في علم التوحيد. (ع)
(فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ)(٦٠)
الذنوب : الدلو العظيمة ، وهذا تمثيل ، أصله في السقاة يتقسمون الماء فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب. قال :
|
لنا ذنوب ولكم ذنوب |
|
فإن أبيتم فلنا القليب (١) |
ولما قال عمرو بن شاس :
|
وفي كل حى قد خبطت بنعمة |
|
فحقّ لشاس من نداك ذنوب (٢) |
قال الملك : نعم وأذنبه. والمعنى : فإنّ الذين ظلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكذيب من أهل مكة لهم نصيب من عذاب الله مثل نصيب أصحابهم ونظرائهم من القرون. وعن قتادة : سجلا من عذاب الله مثل سجل أصحابهم (مِنْ يَوْمِهِمُ) من يوم القيامة. وقيل : من يوم بدر. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرأ سورة والذاريات أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل ريح هبت وجرت في الدنيا (٣).
__________________
|
(١) إنا إذا شاربنا شريب |
|
له ذنوب ولنا ذنوب |
|
فان أبى كان له القليب |
||
الشريب من يشرب معك. والذنوب : الدلو الممتلئة ماء ، والنصيب من الماء. والذنابة : مسيل الماء. والقلب البئر لقلب ترابه. يقول : إنا كرام نشاطر شريبنا ، فان لم يرض بالمناوبة أعطيناه الجميع. وروى بدل المصراعين
|
الأخيرين : لنا ذنوب ولكم ذنوب |
|
فان أبيتم فلنا القليب |
ولعل الصواب : فان أبى أو فان أبيتم فلنا ، لئلا ينكر البيت. والمعنى : نقول لمن يشرب معنا ذلك ، ففيه دلالة على الشجاعة والغلبة. والشريب كالعشير : يطلق على الواحد والمتعدد.
|
(٢) وأفت الذي آثاره في عدوه |
|
من البؤس والنعمى لهن ندوب |
|
وفي كل حى قد خبطت بنعمة |
|
فحق لشاس من نداك ذنوب |
لشاس أخى علقمة بن عبيدة ، يخاطب الحرث بن أبى شمر الغساني وكان أسيرا عنده. والندوب ـ في الأصل ـ : آثار الجراح بعد برئها. ومن بيانية ، أى : آثاره التي هي البؤس والنعمى. أو ابتدائية ، أى : الناشئة منهما ، لهن بقايا في عدوه. والبؤس : الشدة ، والنعمى : الرخاء. والخابط : الذي يخبط مواضع الفقراء يتفقد أحوالهم من غير تخصيص ، ثم قيل لكل طالب : خابط ومختبط. ويجوز أن يكون من قولهم : خبط الشجرة ، ليسقط ورقها للإبل والغنم فاستعار في نفسه الورق للأموال ، والخبط تخييل والمعنى أنه شجاع كريم ، بأسه أوهن الأعداء ونعمته ظهرت عليهم بل على جميع الناس وشاس من وضع الظاهر موضع المضمر لإظهار المسكنة والاستعطاف : قيل : إن القائل عمرو بن شاس ، فوضع الظاهر في موضعه. ولما سمع الحرث ذلك قال : نعم وأذنبته ، وكسا شاسا ومن معه ، وأركبهم وأطلقهم ، ولما استعار الندى للعطاء رشح ذلك بالذنوب : وهو الدلو الممتلئة.
(٣) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي من حديث أبى بن كعب رضى الله عنه.
سورة الطور
مكية ، وهي تسع وأربعون ، وقيل : ثمان وأربعون آية
[نزلت بعد السجدة]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً)(١٠)
الطور : الجبل الذي كلم الله عليه موسى وهو بمدين. والكتاب المسطور في الرق المنشور ، والرق : الصحيفة. وقيل : الجلد الذي يكتب فيه الكتاب الذي يكتب فيه الأعمال. قال الله تعالى (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً) وقيل : هو ما كتبه الله لموسى وهو يسمع صرير القلم. وقيل : اللوح المحفوظ. وقيل القرآن ، ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب ، كقوله تعالى (وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها). (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) الضراح (١) في السماء الرابعة. وعمرانه : كثرة غاشيته من الملائكة. وقيل : الكعبة لكونها معمورة بالحجاج والعمار والمجاورين (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) السماء (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) المملوء. وقيل : الموقد ، من قوله تعالى (وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ) وروى أن الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار كلها نارا تسجر بها نار جهنم. وعن على رضى الله عنه أنه سأل يهوديا : أين موضع النار في كتابكم؟ قال : في البحر. قال على : ما أراه إلا صادقا ، (٢) لقوله تعالى (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ). (لَواقِعٌ) لنازل. قال
__________________
(١) قوله «والبيت المعمور الضراح في السماء» في الصحاح «الضراح» بالضم : بيت في السماء ، وهو البيت المعمور. عن ابن عباس. (ع)
(٢) أخرجه الطبري من رواية داود بن أبى هند عن سعيد بن المسيب قال : قال على لرجل من اليهود : أين جهنم؟ قال : البحر. قال. ما أراه إلا صادقا : (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) ، (وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ).
جبير بن مطعم : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلمه في الأسارى فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة الطور ، فلما بلغ : إن عذاب ربك لواقع : أسلمت خوفا من أن ينزل العذاب (١) (تَمُورُ السَّماءُ) تضطرب وتجيء وتذهب. وقيل : المور تحرك في تموّج ، وهو الشيء يتردد في عرض كالداغصة في الركبة (٢).
(فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ)(١٥) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(١٦)
غلب الخوض في الاندفاع في الباطل والكذب. ومنه قوله تعالى (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ) ، (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) الدع : الدفع العنيف ، وذلك أن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ، ويدفعونهم إلى النار دفعا على وجوههم وزخا في أقفيتهم (٣). وقرأ زيد بن علىّ : يدعون ، من الدعاء أى يقال لهم : هلموا إلى النار ، وادخلوا النار (دَعًّا) مدعوعين ، يقال لهم : هذه النار (أَفَسِحْرٌ هذا) يعنى كنتم تقولون للوحى هذا سحر ، أفسحر هذا؟ يريد : أهذا المصداق أيضا سحر؟ ودخلت الفاء لهذا المعنى (أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ) كما كنتم لا تبصرون في الدنيا ، يعنى : أم أنتم عمى عن المخبر عنه كما كنتم عميا عن الخبر ، وهذا تقريع وتهكم (سَواءٌ) خبر محذوف ، أى : سواء عليكم الأمران : الصبر وعدمه ، فإن قلت : لم علل استواء الصبر وعدمه بقوله (إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)؟ قلت : لأنّ الصبر إنما يكون له مزية على الجزع ، لنفعه في العاقبة بأن يجازى عليه الصابر جزاء الخير ، فأما الصبر على العذاب الذي هو الجزاء ولا عاقبة له ولا منفعة ، فلا مزية له على الجزع.
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ
__________________
(١) لم أجده هكذا. والذي جاء في الصحيح «أن ذلك في صلاة المغرب» وأنه قال لما سمع (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ) ـ إلى آخره : كاد قلبي يطير».
(٢) قوله «كالداغصة في الركبة» هي العظم المدور الذي يتحرك على رأس الركبة ، كما في الصحاح. (ع)
(٣) قوله «وزخا في أقفيتهم» في الصحاح «زخه» أى : دفعه في وهدة اه. (ع)
رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ)(٢٠)
(فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ) في أية جنات وأى نعيم ، بمعنى الكمال في الصفة. أو في جنات ونعيم مخصوصة بالمتقين خلقت لهم خاصة. وقرئ : فاكهين وفكهين وفاكهون : من نصبه حالا جعل الظرف مستقرا ، ومن رفعه خبرا جعل الظرف لغوا ، أى : متلذذين (بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ). فإن قلت : علام عطف قوله (وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ)؟ قلت : على قوله (فِي جَنَّاتٍ) أو على (آتاهُمْ رَبُّهُمْ) على أن تجعل ما مصدرية ، والمعنى : فاكهين بإيتائهم ربهم ووقايتهم عذاب الجحيم. ويجوز أن تكون الواو للحال وقد بعدها مضمرة. يقال لهم (كُلُوا وَاشْرَبُوا) أكلا وشربا (هَنِيئاً) أو طعاما وشرابا هنيئا ، وهو الذي لا تنغيص فيه. ويجوز أن يكون مثله في قوله :
|
هنيئا مريئا غير داء مخامر |
|
لعزّة من أعراضنا ما استحلّت (١) |
أعنى : صفة استعملت استعمال المصدر القائم مقام الفعل مرتفعا به ما استحلت كما يرتفع بالفعل» كأنه قيل : هناء عزة المستحل من أعراضنا ، وكذلك معنى (هَنِيئاً) هاهنا : هناءكم الأكل والشرب. أو هناءكم ما كنتم تعملون ، أى : جزاء ما كنتم تعملون. والباء مزيدة كما في (كَفى بِاللهِ) والباء متعلقة بكلوا واشربوا إذا جعلت الفاعل الأكل والشرب. وقرئ : بعيس (٢) عين.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ
__________________
|
(١) يكلفها الخنزير شتمي وما بها |
|
هواني ولكن للمليك استذلت |
|
هنيئا مريئا غير داء مخامر |
|
لعزة من أعراضنا ما استحلت |
لكثير بن صخر صاحب عزة ، كان ينشد أشعاره في حلقة البصرة ، فمرت به مع زوجها فقال لها : لتغضبنه أو لأضربنك ، فقالت : كذا وكذا بفم الشاعر ، فقال ذلك. وقيل : خرجت تطلب سمنا فصادفها كثير فتحادثا ، وسكب من أداوة معه في إنائها حتى بل ثوبها ، وأنكر ذلك زوجها ، فقصت عليه القصص ، فأمرها بشتمه فقال ذلك. والمليك : مالك أمرها. وما بها هواني : أى ليست مريدة له. وهنيئا مريئا : صفتان مستعملتان استعمال المصدر النائب عن فعله ، وما استحلت : مرفوع محلا بأحدهما على التنازع ، وغير نصب على الحال. ومن أعراضنا بيان لما بعده. والهنيء والمريء : الذي لا تنغيص فيه ، المحمود العاقبة ، والمخامر : المخالط ، وشبه عرضه بالشراب السائغ على طريق المكنية. وهنيئا مريئا : تخييل. ويجوز أن التجوز فيهما على طريق التصريحية.
(٢) قوله «وقرئ بعيس» في الصحاح : العيس ـ بالكسر ـ : الإبل البيض يخالط بياضها شيء من الشقرة ، واحدها : أعيس ، والأنثى : عيساء ، ويقال : هي كرائم الإبل اه ولعله هنا استعارة للنساء. (ع)
وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ)(٢٤)
(وَالَّذِينَ آمَنُوا) معطوف على (بِحُورٍ عِينٍ) أى قرناهم بالحور وبالذين آمنوا ، أى : بالرفقاء والجلساء منهم ، كقوله تعالى (إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) فيتمتعون تارة بملاعبة الحور ، وتارة بمؤانسة الإخوان المؤمنين (وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنّ الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقرّبهم (١) عينه» ثم تلا هذه الآية. فيجمع الله لهم أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم ، وبمزاوجة الحور العين ، وبمؤانسة الإخوان المؤمنين ، وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم. ثم قال (بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) أى بسبب إيمان عظيم رفيع المحل ، وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجاتهم ذريتهم وإن كانوا لا يستأهلونها ، تفضلا عليهم وعلى آبائهم ، لنتم سرورهم ونكمل نعيمهم. فإن قلت : ما معنى تنكير الايمان؟ قلت : معناه الدلالة على أنه إيمان خاص عظيم المنزلة. ويجوز أن يراد : إيمان الذرية الداني المحل : كأنه قال : بشيء من الإيمان ، لا يؤهلهم لدرجة الآباء ألحقناهم بهم. وقرئ : وأتبعتهم ذريتهم واتبعتهم ذريتهم. وذرياتهم : وقرئ : ذرياتهم ، بكسر الذال. ووجه آخر : وهو أن يكون (وَالَّذِينَ آمَنُوا) مبتدأ خبره (بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) وما بينهما اعتراض (وَما أَلَتْناهُمْ) وما نقصناهم. يعنى : وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا من الثواب والتفضل ، وما نقصناهم من ثواب عملهم من شيء. وقيل معناه : وما نقصناهم من ثوابهم شيئا نعطيه الأبناء حتى يلحقوا بهم ، إنما ألحقناهم بهم على سبيل التفضل. قرئ : ألتناهم ، وهو من بابين : من ألت يألت ، ومن ألات يليت ، كأمات يميت. وآلتناهم ، من آلت يؤلت ، كآمن يؤمن. ولتناهم ، من لات يليت. وولتناهم ، من ولت يلت. ومعناهنّ واحد (كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ) أى مرهون ، كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به ، كما يرهن الرجل عبده بدين عليه ، فإن عمل صالحا فكها وخلصها ، وإلا أوبقها (وَأَمْدَدْناهُمْ) وزدناهم في وقت بعد وقت (يَتَنازَعُونَ) يتعاطون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم وإخوانهم (كَأْساً) خمرا (لا لَغْوٌ فِيها) في شربها (وَلا تَأْثِيمٌ) أى لا يتكلمون في أثناء الشرب بسقط الحديث وما لا طائل تحته كفعل المتنادمين في الدنيا على الشراب في سفههم وعربدتهم ، ولا يفعلون ما يؤثم به فاعله ، أى : ينسب إلى الإثم
__________________
(١) أخرجه البزار وابن عدى. وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه. والثعلبي من طريق قيس بن الربيع عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا. قال البزار تفرد قيس برفعه. ورواه الثوري موقوفا ورواه الحاكم والبيهقي في الاعتقاد والطبري وابن أبى حاتم من طريق الثوري عن عمرو بن مرة به موقوفا
لو فعله في دار التكليف من الكذب والشتم والفواحش ، وإنما يتكلمون بالحكم والكلام الحسن متلذذين بذلك ، لأنّ عقولهم ثابتة غير زائلة ، وهم حكماء علماء. وقرئ : لا لغو فيها ولا تأثيم (غِلْمانٌ لَهُمْ) أى مملوكون لهم مخصوصون بهم (مَكْنُونٌ) في الصدف ، لأنه رطبا أحسن وأصفى. أو مخزون لأنه لا يخزن إلا الثمين الغالي القيمة. وقيل لقتادة : هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» (١) وعنه عليه السلام : «إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادى الخادم من خدامه فيجيبه ألف ببابه : لبيك لبيك» (٢).
(وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ)(٢٨)
(يَتَساءَلُونَ) يتحادثون ويسأل بعضهم بعضا عن أحواله وأعماله وما استوجب به نيل ما عند الله (مُشْفِقِينَ) أرقاء القلوب من خشية الله. وقرئ ، ووقانا ، بالتشديد (عَذابَ السَّمُومِ) عذاب النار ووهجها ولفحها. والسموم : الريح الحارّة التي تدخل المسام فسميت بها نار جهنم لأنها بهذه الصفة (مِنْ قَبْلُ) من قبل لقاء الله تعالى والمصير إليه ، يعنون في الدنيا (نَدْعُوهُ) نعبده ونسأله الوقاية (إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ) المحسن (الرَّحِيمُ) العظيم الرحمة الذي إذا عبد أثاب وإذا سئل أجاب. وقرئ : أنه بالفتح ، بمعنى : لأنه.
(فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ)(٢٩)
(فَذَكِّرْ) فاثبت على تذكير الناس وموعظتهم ، ولا يثبطنك قولهم : كاهن أو مجنون ، ولا تبال به فإنه قول باطل متناقض ، لأنّ الكاهن يحتاج في كهانته إلى فطنة ودقة نظر ، والمجنون مغطى على عقله. وما أنت بحمد الله وإنعامه عليك بصدق النبوّة ورجاحة العقل أحد هذين.
(أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ
__________________
(١) أخرجه عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة به قال فذكره ، وأخرجه الثعلبي من رواية الحسن مرسلا
(٢) أخرجه الثعلبي من رواية عمر بن عبد العزيز البصري عن يوسف بن أبى طيبة عن وكيع عن هشام عن أبيه عن عائشة نحوه.
مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)(٤٣)
وقرئ : يتربص به ريب المنون ، على البناء للمفعول. وريب المنون. ما يقلق النفوس ويشخص بها من حوادث الدهر. قال :
أمن المنون وريبه أتوجّع (١)
وقيل : المنون الموت ، وهو في الأصل فعول ، من منه إذا قطعه ، لأن الموت قطوع ، ولذلك سميت شعوب. قالوا : ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء: زهير والنابغة (مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ) أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكى (أَحْلامُهُمْ) عقولهم وألبابهم. ومنه قولهم : أحلام عاد. والمعنى : أتأمرهم أحلامهم بهذا التناقض في القول ، وهو قولهم : كاهن وشاعر ، مع قولهم مجنون. وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهى (أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ) مجاوزون الحدّ في العناد مع ظهور الحق لهم. فإن قلت : ما معنى كون الأحلام آمرة؟ قلت :
__________________
|
(١) أمن المنون وريبه أتوجع |
|
والدهر ليس بمعتب من يجزع |
لأبى ذويب مطلع مرثية بنيه ، والاستفهام للإنكار. وريب المنون : ما يقلق النفوس ويدهشها من حوادث الدهر. والمنون : الموت ، كالمنية ، لأنه مقدر ، فهو من منى إذا قدر. وقوله «والدهر ... الخ» جملة حالية. ويقال : أعتبه ، إذا قبل عتابه وأزال شكواه ، فشبه الدهر بإنسان مسيء على طريق المكنية ، وإسناد الاعتاب تخييل. والجزع : شدة الحزن.
هو مجاز لأدائها إلى ذلك ، كقوله تعالى (أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) وقرئ: بل هم قوم طاغون. (تَقَوَّلَهُ) اختلقه من تلقاء نفسه (بَلْ لا يُؤْمِنُونَ) فلكفرهم وعنادهم يرمون بهذه المطاعن ، مع علمهم ببطلان قولهم ، وأنه ليس بمتقوّل لعجز العرب عنه ، وما محمد إلا واحد من العرب. وقرئ بحديث مثله على الإضافة ، والضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعناه : أن مثل محمد في فصاحته ليس بمعوز في العرب ، فإن قدر محمد على نظمه كان مثله قادرا عليه ، فليأتوا بحديث ذلك المثل : (أَمْ خُلِقُوا) أم أحدثوا وقدروا التقدير الذي عليه فطرتهم (مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) من غير مقدّر (أَمْ هُمُ) الذين خلقوا أنفسهم حيث لا يعبدون الخالق (بَلْ لا يُوقِنُونَ) أى : إذا سئلوا من خلقكم وخلق السماوات والأرض؟ قالوا : الله ، وهم شاكون فيما يقولون ، لا يوقنون. وقيل : أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء ولا حساب؟ وقيل : أخلقوا من غير أب وأم؟ (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ) الرزق حتى يرزقوا النبوّة من شاءوا. أو : أعندهم خزائن علمه حتى يختاروا لها من اختياره حكمة ومصلحة؟ (أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ) الأرباب الغالبون ، حتى يدبروا أمر الربوبية ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم؟ وقرئ : المصيطرون بالصاد (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ) منصوب إلى السماء يستمعون صاعدين فيه إلى كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن من تقدم هلاكه على هلاكهم وظفرهم في العاقبة دونه كما يزعمون؟ (بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) بحجة واضحة تصدق استماع مستمعهم. المغرم : أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه ، أى : لزمهم مغرم ثقيل فدحهم (١) فزهدهم ذلك في اتباعك؟ (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ) أى اللوح المحفوظ (فَهُمْ يَكْتُبُونَ) ما فيه حتى يقولوا لا نبعث. وإن بعثنا لم نعذب (٢) (أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً) وهو كيدهم في دار الندوة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين (فَالَّذِينَ كَفَرُوا) إشارة اليهم أو أريد بهم كل من كفر بالله (هُمُ الْمَكِيدُونَ) هم الذين يعود عليهم وبال كيدهم ويحيق بهم مكرهم. وذلك أنهم قتلوا يوم بدر. أو المغلوبون في الكيد ، من كايدته فكدته.
(وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)(٤٧)
__________________
(١) قوله «فدحهم فزهدهم» أى : أثقلهم وبهظهم. أفاده الصحاح. (ع)
(٢) قوله «وإن بعثنا لم نعذب» لعله : لا نعذب. (ع)
الكسف : القطعة ، وهو جواب قولهم (أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً) يريد : أنهم لشدّة طغيانهم وعنادهم لو أسقطناه عليهم لقالوا : هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض يمطرنا ، ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب. وقرئ : حتى يلقوا ويلقوا (يُصْعَقُونَ) يموتون. وقرئ : يصعقون. يقال. صعقه فصعق ، وذلك عند النفخة الأولى نفخة الصعق (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) وإن. لهؤلاء الظلمة (عَذاباً دُونَ ذلِكَ) دون يوم القيامة : وهو القتل ببدر ، والقحط سبع سنين ، وعذاب القبر. وفي مصحف عبد الله : دون ذلك قريبا.
(وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ)(٤٩)
(لِحُكْمِ رَبِّكَ) بإمهالهم وما يلحقك فيه من المشقة والكلفة (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا) مثل ، أى : بحيث نراك ونكلؤك. وجمع العين لأنّ الضمير بلفظ ضمير الجماعة. ألا ترى إلى قوله تعالى (وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي). وقرئ : وبأعينا ، بالإدغام (حِينَ تَقُومُ) من أى مكان قمت. وقيل : من منامك (وَإِدْبارَ النُّجُومِ) وإذا أدبرت النجوم من آخر الليل. وقرئ : وأدبار ، بالفتح بمعنى في أعقاب النجوم وآثارها إذا غربت ، والمراد الأمر بقول : سبحان الله وبحمده في هذه الأوقات. وقيل التسبيح : الصلاة إذا قام من نومه ، ومن الليل : صلاة العشاءين ، وأدبار النجوم : صلاة الفجر.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة الطور كان حقا على الله أن يؤمنه من عذابه وأن ينعمه في جنته» (١).
__________________
(١) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب رضى الله عنه.
سورة النجم
مكية [إلا آية ٣٢ فمدنية] وآياتها ٦٢ وقيل ٦١ آية
[نزلت بعد الإخلاص]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى)(١٨)
النجم : الثريا ، وهو اسم غالب لها. قال :
|
إذا طلع النّجم عشاء |
|
ابتغى الرّاعى كساء (١) |
__________________
(١) هذا تقوله العرب عند الشتاء ، وتقول عند الصيف :
|
طلع النجم غدية |
|
وابتغى الراعي شكية |
والنجم : اسم غالب على الثريا ، قيل : إنها تخفى في السنة أربعين يوما يسترها ضوء الشمس ، وتظهر عند دخول الشتاء عشاء ، وعند دخول الصيف صباحا ، والكساء : ثوب سابغ. والغدية : تصغير غدوة : وهي أول النهار. والشكية : تصغير شكوة ، وهي قرية صغيرة جرداء ، لأنه في الشتاء يطلب كساء بدنية لكثرة البرد ، وفي الصيف يطلب قربة يشرب منها لكثرة الحر ، والأول كناية عن دخول البرد ، والثاني كناية عن دخول الحر.
أو جنس النجوم. قال :
|
فباتت تعد النّجم |
|
في مستحيرة (١) |
يريد النجوم (إِذا هَوى) إذا غرب أو انتثر يوم القيامة. أو النجم الذي يرجم به إذا هوى : إذا انقض. أو النجم من نجوم القرآن ، وقد نزل منجما في عشرين سنة ، إذا هوى : إذا نزل. أو النبات إذا هوى : إذا سقط على الأرض. وعن عروة بن الزبير أنّ عتبة بن أبى لهب وكانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الخروج إلى الشام ، فقال : لآتين محمدا فلأوذينه ، فأتاه فقال : يا محمد ، هو كافر بالنجم إذا هوى ، وبالذي دنا فتدلى ، ثم تفل في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وردّ عليه ابنته وطلقها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم سلط عليه كلبا من كلابك ، وكان أبو طالب حاضرا ، فوجم (٢) لها وقال : ما كان أغناك يا ابن أخى عن هذه الدعوة! فرجع عتبة إلى أبيه فأخبره ، ثم خرجوا إلى الشام فنزلوا منزلا ، فأشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم : إن هذه أرض مسبعة ، فقال أبو لهب لأصحابه : أغيثونا يا معشر
__________________
|
(١) فقد علموا أنى وفيت لربها |
|
فراح على عنس بأخرى يقودها |
|
قريت الكلابي الذي يبتغى القرى |
|
وأمك إذ يحدى إلينا قعودها |
|
فباتت تعد النجم في مستحيرة |
|
سريع بأيدى الآكلين جمودها |
|
فلما سقيناها العكيس تملأت |
|
مذاخرها وارفض منها وريدها |
|
ولما قضت من ذى الإناء لبانة |
|
أرادت إلينا حاجة لا نريدها |
للراعي النميري من بنى قطن بن ربيعة : نزل به أضياف من بنى كلاب وقد غابت إبله ، فنحر لهم ناقة من ركابهم ، فلما أصبح أقبلت عليه إبله ، فأعطى صاحب الناقة مثلها ، وأعطاه ثنية زيادة عليها ، نذمه خنزر بن أرقم من بنى بدر ابن ربيعة على ذبحها ، فأجابه الراعي بقصيدة منها ذلك. والعنس : الناقة الصلبة. وأمك : عطف على الكلابي.
ويحدى : مبنى للمجهول ، أى : يساق بالغناء له. والقعود ـ كصبور ـ : البكر من الإبل ، لأنه لا يمكن الراكب من القعود على ظهره. وروى : إذ يحدى إليك ، بدل إلينا. ولعله بعد الضيافة الآتية أو تحريف ، فباتت أمك تعد النجم ، أى : تحسب صور النجوم ، أو تحسب فقاقع المرق في الجفنة ، فاستعار لها النجم على سبيل التصريحية. أو تحسب الثريا ، لأن النجم اسم غالب عليها ، وهي سبعة نجوم : ترى صورتها في ليالي الشتاء. وقيل : المراد بالعد هنا : الظن ، أى باتت تظنا فيها. والمستحيرة : المتحيرة بامتلائها من المرق. ويروى : مستجرة لأنها تجر الناس للأكل منها والعكس : المرق الممزوج باللبن الحليب. وتملأت : امتلأت. ويروى : تمدحت ، بالدال المهملة ، أى : اتسعت من الشبع. ويروى بالمعجمة ، أى : اصطكت واضطربت. والمذاخر : مواضع الذخائر : والمراد بها المعدة والأمعاء. ويروى : خواصرها ، أى : جوانبها. وارفض : رشح وترشرش وارتعد ونفر ، ويروى : وازداد رشحا وريدها. أى : باتت تنظر النجوم في جفنة كثيرة المرق والدسم ، سريع جمود دسمها على أيدى الآكلين من برد الشتاء ، حتى إذا امتلأت بطنها ونفرت عروق عنقها وقضت لبانة ، أى : حاجة من صاحب الإناء وهو المرق واللبن : طلبت منا حاجة لا نريدها ولا نرضاها ، لأنها فاحشة وكأنه صمن أرادت معنى التضرع أو الميل أو النسبة فعداء بإلى. ويجوز أنها بمعنى من ، كما أوضحناه في آخر حرف الباء.
(٢) قوله «فوجم لها» أى اشتد حزنه. أفاده الصحاح. (ع)
قريش هذه الليلة ، فإنى أخاف على ابني دعوة محمد ، فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم ، وأحدقوا بعتبة ، فجاء الأسد يتشمم وجوههم ، حتى ضرب عتبة فقتله (١). وقال حسان :
|
من يرجع العام إلى أهله |
|
فما أكيل السّبع بالرّاجع (٢) |
(ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ) يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم : والخطاب لقريش ، وهو جواب القسم ، والضلال : نقيض الهدى ، والغى نقيض الرشد ، أى : هو مهتد راشد وليس كما تزعمون من نسبتكم إياه إلى الضلال والغى ، وما أتاكم به من القرآن ليس بمنطق يصدر عن هواه ورأيه ، وإنما هو وحى من عند الله يوحى إليه. ويحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء ، ويجاب بأنّ الله تعالى إذا سوّغ لهم الاجتهاد ، كان الاجتهاد وما يستند إليه كله وحيا لا نطقا عن الهوى (شَدِيدُ الْقُوى) ملك شديد قواه ، والإضافة غير حقيقية ، لأنها إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها ، وهو جبريل عليه السلام ، ومن قوّته أنه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود ، وحملها على جناحه ، ورفعها إلى السماء ثم قلبها ، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين ، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده في أوحى من رجعة الطرف (٣) ، ورأى إبليس يكلم عيسى عليه السلام على
__________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الدلائل من طريق ابن إسحاق عن عثمان بن عروة عن أبيه فذكر مثله. إلا أنه قال «فضربه الأسد بذنبه ضربة واحدة فمات مكانه» ورواه البيهقي في الدلائل والطبراني من طريق سعيد عن قتادة مطولا نحوه. لكن قال عنبسة : ورواه الحاكم والبيهقي في الدلائل أيضا. من رواية أبى نوفل بن أبى عقرب عن أبيه. قال «كان لهب بن أبى لهب» فذكره مختصرا. وقال البيهقي : هكذا قال عباس بن الفضل الأزرق. وليس بالقوى. وأهل المغازي يقولونه عتبة أو عتيبة.
|
(٢) لا يرفع الرحمن مصروعكم |
|
ولا يوهن قوة الصارع |
|
وكان فيه لكم عبرة |
|
السيد المتبوع والتابع |
|
من يرجع العلم إلى أهله |
|
فما أكيل السبع بالراجع |
|
من عاد فالليث له عائد |
|
أعظم به من خبر شائع |
لحسان بن ثابت. روى عن عروة بن الزبير أن عتبة بن أبى لهب كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذهب إليه وقال : إنه كافر بالنجم إذا هوى وبالذي دنا فتدلى ثم تفل في وجهه وطلق ابنته وخرج إلى الشام فقال صلى الله عليه وسلم : اللهم سلط عليه كلبا من كلابك ، فبينما هم يحرسونه ذات ليلة في سفر ، إذ جاء أسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتبة فقتله ، فقال حسان ذلك ، والفعلان مجزومان بلا الدعائية. ويوهن بالتشديد ، والمعنى الدعاء على القتيل والدعاء للقاتل. والمصروع : المطروح. والعبرة : الاعتبار أو ما يعتبر به. والتابع عطف على السيد. من يرجع في هذا العام إلى أهله فلن يوجب رجوع غيره ، لأن من أكله السبع لا يرجع فلا يتمن أهله رجوعه ، لاستحالته وسكون السبع لغة ، ثم قال : من عاد لمثل فعل عتبة فالأسد عائد له ، وأعظم به : صيغة تعجب ، من خبر : تمييز مقترن بمن ، شائع : ذائع منتشر.
(٣) قوله «في أوحى من رجعة الطرف» أى : أسرع من الوحى وهو السرعة ، يمد ويقصر ، كذا في الصحاح. وفيه أيضا : نفحت الناقة : ضربت برجلها ، ونفحه بالسيف : تناوله. (ع)
بعض عقاب الأرض المقدّسة ، فنفحه بجناحه نفحة فألقاه في أقصى جبل بالهند (ذُو مِرَّةٍ) ذو حصافة في عقله (١) ورأيه ومتانة في دينه (فَاسْتَوى) فاستقام على صورة نفسه الحقيقية دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي ، وكان ينزل في صورة دحية ، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها ، فاستوى له في الأفق الأعلى وهو أفق الشمس فملأ الأفق (٢). وقيل : ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد صلى الله عليه وسلم مرتين : مرة في الأرض ، ومرة في السماء (٣) (ثُمَّ دَنا) من رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَتَدَلَّى) فتعلق عليه في الهواء. ومنه : تدلت الثمرة ، ودلى رجليه من السرير. والدوالي : الثمر المعلق. قال :
تدلّى عليها بين سب وخيطة (٤)
ويقال : هو مثل القرلى : إن رأى خيرا تدلى ، وإن لم يره تولى (قابَ قَوْسَيْنِ) مقدار قوسين عربيتين : والقاب والقيب ، والقاد والقيد ، والقيس : المقدار. وقرأ زيد بن على : قاد. وقرئ : قيد ، وقدر. وقد جاء التقدير بالقوس والرمح ، والسوط ، والذراع ، والباع ، والخطوة ، والشبر ، والفتر ، والأصبع. ومنه «لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين» (٥). وفي الحديث «لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قدّه خير من الدنيا وما فيها (٦)» والقدّ : السوط. ويقال : بينهما خطوات يسيرة. وقال :
__________________
(١) قوله «ذو حصافة في عقله» أى : استحكام» أفاده الصحاح. (ع)
(٢) لم أجده هكذا. وفي الصحيحين من رواية مسروق عن عائشة «أنا أول من سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنما هو جبريل لم أره على صورته التي رأيته عليها غير هاتين المرتين : رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض» وللترمذي وابن حبان «ولكنه رأى جبريل ، لم يره في صورته إلا مرتين :
مرة عند سدرة المنتهى. ومرة في أجياد ، له ستمائة جناح ، وقد سد الأفق».
(٣) لم أجده. هكذا. وذكر المرتين ، تقدم في الذي قبله.
|
(٤) تدلى عليها بين سب وخيطة |
|
تدلى دلو المائج المنشمر |
يروى لأبى ذؤيب بدل الشطر الثاني : بجرداء مثل الوكف يكبو غرابها. والسب ـ بالكسر ـ : الحبل ، والخمار ، والعمامة ، والخيطة كذلك الوتد ونحوه : في لغة هذيل. والمائح : مالئ الدلو من أسفل البئر. والمائح ـ بالتاء ـ : المستقى ، يصف جانى العسل بأنه تدلى على النحل أو العسل ، لأنه يؤنث أيضا ، أى : نزل متمسكا بحبل مشدود في وتد ، كتدلى دلو المالئ النشيط. والجرداء : فرس قليلة الشعر. والوكف : النطع. وكبا الجواد يكبو : سقط على وجهه. وغراب الدابة : أعلى ظهرها ، أى : كأن غرابها ينحدر لسرعة سيرها.
(٥) أخرجه الحاكم من حديث عمرو بن عبسة في حديث طويل ورواه إسحاق والدارقطني من حديث كعب بن مرة نحوه في حديث ، ورواه الطبراني من حديث عبد الرحمن بن عوف مختصرا.
(٦) أخرجه البخاري من طريق حميد عن أنس أتم من هذا.
وقد جعلتني من حزيمة أصبعا (١)
فإن قلت : كيف تقدير قوله (فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ)؟ قلت : تقديره فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين (٢) ، فحذفت هذه المضافات كما قال أبو على في قوله : وقد جعلتني من حزيمة أصبعا أى : ذا مقدار مسافة أصبع (أَوْ أَدْنى) أى على تقديركم ، كقوله تعالى (أَوْ يَزِيدُونَ). (إِلى عَبْدِهِ) إلى عبد الله ، وإن لم يجر لاسمه عزّ وجل ذكر ، لأنه لا يلبس ، كقوله (عَلى ظَهْرِها). (ما أَوْحى) تفخيم للوحى الذي أوحى (٣) إليه : قيل أوحى إليه «إنّ الجنة محرّمة على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك» (ما كَذَبَ) فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم ما رآه ببصره من صورة جبريل عليه السلام ، أى : ما قال فؤاده لما رآه : لم أعرفك ، ولو قال ذلك لكان كاذبا ، لأنه عرفه ، يعنى : أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه ، ولم يشك في أنّ ما رآه حق وقرئ : ما كذب ، أى صدقه ولم يشك أنه جبريل عليه السلام بصورته (أَفَتُمارُونَهُ) من المراء وهو الملاحاة والمجادلة واشتقاقه من مرى الناقة ، (٤) كأن كل واحد من المتجادلين يمرى ما عند صاحبه. وقرئ : أفتمرونه : أفتغلبونه في المراء ، من ماريته فمريته ، ولما فيه من معنى الغلبة عدّى بعلى ، كما تقول : غلبته على كذا : وقيل : أفتمرونه : أفتجحدونه. وأنشدوا :
|
لئن هجوت أخا صدق ومكرمة |
|
لقد مريت أخا ما كان يمريكا (٥) |
__________________
|
(١) فأدرك إبقاء العراوة ظلعها |
|
وقد جعلتني من حزيمة أصبعا |
للكلحية ، وهو لقب لعبد الله بن هبيرة. وقيل : جرير بن هبيرة. وقيل : هبيرة بن عبد مناف. وقيل : هو للأسود بن يعفر. وقيل : لرؤبة وليس بشيء. والإبقاء : ما تبقيه الفرس من الهمة لتبذله قرب بلوغ المقصد. والعراوة كجرادة. وقيل : بالكسر اسم فرسه. والظلع ـ بالفتح ـ : غمز في المشية من وجع الرجل ، أى : أدرك الظلع ما أبقته الفرس فلم تقدر على بذله ، والحال أنها جعلتني قريبا من عدوى حزيمة بمهملة مفتوحة فمعجمة مكسورة : رجل كان قد أغار على إبل الشاعر فتبعه. وقيل : قبيلته وليس بذاك. ويروى : فأدرك إرقال العراوة. والإرقال : الاسراع في السير ، أى : أبطل إسراعها العرج ، ولا بد من تأويل قوله : جعلتني أصبعا أى : جعلتني ذا مسافة أصبع. أو جعلت مسافتي مقدار أصبع.
(٢) قال محمود : «تقديره : فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين إلى آخره» قال أحمد : وقد قال بعضهم: إنه كناية عن المعاهدة على لزوم الطاعة ، لأن الحليفين في عرف العرب إذا تحالفا على الوفاء والصفاء ألصقا وترى قوسيهما» قال أحمد : وفيه ميل لقوله (أَوْ أَدْنى).
(٣) قال محمود : «هذا تفخيم للوحى الذي أوحى الله إليه» قال أحمد : التفخيم لما فيه من الإبهام ، كأنه أعظم من أن يحيط به بيان ، وهو كقوله : (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى) وقوله (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ).
(٤) قوله «من مرى الناقة» في الصحاح : مريت الناقة ، إذا مسحت ضرعها لتدر. (ع)
(٥) يقول لصاحبه : لئن ذممت أخا صدق ومكرمة ، يعنى : نفسه. ويقال : مرى الناقة ، أى : حلبها. ومنه المماراة. كأن كلا من المتجادلين يمرى ما عند صاحبه. ومنه : فقد مريت أخا صدق ، أى : غلبته في الجدال وأنفذت ـ
وقالوا : يقال مريته حقه إذا جحدته ، وتعديته بعلى لا تصح إلا على مذهب التضمين (نَزْلَةً أُخْرى) مرة أخرى من النزول ، نصبت النزلة نصب الظرف الذي هو مرة ، لأنّ الفعلة اسم للمرّة من الفعل ، فكانت في حكمها ، أى : نزل عليه جبريل عليه السلام نزلة أخرى في صورة نفسه ، فرآه عليها ، وذلك ليلة المعراج. قيل في سدرة المنتهى : هي شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش : ثمرها كقلال هجر ، وورقها كآذان الفيول ، تنبع من أصلها الأنهار التي ذكرها الله في كتابه ، يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها. والمنتهى : بمعنى موضع الانتهاء ، أو الانتهاء ، كأنها في منتهى الجنة وآخرها. وقيل : لم يجاوزها أحد ، وإليها ينتهى علم الملائكة وغيرهم ، ولا يعلم أحد ما وراءها. وقيل : تنتهي إليها أرواح الشهداء (جَنَّةُ الْمَأْوى) الجنة التي يصير إليها المتقون : عن الحسن. وقيل : تأوى إليها أرواح الشهداء. وقرأ على وابن الزبير وجماعة : جنة المأوى ، أى ستره بظلاله ودخل فيه. وعن عائشة : أنها أنكرته وقالت : من قرأ به فأجنه الله (ما يَغْشى) تعظيم وتكثير لما يغشاها ، فقد علم بهذه العبارة أن ما يغشاها من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله : أشياء لا يكتنهها النعت ولا يحيط بها الوصف. وقد قيل : يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون الله عندها. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «رأيت على كل ورقة من ورقها ملكا قائما يسبح الله» (١). وعنه عليه السلام : يغشاها رفرف من طير خضر (٢). وعن ابن مسعود وغيره : يغشاها فراش من ذهب (٣) (ما زاغَ) بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَما طَغى) أى أثبت ما رآه إثباتا مستيقنا صحيحا ، من غير أن يزيغ بصره عنه أو يتجاوزه ، أو ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها ومكن منها ، وما طغى : وما جاوز ما أمر برؤيته (لَقَدْ رَأى) والله لقد رأى (مِنْ آياتِ رَبِّهِ) الآيات التي هي كبراها وعظماها (٤) ، يعنى : حين رقى ربه إلى السماء فأرى عجائب الملكوت.
__________________
ـ ما عنده ، لأن من حلب الناقة يتركها يابسة الضرع ، أو جحدت حقه كأنك أخذته منه ، أو تسببت في إخراج ما عنده ، فيذمك كما ذممته. ما كان يمريك ، أى : ما كان يفعل بك كذلك.
(١) أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال قيل له : يا رسول الله ، أى شيء رأيت يغشى تلك الشجرة؟ فذكره وأتم منه» وعبد الرحمن ضعيف وهذا معضل.
(٢) لم أجده.
(٣) أما حديث ابن مسعود فرواه إسحاق بن راهويه من طريق مرة عنه بهذا وأتم منه وأما غيره فرواه [بياض بالأصل].
(٤) قال محمود : «معناه قد رأى من آيات ربه الآيات التي ... الخ» قال أحمد : ويحتمل أن تكون الكبرى صفة آيات ربه ،
(أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى)(٢٣)
(اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ) أصنام كانت لهم ، وهي مؤنثات ، فاللات كانت لثقيف بالطائف. وقيل : كانت بنخلة تعبدها قريش ، وهي فعلة من لوى ، لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة. أو يلتوون عليها (١) : أى يطوفون. وقرئ : اللات ، بالتشديد. وزعموا أنه سمى برجل كان يلت عنده السمن بالزيت ويطعمه الحاج. وعن مجاهد : كان رجل يلت السويق بالطائف ، وكانوا يعكفون على قبره ، فجعلوه وثنا ، والعزى كانت لغطفان وهي سمرة ، وأصلها تأنيث الأعز ، وبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها ، فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها ، واضعة يدها على رأسها ، فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول :
|
يا عزّ كفرانك لا سبحانك |
|
إنى رأيت الله قد أهانك (٢) |
__________________
ـ لا مفعولا به ، ويكون المرئي محذوفا لتفخيم الأمر وتعظيمه ، كأنه قال : لقد رأى من آيات ربه الكبرى أمورا عظاما لا يحيط بها الوصف ، والحذف في مثل هذا أبلغ وأهول ، وهذا ـ والله أعلم ـ أولى من الأول ، لأن فيه تفخيما لآيات الله الكبرى ، وأن فيها ما رآه وفيها ما لم يره ، وهو على الوجه الأول يكون مقتضاه أنه رأى جميع الآيات الكبرى على الشمول والعموم ، وفيه بعد ، فان آيات الله تعالى لا يحيط أحد علما بجملتها. فان قال : عام أريد به خاص ، فقد رجع إلى الوجه الذي ذكرناه والله أعلم.
(١) قال محمود : «اشتقاق اللات من لوى على كذا إذا قام عليه لأنهم كانوا ... الخ» قال أحمد : الأخرى تأنيث آخر ، ولا شك أنه في الأصل مشتق من التأخير الوجودي ، إلا أن العرب عدلت به عن الاستعمال في التأخير الوجودي إلى الاستعمال حيث يتقدم ذكر مغاير لا غير ، حتى سلبته دلالته على المعنى الأصلى ، بخلاف آخر وآخرة ، على وزن فاعل وفاعلة ، فان إشعارهما بالتأخير الوجودي ثابت لم يغير. ومن ثم عدلوا عن أن يقولوا : ربيع الآخر ، على وزن الأفعل ، وجمادى الأخرى : إلى ربيع الآخر ، على وزن فاعل ، وجمادى الآخرة على وزن فاعلة ، لأنهم أرادوا أن يفهموا التأخير الوجودي ، لأن الأفعل والفعلى من هذا الاشتقاق مسلوب الدلالة على غرضهم ، فعدلوا عنها إلى الآخر والآخرة ، والتزموا ذلك فيهما. وهذا البحث مما كان الشيخ أبو عمرو بن الحاجب رحمه الله تعالى قد حرره آخر مدته ، وهو الحق إن شاء الله تعالى ، وحينئذ يكون المراد الاشعار بتقدم مغاير في الذكر ، مع ما نعتقده في الوفاء بفاصلة رأس الآية ، والله أعلم.
(٢) لخالد بن الوليد رضى الله عنه. وعز : مرخم عزى. وترخيمه شاذ ، لأنه ليس رباعيا ولا مؤنثا بالهاء ، وهي شجرة كانت نعبدها الجاهلية ، فضربها بسيقه فخرجت منها جنية صارخة ، فقال لها ذلك البهت. وقيل : ضربها
ورجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام تلك العزى ولن تعبد أبدا (١). ومناة : صخرة كانت لهذيل وخزاعة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما : لثقيف. وقرئ : ومناءة ، وكأنها سميت مناة لأنّ دماء النسائك كانت تمنى عندها ، أى : تراق ، ومناءة مفعلة من النوء ، كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركا بها. والأخرى ذمّ ، وهي المتأخرة الوضيعة المقدار ، كقوله تعالى (قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ) أى وضعاؤهم لرؤسائهم وأشرافهم. ويجوز أن تكون الأوّلية والتقدّم عندهم للات والعزى. كانوا يقولون إنّ الملائكة وهذه الأصنام بنات الله ، وكانوا يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى مع وأدهم البنات ، فقيل لهم (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى) ويجوز أن يراد : أنّ اللات والعزى ومناة إناث ، وقد جعلتموهنّ لله شركاء ، ومن شأنكم أن تحتقروا الإناث وتستنكفوا من أن يولدن لكم وينسبن إليكم ، فكيف تجعلون هؤلاء الإناث أندادا لله وتسمونهنّ آلهة (قِسْمَةٌ ضِيزى) جائرة ، من ضازه يضيزه إذا ضامه ، والأصل : ضوزى (٢). ففعل بها ما فعل ببيض ، لتسلم الياء. وقرئ : ضئزى ، من ضأزه بالهمز. وضيز : بفتح الضاد (هِيَ) ضمير الأصنام ، أى ما هي (إِلَّا أَسْماءٌ) ليس تحتها في الحقيقة مسميات ، لأنكم تدعون الإلهية لما هو أبعد شيء منها وأشدّه منافاة لها. ونحوه قوله تعالى (ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها) أو ضمير الأسماء وهي قولهم ، اللات والعزى ومناة ، وهم يقصدون بهذه الأسماء الآلهة ، يعنى : ما هذه الأسماء إلا أسماء سميتموها بهواكم وشهوتكم ، ليس لكم من الله على صحة تسميتها برهان تتعلقون به. ومعنى (سَمَّيْتُمُوها) سميتم بها ، يقال : سميته زيدا ، وسميته بزيد (إِنْ يَتَّبِعُونَ) وقرئ بالتاء (إِلَّا الظَّنَ) إلا توهم أنّ ما هم عليه حق ، وأنّ آلهتهم شفعاؤهم ، وما تشتهيه أنفسهم ، ويتركون ما جاءهم من الهدى والدليل على أنّ دينهم باطل.
__________________
ـ بالفأس حتى قطعها وقتل الجنية. وكفرانك : نصب بمحذوف وجوبا ، كسبحان ، أى : أكفر كفرانا بك ، لا أنزه تنزيها لك ، فهما مصدران مغنيان عن اللفظ بفعليهما. والاهانة : الا ذلال.
(١) أخرجه ابن مردويه من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن السائب الكلبي عن أبى صالح وعن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى العزى ليهدمها. وكانت بنخلة عليها سادن فجاءها خالد فهدمها فذكر نحوه إلى آخره ورواه الواقدي في المغازي والأزرقى في التاريخ من طريقه عن عبد الله بن يزيد الهذلي عن سعيد بن عمرو الهذلي قال «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فذكر القصة وفيها : فبعث خالد ابن الوليد إلى العزى يهدمها فذكر القصة. وكذا ذكره ابن سعد في الطبقات في السرايا وأصل هذه القصة رواها النسائي وأبو يعلى والطبراني وأبو نعيم في الدلائل من حديث أبى الطفيل قال «لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ـ بعث خالد بن الوليد إلى نخلة ـ وكانت بها العزى فأتاها خالد ، وكانت على ثلاث شجرات فقطع الشجرات».
(٢) قوله «والأصل قوله ضوزى» لعل صوابه «ضيزى» بكسر الضاد. ويؤيده ما قبله وما بعده اه ملخصا من هامش. (ع)
(أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى)(٢٥)
(أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى) هي أم المنقطعة ومعنى الهمزة فيها لإنكار ، أى : ليس للإنسان ما تمنى ، والمراد طمعهم في شفاعة الآلهة ، وهو تمنّ على الله في غاية البعد ، وقيل : هو قولهم : (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى) وقيل : هو قول الوليد بن المغيرة «لأوتين مالا وولدا» وقيل هو تمنى بعضهم أن يكون هو النبي صلى الله عليه وسلم فلله الآخرة والأولى أى هو مالكهما. فهو يعطى منهما من يشاء ويمنع من يشاء ، وليس لأحد أن يتحكم عليه في شيء منهما.
(وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى)(٢٦)
يعنى : أنّ أمر الشفاعة ضيق وذلك أنّ الملائكة مع قربتهم وزلفاهم وكثرتهم واغتصاص السماوات بجموعهم لو شفعوا بأجمعهم لأحد لم تغن شفاعتهم عنه شيئا قط ولم تنفع ، إلا إذا شفعوا من بعد أن بأذن الله لهم في الشفاعة لمن يشاء الشفاعة له ويرضاه ويراه أهلا لأن يشفع له ، فكيف تشفع الأصنام إليه بعبدتهم (١).
(إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى)(٣٠)
(لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ) أى كل واحد متهم (تَسْمِيَةَ الْأُنْثى) لأنهم إذا قالوا : الملائكة بنات الله ، فقد سموا كل واحد منهم بنتا وهي تسمية الأنثى (بِهِ مِنْ عِلْمٍ) أى بذلك وبما يقولون (٢). وفي قراءة أبىّ : بها ، أى : بالملائكة. أو التسمية (لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) يعنى إنما يدرك الحق الذي هو حقيقة الشيء وما هو عليه بالعلم والتيقن لا بالظنّ والتوهم (فَأَعْرِضْ) عن دعوة من رأيته معرضا عن ذكر الله عن الآخرة ولم يرد إلا الدنيا ، ولا تتهالك على إسلامه ، ثم قال (إِنَّ
__________________
(١) قوله «بعبدتهم» لعله لعبدتهم ، كعبارة النسفي. (ع)
(٢) قوله «ربما يقولون» لعله أو بما يقولون. (ع)
رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ) أى إنما يعلم الله من يجيب ممن لا يجيب ، وأنت لا تعلم ، فخفض على نفسك ولا تتعنها ، فإنك لا تهدى من أحببت ، وما عليك إلا البلاغ. وقوله تعالى (ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) اعتراض أو فأعرض عنه ولا تقابله ، إنّ ربك هو أعلم بالضال والمهتدى ، وهو مجازيهما بما يستحقان من الجزاء.
(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى)(٣٢)
قرئ : ليجزي. ويجزى ، بالياء والنون فيهما. ومعناه : أنّ الله عز وجل إنما خلق العالم وسوّى هذه الملكوت لهذا الغرض : وهو أن يجازى المحسن من المكلفين والمسيء منهم. ويجوز أن يتعلق بقوله (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى) لأنّ نتيجة العلم بالضال والمهتدى جزاؤهما (بِما عَمِلُوا) بعقاب ما عملوا من السوء. و (بِالْحُسْنَى) بالمثوبة الحسنى وهي الجنة. أو بسبب ما عملوا من السوء وبسبب الأعمال الحسنى (كَبائِرَ الْإِثْمِ) أى الكبائر من الإثم ، لأن الإثم جنس يشتمل على كبائر وصغائر ، والكبائر : الذنوب التي لا يسقط عقابها إلا بالتوبة. وقيل : التي يكبر عقابها بالإضافة إلى ثواب صاحبها (وَالْفَواحِشَ) ما فحش من الكبائر ، كأنه قال : والفواحش منها خاصة : وقرئ : كبير الإثم ، أى : النوع الكبير منه وقيل : هو الشرك بالله. واللمم : ما قل وصغر. ومنه : اللمم المس من الجنون ، واللوثة منه.
وألم بالمكان إذا قل فيه لبثه. وألم بالطعام : قل منه أكله : ومنه :
لقاء أخلّاء الصّفاء لمام (١)
__________________
|
(١) لقاء أخلاء الصفاء لمام |
|
وكل وصال الغانيات ذمام |
أى : لقاء الأحباب الذين صفت مودتهم لمام ، أى : قليل فهو مفاعلة من الإلمام وهو الزيادة بلا تلبث ولا تمكث وكل وصال النساء المستغنيات بجمالهن عن التحلي بالحلى أو المخدرات المقيمات في بيوتهن ، من غنى بالمكان كرضى : أقام به ذمام أى شيء قليل من حقوق الحرمة والذمة ، وإطلاقه على ذلك مجاز ، وحقيقته : الحرمة والذمة والمعاهدة والعهد الذي يتعاهد به المتعاهدان وما يذم الشخص على إضاعته من العهد ، فهو إما مفاعلة من الذمة ، وإما اسم آلة : كالحزام والوثاق ، وقد يستعمل صفة لبئر قليلة الماء ، ويستعمل جمع ذمة. والمعنى أن رؤية الأحباب قليلة
والمراد الصغائر من الذنوب ، ولا يخلو قوله تعالى (إِلَّا اللَّمَمَ) من أن يكون استثناء منقطعا أو صفة ، كقوله تعالى (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ) كأنه قيل : كبائر الإثم غير اللمم ، وآلهة غير الله : وعن أبى سعيد الخدري : اللمم هي النظرة ، والغمزة ، والقبلة : وعن السدّى : الخطرة من الذنب : وعن الكلبي : كل ذنب لم يذكر الله عليه حدّا ولا عذابا : وعن عطاء : عادة النفس الحين بعد الحين (إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ) حيث يكفر الصغائر باجتناب الكبائر ، (١) والكبائر بالتوبة (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) فلا تنسبوها إلى زكاء العمل وزيادة الخير وعمل الطاعات : أو إلى الزكاء والطهارة من المعاصي ، ولا تثنوا عليها واهضموها ، فقد علم الله الزكي منكم والتقى أوّلا وآخرا قبل أن يخرجكم من صلب آدم ، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم. وقيل : كان ناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون : صلاتنا وصيامنا وحجنا ، فنزلت : وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء : فأما من اعتقد أن ما عمله من العمل الصالح من الله وبتوفيقه وتأييده ولم يقصد به التمدح : لم يكن من المزكين أنفسهم ، لأن المسرة بالطاعة طاعة ، وذكرها شكر.
(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ
__________________
ـ إما حقيقة في العادة ، وإما ادعاء واستقلالا لها. ورؤية غيرهم كثيرة. وفيه معنى التحزن. ويجوز أن يقرأ : الدمام بالمهملة ، وهو ما يطلى به الوجه ليحسن ، والمعنى : أن وصالهن مجرد تمويه لا حقيقة له ، والمعنى على التشبيه.
(١) قوله «يكفر الصغائر باجتناب الكبائر» هذا عند المعتزلة ، وعند أهل السنة بذلك. أو بمجرد الفضل ، وكذا ما بعده. (ع)
فَما أَبْقى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى) (٥٤)
أَكْدى) قطع عطيته وأمسك ، وأصله : إكداء الحافر ، وهو أن تلقاه كدية : وهي صلابة كالصخرة فيمسك عن الحفر ، ونحوه : أجبل الحافر ، ثم استعير فقيل : أجبل الشاعر إذا أفحم. روى أن عثمان رضى الله عنه كان يعطى ما له في الخير ، فقال له عبد الله بن سعد بن أبى سرح وهو أخوه من الرضاعة : يوشك أن لا يبقى لك شيء ، فقال عثمان : إن لي ذنوبا وخطايا ، وإنى أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه ، فقال عبد الله : أعطنى ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها ، فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن العطاء. فنزلت. ومعنى (تَوَلَّى) ترك المركز يوم أحد ، فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك وأجمل (فَهُوَ يَرى) فهو يعلم أن ما قال له أخوه من احتمال أوزاره حق (وَفَّى) قرئ مخففا ومشدّدا ، والتشديد مبالغة في الوفاء. أو بمعنى : وفر وأتم ، كقوله تعالى (فَأَتَمَّهُنَ) وإطلاقه ليتناول كل وفاء وتوفية ، من ذلك : تبليغه الرسالة ، واستقلاله بأعباء النبوّة ، والصبر على ذبح ولده وعلى نار نمروذ ، وقيامه بأضيافه وخدمته إياهم بنفسه ، وأنه كان يخرج كل يوم فيمشى فرسخا يرتاد ضيفا ، فإن وافقه أكرمه ، وإلا نوى الصوم. وعن الحسن : ما أمره الله بشيء إلا وفي به. وعن الهزيل بن شرحبيل (١) : كان بين نوح وبين إبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة غيره ، ويقتل بأبيه وابنه وعمه وخاله ، والزوج بامرأته ، والعبد بسيده ، فأوّل من خالفهم إبراهيم. وعن عطاء بن السائب : عهد أن لا يسأل مخلوقا ، فلما قذف في النار قال له جبريل وميكائيل : ألك حاجة؟ فقال. أمّا إليكما فلا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : وفي عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر (٢) النهار ، وهي : صلاة الضحى. وروى : ألا أخبركم لم سمى الله خليله (الَّذِي وَفَّى)؟ كان يقول إذا أصبح وأمسى : (فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ ...) إلى ... (حِينَ تُظْهِرُونَ) (٣) وقيل : وفي سهام الإسلام: وهي ثلاثون : عشرة في التوبة (التَّائِبُونَ ...) وعشرة في الأحزاب : (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ ...) وعشرة في المؤمنين (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ...) وقرئ : في صحف ، بالتخفيف (أَلَّا تَزِرُ) أن مخففة من الثقيلة. والمعنى : أنه
__________________
(١) قوله «وعن الهزيل بن شرحبيل» لعله : الهذيل. (ع)
(٢) أخرجه الطبري وابن أبى حاتم وغيرهما من رواية جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبى أمامة مرفوعا به وأتم منه.
(٣) أخرجه أحمد والطبراني وابن السنى والطبري وابن أبى حاتم من رواية ابن لهيعة عن زياد عن زيان عن ابن فائد عن سهل بن معاذ عن أبيه به.
لا تزر ، والضمير ضمير الشأن ، ومحل أن وما بعدها : الجر بدلا من ما في صحف موسى. أو الرفع على : هو أن لا تزر ، كأن قائلا قال : وما في صحف موسى وإبراهيم ، فقيل : أن لا تزر (إِلَّا ما سَعى) إلا سعيه. فإن قلت : أما صح في الأخبار : الصدقة عن الميت ، والحج عنه ، وبه الإضعاف؟ قلت : فيه جوابان ، أحدهما : أن سعى غيره لما لم ينفعه إلا مبنيا على سعى نفسه. وهو أن يكون مؤمنا صالحا وكذلك الإضعاف ـ كأن سعى غيره كأنه سعى نفسه ، لكونه تابعا له وقائما بقيامه. والثاني ، أن سعى غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه ، ولكن إذا نواه به فهو بحكم الشرع كالنائب عنه والوكيل القائم مقامه (ثُمَّ يُجْزاهُ) ثم يجزى العبد سعيه ، يقال : جزاه الله عمله وجزاه على عمله ، بحذف الجار وإيصال الفعل. ويجوز أن يكون الضمير للجزاء ، ثم فسره بقوله (الْجَزاءَ الْأَوْفى) أو أبدله عنه ، كقوله تعالى : (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) ، (وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى) قرئ بالفتح على معنى : أن هذا كله في الصحف ، وبالكسر على الابتداء ، وكذلك ما بعده. والمنتهى : مصدر بمعنى الانتهاء ، أى : ينتهى إليه الخلق ويرجعون إليه ، كقوله تعالى (إِلَى اللهِ الْمَصِيرُ). (أَضْحَكَ وَأَبْكى) خلق قوتي الضحك والبكاء (١) (إِذا تُمْنى) إذا تدفق في الرحم ، يقال : منى وأمنى. وعن الأخفش : تخلق من منى المانى ، أى قدر المقدّر : قرئ : النشأة والنشاءة بالمد. وقال (عَلَيْهِ) لأنها واجبة (٢) عليه في الحكمة (٣) ، ليجازى على الإحسان والإساءة (وَأَقْنى) وأعطى القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك (الشِّعْرى) مرزم الجوزاء (٤) : وهي التي تطلع وراءها ، وتسمى كلب الجبار ، وهما شعريان الغميصاء والعبور وأراد العبور. وكانت خزاعة تعبدها ، سنّ لهم ذلك أبو كبشة رجل من أشرافهم ،
__________________
(١) قال محمود : «أى خلق قوتي الضحك والبكاء» قال أحمد : وخلق أيضا فعلى الضحك والبكاء على قواعد السنة ، وعليه دلت الآية غير مثابرة لتحريفه ، والله الموفق.
(٢) قال محمود : «إنما قال عليه لأنها واجبة عليه ... الخ» قال أحمد : هذا من فساد اعتقاد المعتزلة الذي يسمونه مراعاة الصلاح والحكمة ، وأى فساد أعظم مما يؤدى إلى اعتقاد المعتزلة الإيجاب على رب الأرباب ، تعالى الله عن ذلك. ومثل هذه القاعدة التي عفت البراهين القاطعة رسمها وأبطلت حكمها لا يكفى فيها كلمة محتملة : هي لو كانت ظاهرة لوجب تنزيلها على ما يوفق بينها وبين القواطع ، والذي حملت عليه لفظة عليه غير هذا المعنى : وهو أن المراد أن أمر النشأة الأخرى يدور على قدرته عز وجل وإرادته ، كما يقال : دارت قضية فلان على يدي. وقول المحدثين. على يدي دار الحديث ، أى هو الأصل فيه والسند ، والله أعلم.
(٣) قوله «لأنها واجبة عليه في الحكمة» هذا عند المعتزلة لا عند أهل السنة. (ع)
(٤) قوله «مرزم الجوزاء» في الصحاح «المرزمان» مرزما الشعريين ، وهما نجمان : أحدهما في الشعرى ، والآخر في الذراع اه. (ع)
وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أبو كبشة ، تشبيها له به لمخالفته إياهم في دينهم (١) ، يريد : أنه رب معبودهم هذا. عاد الأولى : قوم هود ، وعاد الأخرى : إرم. وقيل : الأولى القدماء ، لأنهم أوّل الأمم هلاكا بعد قوم نوح ، أو المتقدمون في الدنيا الأشراف. وقرئ : عادا لولى. وعاد لولى ، بإدغام التنوين في اللام وطرح همزة أولى ونقل ضمتها إلى لام التعريف (وَثَمُودَ) وقرئ : وثمود (أَظْلَمَ وَأَطْغى) (٢) لأنهم كانوا يؤذونه ويضربونه حتى لا يكون به حراك ، وينفرون عنه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه ، وما أثر فيهم دعاؤه (٣) قريبا من ألف سنة (وَالْمُؤْتَفِكَةَ) والقرى التي ائتفكت بأهلها ، أى : انقلبت ، وهم قوم لوط ، يقال : أفكه فأتفك : وقرئ : والمؤتفكات (أَهْوى) رفعها إلى السماء على جناح جبريل ، ثم أهواها إلى الأرض أى : أسقطها (ما غَشَّى) تهويل وتعظيم لما صب عليها من العذاب وأمطر عليها من الصخر المنضود.
(فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ)(٥٨)
(فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى) تتشكك ، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو للإنسان على الإطلاق ، وقد عدد نعما ونقما وسماها كلها آلاء من قبل ما في نقمه من المزاجر والمواعظ للمعتبرين (هذا) القرآن (نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى) أى إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي أنذر بها من قبلكم. أو هذا الرسول منذر من المنذرين الأولين ، وقال : الأولى على تأويل الجماعة (أَزِفَتِ الْآزِفَةُ) قربت الموصوفة بالقرب في قوله تعالى (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) ، (لَيْسَ لَها) نفس (كاشِفَةٌ) أى مبينة متى تقوم ، كقوله تعالى (لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ) أو ليس لها نفس كاشفة ، أى : قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله ، غير أنه لا يكشفها. أو ليس لها الآن نفس كاشفة بالتأخير ، وقيل الكاشفة مصدر بمعنى الكشف : كالعافية. وقرأ طلحة : ليس لها مما يدعون من دون الله كاشفة ، وهي على الظالمين ساءت الغاشية.
(أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا)(٦٢)
__________________
(١) هذا وهم ، والمعروف أنهم كانوا يقولون له : ابن أبى كبشة ، كما في حديث أبى سفيان الطويل في الصحيحين حيث قال : لقد أمر أمر ابن أبى كبشة أن يخافه ملك بنى الأصفر. يعنى هرقل.
(٢) قوله «وقرئ وثمود أظلم وأطغى» يفيد أن قراءة التنوين أشهر. (ع)
(٣) قوله «وما أثر فيهم دعاؤه» أى دعاؤه إياهم إلى الإسلام. (ع)
(أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ) وهو القرآن (تَعْجَبُونَ) إنكارا (وَتَضْحَكُونَ) استهزاء (وَلا تَبْكُونَ) والبكاء والخشوع حق عليكم. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه لم ير ضاحكا بعد نزولها (١). وقرئ : تعجبون تضحكون ، بغير واو (وَأَنْتُمْ سامِدُونَ) شامخون مبرطمون (٢). وقيل : لاهون لاعبون. وقال بعضهم لجاريته : اسمدى لنا ، أى غنى لنا (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) ولا تعبدوا الآلهة.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة النجم أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد وجحد به بمكة» (٣)
سورة القمر
مكية [إلا الآيات ٤٤ و ٤٥ و ٤٦ فمدنية]
وآياتها ٥٥ [نزلت بعد الطارق]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ)(٣)
انشقاق القمر من آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعجزاته النيرة. عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر مرتين(٤).
__________________
(١) أخرجه أحمد في الزهد والثعلبي من حديث صالح بن أبى الخليل. ورواه ابن مردويه من طريق سعيد ابن جبير عن ابن عباس بإسناد ضعيف.
(٢) قوله «شامخون مبرطمون» في الصحاح «البرطمة» الانتفاخ من الغضب اه. وفيه «السامد» : رافع رأسه تكبرا ، واللاهي ، والمعنى ، والقائم ، والساكت ، والحزين الخاشع ، واسمأد الرجل بالهمز اسمئدادا : أى ورم غضبا. (ع)
(٣) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي من حديث أبى بن كعب رضى الله عنه.
(٤) متفق عليه من رواية قتادة عن أنس رضى الله عنه.
وكذا عن ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهما ، قال ابن عباس : انفلق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت (١). وقال ابن مسعود : رأيت حراء بين فلقتى القمر (٢). وعن بعض الناس : أن معناه ينشق يوم القيامة ، وقوله (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) يردّه ، وكفى به رادّا ، وفي قراءة حذيفة : وقد انشق القمر ، أى : اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق ، كما تقول : أقبل الأمير وقد جاء المبشر بقدومه. وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال : ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم (٣). مستمر : دائم مطرد ، وكل شيء قد انقادت طريقته ودامت حاله ، قيل فيه : قد استمرّ. لما رأوا تتابع المعجزات وترادف الآيات : قالوا : هذا سحر مستمرّ. وقيل : مستمرّ قوى محكم ، من قولهم : استمر مريره (٤). وقيل : هو من استمر الشيء إذا اشتدّت مرارته ، أى : مستبشع عندنا ، مرّ على لهواتنا ، لا نقدر أن نسيغه كما لا يساغ المر الممقر (٥). وقيل : مستمر مارّ ، ذاهب يزول ولا يبقى ، تمنية لأنفسهم وتعليلا. وقرئ : وإن يروا (وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره (وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ) أى كل أمر لا بد أن يصير إلى غاية يستقرّ عليها ، وإن أمر محمد سيصير إلى غاية يتبين عندها أنه حق ، أو باطل وسيظهر لهم عاقبته. أو وكل أمر من أمرهم وأمره مستقر ، أى : سيثبت ويستقر على حالة خذلان أو نصرة في الدنيا ، وشقاوة أو سعادة في الآخرة. وقرئ بفتح القاف ، يعنى : كل أمر ذو مستقرّ ، أى : ذو استقرار. أو ذو موضع استقرار أو زمان استقرار. وعن أبى جعفر : مستقر ، بكسر القاف والجرّ عطفا على الساعة ، أى : اقتربت الساعة واقترب كل أمر مستقر يستقر ويتبين حاله.
(وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ
__________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الدلائل ، من رواية الكلبي عن أبى صالح عنه ، وفي الصحيحين عنه : «انشق القمر على زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم».
(٢) أخرجه ابن مردويه من رواية منصور عن زيد بن وهب عن ابن مسعود قال : «ولقد رأيت والله حراء بين الشقتين» وفي الصحيحين عن أبى معمر عنه «بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى إذا انفلق القمر فلقتين وكان فلقة وراء الجبل وفلقة دونه. فقال : اشهدوا» وفي الباب عن ابن عمر في مسلم. وعن جبير بن مطعم عن الحاكم في المستدرك ، وعن أحمد أيضا.
(٣) أخرجه الحاكم والطيراني وأبو نعيم منى رواية ابن علية عن عطاء بن السائب عن ابن عبد الرحمن بهذا وأتم. ورواه عبد الرزاق من وجه آخر عن عطاء ، وكذا أخرجه أحمد من رواية شعبة عن عطاء.
(٤) قوله «استمر مريره» في الصحاح «المرير» : الغريمة وما لطف وطال واشتد فتله من الحبال. (ع)
(٥) قوله «كما يساغ المر الممقر» في الصحاح. مقر الشيء وأمقر ، أى : صار مرا. (ع)
النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ) (٧)
(مِنَ الْأَنْباءِ) من القرآن المودع أنباء القرون الخالية أو أنباء الآخرة ، وما وصف من عذاب الكفار (مُزْدَجَرٌ) ازدجار أو موضع ازدجار. والمعنى : هو في نفسه موضع الازدجار ومظنة له ، كقوله تعالى (لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) أى هو أسوة. وقرئ مزدجر بقلب تاء الافتعال زايا وإدغام الزاى فيها (حِكْمَةٌ بالِغَةٌ) بدل من ما. أو على : هو حكمة. وقرئ بالنصب حالا من ما. فإن قلت : إن كانت ما موصولة ساغ لك أن تنصب حكمة حالا ، فكيف تعمل إن كانت موصوفة؟ وهو الظاهر. قلت : تخصصها الصفة : فيحسن نصب الحال عنها (فَما تُغْنِ النُّذُرُ) نفى أو إنكار. وما منصوبة ، أى : فأى غناء تغنى النذر (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) لعلمك أن الإنذار لا يغنى فيهم. نصب (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ) بيخرجون ، أو بإضمار اذكر. وقرئ بإسقاط الياء اكتفاء بالكسرة عنها ، والداعي إسرافيل أو جبريل ، كقوله تعالى (يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ). (إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ) منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد بمثله وهو هول يوم القيامة. وقرئ : نكر بالتخفيف ، ونكر بمعنى أنكر (خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ) حال من الخارجين فعل للأبصار وذكر ، كما تقول : يخشع أبصارهم. وقرئ : خاشعة ، على : تخشع أبصارهم. وخشعا ، على : يخشعن أبصارهم ، وهي لغة من يقول : أكلونى البراغيث ، وهم طيئ. ويجوز أن يكون في (خُشَّعاً) ضميرهم ، وتقع (أَبْصارُهُمْ) بدلا عنه. وقرئ. خشع أبصارهم ، على الابتداء والخبر ، ومحل الجملة النصب على الحال. كقوله :
وجدته حاضراه الجود والكرم (١)
وخشوع الأبصار : كناية عن الذلة والانخزال ، لأن ذلة الذليل وعزة العزيز تظهران في عيونهما. وقرئ : يخرجون من الأجداث : من القبور (كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ) الجراد مثل في الكثرة والتموّج. يقال في الجيش الكثير المائج بعضه في بعض : جاءوا كالجراد ، وكالدبا (٢) منتشر في كل مكان لكثرته (مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ) مسرعين مادّى أعناقهم إليه. وقيل : ناظرين إليه لا يقلعون بأبصارهم. قال :
__________________
|
(١) إن الذي كنت أرجو فضل نائله |
|
وجدته حاضراه الجود والكرم |
يقول : إن الذي كنت أرجو بقية عطائه أو زيادة عطائه : وجدته مصاحبا الجود والكرم. وهما مبتدأ خبره حاضراه ، والجملة محلها نصب مفعول ثان ، وحضورهما : كناية عن قيامهما به.
(٢) قوله «كالجراد وكالدبا» في الصحاح «الدبا» الجراد قبل أن يطير ، والواحدة دباة. (ع)
|
تعبّدتى نمر بن سعد وقد أرى |
|
ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع (١) |
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)(١٧)
(قَبْلَهُمْ) قبل أهل مكة (فَكَذَّبُوا عَبْدَنا) يعنى نوحا. فإن قلت : ما معنى قوله تعالى (فَكَذَّبُوا) بعد قوله (كَذَّبَتْ) (٢)؟ قلت : معناه : كذبوا فكذبوا عبدنا أى : كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب ، كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب. أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا ، أى : لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوّة رأسا : كذبوا نوحا ، لأنه من جملة الرسل (مَجْنُونٌ) هو مجنون (وَازْدُجِرَ) وانتهروه بالشتم والضرب والوعيد بالرجم في قولهم (لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) وقيل : هو من جملة قيلهم ، أى : قالوا هو مجنون ، وقد ازدجرته الجن وتخبطته وذهبت بلبه وطارت بقلبه. قرئ : أنى ، بمعنى : فدعا بأنى مغلوب. وإنى : على إرادة
__________________
(١) الكلام على حذف حرف الاستفهام الإنكاري ، أى : أيتخذني عبدا هذا الرجل ، وحذف مفعول أرى لدلالة الحال عليه ، وهو قوله : ونمر بن سعد مطيع لي ومهطع ، أى : منتظر أمرى ليمتثله. أو مسرع إلى امتثاله ، وأظهر في مقام الإضمار تعجبا منه واستخفافا بشأنه ، ونمر : بسكون الميم.
(٢) قال محمود : «إن قلت : ما فائدة كذبوا بعد قوله كذبت قبلهم قوم نوح ... الخ؟ قال أحمد : قد تقدم كلامه على قوله تعالى (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي) وأجاب عنه بجوابين ، أحدهما متعذر هاهنا ، والآخر : ممكن وهو أن ذلك كقول القائل : أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام ، وقد مضى لي جوابان ، أحدهما : يمكن إجراؤه هنا ، وحاصله منع ورود السؤال ، لأن الأول مطلق والثاني مقيد ، فليس تكرارا. وهو كقوله في هذه السورة (فَتَعاطى فَعَقَرَ) فان تعاطيه هو نفس عقره ، ولكن ذكره من جهة عمومه ، ثم من ناحية خصوصه إسهابا ، وهو بمثابة ذكره مرتين ، وجواب آخر هنا : وهو أن المكذب أولا محذوف دل عليه ذكر نوح ، فكأنه قال : كذبت قوم نوح نوحا ، ثم جاء بتكذيبهم ثانيا مضافا إلى قوله (عَبْدَنا) فوصف نوحا بخصوص العبودية ، وأضافه إليه إضافة تشريف ، فالتكذيب المخبر عنه ثانيا أبشع عليهم من المذكور أولا لتلك اللمحة ، والله أعلم.
القول ، فدعا فقال : إنى مغلوب (١) غلبني قومي ، فلم يسمعوا منى واستحكم اليأس من إجابتهم لي (فَانْتَصِرْ) فانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم ، وإنما دعا بذلك بعد ما طم عليه الأمر وبلغ السيل الربا (٢) ، فقد روى : أنّ الواحد من أمّته كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشيا عليه. فيفيق وهو يقول : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وقرئ : ففتحنا مخففا ومشدّدا ، وكذلك وفجرنا (مُنْهَمِرٍ) منصب في كثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوما (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً) وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر ، وهو أبلغ من قولك : وفجرنا عيون الأرض ونظيره في النظم (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً). (فَالْتَقَى الْماءُ) يعنى مياه السماء والأرض. وقرئ : الماءان ، أى : النوعان من الماء السماوي والأرضى. ونحوه قولك : عندي تمران ، تريد : ضربان من التمر : برني ومعقلي. قال :
لنا إبلان فيهما ما علمتم (٣)
وقرأ الحسن : الماوان ، بقلب الهمزة واوا ، كقولهم : علباوان (عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) على حال قدرها الله كيف شاء. وقيل : على حال جاءت مقدّرة مستوية : وهي أن قدر ما أنزل من السماء كقدر ما أخرج من الأرض سواء بسواء. وقيل : على أمر قد قدر في اللوح أنه يكون ، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان (عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ) أراد السفينة ، وهي من الصفات التي تقوم مقام الموصوفات فتنوب منابها وتودى مؤداها. بحيث لا يفصل بينها وبينها. ونحوه :
|
......... ولكن |
|
قميصي مسرودة من حديد (٤) |
__________________
(١) قوله «فدعا فقال إنى مغلوب» لعله : أى فدعا فقال. (ع)
(٢) قوله «وبلغ السيل الربا» لعله جمع ربوة وهي ما ارتفع من الأرض كالرابية. أفاده الصحاح ، لكن فيه في حرف الزاى : والزبية الرابية لا يعلوها الماء. وفي المثل : قد بلغ السيل الزبى. والزبية : حفرة تحفر للأسد في موضع عال لأجل صيده. اه ملخصا. (ع)
|
(٣) لنا إبلان فيهما ما علمتم |
|
فعن أيهما ما شئتم فتنكبوا |
يقول : لنا قطيعان من الإبل فيهما قرى الأضياف وصلة الفقراء ، فاحملوا ما شئتم منهما على مناكبكم ، أى : خذوه وافصلوه عن الباقي. أو المعنى : اعدلوا عنهما وانصرفوا عما أردتموه منهما في مناكب الأرض ، فاننا حماته.
وأيهما : بالسكون لغة في أى المشددة. وما شئتم : بدل منه. ويجوز أن «ما» زائدة ، أى : ففي أيهما شئتم فانصرفوا في مناكب الأرض وطرقها مبعدين عنهما. ويجوز أن «ما شئتم» مفعول به ، أو مفعول مطلق مقدم على عامله ، والفاء الثانية تكرير للأولى. ويجوز أنها إشارة إلى ما في المعمول من معنى الشرط ، أى : فاما عن أيهما. أو فاما ما شئتم فتنكبوا ، أى : تجنبوا.
|
(٤) مفرشى صهوة الحصان ولكن |
|
قميصي مسرودة من حديد |
الصهوة : مقعد الفارس من ظهر الفرس. يقول : مفرشى ظهر حصانى. وقميصي : درع من حديد متتابعة النسج ،
أراد : ولكن قميصي درع ، وكذلك :
ولو في عيون النّازيات بأكرع (١)
أراد : ولو في عيون الجراد. ألا ترى أنك لو جمعت بين السفينة وبين هذه الصفة ، أو بين الدرع والجراد وهاتين الصفتين : لم يصح ، وهذا من فصيح الكلام وبديعه. والدسر : جمع دسار : وهو المسمار ، فعال من دسره إذا دفعه ، لأنه يدسر به منفذه (جَزاءً) مفعول له لما قدم من فتح أبواب السماء وما بعده ، أى فعلنا ذلك جزاء (لِمَنْ كانَ كُفِرَ) وهو نوح عليه السلام ، وجعله مكفورا لأنّ النبي نعمة من الله ورحمة. قال الله تعالى (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) فكان نوح عليه السلام نعمة مكفورة ، ومن هذا المعنى ما يحكى أنّ رجلا قال للرشيد : الحمد لله عليك ، فقال : ما معنى هذا الكلام؟ قال : أنت نعمة حمدت الله عليها. ويجوز أن يكون على تقدير حذف الجار وإيصال الفعل. وقرأ قتادة: كفر ، أى جزاء للكافرين. وقرأ الحسن : جزاء ، بالكسر : أى مجازاة. الضمير في (تَرَكْناها) للسفينة. أو للفعلة ، أى : جعلناها آية يعتبر بها. وعن قتادة : أبقاها الله بأرض الجزيرة. وقيل : على الجودي دهرا طويلا ، حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة. والمدكر : المعتبر. وقرئ : مذتكر ، على الأصل. ومذكر ، بقلب التاء ذالا وإدغام الذال فيها. وهذا نحو : مذجر. والنذر : جمع نذير وهو الإنذار (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) أى سهلناه للادكار والاتعاظ ، بأن شحناه بالمواعظ الشافية وصرفنا فيه من الوعد والوعيد (فَهَلْ مِنْ) متعظ. وقيل : ولقد سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه ، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه. ويجوز أن يكون المعنى : ولقد هيأناه للذكر ، من يسر ناقته للسفر : إذا رحلها ، ويسر فرسه للغزو ، إذا أسرجه وألجمه. قال :
|
وقمت إليه باللجام ميسرا |
|
هنالك يجزيني الّذى كنت أصنع (٢) |
__________________
ـ يعنى أنه ليس من أهل التنعم ، بل من أهل البدو والغزو. والاستدراك من باب استتباع المدح بما يشبه الذم ، مبالغة في المدح.
|
(١) وإنى لأستوفى حقوقي جاهدا |
|
ولو في عيون النازيات بأكرع |
يقول : ولا بد من الاجتهاد في تخليص حقوقي وأخذها ، ولو كانت في أخفى مكان وأبعده كعيون الجراد النازيات الواثبات بأكرع ، أى أرجل دقيقة جمع كراع : فحذف الموصوف وكنى عنه بالنازيات صفته لجريانها مجرى الاسم. وقيل :
المعنى لا بد من أخذ إبلى ولو كانت هزالا جدا بحيث ترى في عيون الجراد لصغرها ، أى : ولو كانت كأنها كذلك
|
(٢) أرى أم سهل لا تزال نفجع |
|
تلوم وما أدرى علام توجع |
|
تلوم على أن أمنح الورد لقحة |
|
وما تستوي والورد ساعة تفزع |
|
إذا هي قامت حاسرا مشمعلة |
|
نخيب الفؤاد رأسها ما يقنع |
|
وقمت إليه باللجام مبسرا |
|
هنالك يجزيني الذي كنت أصنع |
ويروى : أن كتب أهل الأديان نحو التوراة والإنجيل لا يتلوها أهلها إلا نظرا ولا يحفظونها ظاهرا كما القرآن.
(كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)(٢٢)
(وَنُذُرِ) وإنذارى لهم بالعذاب قبل نزوله. أو إنذار أتى في تعذيبهم لمن بعدهم (فِي يَوْمِ نَحْسٍ) في يوم شؤم. وقرئ : في يوم نحس ، كقوله (فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ). (مُسْتَمِرٍّ) قد استمر عليهم ودام حتى أهلكهم. أو استمر عليهم جميعا كبيرهم وصغيرهم ، حتى لم يبق منهم نسمة ، وكان في أربعاء في آخر الشهر لا تدور. ويجوز أن يريد بالمستمر : الشديد المرارة والبشاعة (تَنْزِعُ النَّاسَ) تقلعهم عن أماكنهم ، وكانوا يصطفون آخذين أيديهم بأيدى بعض (١). ويتدخلون في الشعاب ، ويحفرون الحفر فيندسون فيها فتنزعهم وتكبهم وتدق رقابهم (كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) يعنى أنهم كانوا يتساقطون على الأرض أمواتا وهم جثث طوال عظام ، كأنهم أعجاز نخل وهي أصولها بلا فروع ، منقعر : منقلع : عن مغارسه. وقيل : شبهوا بأعجاز النخل ، لأنّ الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجسادا بلا رؤوس. وذكر صفة (نَخْلٍ) على اللفظ ، ولو حملها على المعنى لأنث ، كما قال (أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ).
(كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥)
__________________
ـ للأعرج المعنى الخارجي. وتفجع وتوجع : أصلها بتاءين حذفت إحداهما تخفيفا. وعلام : استفهام عن علة التوجع. وأسنح : أعطى والورد : اسم فرسه. واللقحة : اللبن الحليب. والحاسر : العريانة الوجه. والمشمعلة : السريعة الجري. والنخيب : الخالية المجوفة. والمراد : التي ذهب عقلها ورأسها ، ما يقنع : أى ما يستر بالقناع لدهشتها وخجلتها. وقوله «الورد الأول» مفعول به ، والثاني مفعول معه : هذا حال أم سهل. وأما حال مهره ، فبينها في قوله : وقمت إليه مهيئا ومعدا له باللجام. أو مسهلا له به ، دلالة على أنه كان صعبا لو لا اللجام. وهنالك إشارة إلى مكان الحرب ، أو إلى زمانها ، يجزيني : أى يعطيني جزاء صنعي معه ، وشبهه بمن تصح منه المجازاة على طريق المكنية ، وصنعه : هو سقيه اللبن.
(١) قوله «آخذين أيديهم بأيدى بعض» عبارة النسفي : آخذين بعضهم بأيدى بعض. (ع)
.
سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (٣٢)
(أَبَشَراً مِنَّا واحِداً) نصب بفعل مضمر يفسره (نَتَّبِعُهُ) وقرئ : أبشر منا واحد ، على الابتداء. ونتبعه : خبره ، والأوّل أوجه للاستفهام. كان يقول : إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق ، وسعر : ونيران ، جمع سعير ، فعكسوا عليه فقالوا : إن اتبعناك كنا إذن كما تقول. وقيل : الضلال : الخطأ والبعد عن الصواب. والسعر : الجنون. يقال : ناقة مسعورة. قال :
|
كأنّ بها سعرا إذا العيس هزّها |
|
ذميل وإرخا من السّير متعب (١) |
فإن قلت : كيف أنكروا أن يتبعوا بشرا منهم واحدا؟ قلت : قالوا أبشرا : إنكارا لأن يتبعوا مثلهم في الجنسية ، وطلبوا أن يكون من جنس أعلى من جنس البشر وهم الملائكة (٢) ، وقالوا (مِنَّا) لأنه إذا كان منهم كانت المماثلة أقوى ، وقالوا (واحِداً) إنكارا لأن تتبع الأمّة رجلا واحدا. أو أرادوا واحدا من أفنائهم (٣) ليس بأشرفهم وأفضلهم ، ويدل عليه قولهم (أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا) أى أأنزل عليه الوحى من بيننا وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوّة (أَشِرٌ) بطر متكبر ، حمله بطره وشطارته وطلبه التعظم علينا على ادعاء ذلك (سَيَعْلَمُونَ غَداً) عند نزول العذاب بهم أو يوم القيامة (مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ) أصالح أم من كذبه. وقرئ : ستعلمون بالتاء على حكاية ما قال لهم صالح مجيبا لهم. أو هو كلام
__________________
(١) السعر : الجنون ، والمسعور : المجنون والذي ضربته السموم. يقول : كأن بناقتي جنون لقوة سيرها ، فالعيس : جمع عيساء وهي النوق البيض ، حركها ذميل وإرخاء : وهما نوعان من السير متعب كل منهما. وإسناد الهز إليهما مجاز عقلى من باب الاسناد للسبب ، وإن أريد بالهز التسيير فيكون من الاسناد للمصدر ، كجد جده ، لكن المسند هنا من المتعدي ، والمسند إليه من اللازم.
(٢) قوله «أعلى من جنس البشر وهم الملائكة» تفضيل الملك على البشر مذهب المعتزلة. وأهل السنة يفضلون البشر على الملك. (ع)
(٣) قوله «واحدا من أفنائهم» وفي الصحاح : يقال هو من أفناء الناس ، إذا لم يعلم ممن هو. اه ، ولم يذكر له واحدا. (ع)
الله تعالى على سبيل الالتفات. وقرئ : الأشر ، بضم الشين ، كقولهم حدث وحدث. وحذر وحذر ، وأخوات لها. وقرئ : الأشر ، وهو الأبلغ في الشرارة. والأخير والأشر : أصل قولهم : هو خير منه وشر منه ، وهو أصل مرفوض ، وقد حكى ابن الأنبارى قول العرب : هو أخير وأشر ، وما أخيره وما أشره (مُرْسِلُوا النَّاقَةِ) باعثوها ومخرجوها من الهضبة (١) كما سألوا (فِتْنَةً لَهُمْ) امتحانا لهم وابتلاء (فَارْتَقِبْهُمْ) فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون (وَاصْطَبِرْ) على أذاهم ولا تعجل حتى يأتيك أمرى (قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ) مقسوم بينهم : لها شرب يوم ولهم شرب يوم. وإنما قال : بينهم ، تغليبا للعقلاء (مُحْتَضَرٌ) محضور لهم أو للناقة. وقيل : يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في نوبتها (صاحِبَهُمْ) قدار بن سالف أحيمر ثمود (فَتَعاطى) فاجترأ على تعاطى الأمر العظيم غير مكترث له ، فأحدث العقر بالناقة. وقيل فتعاطى الناقة فعقرها ، أو فتعاطى السيف (صَيْحَةً واحِدَةً) صيحة جبريل. والهشيم ، الشجر اليابس المتهشم المتكسر. والمحتظر : الذي يعمل الحظيرة وما يحتظر به ييبس بطول الزمان وتتوطؤه البهائم فيتحطم ويتهشم. وقرأ الحسن بفتح الظاء وهو موضع الاحتظار ، أى : الحظيرة.
(كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)(٤٠)
(حاصِباً) ريحا تحصبهم بالحجارة ، أى : ترميهم (بِسَحَرٍ) بقطع من الليل ، وهو السدس الأخير منه. وقيل : هما سحران ، فالسحر الأعلى قبل انصداع الفجر ، والآخر عند انصداعه. وأنشد :
مرّت بأعلى السّحرين تذأل (٢)
__________________
(١) قوله «ومخرجوها من الهضبة» في الصحاح «الهضبة» الجبل المنبسط على وجه الأرض. (ع)
|
(٢) يا سائلي إن كنت عنها تسأل |
|
مرت بأعلى السحرين تذأل |
يقول : يا من تسألنى إن كنت تسألنى عن الحمر الوحشية لا غير ، فقد مرت بأعلى السحرين وهو السحر الذي قبل
وصرف لأنه نكرة. ويقال : لقيته سحر : إذا لقيته في سحر يومه (نِعْمَةً) إنعاما ، مفعول له (مَنْ شَكَرَ) نعمة الله بإيمانه وطاعته (وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ) لوط عليه السلام (بَطْشَتَنا) أخذتنا بالعذاب (فَتَمارَوْا) فكذبوا (بِالنُّذُرِ) متشاكين (فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ) فمسحناها وجعلناها كسائر الوجه لا يرى لها شق. روى أنهم لما عالجوا باب لوط عليه السلام ليدخلوا قالت الملائكة خلهم يدخلوا ، (إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) فصفقهم جبريل عليه السلام بجناحه صفقه فتركهم يتردّدون لا يهتدون إلى الباب حتى أخرجهم لوط (فَذُوقُوا) فقلت لهم : ذوقوا على ألسنة الملائكة (بُكْرَةً) أوّل النهار وباكره ، كقوله : مشرقين ، ومصبحين. وقرأ زيد بن على رضى الله عنهما : بكرة ، غير منصرفة ، تقول : أتيته بكرة وغدوة بالتنوين. إذا أردت التنكير ، وبغيره إذا عرّفت وقصدت بكرة نهارك وغدوته (عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ) ثابت قد استقرّ عليهم إلى أن يفضى بهم إلى عذاب الآخرة. فإن قلت : ما فائدة تكرير قوله (فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)؟ قلت : فائدته أن يجدّدوا عند استماع كل نبا من أنباء الأوّلين ادكارا واتعاظا ، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا ، إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث عليه ، وأن يقرع لهم العصا مرات ، ويقعقع لهم الشن (١) تارات ، لئلا يغلبهم السهو ولا تستولى عليهم الغفلة ، وهكذا حكم التكرير ، كقوله (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) عند كل نعمة عدّها في سورة الرحمن ، وقوله (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) عند كل آية أوردها في سورة والمرسلات ، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها لتكون تلك العبر حاضرة القلوب ، مصورة للأذهان ، مذكورة غير منسية في كل أوان.
(وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ)(٤٢)
(النُّذُرُ) موسى وهرون وغيرهما من الأنبياء ، لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون.
أو جمع نذير وهو الإنذار (بِآياتِنا كُلِّها) بالآيات التسع (أَخْذَ عَزِيزٍ) لا يغالب (مُقْتَدِرٍ) لا يعجزه شيء.
(أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ
__________________
ـ انصداع الفجر. والأدنى : هو الذي عند انصداعه ، أى مرت في السحر الأول تذأل بالهمز ، أى : تسرع في المشي من ذأل كمنع : إذا مشى في خفة. ومنه : ذؤالة الذئب ، وبين تسأل وتذأل الجناس المضارع.
(١) قوله «ويقعقع لهم الشن» القربة الخلق ، كذا في الصحاح. (ع)
نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ)(٤٦)
(أَكُفَّارُكُمْ) يا أهل مكة (خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ) الكفار المعدودين : قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون ، أى أهم خير قوّة وآلة ومكانة في الدنيا ، أو أقل كفرا وعنادا يعنى : أنّ كفاركم مثل أولئك بل شر منهم (أَمْ) أنزلت عليكم يا أهل مكة (بَراءَةٌ) في الكتب المتقدّمة. أنّ من كفر منكم وكذب الرسل كان آمنا من عذاب الله ، فأمنتم بتلك البراءة (نَحْنُ جَمِيعٌ) جماعة أمرنا مجتمع (مُنْتَصِرٌ) ممتنع لا نرام ولا نضام. وعن أبى جهل أنه ضرب فرسه يوم بدر ، فتقدّم في الصف وقال : نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه ، فنزلت (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ) عن عكرمة : لما نزلت هذه الآية قال عمر : أى جمع يهزم ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع ويقول : «سيهزم الجمع» عرف تأويلها (١) (وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) أى الأدبار كما قال :
كلوا في بعض بطنكم تعفوا (٢)
وقرئ : الأدبار (أَدْهى) أشدّ وأفظع. والداهية : الأمر المنكر لذي لا يهتدى لدوائه (وَأَمَرُّ) من الهزيمة والقتل والأسر. وقرئ : سنهزم الجمع.
(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)(٥٠)
(فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ) في هلاك ونيران. أو في ضلال عن الحق في الدنيا ، ونيران في الآخرة (مَسَّ سَقَرَ) كقولك : وجد مس الحمى وذاق طعم الضرب ، لأنّ النار إذا أصابتهم بحرها ولقحتهم بإيلامها ، فكأنها تمسهم مسا بذلك ، كما يمس الحيوان ويباشر بما يؤذى ويؤلم. وذوقوا : على إرادة القول. وسقر : علم لجهنم. من سقرته النار وصقرته إذا لوحته. قال ذو الرمّة :
__________________
(١) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ، وعن أيوب عن عكرمة «أن عمر ـ فذكره» وأتم منه ، ورواه من هذا الوجه إسحاق والطبري وابن أبى حاتم ، ورواه الطبري في الأوسط من رواية عبد المجيد بن أبى رواد عن معمر عن قتادة عن أنس عن عمر موصولا.
(٢) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٤٧٩ فراجعه إن شئت اه مصححه.
|
إذا ذابت الشّمس اتّقى صقراتها |
|
بأفنان مربوع الصّريمة معبل (١) |
وعدم صرفها للتعريف والتأنيث (كُلَّ شَيْءٍ) منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر(٢). وقرئ : كل شيء بالرفع. والقدر والقدر : التقدير. وقرئ بهما ، أى : خلقنا كل شيء مقدّرا محكما مرتبا على حسب ما اقتضته الحكمة. أو مقدّرا مكتوبا في اللوح. معلوما قبل كونه ، قد علمنا حاله وزمانه (وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ) إلا كلمة واحدة سريعة التكوين (كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) أراد قوله كن ، يعنى أنه إذا أراد تكوين شيء لم يلبث كونه.
(وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ)(٥٣)
(أَشْياعَكُمْ) أشباهكم في الكفر من الأمم (فِي الزُّبُرِ) في دواوين الحفظة (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ) من الأعمال ومن كل ما هو كائن (مُسْتَطَرٌ) مسطور في اللوح.
__________________
(١) لذي الرمة يصف بقر الوحش ، يقال : ذابت الشمس إذا اشتد حرها حتى يتساقط من شعاعها مثل اللعاب ، وصقر الصخرة بالمصقر : ضربها بالمعول ليكسرها. وصقرته الشمس : إذا ضربته فغيرت لونه. وصقرة الشمس : اشتداد وقعها على الأرض. والأفنان ، جمع فنن وهو مجتمع الورق الملتف المتكاثف في الغصن. والمربوع : الذي أصابه مطر الربيع. والصريمة : الرملة المتصرمة من الرمال. والمعبل : كثير الورق مفتوله. يقول : إذا اشتد حر الشمس توقى شدائده بأغصان شجر سقاه الربيع في هذا الموضع من الرمال. والمعبل : كثير الورق. ومعبل : بدل من مربوع ، كأنه جامد. ويجوز أنه نعت له ، على أن إضافته من إضافة الوصف إلى الظرف ، فلا تفيده التعريف ، فيصح وصفه بالنكرة.
(٢) قال محمود : «منصوب بمضمر يفسره الظاهر» قال أحمد : كان قياس ما مهده النحاة : اختيار رفع (كُلُ) لكن لم يقرأ بها واحد من السبعة ، وإنما كان كذلك ، لأن الكلام مع الرفع جملة واحدة ، ومع النصب جملتان ، فالرفع أخصر ، مع أنه لا مقتضى النصب هاهنا من أحد الأصناف الستة ، أعنى : الأمر ، والنهى ... إلى آخرها ، ولا أجد هنا مناسب عطف ولا غيره مما يعدونه من محال اختيارهم للنصب ، فإذا تبين ذلك فاعلم أنه إنما عدل عن الرفع إجماعا لسر لطيف يعين اختيار النصب : وهو أنه لو رفع لوقعت الجملة التي هي (خَلَقْناهُ) صفة لشيء ، ورفع قوله (بِقَدَرٍ) خيرا عن كل شيء المقيد بالصفة ، ويحصل الكلام على تقدير : إنا كل شيء مخلوق لنا بقدر ، فأفهم ذلك أن مخلوقا ما يضاف إلى غير الله تعالى ليس بقدر ، وعلى النصب يصير الكلام : إنا خلقنا كل شيء بقدر ، فيفيد عموم نسبة كل مخلوق إلى الله تعالى ، فلما كانت هذه الفائدة لا توازيها الفائدة اللفظية على قراءة الرفع مع ما في الرفع من نقصان المعنى ومع ما في هذه القراءة المستفيضة من مجيء المعنى تاما واضحا كفلق الصبح ، لا جرم أجمعوا على العدول عن الرفع إلى النصب ، لكن الزمخشري لما كان من قاعدة أصحابه تقسيم المخلوقات إلى مخلوق الله ومخلوق لغير الله ، فيقولون : هذا لله بزعمهم ، هذا لنا : فغرت هذه الآية فاه ، وقام إجماع القراء حجة عليه ، فأخذ يستروح إلى الشقاء ، وينقل قراءتها بالرفع ، فليراجع له ويعرض عليه إعراض القراء السبعة عن هذه الرواية ، مع أنها هي الأولى في العربية ، لو لا ما ذكرناه ، أيجوز في حكمه حينئذ الإجماع على خلاف الأولى لفظا ومعنى من غير معنى اقتضى ذلك أم لا؟ وهو المخير فيما يحكم به ، فالى الله ترجع الأمور.
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)(٥٥)
(وَنَهَرٍ) وأنهار ، اكتفى باسم الجنس. وقيل : هو السعة والضياء من النهار. وقرئ بسكون الهاء. ونهر : جمع نهر ، كأسد وأسد (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) في مكان مرضىّ. وقرئ :
في مقاعد صدق (عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) مقرّبين عند مليك مبهم أمره في الملك والاقتدار ، فلا شيء إلا وهو تحت ملكه وقدرته ، فأى منزلة أكرم من تلك المنزلة وأجمع للغبطة كلها والسعادة بأسرها. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة القمر في كل غب (١) بعثه الله يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر» (٢)
سورة الرحمن
مدنية وآياتها ٧٨ [نزلت بعد الرعد]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)(١٣)
__________________
(١) قوله «في كل غب بعثه الله» في الصحاح «الغب» : أن ترد الإبل الماء يوما وتدعه يوما. والغب في الزيارة : قال الحسن : في كل أسبوع. (ع)
(٢) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب.
عدّد الله عز وعلا آلاءه ، فأراد أن يقدّم أوّل شيء ما هو أسبق قد ما من ضروب آلائه (١) وأصناف نعمائه ، وهي نعمة الدين ، فقدّم من نعمة الدين ما هو في أعلى مراتبها وأقصى مراقيها : وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه ، لأنه أعظم وحى الله رتبة ، وأعلاه منزلة ، وأحسنه في أبواب الدين أثرا ، وهو سنام الكتب السماوية ومصداقها والعيار عليها ، وأخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره ، ثم أتبعه إياه : ليعلم أنه إنما خلقه الدين ، وليحيط علما بوحيه وكتبه وما خلق الإنسان من أجله ، وكأن الغرض في إنشائه كان مقدّما عليه وسابقا له ، ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان من البيان ، وهو المنطق الفصيح (٢) المعرب عما في الضمير و (الرَّحْمنُ) مبتدأ ، وهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة ، وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد ، كما تقول : زيد أغناك بعد فقر ، أعزك بعد ذل ، كثرك بعد قلة ، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد ، فما تنكر من إحسانه؟ (بِحُسْبانٍ) بحساب معلوم وتقدير سوىّ (تَجْرِيانِ) في بروجهما ومنازلهما. وفي ذلك منافع للناس عظيمة : منها علم السنين والحساب (وَالنَّجْمُ) والنبات الذي ينجم من الأرض لا ساق له كالبقول (وَالشَّجَرُ) الذي له ساق. وسجودهما : انقيادهما لله فيما خلقا له ، وأنهما لا يمتنعان ، تشبيها بالساجد من المكلفين في انقياده. فإن قلت : كيف اتصلت هاتان الجملتان بالرحمن؟ قلت : استغنى فيهما عن الوصل اللفظي بالوصل المعنوي ، لما علم أن الحسبان حسبانه ، والسجود له لا لغيره ، كأنه قيل : الشمس والقمر بحسبانه ، والنجم والشجر يسجدان له. فإن قلت : كيف أخل بالعاطف في الجمل الأول ، ثم جيء به بعد؟ قلت : بكت بتلك الجمل الأول واردة على سنن التهديد ، ليكون كل واحدة من الجمل مستقلة في تقريع الذين أنكروا الرحمن وآلاءه ، كما يبكت منكر أيادى المنعم عليه من الناس بتعديدها عليه في المثال الذي قدّمته ، ثم ردّ الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب والتقارب
__________________
(١) قال محمود : «عدد الله عز وجل آلاءه فأراد أن يقدم أول شيء ما هو أسبق قد ما في ضروب آلائه ... الخ» قال أحمد : نغير من هذا الكلام قوله : أن خلق الإنسان كان الغرض فيه. أى المراد منه : أن يحيط علما بالكتب والوحى ، ويعوض بأن المراد بخلقه : أن يدعى إلى ذلك ، لا أن يقع ذلك منه ، فهذا هو المراد العام ، ثم منهم من أراد الله منه أن يحيط علما بالدين فيسر له ذلك ، ومنهم من أراد ضلالته وجهالته فبعد عنه ولم يوفق ، والله الموفق الصواب.
(٢) قال محمود : «ثم ذكر ما تميز به عن سائر الحيوان من البيان ، وهو المنطق الفصيح المعرب ... الخ» قال أحمد : وإنما خص الجمل الأول بذكرها تبكيتا للإنسان لأجل التصاق معانيها به ، ألا ترى أنه مذكور فيها نطقا وإضمارا وحذفا مدلولا عليه في الكلام ، فهو منطوق به مظهرا في قوله (خَلَقَ الْإِنْسانَ) ومضمرا في قوله (عَلَّمَهُ الْبَيانَ) ومدلولا على حذفه في قوله (عَلَّمَ الْقُرْآنَ) فانه المفعول الثاني ، أما قوله (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ) فليس للإنسان فيهما ذكر البتة ، وجل المقصود من سياقهما التنبيه على عظمة الله تعالى.
بالعاطف. فإن قلت : أى تناسب بين هاتين الجملتين حتى وسط بينهما العاطف؟ قلت : إنّ الشمس والقمر سماويان ، والنجم والشجر أرضيان ، فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل ، وأنّ السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين ، وأن جرى الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله ، فهو مناسب لسجود النجم والشجر وقيل : (عَلَّمَ الْقُرْآنَ) جعله علامة وآية. وعن ابن عباس رضى الله عنه : الإنسان آدم. وعنه أيضا : محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن مجاهد النجم : نجوم السماء (وَالسَّماءَ رَفَعَها) خلقها مرفوعة مسموكة ، حيث جعلها منشأ أحكامه ، ومصدر قضاياه ، ومتنزل أوامره ونواهيه ، ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه ، ونبه بذلك على كبرياء شأنه وملكه وسلطانه (وَوَضَعَ الْمِيزانَ) وفي قراءة عبد الله : وخفض الميزان ، وأراد به كل ما توزن به الأشياء وتعرف مقاديرها من ميزان وقرسطون ومكيال ومقياس ، أى خلقه موضوعا مخفوضا على الأرض : حيث علق به أحكام عباده وقضاياهم وما تعبدهم به من التسوية والتعديل في أخذهم وإعطائهم (أَلَّا تَطْغَوْا) لئلا تطغوا. أو هي أن المفسرة. وقرأ عبد الله : لا تطغوا بغير أن ، على إرادة القول (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ) وقوّموا وزنكم بالعدل (وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ) ولا تنقصوه : أمر بالتسوية ونهى عن الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة ، وعن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان. وكرّر لفظ الميزان : تشديدا للتوصية به ، وتقوية للأمر باستعماله والحث عليه. وقرئ. والسماء. بالرفع. ولا تخسروا بفتح التاء وضم السين وكسرها وفتحها. يقال : خسر الميزان يخسره ويخسره ، وأمّا الفتح فعلى أن الأصل : ولا تخسروا في الميزان ، فحذف الجار وأوصل الفعل. و (وَضَعَها) خفضها مدحوّة على الماء (لِلْأَنامِ) للخلق ، وهو كل ما على ظهر الأرض من دابة. وعن الحسن : الإنس والجنّ ، فهي كالمهاد لهم يتصرفون فوقها (فاكِهَةٌ) ضروب مما يتفكه به ، و (الْأَكْمامِ) كل ما يكم أى يغطى من ليفة وسعفة وكفرّاة (١) وكله منتفع به كما ينتفع بالمكموم من ثمره وجماره وجذوعه. وقيل الأكمام أوعية التمر : الواحد كم. بكسر الكاف. و (الْعَصْفِ) ورق الزرع ، وقيل التبن (وَالرَّيْحانُ) الرزق وهو اللب : أراد فيها ما يتلذذ به من الفواكه والجامع بين التلذذ والتغرى وهو ثمر النخل ، وما يتغذى به وهو الحب. وقرئ : والريحان ، بالكسر. ومعناه : والحب ذو العصف الذي هو علف الأنعام ، والريحان الذي هو مطعم الناس. وبالضم على : وذو الريحان. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
__________________
(١) قوله «وسعقة وكفراة» الذي في الصحاح «الكفرى بلا تاء ، وأنها وعاء الطلع اه ، فلعل عبارة المفسر من ليفه وسعفه وكفراه باضافة كل إلى ضمير النخل ، كما سيأتى في ثمره وجماره وجذوعه ، والناسخ توهم أنها هاء التأنيث فتقطها فوق. (ع)
وقيل : معناه وفيها الريحان الذي يشم ، وفي مصاحف أهل الشأم : والحب ذو العصف والريحان ، أى : وخلق الحب والريحان : أو وأخص الحب والريحان. ويجوز أن يراد : وذا الريحان ، فيحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه ، والخطاب في (رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) للثقلين بدلالة الأنام عليهما. وقوله (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ).
(خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)(١٦)
الصلصال : الطين اليابس له صلصلة. والفخار : الطين المطبوخ بالنار وهو الخزف. فإن قلت : قد اختلف التنزيل في هذا ، وذلك قوله عزّ وجل (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) ، (مِنْ طِينٍ لازِبٍ) ، «من تراب». قلت : هو متفق في المعنى ، ومفيد أنه خلقه من تراب : جعله طينا ، ثم حمأ مسنونا ، ثم صلصالا. و (الْجَانَ) أبو الجن. وقيل : هو إبليس. والمارج : اللهب الصافي الذي لا دخان فيه. وقيل : المختلط بسواد النار ، من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط. فإن قلت : فما معنى قوله (مِنْ نارٍ)؟ قلت : هو بيان لمارج ، كأنه قيل : من صاف من نار. أو مختلط من نار أو أراد من نار مخصوصة ، كقوله تعالى (فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى).
(رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)(١٨)
قرئ : رب المشرقين ورب المغربين ، بالجر بدلا من (رَبِّكُما) وأراد : مشرقى الصيف والشتاء ومغربيهما.
(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)(٢٣)
(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ) أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين متلاقيين ، لا فصل بين الماءين في مرأى العين (بَيْنَهُما بَرْزَخٌ) حاجز من قدرة الله تعالى (لا يَبْغِيانِ) لا يتجاوزان حدّيهما ولا يبغى أحدهما على الآخر بالممازجة. قرئ يخرج ويخرج من أخرج. وخرج. ويخرج : أى الله عز وجل اللؤلؤ والمرجان بالنصب. ونخرج ، بالنون. واللؤلؤ : الدرّ. والمرجان : هذا الخرز الأحمر وهو البسذ. وقيل : اللؤلؤ كبار الدرّ. والمرجان : صغاره. فإن قلت : لم قال
(مِنْهُمَا) وإنما يخرجان من الملح (١)؟ قلت : لما التقيا وصارا كالشىء الواحد : جاز أن يقال : يخرجان منهما ، كما يقال يخرجان من البحر ، ولا يخرجان من جميع البحر ولكن من بعضه. وتقول : خرجت من البلد وإنما خرجت من محلة من محاله ، بل من دار واحدة من دوره. وقيل : لا يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب.
(وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)(٢٥)
(الْجَوارِ) السفن. وقرئ : الجوار بحذف الياء ورفع الراء ، ونحوه :
|
لها ثنايا أربع حسان |
|
وأربع فكلها ثمان (٢) |
و (الْمُنْشَآتُ) المرفوعات الشرع (٣). وقرئ بكسر الشين : وهي الرافعات الشرع أو اللاتي ينشئن الأمواج بجريهنّ. والأعلام : جمع علم ، وهو الجبل الطويل.
(كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)(٢٨)
(عَلَيْها) على الأرض (وَجْهُ رَبِّكَ) ذاته ، والوجه يعبر به عن الجملة والذات (٤) ، ومساكين مكة يقولون : أين وجه عربى كريم ينقذني من الهوان. و (ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) صفة الوجه. وقرأ عبد الله : ذى ، على : صفة ربك. ومعناه : الذي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه وعن أفعالهم (٥).
__________________
(١) قال محمود : «إن قلت لم قال منهما وإنما يخرجان من الملح ... الخ» قال أحمد : هذا القول الثاني مردود بالمشاهدة ، والصواب هو الأول ، ومثله (لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) وإنما أريد إحدى القريتين ، هذا هو الصحيح الظاهر ، وكما تقول : فلان من أهل ديار مصر ، وإنما بلده محلة واحدة منها.
(٢) الثنايا : مقدم الأسنان ، وظاهر البيت أنها أربع من فوق وأربع من تحت ، فكل ثناياها ثمان. وروى : فثغرها ثمان ، وهذه الرواية تناسب ما اشتهر من أن الثنايا اثنان من فوق واثنان من تحت فهي أربع ، ويليها مثلها رباعيات ، ويليها مثلها أنياب ، ويليها مثلها ضواحك ، وما بقي أضراس. ثم نواجذ. وعامل المنقوص معاملة الصحيح ، فرفع ثمان خبرا للمبتدإ ، وصارت الياء المحذوفة نسيا منسيا.
(٣) قوله «والمنشآت المرفوعات الشرع» في الصحاح «الشراع» : شراع السفينة اه ، فالشرع جمعه ، ككتاب وكتب. (ع)
(٤) قال محمود : «الوجه يعبر به عن الذات ومساكين مكة يقولون ... الخ» قال أحمد : المعتزلة ينكرون الصفات الالهية التي دل عليها العقل ، فكيف بالصفات السمعية ، على أن من الأشعرية من حمل الوجه واليدين والعينين على نحو ما ذكر ، ولم ير بيانها صفات سمعية.
(٥) قوله «عن التشبيه بخلقه وعن أفعالهم» إجلاله عن أفعال الخلق مبنى على مذهب المعتزلة : أنه لا يخلق أفعال العباد. ومذهب أهل السنة : أنه هو الخالق لها. (ع)
أو الذي يقال له : ما أجلك وأكرمك. أو من عنده الجلال والإكرام للمخلصين من عباده ، وهذه الصفة من عظيم صفات الله ، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ألظوا (١) بياذا الجلال والإكرام» (٢) وعنه عليه الصلاة والسلام : أنه مر برجل وهو يصلى ويقول : يا ذا الجلال والإكرام ، فقال : «قد استجيب (٣) لك». فإن قلت : ما النعمة في ذلك؟ قلت : أعظم النعمة وهو مجيء وقت الجزاء عقيب ذلك.
(يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)(٣٠)
كل من أهل السماوات والأرض مفتقرون إليه ، فيسأله أهل السماوات ما يتعلق بدينهم ، وأهل الأرض ما يتعلق بدينهم ودنياهم (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) أى كل وقت وحين يحدث أمورا ويجدد أحوالا ، كما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تلاها فقيل له : وما ذلك الشأن؟ فقال : «من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ، ويرفع قوما ويضع آخرين» (٤) وعن ابن عيينة : الدهر عند الله تعالى يومان ، أحدهما : اليوم الذي هو مدّة عمر الدنيا فشأنه فيه الأمر والنهى والإماتة والإحياء والإعطاء والمنع. والآخر : يوم القيامة ، فشأنه فيه الجزاء والحساب. وقيل : نزلت في اليهود حين قالوا : إنّ الله لا يقضى يوم السبت شيئا. وسأل بعض الملوك وزيره عنها فاستمهله إلى الغد وذهب كئيبا يفكر فيها ، فقال غلام له أسود : يا مولاي ، أخبرنى ما أصابك لعل الله يسهل لك على يدي ، فأخبره فقال له : أنا أفسرها للملك فأعلمه ، فقال : أيها الملك شأن الله أن يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ، ويخرج الحي
__________________
(١) قوله «ألظوا بياذا الجلال» أى : الزموا ذلك. اه صحاح. (ع)
(٢) أخرجه الترمذي من رواية يزيد الرقاشي. عن أنس ويزيد ضعيف ، ومن رواية مؤمل عن حماد بن حميد عن أنس مرفوعا ، وقال غيره مخفوضا وإنما هو عن حماد عن حميد عن الحسن مرسلا وهو أصح ، وأخرجه من رواية مؤمل إسحاق وابن أبى شيبة ، وبالثاني أبو يعلى والبزار قال ابن أبى حاتم عن أبيه : أخطأ فيه مؤمل ، والصحيح ما رواه أبو سلمة عن حماد عن ثابت. وحميد عن الحسن مرسلا ورواه ابن مردويه من رواية روح بن عبادة عن حماد عن حميد عن أنس موصولا أيضا ، وهذه متابعة قوية لمؤمل ، وفي الباب عن ربيعة بن عامر بن نجاد أخرجه الحاكم ، وفيه رشيد بن سعد ، وهو ضعيف وعن ابن عمر أخرجه ابن مردويه وإسناده ضعيف
(٣) أخرجه الترمذي والبخاري في الأدب المفرد وأحمد والبزار والطبراني من طريق أبى الدرداء عن اللجلاج عن معاذ بن جبل فذكره.
(٤) أخرجه ابن ماجة وابن حبان والطبراني والبزار وأبو يعلى من حديث أبى الدرداء ، وفي الباب عن ابن عمر أخرجه البزار بإسناد ضعيف. وعن عبد الله بن حبيب الأزدى. أخرجه البزار والطبراني وابن أبى حاتم قال البزار : لا أعلم أسند عبد الله بن حبيب إلا هذا الحديث.
من الميت ويخرج الميت من الحي ، ويشفى سقيما ويسقم سليما ، ويبتلى معافا ويعافى مبتلى ، ويعز ذليلا ويذل عزيزا ويفقر غنيا ويغنى فقيرا ، فقال الأمير : أحسنت وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة فقال : يا مولاي هذا من شأن الله. وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين ابن الفضل وقال له : أشكلت على ثلاث آيات ، دعوتك لتكشفها لي : قوله تعالى (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) وقد صحّ أنّ الندم توبة وقوله تعالى (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) وقد صح أنّ القلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة. وقوله تعالى (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين : يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك الأمّة. ويكون توبة في هذه الأمّة ، لأنّ الله تعالى خص هذه الأمّة بخصائص لم يشاركهم فيها الأمم ، وقيل إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل ، ولكن على حمله ، وأما قوله (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) فمعناه : ليس له إلا ما سعى عدلا ، ولى أن أجزيه بواحدة ألفا فضلا ، وأما قوله (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) فإنها شئون يبديها لا شئون يبتدئها : فقام عبد الله وقبل رأسه وسوّغ خراجه ،
(سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)(٣٢)
(سَنَفْرُغُ لَكُمْ) مستعار من قول الرجل لمن يتهدده : سأفرغ لك ، يريد : سأتحرّد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنك ، حتى لا يكون لي شغل سواه ، والمراد : التوفر على النكاية فيه والانتقام منه ، ويجوز أن يراد : ستنتهى الدنيا وتبلغ آخرها ، وتنتهي عند ذلك شئون الخلق التي أرادها بقوله (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) فلا يبقى إلا شأن واحد وهو جزاؤكم ، فجعل ذلك فراغا لهم على طريق المثل ، وقرئ : سيفرغ لكم ، أى : الله تعالى ، وسأفرغ لكم ، وسنغفر بالنون مفتوحا ومكسورا وفتح الراء ، وسيفرغ بالياء مفتوحا ومضموما مع فتح الراء ، وفي قراءة أبىّ ، سنفرغ إليكم ، بمعنى : سنقصد إليكم ، والثقلان : الإنس والجن ، سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض ،
(يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)(٣٦)
(يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) كالترجمة لقوله : أيها الثقلان (إِنِ اسْتَطَعْتُمْ) أن تهربوا من قضائي وتخرجوا من ملكوتي ومن سمائي وأرضى ، فافعلوا ، ثم قال : لا تقدرون على
النفوذ (إِلَّا بِسُلْطانٍ) يعنى بقوّة وقهر وغلبة ، وأنى لكم ذلك ، ونحوه (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) وروى : أنّ الملائكة عليهم السلام تنزل فتحيط بجميع الخلائق ، فإذا رآهم الجن والإنس هربوا ، فلا يأتون وجها إلا وجدوا الملائكة أحاطت به. قرئ : شواظ ونحاس ، كلاهما بالضم والكسر ، والشواظ : اللهب الخالص. والنحاس : الدخان ، وأنشد :
|
تضيء كضوء سراج السّليط |
|
لم يجعل الله فيه نحاسا (١) |
وقيل : الصفر المذاب يصب على رءوسهم. وعن ابن عباس رضى الله عنهما : إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر. وقرئ : ونحاس ، مرفوعا عطفا على شواظ. ومجرورا عطفا على نار. وقرئ : ونحس : جمع نحاس ، وهو الدخان ، نحو لحاف ولحف. وقرئ : ونحس ؛ أى : ونقتل بالعذاب. وقرئ : نرسل عليكما شواظا من نار ونحاسا (فَلا تَنْتَصِرانِ) فلا تمتنعان.
(فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)(٤٠)
(وَرْدَةً) حمراء (كَالدِّهانِ) كدهن الزيت ، كما قال : كالمهل ، وهو دردىّ الزيت ، وهو جمع دهن. أو اسم ما يدهن به كالحزام والإدام. قال :
|
كأنّهما مزادتا متعجل |
|
فريّان لمّا تدهنا بدهان (٢) |
__________________
(١) النابغة الجعدي. والسليط : الشيرج ، ولم يجعل : جملة حالية من السراج. والنحاس : الدخان. وشرط مجيء الحال من المضاف إليه موجود ، لأن الضوء مثل جزئه ، ولعله يصف وجه محبوبته التي قال فيها : إذا ما الضجيع ثنى عطفها ... البيت : شبهه بالسراج في الاضاءة ، بقيد أن لا يكون فيه دخان ، لأن ضوء وجهها كذلك. فهو من التشهيه المقيد.
(٢) لامرئ القيس. والمزادة : قربة صغيرة يتزود فيها الماء للسفر. والفرى ـ وزن فعيل بمعنى مفعول ، من فريت الجلد إذا شققته. ولما : حرف جزم ونفى كلم ، إلا أنه يختص بتوقع منفية. ويروى : لما تلقا ، أى : تدهنا ، من سلقت الجلد إذا دهنته. والدهان : ما يدهن به ، كالإدام ما يؤتدم به : شبه عينيه من كثرة البكاء بقربتى رجل متعجل ، وهو من يأتى أهله بالاعجالة : وهي ما يعجله الراعي إلى أهله من اللبن قبل وقت الحلب. ويمكن أن المعنى أنه مستعجل لم يصبر حتى يدبغهما ويدهنهما ، فريان : مشقوقتان ، أى على حالة سلخهما لم يدهنا بدهن قط. وقيل : معنى التعجل أنه لم يحكم ربطهما. فهما يذرفان ماء من فميهما لا من ثقويهما.
وقيل : الدهان الأديم الأحمر. وقرأ عمرو بن عبيد. وردة بالرفع ، بمعنى : فحصلت سماء وردة ، وهو من الكلام الذي يسمى التجريد ، كقوله :
|
فلئن بقيت لأرحلنّ بغزوة |
|
تحوى الغنائم أو يموت كريم (١) |
(إِنْسٌ) بعض من الإنس (وَلا جَانٌ) أريد به : ولا جن ، أى : ولا بعض من الجن ، فوضع الجان الذي هو أبو الجن موضع الجن ، كما يقال : هاشم ، ويراد ولده. وإنما وحد ضمير الإنس في قوله (عَنْ ذَنْبِهِ) لكونه في معنى البعض. والمعنى : لا يسألون لأنهم يعرفون بسيما المجرمين وهي سواد الوجوه وزرقة العيون. فإن قلت : هذا خلاف قوله تعالى (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) وقوله (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ). قلت : ذلك يوم طويل وفيه مواطن ، فيسألون في موطن ولا يسألون في آخر : قال قتادة : قد كانت مسألة ، ثم ختم على أفواه القوم ، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. وقيل لا يسأل عن ذنبه ليعلم من جهته ، ولكن يسأل سؤال توبيخ. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد : ولا جأن ، فرارا من التقاء الساكنين ، وإن كان على حده.
(يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلاءِ
__________________
|
(١) ومعى أسود من حنيفة في الوغى |
|
للبيض فوق رؤسهم توسيم |
|
قوم إذا لبسوا الحديد كأنهم |
|
في البيض والحلق الدلاص نجوم |
|
فلئن بقيت لأرجعن بغزوة |
|
نحو الغنائم أو يموت كريم |
لقتادة بن مسلم الحنفي. والدلاص : اللينة الملساء. واستعار الأسود الشجعان على طريق التصريح ، ثم قال : إنهم موسومون في الحرب بالمغافر حال كونها فوق رؤسهم. والمراد بالحديد : الدروع والمغافر والحلق الدروع وكانت بيضاء. فشبههم فيها بالنجوم للمعانها. أو كانت سوداء ، فشبه وجوههم فيها بالنجوم في السماء ، فالجامع مركب حسى ، والفاء في قوله «فلئن بقيت» تدل على أن ما بعدها مسبب عما قبلها من توفر رجاله وشجاعتهم ومنعتهم ، أى : والله لئن طال عمرى لأرجعن إلى الأعداء بغزوة أخرى تجمع الغنائم ونحوها ، فنحو بالنون : فعل مضارع مجزوم في جواب شرط مقدر ، أى : إن رجعنا إليهم بغزوة نجمع الغنائم منهم. وأما جواب إن المذكورة فمحذوف ، دل عليه جواب القسم. وروى : لأرحلن بغزوة ، أى : لأسافرن بغزوة ، تحوى بالتاء وزيادة الياء ، أى تجمع الغنائم وتحوزها. وإسناد العمل للغزوة ، لأنها سبب الجمع والحيازة. ويجوز أن معناها الكتيبة ، مبالغة في غزوها. وروى نحوى بالنون مع الياء ، أى : نجمع نحن ونحوز في تلك الغزوة ، فالجملة صفة لغزوة. ويجوز أنه استئناف : جواب لسؤال مصدر. وروى : نحو الغنائم بالنصب على الظرفية ، أى جهة الغنائم. وأو بمعنى إلا ، أى إلا أن يموت كريم يعنى نفسه ، فهو من باب التجريد ، كأنه انتزع من نفسه شخصا مثله في الشجاعة فأخبر عنه ، والكرم هنا الشجاعة ، لأنه في كل باب بحسبه ، فليس خاصا بمقابل البخل. ومعنى الاستثناء راجع إلى معنى الجمع والحيازة ، ولا يلزم من اشتراط البقاء في الذهاب اشتراط فيما يوجد عقبه فلا تكرار.
رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)(٤٥)
(فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ) عن الضحاك : يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره وقيل تسحبهم الملائكة : تارة تأخذ بالنواصي ، وتارة تأخذ بالأقدام (حَمِيمٍ آنٍ) ماء حار قد انتهى حرّه ونضجه ، أى : يعاقب عليهم بين التصلية بالنار وبين شرب الحميم. وقيل : إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم. وقيل : إن واديا من أودية جهنم يجتمع فيه صديد أهل النار فينطلق بهم في الأغلال ، فيغمسون فيه حتى تنخلع أوصالهم ، ثم يخرجون منه وقد أحدث الله لهم خلقا جديدا. وقرئ : يطوّفون من التطويف. ويطوّفون ، أى : يتطوّفون ويطافون. وفي قراءة عبد الله : هذه جهنم التي كنتما بها تكذبان تصليان لا تموتان فيها ولا تحييان يطوفون بينها. ونعمة الله فيما ذكره من هول العذاب : نجاة الناجي منه برحمته وفضله ، وما في الإنذار به من اللطف.
(وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)(٥٥)
(مَقامَ رَبِّهِ) موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب يوم القيامة (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) ونحوه (لِمَنْ خافَ مَقامِي) ويجوز أن يراد بمقام ربه : أن الله قائم عليه ، أى حافظ مهيمن من قوله تعالى (أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) فهو يراقب ذلك فلا يجسر على معصيته. وقيل : هو مقحم كما تقول : أخاف جانب فلان ، وفعلت هذا لمكانك. وأنشد :
|
ذعرت به القطا ونفيت عنه |
|
مقام الذئب كالرّجل اللّعين (١) |
__________________
(١) قوله «كالرجل اللعين» : هو شيء ينصب وسط الزرع لطرد الوحوش ، كذا في الصحاح. اه عليان. قلت : وتقدم شرح هذا الشاهد بهذا الجزء صفحة ٢٠٥ فراجعه إن شئت اه مصححه.
يريد : ونفيت عنه الذئب. فإن قلت : لم قال (جَنَّتانِ)؟ قلت : الخطاب للثقلين ، فكأنه قيل : لكل خائفين منكما جنتان : جنة للخائف الإنسى ، وجنة للخائف الجنى. ويجوز أن يقال : جنة لفعل الطاعات ، وجنة لترك المعاصي ، لأنّ التكليف دائر عليهما وأن يقال : جنة يثاب بها ، وأخرى تضم إليها على وجه التفضل ، كقوله تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ) خص الأفنان بالذكر : وهي الغصنة (١) التي تتشعب من فروع الشجرة ، لأنها هي التي تورق وتثمر ، فمنها تمتد الظلال ، ومنها تجتنى الثمار. وقيل : الأفنان ألوان النعم ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. قال :
|
ومن كل أفنان اللّذاذة والصّبا |
|
لهوت به والعيش أخضر ناضر (٢) |
(عَيْنانِ تَجْرِيانِ) حيث شاءوا في الأعالى والأسافل. وقيل : تجريان من جبل من مسك. وعن الحسن : تجريان بالماء الزلال : إحداهما التسنيم ، والأخرى : السلسبيل (زَوْجانِ) صنفان : قيل : صنف معروف وصنف غريب (مُتَّكِئِينَ) نصب على المدح الخائفين. أو حال منهم ، لأنّ من خاف في معنى الجمع (بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) من ديباج ثخين ، وإذا كانت البطائن من الإستبرق ، فما ظنك بالظهائر؟ وقيل : ظهائرها من سندس. وقيل : من نور (دانٍ) قريب يناله القائم والقاعد والنائم. وقرئ : وجنى ، بكسر الجيم.
(فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)(٦١)
__________________
(١) قوله «وهي الغصنة» جمع غصن ، كقرطة جمع قرط. أفاده الصحاح. (ع)
(٢) الأفنان : جمع فنن ، وهو الغصن كثير الورق ، فيكون شبه اللذات والصبا : بروضة أو شجرة ذات أفنان على طريق المكنية. وإثبات الأفنان : تخييل. ويجوز أنه جمع فن ، أى : نوع وصف على غير قياس ، كصحب وأصحاب. واللذاذات : جمع لذاذة ، وهي اللذة. ويروى : اللذاذة بالافراد. والصبا : الشباب أو هوى النفس. ومن بمعنى بعض على طريقة الزمخشري ، أى : وبعض الأفنان لهوت ، أى : تمتعت به. والجمهور يجعلون نحو هذا مما حذف فيه الموصوف ، كقولهم : منا ظعن ومنا أقام ، لتقدم مجرور يدل عليه ، فمن كل : خبر مقدم ، ولهوت : صفة لمحذوف مبتدأ مؤخر ، أى : صنف لهوت به ، لكن المعنى على الاخبار باللهو ، فلا بد من المصير إلى رأى الزمخشري. أو جعل الجار والمجرور صفة للمبتدإ ، ولهوت خبرا وإن لم يتقدم المجرور على الصفة. ويجوز أن «من كل» معمول لمحذوف يفسره المذكور ، أى : تمنعت من كل الأفنان لهوت به ، والواو للحال ، أى : والحال أن العيش أخضر ، أى رطب لين ناضر حسن ، نشبه العش بروض يافع. والخضرة تخييل.
(فِيهِنَ) في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى. أو في الجنتين ، لاشتمالهما على أماكن وقصور ومجالس (قاصِراتُ الطَّرْفِ) نساء قصرن أبصارهنّ على أزواجهنّ : لا ينظرن إلى غيرهم. لم يطمث الإنسيات منهنّ أحد من الإنس ، ولا الجنيات أحد من الحن (١) وهذا دليل على أنّ الجن يطمثون كما يطمث الإنس ، وقرئ : لم يطمثهنّ ، بضم الميم. قيل : هنّ في صفاء الياقوت وبياض المرجان وصغار الدر : أنصع بياضا. قيل : إنّ الحوراء تلبس سبعين حلة ، فيرى مخ ساقها من ورائها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء (هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ) في العمل (إِلَّا الْإِحْسانُ) في الثواب. وعن محمد بن الحنفية : هي مسجلة للبر والفاجر. أى : مرسلة ، يعنى : أنّ كل من أحسن أحسن إليه ، وكل من أساء أسيء إليه.
(وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥) فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)(٦٩)
(وَمِنْ دُونِهِما) ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين (جَنَّتانِ) لمن دونهم من أصحاب اليمين (مُدْهامَّتانِ) قد ادهامّتا من شدّة الخضرة (نَضَّاخَتانِ) فوّارتان بالماء ، والنضخ أكثر من النضح ، لأنّ النضح غير معجمة مثل الرش ، فإن قلت : لم عطف النخل والرمان على الفاكهة وهما منها؟ قلت : اختصاصا لهما وبيانا لفضلهما ، كأنهما لما لهما من المزية جنسان آخران ، كقوله تعالى (وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) أو لأن النخل ثمره فاكهة وطعام ، والرمان فاكهة ودواء ، فلم يخلصا للتفكه. ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله : إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا : لم يحنث ، وخالفه صاحباه.
(فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ
__________________
(١) قال محمود : «لم يطمث الانسية إنسى ولا الجنية جنى ... الخ» قال أحمد : بشير إلى الرد على من زعم أن الجن المؤمنين لا ثواب لهم وإنما جزاؤهم ترك العقوبة وجعلهم ترابا
قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) (٧٨)
(خَيْراتٌ) خيرات فخففت ، كقوله عليه السلام «هينون لينون» (١) وأما «خير» الذي هو بمعنى أخير ، فلا يقال فيه خيرون ولا خيرات. وقرئ : خيرات على الأصل. والمعنى : فاضلات الأخلاق حسان الخلق (مَقْصُوراتٌ) قصرن في خدورهنّ. يقال : امرأة قصيرة وقصورة ومقصورة مخدرة. وقيل : إنّ الخيمة من خيامهنّ درّة مجوّفة (قَبْلَهُمْ) قبل أصحاب الجنتين ، دل عليهم ذكر الجنتين (مُتَّكِئِينَ) نصب على الاختصاص. والرفرف : ضرب من البسط. وقيل البسط وقيل الوسائد ، وقيل كل ثوب عريض رفرف. ويقال لأطراف البسط وفضول الفسطاط : رفارف. ورفرف السحاب : هيدبه (٢) والعبقري : منسوب إلى عبقر ، تزعم العرب أنه بلد الجن ، فينسبون إليه كل شيء عجيب. وقرئ : رفارف خضر بضمتين. وعباقرى ، كمدائى : نسبة إلى عباقرى في اسم البلد : وروى ابو حاتم : عباقرى ، بفتح القاف ومنع الصرف ، وهذا لا وجه لصحته. فإن قلت : كيف تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل : ومن دونهما؟ قلت : مدهامّتان ، دون ذواتا أفنان. ونضاختان دون : تجريان. وفاكهة دون : كل فاكهة. وكذلك صفة الحور والمتكأ. وقرئ : ذو الجلال صفة ، للاسم.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة الرحمن أدّى شكر ما أنعم الله عليه (٣)»
__________________
(١) قوله «هينون لينون» لعله ورد في صفة المؤمنين ومثله قال الشاعر :
هينون لينون أيسار ذوو كرم (ع)
(٢) قوله «ورفرف السحاب هيديه» في الصحاح : هيدب السحاب : ما تهدب منه ، إذا أراد الورق أراد كأنه خيوط. (ع)
(٣) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه باسنادهم إلى أبى بن كعب.
سورة الواقعة
مكية [إلا آيتي ٨١ و ٨٢ فمدنيتان]
وآياتها ٩٦ وقيل ٩٧ آية [نزلت بعد طه]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً)(٧)
(وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) كقولك : كانت الكائنة ، وحدثت الحادثة ، والمراد القيامة : وصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة ، فكأنه قيل : إذا وقعت التي لا بدّ من وقوعها ، ووقوع الأمر : نزوله. يقال : وقع ما كنت أتوقعه ، أى : نزل ما كنت أترقب نزوله. فإن قلت : بم انتصب إذا؟ قلت : بليس. كقولك يوم الجمعة ليس لي شغل. أو بمحذوف ، يعنى : إذا وقعت كان كيت وكيت : أو بإضمار اذكر (كاذِبَةٌ) نفس كاذبة ، أى : لا تكون حين تقع نفس تكذب على الله وتكذب في تكذيب الغيب ، لأنّ كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدّقة ، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات ، كقوله تعالى (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ) ، (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) ، (وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً) واللام مثلها في قوله تعالى (يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي) أو : ليس لها نفس تكذبها وتقول لها : لم تكوني كما لها اليوم نفوس كثيرة يكذبنها ، يقلن لها : لن تكوني. أو هي من قولهم : كذبت فلانا نفسه في الخطب ، بعظيم ، إذا شجعته على مباشرته وقالت له : إنك تطيقه وما فوقه فتعرّض له ولا تبال به ، على معنى : أنها وقعة لا تطاق شدّة وفظاعة. وأن لا نفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور وتزين له احتمالها وإطاقتها ، لأنهم يومئذ أضعف من ذلك وأذل. ألا ترى إلى قوله تعالى (كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ) والفراش مثل في الضعف. وقيل (كاذِبَةٌ) مصدر كالعاقبة بمعنى التكذيب ، من قولك : حمل على قرنه فما كذب ، أى : فما جبن وما ثبط. وحقيقته :
فما كذب نفسه فيما حدثته به. من إطاقته له وإقدامه عليه. قال زهير :
|
................. إذا |
|
ما اللّيث كذّب عن أقرانه صدقا (١) |
أى : إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد (خافِضَةٌ رافِعَةٌ) على : هي خافضة رافعة ، ترفع أقواما وتضع آخرين : إما وصفا لها بالشدّة ، لأنّ الواقعات العظام كذلك : يرتفع فيها ناس إلى مراتب ويتضع ناس ، وإما لأنّ الأشقياء يحطون إلى الدركات ، والسعداء يرفعون إلى الدرجات ، وإما أنها تزلزل الأشياء وتزيلها عن مقارّها ، فتخفض بعضا وترفع بعضا : حيث تسقط السماء كسفا وتنتثر الكواكب وتنكدر وتسير الجبال فتمرّ في الجوّ مرّ السحاب ، وقرئ : خافضة رافعة بالنصب على الحال (رُجَّتِ) حرّكت تحريكا شديدا حتى ينهدم كل شيء فوقها من جبل وبناء (وَبُسَّتِ الْجِبالُ) وفتت (٢) حتى تعود كالسويق ، أو سيقت من بس العنم إذا ساقها ، كقوله (وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ) ، (مُنْبَثًّا) متفرقا. وقرئ بالتاء أى : منقطعا. وقرئ : رجت وبست ، أى : ارتجت وذهبت. وفي كلام بنت الخس (٣) : عينها هاج ، وصلاها راج. وهي تمشى وتفاج. فإن قلت : بم انتصب إذا رجت؟ قلت : هو بدل من إذا وقعت. ويجوز أن ينتصب بخافضة رافعة. أى : تخفض وترفع وقت رج الأرض ، وبس الجبال لأنه عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع ويرتفع ما هو منخفض (أَزْواجاً) أصنافا ، يقال للأصناف التي بعضها مع بعض أو يذكر بعضها مع بعض : أزواج.
(فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ) (٩)
(فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ) الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم (وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ) الذين يؤتونها بشمائلهم. أو أصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية ، من قولك : فلان منى باليمين ، فلان منى بالشمال : إذا وصفتهما بالرفعة عندك والضعة ، وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل ،
__________________
|
(١) ليث يعثر يصطاد الرجال إذا |
|
ما الليث كذب عن أقرانه صدقا |
لزهير يمدح شجاعا ، فاستعار له اسم الأسد على طريق التصريحية ، والاصطياد ترشيح. وعثر : اسم موضع ، أى شجاع في عثر يقتل الرجال إذا كذب أى جبن وضعف الفارس الشديد عن أقرانه في الحرب ، صدق هو ونفذ عزمه وقتل قرنه ، وفي البيت الطباق بين الصدق والكذب ، وهو من بديع الكلام.
(٢) قوله «وفتت حتى تعود كالسويق» عبارة النسفي : وفتتت. (ع)
(٣) قوله «وفي كلام بنت الخس» في الصحاح : الخس بالفتح : بقلة. والخس بالضم : اسم رجل. ومنه : هند بنت الخس. وعين هاجة : أى غائرة. والصلا : ما عن يمين الذنب ويساره. وفججت ما بين رجلي أفجهما : إذا فتحت. يقال : هو يمشى مفاجا. (ع)
ولتفاؤلهم بالسانح (١) وتطيرهم من البارح ، ولذلك اشتقوا لليمين الاسم من اليمن ، وسموا الشمائل الشؤمى. وقيل : أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة : أصحاب اليمن والشؤم ، لأنّ السعداء هيامين على أنفسهم بطاعتهم ، والأشقياء مشائيم عليها بمعصيتهم. وقيل : يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين وبأهل النار ذات الشمال.
(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً)(٢٦)
(وَالسَّابِقُونَ) المخلصون الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه وشقوا الغبار في طلب مرضاة الله عز وجل وقيل : الناس ثلاثة فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا ، فهذا السابق المقرّب ، ورجل ابتكر عمره بالذنب وطول الغفلة ، ثم تراجع بتوبة ، فهذا صاحب اليمين ، ورجل ابتكر الشر في حداثة سنه ، ثم يزل عليه حتى خرج من الدنيا ، فهذا صاحب الشمال ما أصحاب الميمنة. ما أصحاب المشأمة؟ تعجيب من حال الفريقين في السعادة والشقاوة (٢).
__________________
(١) قوله «لتفائلهم بالسانح» هو ما مر من يسارك إلى يمينك من ظبى أو طائر. والبارح : عكسه. أفاده الصحاح. (ع)
(٢) قال محمود : «ما» تعجيب من حال الفريقين ... الخ» قال أحمد : اختار ما هو المختار ، لأنه أقعد بالفصاحة ، لكن بقي التنبيه على المخالفة بين المذكورين في السابقين وفي أصحاب اليمين ، مع أن كل واحد منهما إنما أريد به التعظيم والتهويل لحال المذكورين ، فنقول : التعظيم المؤدى بقوله (السَّابِقُونَ) أبلغ من قرينه ، وذلك أن مؤدى هذا : أن أمر السابقين وعظمة شأنه ما لا يكاد يخفى ، وإنما تحير فهم السامع فيه مشهور. وأما المذكور في قوله (فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ) فانه تعظيم على السامع بما ليس عنده منه علم سابق. ألا ترى كيف سبق بسط حال السابقين بقوله (أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) فجمع بين اسم الاشارة المشار به إلى معروف ، وبين الاخبار عنه بقوله (الْمُقَرَّبُونَ) معرفا بالألف واللام العهدية ، وليس مثل هذا مذكورا في بسط حال أصحاب اليمين ، فانه مصدر بقوله (فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ).
والمعنى : أى شيء هم؟ والسابقون السابقون ، يريد : والسابقون من عرفت حالهم وبلغك وصفهم ، كقوله وعبد الله عبد الله. وقول أبى النجم : وشعري شعري (١) ، كأنه قال : وشعري ما انتهى إليك وسمعت بفصاحته وبراعته ، وقد جعل السابقون تأكيدا. وأولئك المقرّبون : خبرا وليس بذاك. ووقف بعضهم على : والسابقون ، وابتدأ السابقون أولئك المقرّبون ، والصواب أن يوقف على الثاني ، لأنه تمام الجملة ، وهو في مقابلة : ما أصحاب الميمنة ، وما أصحاب المشأمة (الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) الذين قربت درجاتهم في الجنة من العرش وأعليت مراتبهم. وقرئ : في جنة النعيم. والثلة : الأمة من الناس الكثيرة. قال :
|
وجاءت إليهم ثلّة خندفيّة |
|
بجيش كتيّار من السّيل مزبد (٢) |
وقوله عز وجل (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) كفى به دليلا على الكثرة ، وهي من الثل وهو الكسر ، كما أنّ الأمّة من الأمّ وهو الشج ، كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم. والمعنى : أنّ السابقين من الأوّلين كثير ، وهم الأمم من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) وهم أمّة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل (مِنَ الْأَوَّلِينَ) من متقدّمى هذه الأمة ، و (مِنَ الْآخِرِينَ) من متأخريها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : «الثلثان جميعا من أمّتى» (٣). فإن قلت : كيف قال : وقليل من الآخرين ، ثم قال : (وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ)؟
__________________
|
(١) أنا أبو النجم وشعري شعري |
|
لله درى ما أجن صدري |
|
تنام عينى وفؤادي يسرى |
|
مع العفاريت بأرض قفر |
لأبى النجم العجلى. يريد : أنا المعروف بالبلاغة بين الناس كالعلم المشهور. وشعري : هو البليغ المعروف بأنه شعر أبى النجم ، لأنه إذا اتحد المبتدأ والخبر أو الشرط والحزاء : دل الكلام على المبالغة في التعظيم أو في التحقير. وما هنا من الأول بدليل السياق. وفيه ادعاء أن نهاية العظمة في الرجل المسمى بأبى النجم ، ونهاية البلاغة في الشعر المنسوب إليه. والدر : اللبن ، لكن المراد به العمل والصنع ، أى : لله صنيعي ، يعنى : أنه عظيم. وجن الليل : أظلم. والنبت : طال والتف. والذباب : كثرت أصواته. وجنه الليل : ستره ، وأجنه الصدر : أكنه. وما تعجبية. وأجن : فعل تعجب ، أى : شيء عظيم جعل صدري محيطا بالمعاني الغريبة ، ويحتمل أن «ما» يدل من درى. وأجن : فعل ماض صلة أو صفة له ، ومؤادى : قلبي أو عقلى. يسرى : يسير ليلا. أى : يبيت فكرى كأنه ذاهب مع العفاريت بأرض فضاء لا نبات بها ، لا بعاده في المعاني. والبيت الثاني بيان للأول.
|
(٢) وجاءت إليهم ثلة خندفية |
|
بحيش كتيار من السيل مزيد |
يقول : وجاءت اليهم جماعة من الناس منسوبة إلى خندف امرأة إلياس بن مضر. وقوله «يجيش» من باب التجريد ، كأنه انتزع من الثلة جيشا غيرها مبالغة في الكثرة. ويحتمل أن الباء بمعنى مع ، أو في ، لان الجيش أوسع من الثلة ، وهو من جاش إذا تحرك واضطرب ، كأنه يغلى ، والتيار : الماء الشديد الجري ، ومن بيانية أو تبعيضية. والمزيد : المرتفع زبده على وجهه لكثرته وفوراته.
(٣) أخرجه الطبري وابن عدى من رواية أبان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال في هذه الآية (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هما جميعا من أمتى» وأبان هو ابن أبى عياش ـ
قلت : هذا في السابقين وذلك في أصحاب اليمين ، وأنهم يتكاثرون من الأولين والآخرين جميعا. فإن قلت : فقد روى أنها لما نزلت شق ذلك على المسلمين ، فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يراجع ربه حتى نزلت (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ). قلت : هذا لا يصح لأمرين ، أحدهما : أنّ هذه الآية واردة في السابقين ورودا ظاهرا ، وكذلك الثانية في أصحاب (١) اليمين. ألا ترى كيف عطف أصحاب اليمين ووعدهم ، على السابقين ووعدهم ، والثاني : أنّ النسخ في الأخبار غير جائز. وعن الحسن رضى الله عنه : سابقو الأمم أكثر من سابقي أمّتنا ، وتابعو الأمم مثل تابعي هذه الأمّة. وثلة : خبر مبتدإ محذوف ، أى : هم ثلة (مَوْضُونَةٍ) مرمولة بالذهب ، (٢) مشبكة بالدرّ والياقوت ، قد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع. قال الأعشى :
ومن نسج داود موضونة (٣)
وقيل : متواصلة ، أدنى بعضها من بعض. (مُتَّكِئِينَ) حال من الضمير في على ، وهو العامل فيها ، أى : استقرّوا عليها متكئين (مُتَقابِلِينَ) لا ينظر بعضهم في أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق والآداب (مُخَلَّدُونَ) مبقون أبدا على شكل الولدان وحدّ الوصافة ، (٤) لا يتحوّلون عنه. وقيل : مقرّطون ، والخلدة : القرط. وقيل : هم أولاد أهل الدنيا : لم تكن لهم حسنات فيثابوا عليها ، ولا سيئات فيعاقبوا عليها. روى عن على رضى الله عنه وعن الحسن. وفي الحديث : «أولاد الكفار خدّام أهل الجنة» (٥). الأكواب : أوان بلا عرى وخراطيم ،
__________________
ـ متروك. ورواه إسحاق وسنده إلى الطيالسي وإبراهيم الحربي والطبراني من رواية زيد بن صهبان عن أبى بكرة مرفوعا وموقوفا. والموقوف أولى بالصواب. وعلى ضعيف.
(١) قوله «وكذلك الثانية في أصحاب اليمين» أى ظاهرة الورود. (ع)
(٢) قوله «مرمولة بالذهب» في الصحاح : رملت الحصير ، أى : سففته. وفيه أيضا : سففت الخوص : أى نسجته. (ع)
|
(٣) ومن نسج داود موضونة |
|
تساق مع الحي عيرا فعيرا |
للأعشى ، يصف الدروع ، وجعلها من نسج سيدنا داود مبالغة في حسن صنعتها ، لأنه نسجها بأمر من الله وتعليمه له. موضونة : أى مدخل بعضها في بعض ، فهي محكمة النسج لتساق ، أى : أصحابها مع الحي. والعير بالفتح : السيد ، أى سيدا بعد سيد متربين ، ويطلق العير على طائر يطير فوق القافلة السائرة ، وتبعد إرادته هنا.
(٤) قوله «وحد الوصافة» هي بلوغ الغلام حد الخدمة. أفاده الصحاح. (ع)
(٥) أخرجه البزار والطبراني في الأوسط من رواية عباد بن منصور عن أبى رجاء العطاردي عن سمرة بن جندب قال «سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال هم خدم أهل الجنة» ورواه البزار من براية على بن زيد بن جدعان والطيالسي والطبراني وأبو يعلى من رواية يزيد الرقاشي كلاهما عن أنس بهذا وأتم منه قلت : قد يعارضه حديث سمرة في صحيح البخاري. فقيه أنه رأى أولاد الناس تحت شجرة يكفلهم إبراهيم عليه ـ
والأباريق ، ذوات الخراطيم (لا يُصَدَّعُونَ عَنْها) أى بسببها ، وحقيقته : لا يصدر صداعهم عنها. أو لا يفرّقون عنها. وقرأ مجاهد : لا يصدعون ، بمعنى : لا يتصدعون لا يتفرقون ، كقوله (يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) ويصدعون ، أى : لا يصدع بعضهم بعضا ، لا يفرّقونهم (يَتَخَيَّرُونَ) يأخذون خيره وأفضله (يَشْتَهُونَ) يتمنون. وقرئ : ولحوم طير. قرئ : وحور عين ، بالرفع على : وفيها حور عين ، كبيت الكتاب :
|
إلّا رواكد جمرهنّ هباء |
|
ومشجّج .......... (١) .. |
أو للعطف على ولدان ، وبالجر : عطفا على جنات النعيم ، كأنه قال : هم في جنات النعيم ، وفاكهة ولحم وحور. أو على أكواب ، لأن معنى (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ) ينعمون بأكواب ، وبالنصب على : ويؤتون حورا (جَزاءً) مفعول له ، أى : يفعل بهم ذلك كله جزاء بأعمالهم (سَلاماً سَلاماً) إما بدل من (قِيلاً) بدليل قوله (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً) وإما مفعول به لقيلا ، بمعنى : لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما. والمعنى : أنهم يفشون السلام بينهم ، فيسلمون سلاما بعد سلام. وقرئ سلام سلام ، على الحكاية.
(وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً (٣٧) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ)(٤٠)
__________________
ـ السلام قال فقلنا : وأولاد المشركين؟ قال : وأولاد المشركين» أخرجه بهذا اللفظ. ويمكن الجمع بينهما بأن لا منافاة بينهما لاحتمال أن يكونوا في البرزخ كذلك ، ثم بعد الاستقرار يستقرون في الجنة خدما لأهلها.
|
(١) بادت وغير آيهن مع البلى |
|
إلا رواكد جمرهن هباء |
|
ومشجج إما سواء قذاله |
|
فبدا وغير ساره المغراء |
الشماخ ، وقيل : لذي الرمة ، وهي من أبيات الكتاب. وباد يبيد : هلك يهلك. والآي : اسم جمع آية وهي علامة والرواكد : الأثافى. وهي الأحجار التي توضع عليها للقدر. والهباء : الرماد المختلط بالتراب. والمشجج : صفة جرت مجرى الاسم لوتد الخباء الذي تشجح رأسه من الدق. فبرز حول رأسه أطراف تشبه القذال ، وهو شعر جوانب الرأس. وسواء الشيء. وسطه. ويروى : غيب ، بدل : غير. والسار بالهمز وتركه : البقية. والمغراء : أرض يخالط ترابها حجارة وحصى ، يقول ؛ هلكت لك الديار وبليت آثارها ، ولم يبق إلا محل النار وبقية وتد الخباء. ويروى : رواكد بالنصب ، فعطف المرفوع على المنصوب اعتمادا على المعنى.
السدر : شجر النبق. والمخضود : الذي لا شوك له ، كأنما خضد شوكه (١). وعن مجاهد : الموقر الذي تثنى أغصانه كثرة حمله ، من خضد الغصن إذا ثناء وهو رطب. والطلح : شجر الموز. وقيل : هو شجر أم غيلان ، وله نوار كثير طيب الرائحة. وعن السدى : شجر يشبه طلح الدنيا ، ولكن له ثمر أحلى من العسل. وعن على رضى الله عنه أنه قرأ : وطلع ، وما شأن الطلح ، (٢) وقرأ (٣) قوله (لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ) فقيل له : أو نحوّلها؟ فقال : آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحوّل. وعن ابن عباس نحوه. والمنضود : الذي نضد (٤) بالحمل من أسفله إلى أعلاه ، فليست له ساق بارزة (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) ممتدّ منبسط لا يتقلص ، كظلّ ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس (مَسْكُوبٍ) يسكب لهم أين شاءوا وكيف شاءوا لا يتعنون فيه. وقيل : دائم الجرية لا ينقطع. وقيل : مصبوب يجرى على الأرض في غير أخدود (لا مَقْطُوعَةٍ) هي دائمة لا تنقطع في بعض الأوقات كفواكه الدنيا (وَلا مَمْنُوعَةٍ) لا تمنع عن متناولها بوجه ، ولا يحظر عليها كما يحظر على بساتين الدنيا. وقرئ : وفاكهة كثيرة ، بالرفع على : وهناك فاكهة ، كقوله : وحور عين (وَفُرُشٍ) جمع فراش. وقرئ : وفرش ، بالتخفيف (مَرْفُوعَةٍ) نضدت حتى ارتفعت. أو مرفوعة على الأسرة. وقيل : هي النساء ، لأن المرأة يكنى عنها بالفراش مرفوعة على الأرائك. قال الله تعالى (هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ) ، ويدل عليه قوله تعالى (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً) وعلى التفسير الأول أضمر لهنّ ، لأنّ ذكر الفرش وهي المضاجع دلّ عليهن (أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً) أى ابتدأنا خلقهن ابتداء جديدا من غير ولادة ، فإما أن يراد. اللاتي ابتدئ إنشاؤهن ، أو اللاتي أعيد إنشاؤهن. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم (٥). أنّ أمّ سلمة رضى الله عنها سألته عن قوله الله تعالى. (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَ) فقال : يا أم سلمة
__________________
(١) قوله «كأنما خضد شوكه» في الصحاح «خضدت الشجر» قطعت شوكه ، وخضدت العود ، أى : ثنيته من غير كسر. (ع)
(٢) قوله «وما شأن الطلح» لعله : وقال ما شأن الطلح. (ع)
(٣) قوله «وقرأ» أى : استشهادا على قراءته. (ع)
(٤) قوله «والمنضود الذي نضد» في الصحاح : أنه المرصوص بعضه فوق بعض. (ع)
(٥) أخرجه الثعلبي بتمامه من طريق الحسن بن علوية القطان عن إسماعيل بن عيسى عن المسيب بن شريك فذكره ولم يرفع إلا قصة عائشة. ومن طريق غنجار حدثنا إسماعيل بن أبى الباد عن يونس عن الحسن عن أم سلمة مرفوعا دون قصة عائشة. وروى الطبري والطبراني وابن مردويه من طريق عمر بن هاشم البيروتى عن سليمان بن أبى كريمة عن هشام عن الحسن عن أمه عن أم سلمة قالت : قلت يا رسول الله ، أخبرنى عن قوله تعالى (عُرُباً أَتْراباً) فذكره. وفيه «فجعلهن عذارى عربا متعشقات متحببات إلى أزواجهن ، أترابا على ميلاد واحد» وروى الترمذي من طريق موسى بن عبيدة عن يزيد الزقاش طرفا منه واستضعفه.
هنّ اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطاء رمصاء (١) ، جعلهنّ الله بعد الكبر» (أَتْراباً) على ميلاد واحد في الاستواء (٢) ، كلما أتاهنّ أزواجهنّ وجدوهنّ أبكارا ، فلما سمعت عائشة رضى الله عنها ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : وأوجعاه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس هناك وجع. وقالت عجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ادع الله أن يدخلني الجنة ، لقال : إنّ الجنة لا تدخلها العجائز ، فولت وهي تبكى ، فقال عليه الصلاة السلام : «أخبروها أنها ليست يومئذ بعجوز» (٣) وقرأ الآية (عُرُباً) وقرئ : عربا ، بالتخفيف جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل (أَتْراباً) مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين ، وأزواجهنّ أيضا كذلك. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين» (٤) واللام في (لِأَصْحابِ الْيَمِينِ) من صلة أنشأنا وجعلنا.
(وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ
__________________
(١) قوله «عجائز شمطاء رمصا» في الصحاح «الشمط» : بياض شعر الرأس يخالط سواده ، والرجل أشمط ، والمرأة شمطاء. وفيه : الرمص : وسخ يجتمع في الموق ، وقد رمصت عينه ، والرجل أرمص اه ، أى : والمرأة رمصاء ، والجمع شمط ورمص. (ع)
(٢) قوله «ميلاد واحد في الاستواء» لعله متعلق بمعنى التشبيه ، أى : كأنهن على ميلاد واحد في استواء الخلق. (ع)
(٣) أخرجه الترمذي في الشمائل من رواية مبارك بن فضالة عن الحسن بهذا مرسلا وسياقه أتم. وله طرق أخرى. منها في البعث البيهقي من رواية ليث بن أبى سليم عن مجاهد عن عائشة. ومنها في الأوسط من رواية مسعدة ابن اليسع عن سعيد عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة. ورواه خارجة بن مصعب عن سعيد عن قتادة عن أنس. وكلها ضعيفة.
(٤) أخرجه أحمد وابن أبى شبية وأبو يعلى والطبراني في الأوسط من رواية حماد بن سلمة عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة بهذا. وزاد على خلق آدم ستون ذراعا عرض سبعة أذرع. وذكر ابن أبى حاتم في العلل أن أباه قال : رواه أبو سلمة عن حماد مرسلا ولم يذكر فيه أبا هريرة وكذا أخرجه ابن سعد عن يحيى بن السكن عن حماد. وعلى بن زيد ضعيف. وفي الباب عن معاذ بن جبل. أخرجه الترمذي وقال : غريب. وبعض أصحاب قتادة أرسلوه. وأخرجه البيهقي موصولا ، ثم أخرجه موقوفا على قتادة.
الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ)(٥٦)
(فِي سَمُومٍ) في حر نار ينفذ في المسام (وَحَمِيمٍ) وماء حار متناه في الحرارة (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) من دخان أسود بهيم (لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ) نفى لصفتى الظل عنه ، يريد : أنه ظل ، ولكن لا كسائر الظلال : سماه ظلا ، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوى إليه من أذى الحر وذلك كرمه ليمحق ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه. والمعنى أنه ظل حارّ ضارّ إلا أنّ للنفي في نحو هذا شأنا ليس للإثبات. وفيه تهكم بأصحاب الشأمة ، وأنهم لا يستأهلون الظل البارد الكريم الذي هو لأضدادهم في الجنة. وقرئ : لا بارد ولا كريم بالرفع ، أى : لا هو كذلك و (الْحِنْثِ) الذنب العظيم. ومنه قولهم : بلغ الغلام الحنث ، أى : الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم. ومنه : حنث في يمينه ، خلاف : برّ فيها. ويقال : تحنث إذا تأثم وتحرج (أَوَآباؤُنَا) دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف. فإن قلت : كيف حسن العطف على المضمر في (لَمَبْعُوثُونَ) من غير تأكيد بنحن؟ قلت : حسن للفاصل الذي هو الهمزة ، كما حسن في قوله تعالى (ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا) لفصل (لا) المؤكدة النفي. وقرئ : أو آباؤنا. وقرئ : لمجمعون (١) (إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) إلى ما وقتت به الدنيا من يوم معلوم ، والإضافة بمعنى من ، كخاتم فضة. والميقات : ما وقت به الشيء ، أى : حدّ. ومنه مواقيت الإحرام : وهي الحدود التي لا يتجاوزها من يريد دخول مكة إلا محرما (أَيُّهَا الضَّالُّونَ) عن الهدى (الْمُكَذِّبُونَ) بالبعث ، وهم أهل مكة ومن في مثل حالهم (مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ) من الأولى لابتداء الغاية ، والثانية لبيان الشجر وتفسيره. وأنث ضمير الشجر على المعنى ، وذكره على اللفظ في قوله (مِنْهَا) و (عَلَيْهِ) ومن قرأ (مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ) فقد جعل الضميرين للشجرة ، وإنما ذكر الثاني على تأويل الزقوم ، لأنه تفسيرها وهي في معناه (شُرْبَ الْهِيمِ) قرئ بالحركات الثلاث ، فالفتح والضم : مصدران. وعن جعفر الصادق رضى الله عنه ، أيام أكل وشرب ، بفتح الشين. وأما المكسور فبمعنى المشروب ، أى : ما يشربه الهيم وهي الإبل التي بها الهيام ، وهو داء تشرب منه فلا تروى : جمع أهيم وهيماء. قال ذو الرمّة :
__________________
(١) قوله «وقرئ : لمجمعون إلى ميقات» في الصحاح : أجمعت الشيء : جعلته جميعا. (ع)
|
فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد |
|
صداها ولا يقضى عليها هيامها (١) |
وقيل الهيم : الرمال. ووجهه أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك ، جمع على فعل كسحاب وسحب ، ثم خفف وفعل به ما فعل بجمع أبيض. والمعنى : أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرّهم إلى أكل الزقوم الذي هو كالمهل ، فإذا ملؤوا منه البطون يسلط عليهم من العطش ما يضطرّهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم ، فيشربونه شرب الهيم. فإن قلت : كيف صحّ عطف الشاربين على الشاربين ، وهما لذوات متفقة ، وصفتان متفقتان ، فكان عطفا للشيء على نفسه؟ قلت : ليسنا بمتفقتين ، من حيث إنّ كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه : من تناهى الحرارة وقطع الأمعاء : أمر عجيب ، وشربهم له على ذلك كما تشرب الهيم الماء : أمر عجيب أيضا ، فكانتا صفتين مختلفتين. النزل : الرزق الذي يعدّ للنازل تكرما له. وفيه تهكم ، كما في قوله تعالى (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) وكقول أبى الشعر الضبي.
|
وكنّا إذا الجبّار بالجيش ضافنا |
|
جعلنا القنا والموهفات له نزلا (٢) |
وقرئ : نزلهم بالتخفيف.
(نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ)(٦٢)
__________________
|
(١) وقد زودت مى على النأى قبلة |
|
علاقات حاجات طويل سقامها |
|
فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد |
|
صداها ولا يقضى عليها هيامها |
لذي الرمة ، يقول : وقد زودتنا ، أى جعلت زادنا مى عند الرحيل قبلة ، فكانت القبلة علاقات الحاجات وأسباب التطلع إلى الوصال ، فعلاقات : خبر مرفوع ، أو بدل منصوب. والسقام ككلام ، وسقم كتعب ، وسقم كبخل :
مصدر سقم كتعب تعبا ، أى : عناؤها طويل المدة لا يبرأ. ويقال للجمل : أهيم. وللناقة هيماء ، إذا أصابهما الهيام بالضم : وهو داء تغلى منه قلوب الإبل كالعطش الشديد ، أى : فأصبحت كالناقة الهيماء. وقوله «لا الماء مبرد» استئناف مبين لوجه الشبه فيها. أو حال منها ، أى : لا يبرد الماء ظمأها ولا يقضى عليها ، أى : لا يمينها هيامها ، فأنا كذلك لا وصال فيشفينى ، ولا التلهف يميتني. ويروى : ولا يقضى على هيامها ، ولعل معناه : لا الماء يبرد الحرقة التي حصلت لي منها ، ولا يميتني الهيام الذي حصل لي منها ، ولكن الأولى أقعد وأجود معنى.
(٢) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٤٥٨ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ) تحضيض على التصديق : إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدّقين به ، إلا أنهم لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق ، فكأنهم مكذبون به. وإما بالبعث ، لأنّ من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا (ما تُمْنُونَ) ما تمنونه ، أى : تقذفونه في الأرحام من النطف. وقرأ أبو السمال بفتح التاء ، يقال : أمنى النطفة ومناها. قال الله تعالى (مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى). (تَخْلُقُونَهُ) تقدرونه وتصوّرونه (قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ) تقديرا وقسمناه عليكم قسمة الرزق على اختلاف وتفاوت كما تقتضيه مشيئتنا ، فاختلفت أعماركم من قصير وطويل ومتوسط. وقرئ : قدرنا بالتخفيف. سبقته على الشيء : إذا أعجزته عنه وغلبته عليه ولم تمكنه منه ، فمعنى قوله (وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ) أنا قادرون على ذلك لا تغلبوننا عليه ، وأمثالكم جمع مثل : أى على أن نبدل منكم ومكانكم أشباهكم من الخلق ، وعلى أن (نُنْشِئَكُمْ) في خلق لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها ، يعنى : أنا نقدر على الأمرين جميعا : على خلق ما يماثلكم ، وما لا يماثلكم ، فكيف نعجز عن إعادتكم. ويجوز أن يكون (أَمْثالَكُمْ) جمع مثل ، أى : على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها في خلقكم وأخلاقكم ، وننشئكم في صفات لا تعلمونها.
قرئ النشأة والنشاءة. وفي هذا دليل على صحة القياس حيث جهّلهم في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى.
(أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) (٦٧)
(أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ) من الطعام ، أى : تبذرون حبه وتعملون في أرضه (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ) تنبتونه وتردونه نباتا ، يرف وينمى (١) إلى أن يبلغ الغاية. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يقولن أحدكم : زرعت ، وليقل : حرثت» (٢) قال أبو هريرة : أرأيتم إلى (٣) قوله :
__________________
(١) قوله «نبانا يرف وينمى» في الصحاح : رف لونه يرف ـ بالكسر ـ برق وتلألأ. وشجر رفيف : إذا تندت أوراقه. (ع)
(٢) أخرجه ابن حبان والبزار والطبراني من طريق مخلد بن حسين عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة بهذا قال : ثم قرأ أبو هريرة (أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ).
(٣) قوله «قال أبو هريرة : أرأيتم» أى استشهد على الحديث بالآية ، وهي قوله تعالى (أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ) وقوله «أرأيتم» خطاب لمن يسمع منه ، وأراد معنى النظر ، فعداء بإلى كقوله (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ). (ع)
(أَفَرَأَيْتُمْ ...) الآية. والحطام : من حطم ، كالفتات والجذاذ من فت وجذ : وهو ما صار هشيما وتحطم (فَظَلْتُمْ) وقرئ بالكسر. وفظللتم على الأصل (تَفَكَّهُونَ) تعجبون. وعن الحسن رضى الله عنه : تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه. أو على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم يذلك من أجلها. وقرئ : تفكنون. ومنه الحديث «مثل العالم كمثل الحمة يأتيها البعداء (١) ويتركها القرباء فبيناهم إذ غار ماؤها فانتفع بها قوم وبقي قوم يتفكنون» (٢) أى : يتندمون (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ) لملزمون غرامة ما أنفقنا. ومهلكون لهلاك رزقنا ، من الغرام : وهو الهلاك (بَلْ نَحْنُ) قوم (مَحْرُومُونَ) محارفون محدودون ، لاحظ لنا ولا بخت لنا ، ولو كنا مجدودين ، لما جرى علينا هذا. وقرئ : أئنا.
(أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ)(٧٠)
(الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ) يريد : الماء العذب الصالح للشرب. و (الْمُزْنِ) السحاب : الواحدة مزنة. وقيل : هو السحاب الأبيض خاصة ، وهو أعذب ماء (أُجاجاً) ملحا زعاقا (٣) لا يقدر على شربه. فإن قلت : لم أدخلت اللام على جواب (لَوْ) في قوله (لَجَعَلْناهُ حُطاماً) ونزعت منه هاهنا؟ قلت : إنّ «لو» لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعلق الجزاء بالشرط ، ولم تكن مخلصة للشرط كإن ولا عاملة مثلها ، وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقا من حيث إفادتها في مضمونى جملتيها أنّ الثاني امتنع لامتناع الأوّل : افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علما على هذا التعلق ، فزيدت هذه اللام لتكون علما على ذلك ، فإذا حذفت بعد ما صارت علما مشهورا مكانه ، فلأن الشيء إذا علم وشهر موقعه وصار مألوفا ومأنوسا به : لم يبال بإسقاطه عن اللفظ ، استغناء بمعرفة السامع. ألا ترى إلى ما يحكى عن رؤبة أنه كان يقول : خير ، لمن قال له : كيف أصبحت؟ فحذف الجار لعلم كل أحد بمكانه. وتساوى حالى حذفه وإثباته لشهرة أمره. وناهيك بقول أوس :
|
حتى إذا الكلّاب قال لها |
|
كاليوم مطلوبا ولا طلبا (٤) |
__________________
(١) قوله «كمثل الحمة يأتيها البعداء» في الصحاح «الحمة» : العين الحارة يستشفى بها الأعلاء والمرضى. وفي الحديث : «العالم كالحمة» اه. (ع)
(٢) لم أجده
(٣) قوله «ملحا زعاقا» في الصحاح «الماء الزعاق» : الملح. وطعام مزعوق : إذا كثر ملحه. (ع)
(٤) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثاني صفحة ٢٨٨ فراجعه إن شئت اه مصححه.
وحذفه «لم أر» فإذن حذفها اختصار لفظي وهي ثابتة في المعنى ، فاستوى الموضعان بلا فرق بينهما ، على أن تقدّم ذكرها والمسافة قصيرة مغن عن ذكرها ثانية ونائب عنه. ويجوز أن يقال : إنّ هذه اللام مفيدة معنى التوكيد لا محالة ، فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب ، للدلالة على أن أمر المطعوم مقدّم على أمر المشروب ، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب ، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم. ألا ترى أنك إنما تسقى ضيفك بعد أن تطعمه ، ولو عكست قعدت تحت قول أبى العلاء :
|
إذا سقيت ضيوف النّاس محضا |
|
سقوا أضيافهم شبما زلالا (١) |
وسقى بعض العرب فقال : أنا لا أشرب إلا على ثميلة ، ولهذا قدّمت آية المطعوم على آية المشروب.
(أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)(٧٤)
(تُورُونَ) تقدحونها وتستخرجونها من الزناد والعرب تقدح بعودين تحك أحدهما على الآخر ، ويسمون الأعلى : الزند ، والأسفل : الزندة ، شبهوهما بالفحل والطروقة (٢) (شَجَرَتَها) التي منها الزناد (تَذْكِرَةً) تذكيرا لنار جهنم ، حيث علقنا بها أسباب المعايش كلها ، وعممنا بالحاجة إليها البلوى لتكون حاضرة للناس ينظرون إليها ويذكرون ما أو عدوا به. أو جعلناها تذكرة وأنموذجا من جهنم ، لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزأ من حرّ جهنم» (٣) (وَمَتاعاً) ومنفعة (لِلْمُقْوِينَ) للذين ينزلون القواء وهي القفر. أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام. يقال : أقويت من
__________________
(١) لأبى العلاء يمدح سعد الدولة أبا الفضائل ، وعيب عليه حيث مدح بسقى الضيوف الماء قبل ذكر الطعام. والمخض ـ بمعجمتين ـ : اللبن المنزوع زبده ، فهو بمعنى الممخوض. ويروى : محضا ، بالحاء المهملة ، أى : خالصا حلوا أو حامضا. والشبم ـ كحذر ـ : البارد. والزلال : العقب. هذا وحيث جعل علماء البلاغة للمقام مدخلا في الدلالة على المراد فنقول : إن معنى البيت : إذا عجلت الناس اللبن لأضيافهم واكتفوا به عن الاسراع بالطعام : عجلوا هم بالطعام لضيوفهم لاستعدادهم للضيفان ، فيحتاجون لشرب الماء ، فيسقونهم ماء قبل إطعام غيرهم الضيفان ، فسقيهم الماء يفيد تعجيل الطعام قبله بمعونة المقام ، لأنه يلزمه عادة فلا عيب فيه.
(٢) قوله «بالفحل والطروقة» أنثى الفحل ، كما في الصحاح. (ع)
(٣) متفق عليه من حديث أبى هريرة.
أيام ، أى لم آكل شيئا (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ) فأحدث التسبيح بذكر اسم ربك ، أو أراد بالاسم : الذكر ، أى : بذكر ربك. و (الْعَظِيمِ) صفة للمضاف أو للمضاف إليه. والمعنى : أنه لما ذكر ما دل على قدرته وإنعامه على عباده قال : فأحدث التسبيح وهو أن يقول : سبحان الله ، إمّا تنزيها له عما يقول الظالمون الذين يجحدون وحدانيته ويكفرون نعمته ، وإما تعجبا من أمرهم في غمط آلائه (١) وأياديه الظاهرة ، وإما شكرا لله على النعم التي عدّها ونبه عليها.
(فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ)(٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ)(٨٠)
(فَلا أُقْسِمُ) معناه فأقسم. ولا مزيدة مؤكدة مثلها في قوله (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) وقرأ الحسن : فلأقسم. ومعناه : فلأنا أقسم : اللام لام الابتداء (٢) دخلت على جملة من مبتدإ وخبر ، وهي : أنا أقسم ، كقولك «لزيد منطلق» ثم حذف المبتدأ ، ولا يصح أن نكون اللام لام القسم لأمرين ، أحدهما : أن حقها أن يقرن بها النون المؤكدة ، والإخلال بها ضعيف قبيح. والثاني : أن «لأفعلن» في جواب القسم للاستقبال ، وفعل القسم يجب أن يكون للحال (بِمَواقِعِ النُّجُومِ) بمساقطها ومغاربها ، لعل لله تعالى في آخر الليل إذا انحطت النجوم إلى المغرب أفعالا مخصوصة عظيمة ، أو للملائكة عبادات موصوفة ، أو لأنه وقت قيام المتهجدين والمبتهلين إليه من عباده الصالحين ، ونزول الرحمة والرضوان عليهم ، فلذلك أقسم بمواقعها ، واستعظم ذلك بقوله (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) أو أراد بمواقعها : منازلها ومسايرها ، وله تعالى في ذلك من الدليل على عظيم القدرة والحكمة ما لا يحيط به الوصف. وقوله (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) اعتراض في اعتراض ، لأنه اعترض به بين المقسم والمقسم (٣) عليه ، وهو قوله (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) واعترض ب (لَوْ تَعْلَمُونَ) بين الموصوف وصفته.
__________________
(١) قوله «في غمط آلائه» أى تحقير نعمه. أفاده الصحاح. (ع)
(٢) قال محمود : «لا زائدة مؤكدة مثلها في قوله (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) قال : وقرأ الحسن فلأقسم» واللام في هذه للابتداء ... الخ» قلت : تلخيص الرد بهذا الوجه الثاني : أن سياق الآية يرشد إلى أن القسم بمواقع النجوم واقع ، ويدل عليه القراءة الأخرى على زيادة لا : ومقتضى جعلها جوابا لقسم محذوف أن لا يكون القسم بمواقع النجوم واقعا ، بل مستقبلا ، فتتنافس القراءتان إذا ، والله الموفق للصواب.
(٣) قال محمود : «قوله وإنه لقسم لو تعلمون عظيم : اعتراض في اعتراض فالجملة الكبرى اعتراض بين القسم والجواب ... الخ» قال أحمد : وعلى هذا التفسير يكون جواب القسم مناسبا للمقسم ، مثل قوله (حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) ومن واديه : وثناياك إنها إغريض كما تقدم.
وقيل : مواقع النجوم : أوقات وقوع نجوم القرآن ، أى : أوقات نزولها كريم حسن مرضى في جنسه من الكتب. أو نفاع جم المنافع. أو كريم على الله (فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ) مصون من غير المقربين من الملائكة ، لا يطلع عليه من سواهم ، وهم المطهرون من جميع الأدناس أدناس الذنوب وما سواها : إن جعلت الجملة صفه لكتاب مكنون وهو اللوح. وإن جعلتها صفة للقرآن ، فالمعنى لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس ، يعنى مس المكتوب منه. ومن الناس من حمله على القراءة أيضا ، وعن ابن عمر أحب إلىّ أن لا يقرأ إلا وهو طاهر ، وعن ابن عباس في رواية أنه كان يبيح القراءة للجنب ، ونحوه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» (١) أى لا ينبغي له أن يظلمه أو يسلمه. وقرئ : المتطهرون ، والمطهرون بالإدغام. والمطهرون ، من اطهره بمعنى طهره. والمطهرون بمعنى : يطهرون أنفسهم أو غيرهم بالاستغفار لهم والوحى الذي ينزلونه (تَنْزِيلٌ) صفة رابعة للقرآن ، اى : منزل من رب العالمين. أو وصف بالمصدر ، لأنه نزل نجوما من بين سائر كتب الله تعالى ، فكأنه في نفسه تنزيل ، ولذلك جرى مجرى بعض أسمائه ، فقيل : جاء في التنزيل كذا ، ونطق به التنزيل. أو هو تنزيل على حذف المبتدإ. وقرئ : تنزيلا ، على : نزل تنزيلا ،
(أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)(٨٢)
(أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ) يعنى القرآن (أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ) اى : متهاونون به ، كمن يدهن في الأمر ، أى يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونا به (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) على حذف المضاف ، يعنى : وتجعلون شكر رزقكم التكذيب ، أى : وضعتم التكذيب موضع الشكر. وقرأ على رضى الله عنه : وتجعلون شكركم أنكم تكذبون. وقيل : هي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمعنى وتجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به. وقيل : نزلت في الأنواء ونسبتهم السقيا إليها. والرزق : المطر ، يعنى : وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله ، حيث تنسبونه إلى النجوم. وقرئ : تكذبون وهو قولهم في القرآن : شعر وسحر وافتراء. وفي المطر : وهو من الأنواء ، ولأنّ كل مكذب بالحق كاذب.
(فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ
__________________
(١) متفق عليه من حديث ابن عمر. ولمسلم من طريق أبى هريرة بعضه.
صادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)(٩٦)
ترتيب الآية : فلو لا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين. و (فَلَوْ لا) الثانية مكررة للتوكيد ، والضمير في (تَرْجِعُونَها) للنفس وهي الروح ، وفي (أَقْرَبُ إِلَيْهِ) للمحتضر (غَيْرَ مَدِينِينَ) غير مربوبين ، من دان السلطان الرعية إذا ساسهم. (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ) (١) يا أهل الميت بقدرتنا وعلمنا ، أو بملائكة الموت. والمعنى : إنكم في جحودكم أفعال الله تعالى وآياته في كل شيء إن أنزل عليكم كتابا معجزا قلتم : سحر وافتراء. وإن أرسل إليكم رسولا قلم : ساحر كذاب ، وإن رزقكم مطرا يحييكم به قلتم : صدق نوء كذا ، على مذهب يؤدى إلى الإهمال والتعطيل فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثم قابض وكنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيى المميت المبدئ المعيد (فَأَمَّا إِنْ كانَ) المتوفى (مِنَ الْمُقَرَّبِينَ) من السابقين من الأزواج الثلاثة المذكورة في أوّل السورة (فَرَوْحٌ) فله استراحة. وروت عائشة رضى الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : فروح ، (٢) بالضم. وقرأ به الحسن وقال : الروح الرحمة ، لأنها كالحياة للمرحوم. وقيل : البقاء ، أى : فهذان له معا ، وهو الخلود مع الرزق (٣) والنعيم. والريحان : الرزق (فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ) أى : فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين ، أى : يسلمون عليك ، كقوله تعالى (إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً). (فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ) كقوله تعالى (هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ) وقرئ بالتخفيف (وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) قرئت بالرفع والجر عطفا على نزل وحميم (إِنَّ هذا) الذي أنزل في هذه السورة (لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) أى الحق الثابت من اليقين.
__________________
(١) قوله «ونحن أقرب إليه منكم» لم يظهر وجه لتأخير هذا عما قبله إلا بالنظر للترتيب الذي ذكره فليحرر. (ع)
(٢) أخرجه الترمذي والنسائي وإسحاق والحاكم من رواية بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن عائشة ، زاد إسحاق «برفع الراء».
(٣) قوله «وهو الخلود مع الرزق» لعله : وهما. (ع)
عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم : «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم نصبه فاقة أبدا» (١)
سورة الحديد
مدنية ، وهي تسع وعشرون آية [نزلت بعد الزلزلة]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)(٦)
__________________
(١) أخرجه ابن وهب في جامعه حدثني السرى بن يحيى أن شجاعا حدثه عن أبى ظبية عن عبد الله بن مسعود تابعه يزيد بن أبى حكيم وعباس بن الفضل البصري كلاهما عن السرى. أخرجه البيهقي في الشعب من طريقهما. وكذا رواه أبو يعلى من رواية محمد بن حبيب عن السرى. ورواه البيهقي في الشعب من رواية حجاج بن منهال عن السرى فقال : عن شجاع عن ابن فاطمة عن ابن مسعود. وكذا رواه أبو عبيد في فضائل القرآن من رواية السرى فقال : عن أبى ظبية ، فاختلف أصحاب السرى. هل شيخه شجاع أو أبو شجاع. وكذا اختلفوا في شيخ شجاع هل هو أبو فاطمة أو أبو ظبية. ثم اختلفوا في ضبط أبى ظبية فعند الدارقطني بالطاء المهملة بعدها تحتانية ، ثم موحدة وإنه عيسى بن سليمان الجرجاني. وأن روايته عن ابن مسعود منقطعة. ويؤيده أن الثعلبي أخرجه من طريق أبى بكر العطاردي عن السرى عن شجاع عن أبى ظبية الجرجاني. وعند البيهقي أنه بالمعجمة بعدها موحدة ، ثم تحتانية ، وأنه مجهول. وقال أحمد بن حنبل : هذا حديث منكر. وشجاع لا أعرفه.
جاء في بعض الفواتح (سَبَّحَ) على لفظ الماضي ، وفي بعضها على لفظ المضارع ، وكل واحد منهما معناه : أنّ من شأن من أسند إليه التسبيح أن يسبحه ، وذلك هجيراه وديدنه ، وقد عدى هذا الفعل باللام تارة وبنفسه أخرى في قوله تعالى (وَتُسَبِّحُوهُ) وأصله : التعدي بنفسه ، لأنّ معنى سبحته : بعدته عن السوء ، منقول من سبح إذا ذهب وبعد ، فاللام لا تخلو إما أن تكون مثل اللام في : نصحته ، ونصحت له. وإما أن يراد بسبح لله : أحدث التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصا ، (ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ما يتأتى منه التسبيح ويصح. فإن قلت : ما محل (يُحْيِي)؟ قلت : يجوز أن لا يكون له محل ، ويكون جملة برأسها ، كقوله (لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ) وأن يكون مرفوعا على : هو يحيى ويميت ، ومنصوبا حالا من المجرور في (لَهُ) والجار عاملا فيها. ومعناه : يحيى النطف والبيض والموتى يوم القيامة ويميت الأحياء (هُوَ الْأَوَّلُ) هو القديم الذي كان قبل كل شيء (وَالْآخِرُ) الذي يبقى بعد هلاك كل شيء (وَالظَّاهِرُ) بالأدلة الدالة عليه (وَالْباطِنُ) لكونه غير مدرك بالحواس. فإن قلت : فما معنى الواو؟ (١) قلت الواو الأولى معناها الدلالة (٢) على أنه الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية ، والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء. وأما الوسطى ، فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخريين ، فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية ، وهو في جميعها ظاهر وباطن : جامع للظهور بالأدلة والخفاء ، فلا يدرك بالحواس. وفي هذا حجة على من جوّز إدراكه (٣) في الآخرة بالحاسة. وقيل : الظاهر العالي على كل شيء الغالب له ، من ظهر عليه إذا علاه وغلبه. والباطن الذي بطن كل شيء ، أى علم باطنه ، وليس بذاك مع العدول عن الظاهر المفهوم.
__________________
(١) قال محمود : «إن قلت : ما معنى الواو وأجاب بأن المتوسطة بين الأول والآخر للجمع بين معنى الأولية والبقاء الخ. قال : ومعنى الطاهر أى بالأدلة والباطن أى عن الحواس. وقيل : وفيه دليل الرد على من زعم أنه تعالى يرى في الآخرة بالحاسة» قال أحمد : «لا دليل فيه على ذلك ، فان لنا أن نقول : إن المراد عدم الإدراك بالحاسة في الدنيا لا في الآخرة. ونحن نقول به ، أو في الآخرة. والمراد : الكفار والجاحدون للرؤية كالقدرية ألا ترى إلى قوله (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) فانه قيل : تقييد وتخصيص على خلاف الظاهر. قلنا والمسألة قطعية ، فيكفى الاحتمال. وأيضا فقسيمه لا بد فيه من تخصيص ، فانه تعالى لم يظهر جميع خلقه على الأدلة الموصلة إلى معرفته ، بل أخفاها عن كثير منهم وحرمهم الفوز بالايمان به عز وجل ، فالظاهر إذا معناها في التخصيص كالثاني طبقا بينه وبين الأول.
(٢) قوله «قلت الواو الأولى معناها الدلالة» الأولى إنما دلت على اجتماع الصفتين الأوليين ، والثالثة على اجتماع الأقربين. والثانية على اجتماع المجموعين. (ع)
(٣) قوله «حجة على من جوز إدراكه» يريد أهل السنة ، وهم قد جوزوا رؤيته مطلقا ، وقالوا : لا تدركه الأبصار ، أى ؛ لا تحيط به ، والمعتزلة أحالوا رؤيته تعالى ، وتفصيله في التوحيد. (ع)
(آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(٨)
(مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) يعنى أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها ، وإنما موّلكم إياها ، وخوّلكم الاستمتاع بها ، وجعلكم خلفاء في التصرف فيها ، فليست هي بأموالكم في الحقيقة. وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنوّاب ، فأنفقوا منها في حقوق الله ، وليهن عليكم الإنفاق منها كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه. أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيما في أيديكم : بتوريثه إياكم ، فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم ، وسينقل منكم إلى من بعدكم ، فلا تبخلوا به ، وانفعوا بالإنفاق منها أنفسكم (لا تُؤْمِنُونَ) حال من معنى الفعل في مالكم ، كما تقول : مالك قائما ، بمعنى : ما تصنع قائما ، أى : وما لكم كافرين بالله. والواو في (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ) واو الحال ، فهما حالان متداخلتان. وقرئ : (وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ) والمعنى : وأى عذر لكم في ترك الإيمان والرسول يدعوكم إليه وينبهكم عليه ويتلو عليكم الكتاب الناطق بالبراهين والحجج ، وقبل ذلك قد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان : حيث ركب فيكم العقول ، (١) ونصب لكم الأدلة ، ومكنكم من النظر ، وأزاح عللكم ، فإذ لم تبق لكم علة بعد أدلة العقول وتنبيه الرسول ، فما لكم لا تؤمنون (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) لموجب ما ، فإن هذا الموجب لا مزيد عليه. وقرئ : أخذ ميثاقكم ، (٢) على البناء للفاعل ، وهو الله عز وجل.
(هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) (٩)
(لِيُخْرِجَكُمْ) الله بآياته من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. أو ليخرجكم الرسول بدعوته
__________________
(١) قال محمود : «أخذ الميثاق عبارة عن تركيب العقول فيهم ... الخ» قال أحمد : وما عليه أن يحمل أخذ الميثاق على ما بينه الله في آية غير هذه ، إذ يقول تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) ولقد يريبني منه إنكاره لكثير من مثل هذه الظواهر والعدول بها عن حقائقها مع إمكانها عقلا ووقوعها بالسمع قطعا إلى ما يتوهمه من تمثيل يسميه تخييلا ، فالقاعدة التي تعتمد عليها كى لا يضرك ما يومئ إليه أن ما كل ما جوزه العقل وورد بوقوعه السمع وجب حمله على ظاهره والله الموفق.
(٢) قوله «وقرئ : أخذ ميثاقكم» يفيد أن القراءة على البناء للمفعول أشهر. (ع)
(لَرَؤُفٌ) وقرئ لرؤوف (١).
(وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)(١١)
(وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا) في أن لا تنفقوا (وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) يرث كل شيء فيهما لا يبقى منه باق لأحد من مال وغيره ، يعنى : وأى غرض لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله والجهاد مع رسوله والله مهلككم فوارث أموالكم ، وهو من أبلغ البعث على الإنفاق في سبيل الله. ثم بين التفاوت بين المنفقين منهم فقال (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ) قبل فتح مكة قبل عز الإسلام وقوّة أهله ودخول الناس في دين الله أفواجا وقلة الحاجة إلى القتال والنفقة فيه ، ومن أنفق من بعد الفتح فحذف لوضوح الدلالة (أُولئِكَ) الذين أنفقوا قبل الفتح وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم : «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» (٢) (أَعْظَمُ دَرَجَةً). وقرئ : قبل الفتح (وَكُلًّا) وكل واحد من الفريقين (وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى) أى المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات. وقرئ بالرفع على : وكل وعده الله. وقيل : نزلت في أبى بكر رضى الله عنه ، لأنه أول من أسلم وأول من أنفق في سبيل الله. القرض الحسن : الإنفاق في سبيله. شبه ذلك بالقرض على سبيل المجاز ، لأنه إذا أعطى ماله لوجهه فكأنه أقرضه إياه (فَيُضاعِفَهُ لَهُ) أى يعطيه أجره على إنفاقه مضاعفا «أضعافا» من فضله (وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) يعنى : وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه. وقرئ : فيضعفه. وقرئا منصوبين على جواب (٣) الاستفهام «والرفع عطف على (يُقْرِضُ) ، أو على (فَيُضاعِفَهُ).
__________________
(١) قوله وقرئ «لرؤوف» يفيد أن القراءة بالقصر أشهر ، وفيه نظر فلينظر. وفي الصحاح : رؤف به ـ بالضم ، ورأف به ـ بالفتح ، ورئف به ـ بالكسر ، فهو رؤف على فعول. قال كعب بن مالك الأنصارى :
|
نطيع نبينا ونطيع ربا |
|
هو الرحمن كان بنا رءوفا |
ورؤف أيضا على فعل. قال جرير :
|
يرى للمسلمين عليه حقا |
|
كفعل الوالد الرؤوف الرحيم |
والظاهر أن رسمه بواو واحدة حال المد والقصر ، فيكون الأشهر قراءة المد ، كما هو الأشهر في الاستعمال اللغوي. (ع)
(٢) متفق عليه من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه.
(٣) قوله «وقرئا منصوبين على جواب» أى قوله : فيضاعفه ، وقوله فيضعفه. (ع)
(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(١٢)
(يَوْمَ تَرَى) ظرف لقوله : وله أجر كريم. أو منصوب بإضمار «اذكر» تعظيما لذلك اليوم. وإنما قال (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ) لأنّ السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين ، كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ومن وراء ظهورهم ، فجعل النور في الجهتين شعارا لهم وآية ، لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا وبصحائفهم البيض أفلحوا ، فإذا ذهب بهم إلى الجنة ومروا على الصراط يسعون : سعى بسعيهم ذلك النور جنيبا لهم ومتقدما. ويقول لهم الذين يتلقونهم من الملائكة. (بُشْراكُمُ الْيَوْمَ). وقرئ : ذلك الفوز.
(يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)(١٥)
(يَوْمَ يَقُولُ) بدل من يوم ترى (انْظُرُونا) انتظرونا ، لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على ركاب تزف (١) بهم. وهؤلاء مشاة. وانظروا إلينا ، لأنهم إذا نظروا اليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به. وقرئ : أنظرونا من النظرة وهي الإمهال : جعل اتئادهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إنظارا لهم (نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ) نصب منه ، وذلك أن يلحقوا بهم فيستنيروا به (قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً) طرد لهم وتهكم بهم ، أى : ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور فالتمسوه هنالك ، فمن ثم يقتبس. أو ارجعوا إلى الدنيا ، فالتمسوا نورا بتحصيل سببه وهو الإيمان. أو ارجعوا خائبين وتنحوا عنا ،
__________________
(١) قوله «تزف بهم» أى : تسرع. أفاده الصحاح. (ع)
فالتمسوا نورا آخر ، فلا سبيل لكم إلى هذا النور ، وقد علموا أن لا نور وراءهم ، وإنما هو تخييب وإقناط لهم (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ) بين المؤمنين والمنافقين بحائط حائل بين شق الجنة وشق النار. وقيل : هو الأعراف لذلك السور (بابٌ) لأهل الجنة يدخلون منه (باطِنُهُ) باطن السور أو الباب ، وهو الشق الذي بلى الجنة (وَظاهِرُهُ) ما ظهر لأهل النار (مِنْ قِبَلِهِ) من عنده ومن جهته (الْعَذابُ) وهو الظلمة والنار. وقرأ زيد بن على رضى الله عنهما : فضرب بينهم على البناء للفاعل (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) يريدون موافقتهم في الظاهر (فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ) محنتموها بالنفاق وأهلكتموها (وَتَرَبَّصْتُمْ) بالمؤمنين الدوائر (وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُ) طول الآمال والطمع في امتداد الأعمار (حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللهِ) وهو الموت (وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ) وغرّكم الشيطان بأنّ الله عفوّ كريم لا يعذبكم. وقرئ : الغرور ، بالضم (فِدْيَةٌ) ما يفتدى به (هِيَ مَوْلاكُمْ) قيل : هي أولى بكم ، وأنشد قول لبيد:
|
فندت كلا الفرجين تحسب أنّه |
|
مولى المخافة خلفها وأمامها (١) |
وحقيقة مولاكم : محراكم ومقمنكم (٢). أى : مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم ، كما قيل : هو مئنة للكرم ، أى مكان ، لقول القائل : إنه لكريم. ويجوز أن يراد : هي ناصركم ، أى لا ناصر لكم غيرها. والمراد : نفى الناصر على البتات. ونحوه قولهم : أصيب فلان بكذا فاستنصر الجزع (٣). ومنه قوله تعالى (يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ) وقيل : تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار.
(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ
__________________
|
(١) وتوجست رز الأنيس فراعها |
|
عن ظهر غيب والأنيس سقامها |
|
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه |
|
مولى المخافة خلفها وأمامها |
البيد من معلقته. يصف بقرة وحشية ، توجست : أى تسمعت البقرة. والتوجس : التسمع. ويقال : رزت السماء رزا ، بتقديم الراء إذا صوتت عند المطر ؛ فالرز بالفتح : التصويت الخفي ، وبالكسر : اسم للصوت الخفي. ورز : أى صوت الأنيس ، وهم الصياد ، فأفزعها بظهر الغيب. وإقحام الظهر في مثل هذا التركيب : مبالغة في الخفاء ، لأن ما وراء الظهر لا يعلم ولا يدرى ما هو. وسمى الصياد أنيسا بالنسبة إلينا لا إليها ، لأنه عناؤها وسبب خوفها ، فجعله نفس السقام مبالغة. وكلا الفرحين : مبتدأ. وتحسب أنه مولى المخافة : خبر ، أى أنه الأولى بالخوف من جهته. وخلفها وأمامها : خبر لمبتدإ محذوف ، أو بدل من كلا الفرجين للتوضيح والتبيين ، أى : لهما ما بين رجليها وما بين يديها ، وبعضهم فسرهما بنقرنين في الجبل ، وعليه فلا معنى للام العهد فيهما.
(٢) قوله «محراكم ومقمنكم» يقال : هو حرى أن يفعل كذا ، وهو قمن أن يفعله ، أى : جدير بذلك وحقيق به. أفاده الصحاح. (ع)
(٣) قوله «فاستنصر الجزع» لعله : الجزع ، أى : نقيض الصبر. (ع)
وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ)(١٦)
(أَلَمْ يَأْنِ) من أنى الأمر يأنى ، إذا جاء إناه ، أى. وقته. وقرئ : ألم يئن ، من آن يئين بمعنى : أنى يأنى ، وألما يأن ، قيل : كانوا مجدبين بمكة ، فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه ، فنزلت. وعن ابن مسعود : ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين (١). وعن ابن عباس رضى الله عنهما : أنّ الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن. وعن الحسن رضى الله عنه : أما والله لقد استبطأهم وهم يقرؤن من القرآن أقل مما تقرءون. فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسق. وعن أبى بكر رضى الله عنه أنّ هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة ، فبكوا بكاء شديدا ، فنظر إليهم فقال : هكذا كنا حتى قست القلوب. وقرئ : نزّل ونزل. وأنزل (وَلا يَكُونُوا) عطف على تخشع ، وقرئ بالتاء على الالتفات. ويجوز أن يكون نهيا لهم عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب بعد أن وبخوا ، وذلك أنّ بنى إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم ، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم ، فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره. فإن قلت : ما معنى (لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِ)؟ قلت : يجوز أن يراد بالذكر وبما نزل من الحق : القرآن ، لأنه جامع للأمرين : للذكر والموعظة ، وأنه حق نازل من السماء ، وأن يراد خشوعها إذا ذكر الله وإذا تلى القرآن كقوله تعالى (إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً) أراد بالأمد : الأجل ، كقوله :
...... إذا انتهى أمده (٢)
وقرئ : الأمدّ ، أى : الوقت الأطول (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين.
(اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)(١٧)
__________________
(١) أخرجه مسلم بلفظ «وبين أن عاتبنا الله» ووهم الحاكم فاستدركه.
(٢) قوله «كقوله إذا انتهي أمده» البيت من أوله :
|
كل حى مستكمل مدة العمر |
|
ومود إذا انتهى أمده .... اه عليان |
قلت : قد تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٢٧٧ فراجعه إن شئت. اه مصححه.
(اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) قيل : هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب ، وأنه يحييها كما يحيى الغيث الأرض.
(إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ)(١٨)
(الْمُصَّدِّقِينَ) المتصدّقين. وقرئ على الأصل. والمصدّقين من صدق ، وهم الذين صدقوا الله ورسوله يعنى المؤمنين. فإن قلت : علام عطف قوله (وَأَقْرَضُوا)؟ قلت : على معنى الفعل في المصدّقين ، لأنّ اللام بمعنى الذين ، واسم الفاعل بمعنى اصدقوا ، كأنه قيل : إنّ الذين اصدقوا وأقرضوا. والقرض الحسن : أنّ يتصدق من الطيب عن طيبة النفس وصحة النية على المستحق للصدقة. وقرئ : يضعف ، ويضاعف ، بكسر العين ، أى : يضاعف الله.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ)(١٩)
يريد أنّ المؤمنين بالله ورسله هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء : وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله (لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) أى : مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم. فإن قلت : كيف يسوّى بينهم في الأجر ولا بدّ من التفاوت؟ قلت : المعنى أنّ الله يعطى المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله ، حتى يساوى أجرهم مع أضعافه أجر أولئك. ويجوز أن يكون (وَالشُّهَداءُ) مبتدأ ، و (لَهُمْ أَجْرُهُمْ) خيره.
(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ)(٢٠)
أراد أنّ الدنيا ليست إلا محقرات من الأمور وهي اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر. وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام ، وهي : العذاب الشديد والمغفرة ورضوان الله. وشبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث فاستوى واكتهل (١) وأعجب به
__________________
(١) قوله «فاستوى واكتهل» في الصحاح : اكتهل النيات ، أى : تم طوله وظهر نوره. (ع)
الكفار الجاحدون لنعمة الله فيما رزقهم من الغيث والنبات ، فبعث عليه العاهة فهاج واصفرّ وصار حطاما عقوبة لهم على جحودهم ، كما فعل بأصحاب الجنة وصاحب الجنتين. وقيل (الْكُفَّارَ) : الزراع. وقرئ : مصفارا
(سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(٢١)
(سابِقُوا) سارعوا مسارعة المسابقين لأقرانهم في المضمار ، إلى جنة (عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) قال السدى : كعرض سبع السماوات وسبع الأرضين ، وذكر العرض دون الطول ، لأنّ كل ماله عرض وطول فإنّ عرضه أقل من طوله ، فإذا وصف عرضه بالبسطة : عرف أنّ طوله أبسط وأمدّ. ويجوز أن يراد بالعرض : البسطة ، كقوله تعالى (فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ) لما حقر الدنيا وصغر أمرها وعظم أمر الآخرة : بعث عباده على المسارعة إلى نيل ما وعد من ذلك : وهي المغفرة المنجية من العذاب الشديد والفوز بدخول الجنة (ذلِكَ) الموعود من المغفرة والجنة (فَضْلُ اللهِ) عطاؤه (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) وهم المؤمنون.
(ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)(٢٤)
المصيبة في الأرض : نحو الجدب وآفات الزروع والثمار. وفي الأنفس : نحو الأدواء والموت (فِي كِتابٍ) في اللوح (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها) يعنى الأنفس أو المصائب (إِنَّ ذلِكَ) إنّ تقدير ذلك وإثباته في كتاب (عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) وإن كان عسيرا على العباد ، ثم علل ذلك وبين الحكمة فيه فقال (لِكَيْلا تَأْسَوْا ... وَلا تَفْرَحُوا) يعنى أنكم إذا علمتم أنّ كل شيء مقدر مكتوب عند الله قلّ أساكم على الفائت وفرحكم على الآتي ، لأنّ من علم أن ما عنده معقود لا محالة : لم يتفاقم جزعه عند فقده ، لأنه وطن نفسه على ذلك ، وكذلك من علم أنّ بعض الخير واصل إليه ، وأن وصوله لا يفوته بحال : لم يعظم فرحه عند نيله (وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ
(فَخُورٍ) لأنّ من فرح بحظ من الدنيا وعظم في نفسه : اختال وافتخر به وتكبر على الناس. قرئ : بما آتاكم. وأتاكم ، من الإيتاء والإتيان. وفي قراءة ابن مسعود : بما أوتيتم. فإن قلت : فلا أحد يملك نفسه ـ عند مضرة تنزل به ، ولا عند منفعة ينالها ـ أن لا يحزن ولا يفرح. قلت : المراد : الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله ورجاء ثواب الصابرين ، والفرح المطغى الملهى عن الشكر ، فأما الحزن الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام ، والسرور بنعمة الله والاعتداد بها مع الشكر : فلا بأس بهما (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) بدل من قوله (كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ) كأنه قال : لا يحب الذين يبخلون ، يريد : الذين يفرحون الفرح المطغى إذا رزقوا مالا وحظا من الدنيا فلحبهم له وعزته عندهم وعظمه في عيونهم : يزوونه عن حقوق الله ويبخلون به ، ولا يكفيهم أنهم بخلوا حتى يحملوا الناس على البخل ويرغبوهم في الإمساك ويزينوه لهم ، وذلك كله نتيجة فرحهم به وبطرهم عند إصابته (وَمَنْ يَتَوَلَ) عن أوامر الله ونواهيه ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتى : فإنّ الله غنى عنه. وقرئ : بالبخل. وقرأ نافع : فإنّ الله الغنى ، وهو في مصاحف أهل المدينة والشام كذلك.
(لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)(٢٥)
(لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا) يعنى الملائكة إلى الأنبياء (بِالْبَيِّناتِ) بالحجج والمعجزات (وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ) أى الوحى (وَالْمِيزانَ) روى أنّ جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال : مر قومك يزنوا به (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ) قيل : نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد : السندان ، والكلبتان ، والميقعة ، والمطرقة (١) ، والإبرة. وروى : ومعه المر والمسحاة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : أنّ الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض : أنزل الحديد ، والنار ، والماء ، والملح (٢). وعن الحسن (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ) : خلقناه ، كقوله تعالى (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ) وذلك أن أوامره تنزل من السماء وقضاياه وأحكامه (فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) وهو القتال به (وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) في مصالحهم ومعايشهم وصنائعهم ، فما من صناعة
__________________
(١) قوله «والميقعة والمطرقة ... الخ» في الصحاح «الميقعة» : المطرقة. والميقعة ـ أيضا ـ : المسن الطويل. والمر : الحبل ، والمسحاة كالمجرفة ، إلا أنها من حديد. (ع)
(٢) أخرجه الثعلبي من حديث ابن عمر ، وفي إسناده من لا أعرفه.
إلا والحديد آلة فيها ، أو ما يعمل بالحديد (وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ) باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين (بِالْغَيْبِ) غائبا عنهم ، قال ابن عباس رضى الله عنهما : ينصرونه ولا يبصرونه (إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) غنى بقدرته وعزته في إهلاك من يريد هلاكه عنهم ، وإنما كلفهم الجهاد لينتفعوا به ويصلوا بامتثال الأمر فيه إلى الثواب.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ)(٢٦)
(وَالْكِتابَ) والوحى. وعن ابن عباس : الخط بالقلم ، يقال : كتب كتابا وكتابة (مِنْهُمْ) فمن الذرية أو من المرسل إليهم ، وقد دل عليهم ذكر الإرسال والمرسلين. وهذا تفصيل لحالهم ، أى : فمنهم مهتد ومنهم فاسق ، والغلبة للفساق.
(ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ)(٢٧)
قرأ الحسن : الإنجيل ، بفتح الهمزة ، وأمره أهون من أمر البرطيل والسكينة فيمن رواهما بفتح الفاء ، لأنّ الكلمة أعجمية لا يلزم فيها حفظ أبنية العرب. وقرئ : رآفة ، على : فعالة ، أى : وفقناهم للتراحم والتعاطف بينهم. ونحوه في صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (رُحَماءُ بَيْنَهُمْ). والرهبانية : ترهبهم في الجبال فارّين من الفتنة في الدين ، مخلصين أنفسهم للعبادة ، وذلك أنّ الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد موت عيسى ، فقاتلوهم ثلاث مرات ، فقتلوا حتى لم يبق منهم إلا القليل ، فخافوا أن يفتنوا في دينهم ، فاختاروا الرهبانية : ومعناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان ، (١) وهو الخائف : فعلان من رهب ، كخشيان من خشي. وقرئ : ورهبانية بالضم ، كأنها نسبة إلى الرهبان : وهو جمع راهب كراكب وركبان ، وانتصابها بفعل مضمر (٢) يفسره
__________________
(١) قال محمود : «الرهبانية : الفعلة المنسوبة للرهبان ... الخ» قال أحمد : وفيه إشكال ، فان النسب إلى الجمع على صيغته غير مقبول عندهم حتى يرد إلى مفرده ، إلا أن يقال : إنه لما صار الرهبان طائفة مخصوصة صار هذا الاسم ـ وإن كان جمعا ـ كالعلم لهم ، فلحق بأنصارى ومدائنى وأعرابى.
(٢) قال محمود : «وهي منصوبة بفعل مضمر ... الخ» قال أحمد : في إعراب هذه الآية تورط أبو على الفارسي وتحيز إلى فئة الفتنة وطائفة البدعة ، فأعرب رهبانية على أنها منصوبة بفعل مضمر يفسره الظاهر ، وعلل امتناع
الظاهر : تقديره. وابتدعوا رهبانية (ابْتَدَعُوها) يعنى : وأحدثوها من عند أنفسهم ونذروها (ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ) لم نفرضها نحن عليهم (إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ) استثناء منقطع ، أى : ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله (فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها) كما يجب على الناذر رعاية نذره ، لأنه عهد مع الله لا يحل نكثه (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا) يريد : أهل الرحمة والرأفة الذين اتبعوا عيسى (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) الذين لم يحافظوا على نذرهم. ويجوز أن تكون الرهبانية معطوفة على ما قبلها ، وابتدعوها : صفة لها في محل النصب ، أى : وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة من عندهم ، بمعنى : وقفناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها ، ما كتبناها عليهم إلا ليبتغوا بها رضوان الله ويستحقوا بها الثواب ، على أنه كتبها عليهم وألزمها إياهم ليتخلصوا من الفتن ويبتغوا بذلك رضا الله وثوابه ، فما رعوها جميعا حق رعايتها ، ولكن بعضهم ، فآتينا المؤمنين المراعين منهم للرهبانية أجرهم ، وكثير منهم فاسقون. وهم الذين لم يرعوها.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(٢٨)
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) يجوز أن يكون خطابا للذين آمنوا من أهل الكتاب والذين آمنوا (١) من غيرهم ، فإن كان خطابا لمؤمنى أهل الكتاب. فالمعنى : يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد (يُؤْتِكُمْ) الله (كِفْلَيْنِ) أى نصيبين (مِنْ رَحْمَتِهِ) لإيمانكم بمحمد وإيمانكم بمن قبله (وَيَجْعَلْ لَكُمْ) يوم القيامة (نُوراً تَمْشُونَ بِهِ) وهو النور المذكور في قوله (يَسْعى نُورُهُمْ). (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) ما أسلفتم من الكفر والمعاصي.
(لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(٢٩)
__________________
ـ العطف فقال : ألا ترى أن الرهبانية لا يستقيم حملها على (جَعَلْنا) مع وصفها بقوله (ابْتَدَعُوها) لأن ما يجعله هو تعالى لا يبتدعونه هم ، والزمخشري ورد أيضا مورده الذميم ، وأسلمه شيطانه الرجيم ، فلما أجاز ما منعه أبو على من جعلها معطوفة : أعذر لذلك بتحريف الجعل إلى التوفيق ، فرارا مما فر منه أبو على : من اعتقاد أن ذلك مخلوق لله تعالى ، وجنوحا إلى الاشراك واعتقاد أن ما يفعلونه هم لا يفعله الله تعالى ولا يخلقه ، وكفى بما في هذه الآية دليلا بعد الأدلة القطعية والبراهين العقلية على بطلان ما اعتقداه ، فانه ذكر محل الرحمة والرأفة مع العلم بأن محلها القلب ، فجعل قوله (فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) تأكيدا لخلقه هذه المعاني وتصويرا لمعنى الخلق بذكر محله ، ولو كان المراد أمرا غير مخلوق في قلوبهم لله تعالى كما زعما : لم يبق لقوله في قلوب الذين اتبعوه موقع ، ويأبى الله أن يشتمل كتابه الكريم على مالا موقع له ، ألهمنا الله الحجة وتهج بنا واضح المحجة ، إنه ولى التوفيق وواهب التحقيق.
(١) قوله «والذين آمنوا» لعله والذين آمنوا. (ع)
(لِئَلَّا يَعْلَمَ) ليعلم (أَهْلُ الْكِتابِ) الذين لم يسلموا ، ولا مزيدة (أَلَّا يَقْدِرُونَ) أن مخففة من الثقيلة ، أصله : أنه لا يقدرون ، يعنى : أنّ الشأن لا يقدرون (عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ) أى : لا ينالون شيئا مما ذكر من فضله من الكفلين : والنور والمغفرة ، لأنهم لم يؤمنوا برسول الله ، فلم ينفعهم إيمانهم بمن قبله ، ولم يكسبهم فضلا قط. وإن كان خطابا لغيرهم ، فالمعنى : اتقوا الله واثبتوا على إيمانكم برسول الله يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الكفلين في قوله (أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ) ولا ينقصكم من مثل أجرهم ، لأنكم مثلهم في الإيمانين لا تفرقون بين أحد من رسله. روى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جعفرا رضى الله عنه في سبعين راكبا إلى النجاشي يدعوه ، فقدم جعفر عليه فدعاه فاستجاب له ، فقال ناس ممن آمن من أهل مملكته وهم أربعون رجلا. ائذن لنا في الوفادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأذن لهم فقدموا مع جعفر وقد تهيأ لوقعة أحد ، فلما رأوا ما بالمسلمين من خصاصة : استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرجعوا وقدموا بأموال لهم فآسوا بها المسلمين (١) ، فأنزل الله (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ...) إلى قوله ... (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) فلما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله (يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ) فخروا على المسلمين وقالوا : أما من آمن بكتابكم وكتابنا فله أجره مرّتين ، وأما من لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجركم ، فما فضلكم علينا؟ فنزلت. وروى أنّ مؤمنى أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرّتين ، وادعوا الفضل عليهم ، فنزلت. وقرئ لكي يعلم. ولكيلا يعلم. وليعلم. ولأن يعلم : بإدغام النون في الياء. ولين يعلم : بقلب الهمزة ياء وإدغام النون في الياء. وعن الحسن : ليلا يعلم ، بفتح اللام وسكون الياء. ورواه قطرب بكسر اللام. وقيل في وجهها : حذفت همزة أن ، وأدغمت نونها في لام لا ، فصار «للا» ثم أبدلت من اللام المدغمة ياء ، كقولهم : ديوان ، وقيراط. ومن فتح اللام فعلى أن أصل لام الجرّ الفتح ، كما أنشد :
أريد لأنسى ذكرها. (٢) ..
__________________
(١) المعروف أن جعفر إنما قدم بعد أحد بزمان ، قدم عند فتح خيبر.
|
(٢) أريد لأنسى ذكرها فكأنما |
|
تمثل لي ليلى بكل سبيل |
لقبس بن الملوح مجنون ليلى العامرية. وقيل : لكثير صاحب عزة ، وكنى عنها بليلى تسترا. وقيل : سرقه كثير من شعر جميل صاحب بثنية. وقوله : لأنسى بفتح لام الجر على الأصل في الحروف المفردة ، وتلك : لغة عكل ، ويتعين فيها إذا دخلت على فعل منصوب بأن مضمرة كما هنا. وتروى بالكسر على اللغة المشهورة ، أى : أريد لنسيان تذكرها ، واللام زائدة ، لكنها هي التي أشعرت بحذف «إن» ، وتمثل : أصله تتمثل ، أى تتشكل وتتخيل أمامى ليلى بكل طريق ، إما الحسى وإما طريق الذكر ، والأول أوجه ، بدليل قوله «كأنما» وتمثلها له يوجب تذكرها. وما زائدة بعد كان ، كافة لها عن العمل فلذلك دخلت على الفعل.
وقرئ : أن لا يقدروا (بِيَدِ اللهِ) في ملكه وتصرفه. واليد مثل (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) ولا يشاء إلا إيتاء من يستحقه. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة الحديد كتب من الذين آمنوا بالله ورسله» (١).
سورة المجادلة
مدنية ، وآياتها ٢٢ [نزلت بعد المنافقون]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)(١)
(قَدْ سَمِعَ اللهُ) قالت عائشة رضى الله عنها : الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات : (٢) لقد كلمت المجادلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في جانب البيت وأنا عنده لا أسمع ، وقد سمع (٣) لها. وعن عمر أنه كان إذا دخلت عليه أكرمها وقال : قد سمع الله لها. وقرئ : تحاورك ، أى : تراجعك الكلام. وتحاولك ، أى : تسائلك ، وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخى عبادة : رآها وهي تصلى وكانت حسنة الجسم ، فلما سلمت راودها فأبت ، فغضب وكان به خفة ولمم (٤) ، فظاهر منها ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب فىّ ، فلما خلا سنى ونثرت بطني ـ أى : كثر ولدى ـ جعلني عليه (٥) كأمّه. وروى أنها قالت له :
__________________
(١) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى كعب.
(٢) قال محمود : «قالت عائشة رضى الله عنها : الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات ... الخ» قال أحمد : ولقد استدل به بعضهم على عدم لزوم ظهار الذمي ، وليس بقوى ، لأنه غير المقصود.
(٣) أخرجه النسائي وابن ماجة والطبري وأحمد وإسحاق والبزار من طريق الأعمش عن تميم بن سلمة عن عروة عن عائشة. وعلقه البخاري ، وأخرجه الحاكم أتم سياقا منه ، وفيه تسميتها وتسمية زوجها.
(٤) قوله «ولمم» أى طرف من الجنون ، أو مس من الجن. أفاده الصحاح (ع)
(٥) أخرجه الدارقطني والبيهقي.
إنّ لي صبية صغارا ، إن ضممتهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إلىّ جاعوا. فقال : ما عندي في أمرك شيء. وروى أنه قال لها : حرمت عليه ، فقالت : يا رسول الله ، ما ذكر طلاقا وإنما هو أبو ولدى وأحب الناس إلىّ ، فقال : حرمت عليه ، فقالت : أشكو إلى الله فاقتي ووجدي ، كلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حرمت عليه ، هتفت وشكت إلى الله (١) ، فنزلت (فِي زَوْجِها) في شأنه ومعناه (إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) يصح أن يسمع كل مسموع ويبصر كل مبصر. فإن قلت : ما معنى (قَدْ) في قوله (قَدْ سَمِعَ)؟ قلت : معناه التوقع ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله مجادلتها وشكواها وينزل في ذلك ما يفرّج عنها.
(الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ)(٤)
(الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ) في (مِنْكُمْ) توبيخ للعرب وتهجين لعادتهم في الظهار ، لأنه كان من أيمان أهل جاهليتهم خاصة دون سائر الأمم (ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ) وقرئ بالرفع على اللغتين الحجازية والتميمية. وفي قراءة ابن مسعود : بأمّهاتهم ، وزيادة الباء في لغة من ينصب. والمعنى أن من يقول لامرأته أنت علىّ كظهر أمى : ملحق في كلامه هذا للزوج بالأم ، وجاعلها مثلها. وهذا تشبيه باطل لتباين الحالين (إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ) يريد أن الأمهات على الحقيقة إنما هنّ الوالدات وغيرهنّ ملحقات بهنّ لدخولهنّ في حكمهنّ ، فالمرضعات أمّهات ؛ لأنّهنّ
__________________
(١) هذه الرواية الثانية أخرجها الطبري من طريق أبى معشر عن محمد بن كعب القرظي قال : كانت خولة بنت ثعلبة تحت أوس بن الصامت. وكان رجلا به لمم. فقال في بعض هجراته : أنت على كظهر أمى ، قال : ما أظنك إلا قد حرمت على فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا نبى الله ، إن أوس بن الصامت أبو ولدى ، وأحب الناس إلى ، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا قال : ما أراك إلا حرمت عليه ، فقالت : يا رسول الله لا تقل كذلك والله ما ذكر طلاقا. فراودت النبي صلى الله عليه وسلم مرارا ثم قالت : اللهم إنى أشكو إليك فاقتي ووحدتي وما يشق على من فراقه ـ الحديث» ومن طريق أبى العالية قال : فجعلت كلما قال لها : حرمت عليه ، هتفت وقالت : أشكو إلى الله ، فلم ترم مكانها حتى نزلت الآية.
لما أرضعن دخلن بالرضاع في حكم الأمهات ، وكذلك أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين ، لأن الله حرّم نكاحهن على الأمة فدخلن بذلك في حكم الأمهات. وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة لأنهنّ لسن بأمّهات على الحقيقة. ولا بداخلات في حكم الأمهات ، فكان قول المظاهر : منكرا من القول تنكره الحقيقة وتنكره الأحكام الشرعية وزورا وكذبا باطلا منحرفا عن الحق (وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) لما سلف منه إذا تيب عنه ولم يعد إليه ، ثم قال : (وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا) يعنى : والذين كانت عادتهم أن يقولوا هذا القول (١) المنكر فقطعوه بالإسلام ، ثم يعودون لمثله ، فكفارة من عاد أن يحرّر رقبة ثم يماس المظاهر منها لا تحل له مماستها إلا بعد تقديم الكفارة. ووجه آخر : ثم يعودون لما قالوا : ثم يتداركون ما قالوا (٢) ، لأنّ المتدارك للأمر عائد إليه. ومنه المثل : عاد غيث على ما أفسد ، أى : تداركه بالإصلاح. والمعنى : أن تدارك هذا القول وتلافيه بأن يكفر حتى ترجع حالهما كما كانت قبل الظهار. ووجه ثالث : وهو أن يراد بما قالوا : ما حرّموه (٣)
__________________
(١) قال محمود : «يعنى والذين كانت عادتهم أن يقولوا هذا القول ... الخ» قال أحمد : وهذا الوجه يلزم الكفارة لمجرد قول الظهار في الإسلام لا غير ، والقول بوجوبها بمجرد الظهار : قول مجاهد من التابعين وسفيان من الفقهاء.
(٢) قال محمود : «ووجه ثان ثم يعودون لما قالوا ثم يتداركون ما قالوا ... الخ» قال أحمد : وهذا التفسير منزل على أن وجوب الكفارة مشروط بالعود بعد الظهار وهو القول المشهور لفقهاء الأمصار ولا يخص هذا التفسير وجها من وجوه العود التي ذكرها العلماء.
(٣) قال محمود : «ووجه ثالث : وهو أن يكون المراد بما قالوه ... الخ» قال أحمد : وهذا التفسير يقوى القول بأن العود الوطء. نفسه ، لأن حاصله : ثم يعودون للوطء ، وظاهر قولك : عاد الوطء. فعله ، وحمل العود على الوطء : من جملة أقوال مالك رحمه الله ، فقد تلخص أن كلام المختلفين في العود له مآخذ من هذه الآية ، فأما من لم يقف وجوب الكفارة عنده إلا على مجرد الظهار ، فحمل العود على الظهار ، وتسميته عودا والحالة هذه باعتبار أنه كان في الجاهلية وانقطع في الإسلام ، فايقاعه بعد الإسلام عود إليه. وأما من أوقفها على العود وجعل العود أن يعيد لفظ الظهار وهو قول داود فاعتبر ظاهر اللفظ ، وأما من حمل العود على العزم على الوطء فرأى أن العود إلى القول الأول عود بالتدارك لا بالتكرار ، وتدارك بعضه ببعضه ، وهل نقيضه العزم على الوطء لأن الأول امتناع منه أو العزم على الإمساك ، لأن العصمة تقتضي الحل وعدم الامتناع ، فيكفى محل خلاف. وأما من حمله على الوطء نفسه فرأى أن المراد بالقول المقول فيه ، ويحمل قوله (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) أى مرة ثانية. وقد اختلف العلماء أيضا فيما إذا قدم الوطء على الكفارة ، فالمذهب المشهور للعلماء أن ذلك لا يسقط الكفارة ولا يوجب أخرى.
وذهب مجاهد إلى إيجاب أخرى به ، وذهبت طائفة إلى إسقاط الكفارة به أصلا ورأسا ، وكأن منشأ خلافهم النظر إلى قوله (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) فرآه أكثر العلماء منعا من الوطء قبل التكفير ، حتى كأنه قال : لا تماس حتى تكفر ، ورأته الطائفة المسقطة للكفارة بالوطء شرطا في الوجوب ، فلا جرم إذا مسها ، فقد فقد الشرط الذي هو عدم التماس فسقط الوجوب. ورآه مجاهد في إيجاب الكفارة ، فإذا تماسا قبل الكفارة تعددت ، ثم فيه نظر آخر : وهو أنه ذكر عدم التماس في كفارتى العتق والصوم ، وأسقطه في كفارة الإطعام ، فتلقى أبو حنيفة بذلك الفرق بين الإطعام وبين الأخريين ، حتى أنه لو وطئ في حال الإطعام لم يجب عليه استئناف كفارة ، بخلاف
على أنفسهم بلفظ الظهار ، تنزيلا للقول منزلة المقول فيه نحو ما ذكرنا في قوله تعالى (وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ) ويكون المعنى : ثم يريدون العود للتماس. والمماسة : الاستمتاع بها من جماع ، أو لمس بشهوة ، أو نظر إلى فرجها لشهوة (١) (ذلِكُمْ) الحكم (تُوعَظُونَ بِهِ) لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية ، فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم حتى لا تعودوا إلى الظهار وتخافوا عقاب الله عليه. فإن قلت : هل يصح الظهار بغير هذا اللفظ؟ قلت : نعم إذا وضع مكان أنت عضوا منها يعبر به عن الجملة كالرأس والوجه والرقبة والفرج ، أو مكان الظهر عضوا آخر يحرم النظر إليه من الأم كالبطن والفخذ. ومكان الأمّ ذات رحم محرم منه من نسب أو رضاع أو صهر أو جماع ، نحو أن يقول : أنت علىّ كظهر أختى من الرضاع
__________________
ـ الأخريين فان الوطء في خلال كل واحدة منهما يوجب إبطالها واستئناف أخرى ، على أن أبا حنيفة سوى بين الثلاث في تحريم المساس قبل حصولها كاملة ، كذا نقل الزمخشري عنه. ولقائل أن يقول على أبى حنيفة : إذا جعلت الفائدة في ذكر عدم التماس في بعضها وإسقاطه من بعضها الفرق بين أنواعها ، فلم صرفت الفرق إلى أحد الحكمين وهو إيجاب الاستئناف بالوطء في خلال الكفارة في بعضها دون البعض دون الحكم الآخر وهو تحريم التماس قبل الشروع في الكفارة ، فما تخصيص أحد الحكمين دون الآخر إلا نوع من التحكم. وله أن يقول : اتفقنا على التسوية فيه فتعين صرفه إلى الآخر هذا منتهى النظر مع أبى حنيفة ، ورأى القائلون بأن الطعام يبطل بتخلل الوطء في أثنائه كالصيام : أن فائدة ذكره عدم المماسة ، ثم إسقاطه للتنبيه على التسوية بين التكفير قبل وبعد. وتقريره : أن ذكره مع الاثنين كذكره مع الثالث ، وإطلاق الثالث كاطلاق الاثنين ، فكأنه قال في الجميع : من قبل أن يتماسا ومن بعد. وانطوى إيراد الآية على هذا الوجه على إبطال قول من قال : إن الأمر يختلف بين ما قبل التماس وما بعده فيجب قبل ويسقط بعد ، وعلى قول من قال : يجب قبل كفارة وبعد كفارتان ، وهاهنا نظر آخر : في أنه لم ذكر عدم التماس مع نوعين منها ، وقد كان ذكره مع واحد منها مفيدا لهذه الفائدة على التقرير المذكور. والجواب عنه : أن ذكره مع العتق مقتصر على إفادة تحريم الوطء قبل العتق ، ولا يتصور في العتق الوطء في أثنائه ، إذ لا يتبعض ولا يتفرق ، فاحتيج إلى ذكره مع الصيام الواقع على التوالي ليفيد تحريم الوطء قبل الشروع قيه وبعد الشروع إلى التمام ، إذ لو لم يذكره هنا لتوهم أن الوطء إنما يحرم قبل الشروع خاصة لا بعد ، لأنها هي الحالة التي دل عليها التقييد في العتق ، فلما ذكره مع الصيام الواقع متواليا : استغنى عن ذكره مع الطعام لأنه مثله في التعدد والتوالي وإمكان الوطء في خلاله ، وهذا التقرير منزل على أن العتق لا يتجزأ ولا يتبعض ، وهذا هو المرضى. وقد نفل العيني عن ابن القاسم أن من أعتق شقصا من عبد يملك جميعه ثم أعتق بقيته عن الظهار : أن ذلك يجزيه ، وهو خلاف أصله في المدونة ، وعابه عليه أصبغ وسحنون وابنه. «تنبيه» إن قال قائل بارتفاع التحريم بالكفارة لا يخلو ، إما أن يكون مشروطا فيلزم أن لا يرتفع التحريم بالكفارة التي تقدم على الشروع فيها مساس ، وإن لم يكن مشروطا لزم ارتفاع التحريم بالكفارة التي تخللها المساس ، وكلاهما غير مقول به عندكم ، فالجواب : أن المساس مناف لصحة الكفارة واعتبارها في رفع التحريم ، فإن وقع قبل الشروع في الكفارة تعذر الحكم ببطلان الكفارة ، لأن المحل لم يوجد ، وتعذر ذلك لا يبطل الحكم ككونه منافيا : أما إن وقع في أثنائها : فالمحل المحكوم فيه بعدم الصحة قائم ، فوجب إعمال المنافى ، وهذا كالحدث مناف لصحة الصلاة ، فان وقع في أثنائها أثر في إبطالها ، والله تعالى الموفق للصواب.
(١) قوله «أو نظر إلى فرجها لشهوة» عبارة التسفى بشهوة. (ع)
أو عمتي من النسب أو امرأة ابني أو أبى أو أمّ امرأتى أو بنتها ، فهو مظاهر. وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه. وعن الحسن والنخعي والزهري والأوزاعى والثوري وغيرهم نحوه. وقال الشافعي : لا يكون الظهار إلا بالأمّ وحدها وهو قول قتادة والشعبي. وعن الشعبي : لم ينس الله أن يذكر البنات والأخوات والعمات والخالات ، إذ أخبر أن الظهار انما يكون بالأمّهات الوالدات دون المرضعات. وعن بعضهم : لا بد من ذكر الظهر حتى يكون ظهارا. فإن قلت : فإذا امتنع المظاهر من الكفارة ، هل للمرأة أن ترافعه؟ قلت : لها ذلك. وعلى القاضي أن يجبره على أن يكفر ، وأن يحبسه ، ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها ، لأنه يضرّبها في ترك التكفير والامتناع من الاستمتاع ، فيلزم إيفاء حقها. فإن قلت : فإن مسّ قبل أن يكفر؟ قلت : عليه أن يستغفر ولا يعود حتى يكفر ، لما روى أن سلمة بن صخر البياضي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ظاهرت من امرأتى ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها ، فقال عليه الصلاة والسلام : «استغفر ربك ولا تعد حتى تكفر» (١) فإن قلت : أى رقبة تجزئ في كفارة الظهار؟ قلت : المسلمة والكافرة جميعا ، لأنها في الآية مطلقة. وعند الشافعي لا تجزى إلا المؤمنة. لقوله تعالى في كفارة القتل (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) ولا تجزى أمّ الولد والمدبر والمكاتب الذي أدّى شيئا ، فإن لم يؤدّ شيئا جاز. وعند الشافعي : لا يجوز : فإن قلت : فإن أعتق بعض الرقبة أو صام بعض الصيام ثم مس؟ قلت : عليه أن يستأنف ـ نهارا مس ـ أو ليلا ـ ناسيا أو عامدا ـ عند أبى حنيفة ، وعند أبى يوسف ومحمد : عتق بعض الرقبة عتق كلها فيجزيه ، وإن كان المسّ يفسد الصوم استقبل ، وإلا بنى. فإن قلت : كم يعطى المسكين في الإطعام؟ قلت : نصف صاع من برّ أو صاعا من غيره عند أبى حنيفة ، وعند الشافعي مدّا من طعام بلده الذي يقتات فيه. فإن قلت : ما بال التماس لم يذكر عند الكفارة بالإطعام كما ذكر عند الكفارتين؟ قلت : اختلف في ذلك ، فعند أبى حنيفة : أنه لا فرق بين الكفارات الثلاث في وجوب تقديمها على المساس ، وإنما ترك ذكره عند الإطعام دلالة على أنه إذا وجد في خلال الإطعام لم يستأنف كما يستأنف الصوم إذا وقع في خلاله. وعند غيره : لم يذكر للدلالة على أن
__________________
(١) لم أره بهذا اللفظ وهو في السنن الأربعة من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس «أن رجلا ظاهر من امرأته ، ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : ما حملك على ما صنعت؟ قال : رأيت بياض ساقها في القمر. قال : فاعتزلها حتى تكفر عنك» وللترمذي «قال : رأيت خلخالها في القمر. قال : فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله» أخرجوه من رواية الفضل بن موسى عن معمر عنه موصولا ، وأبو داود والنسائي من رواية عبد الرزاق عن معمر مرسلا. قال النسائي : هذا أولى بالصواب ولأبى داود والترمذي من حديث سلمة بن صخر بن البياضي قال : كنت امرأ أستكثر من النساء. فذكر القصة مطولة ، وليس فيها «استغفر الله» إلى آخره.
التكفير قبله وبعده سواء. فإن قلت : الضمير في أن يتماسا إلام يرجع؟ قلت : إلى ما دلّ عليه الكلام من المظاهر والمظاهر منها (ذلِكَ) البيان والتعليم للأحكام والتنبيه عليها لتصدقوا (بِاللهِ وَرَسُولِهِ) في العمل بشرائعه التي شرعها من الظهار وغيره ، ورفض ما كنتم عليه في جاهليتكم (وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ) التي لا يجوز تعدّيها (وَلِلْكافِرِينَ) الذين لا يتبعونها ولا يعملون عليها (عَذابٌ أَلِيمٌ).
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)(٦)
(يُحَادُّونَ) يعادون ويشاقون (كُبِتُوا) أخزوا وأهلكوا (كَما كُبِتَ) من قبلهم من أعداء الرسل. قيل : أريد كبتهم يوم الخندق (وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ) تدل على صدق الرسول وصحة ما جاء به (وَلِلْكافِرِينَ) بهذه الآيات (عَذابٌ مُهِينٌ) يذهب بعزهم وكبرهم (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ) منصوب بلهم. أو بمهين. أو بإضمار اذكر تعظيما لليوم (جَمِيعاً) كلهم لا يترك منهم أحد غير مبعوث. أو مجتمعين في حال واحدة ، كما تقول : حى جميع (فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا) تخجيلا لهم وتوبيخا وتشهيرا بحالهم ، يتمنون عنده المسارعة بهم إلى النار ، لما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد (أَحْصاهُ اللهُ) أحاط به عددا لم يفته منه شيء (وَنَسُوهُ) لأنهم تهاونوا به حين ارتكبوه لم يبالوا به لضراوتهم بالمعاصي ، وإنما تحفظ معظمات الأمور.
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(٧)
(ما يَكُونُ) من كان التامة. وقرئ بالياء والتاء ، والياء على أنّ النجوى تأنيثها غير حقيقى ومن فاصلة. أو على أنّ المعنى ما يكون شيء من النجوى. والنجوى : التناجي ، فلا تخلو إما أن تكون مضافة إلى ثلاثة ، أى : من نجوى ثلاثة نفر. أو موصوفة بها ، أى : من أهل نجوى ثلاثة ، فحذف الأهل. أو جعلوا نجوى في أنفسهم مبالغة ، كقوله تعالى : خلصوا نجيا. وقرأ ابن أبى عيلة : ثلاثة وخمسة ، بالنصب على الحال بإضمار يتناجون ، لأن نجوى يدل عليه. أو
على تأويل نجوى بمتناجين ، ونصبها من المستكن فيه. فإن قلت : ما الداعي إلى تخصيص الثلاثة والخمسة؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما : أن قوما من المنافقين تحلقوا للتناجى مغايظة للمؤمنين على هذين العددين : ثلاثة وخمسة ، فقيل : ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة كما ترونهم يتناجون كذلك (وَلا أَدْنى مِنْ) عدديهم (وَلا أَكْثَرَ إِلَّا) والله معهم يسمع ما يقولون ، فقد روى عن ابن عباس رضى الله عنه : أنها نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو وصفوان بن أمية : كانوا يوما يتحدثون ، فقال أحدهم : أترى أن الله يعلم ما نقول؟ فقال الآخر : يعلم بعضا ولا يعلم بعضا. وقال الثالث : إن كان يعلم بعضا فهو يعلم كله ، وصدق. لأن من علم بعض الأشياء بغير سبب فقد علمها كلها لأن كونه عالما بغير سبب ثابت له مع كل معلوم ، والثاني : أنه قصد أن يذكر ما جرت عليه العادة من أعداد أهل النجوى والمتخالين للشورى والمندبون (١) لذلك ليسوا بكل أحد وإنما هم طائفة مجتباة من أولى النهى والأحلام ، ورهط من أهل الرأى والتجارب ، وأول عددهم الاثنان فصاعدا إلى خمسة إلى ستة إلى ما اقتضته الحال وحكم الاستصواب. ألا ترى إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه كيف ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع ، فذكر عز وعلا الثلاثة والخمسة وقال (وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ) فدلّ على الاثنين والأربعة وقال (وَلا أَكْثَرَ) فدلّ على ما يلي هذا العدد ويقاربه. وفي مصحف عبد الله : إلا الله رابعهم ، ولا أربعة إلا الله خامسهم ، ولا خمسة إلا الله سادسهم ، ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا الله معهم إذا انتجوا. وقرئ : ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ، بالنصب على أن لا لنفى الجنس. ويجوز أن يكون : ولا أكثر ، بالرفع معطوفا على محل (لا) مع أدنى ، كقولك : لا حول ولا قوّة إلا بالله ، بفتح الحول ورفع القوّة. ويجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء ، كقولك : لا حول ولا قوّة إلا بالله ، وأن يكون ارتفاعهما عطفا على محل (مِنْ نَجْوى) كأنه قيل : ما يكون أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. ويجوز أن يكونا مجرورين (٢) عطفا على نجوى ، كأنه قيل : ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. وقرئ : ولا أكبر ، بالباء. ومعنى كونه معهم : أنه يعلم ما يتناجون به ولا يخفى عليه ما هم فيه ، فكأنه مشاهدهم ومحاضرهم ، وقد تعالى عن المكان والمشاهدة. وقرئ : ثم ينبئهم ، على التخفيف.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ
__________________
(١) قوله «والمندبون لذلك» لعل أصله ، المنتدبون ، فأدغم. (ع)
(٢) قوله «ويجوز أن يكونا مجرورين» على قراءة (أَكْثَرَ) بفتح الراء. (ع)
وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ)(٨)
كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين ، يريدون أن يغيظوهم ، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعادوا لمثل فعلهم ، وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمعصية الرسول ومخالفته. وقرئ : ينتجون بالإثم والعدوان ، بكسر العين ، ومعصيات الرسول (حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ) يعنى أنهم يقولون في تحيتك : السام عليك يا محمد ؛ والسام : الموت ، والله تعالى يقول (وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى) و (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ) و (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ) : (لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ) كانوا يقولون : ما له إن كان نبيا لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول ، فقال الله تعالى (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ) عذابا.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)(١٠)
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) خطاب للمنافقين الذين آمنوا بألسنتهم. ويجوز أن يكون للمؤمنين ، أى : إذا تناجيتم فلا تتشبهوا بأولئك في تناجيهم بالشر (وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى) وعن النبي صلى الله عليه وسلم : «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون صاحبهما فإنّ ذلك يحزنه» (١) وروى «دون الثالث». وقرئ فلا تناجوا. وعن ابن مسعود : إذا انتجيتم فلا تنتجوا (إِنَّمَا النَّجْوى) اللام إشارة إلى النجوى بالإثم والعدوان ، بدليل قوله تعالى (لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) والمعنى : أنّ الشيطان يزينها لهم ، فكأنها منه ليغيظ الذين آمنوا ويحزنهم (وَلَيْسَ) الشيطان أو الحزن (بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ). فإن قلت : كيف لا يضرهم الشيطان أو الحزن إلا بإذن الله؟ قلت : كانوا يوهمون المؤمنين في نجواهم وتغامزهم أن غزاتهم غلبوا وأنّ أقاربهم قتلوا ، فقال : لا يضرهم الشيطان أو الحزن بذلك الموهم إلا بإذن الله ، أى : بمشيئته ، وهو أن يقضى الموت على أقاربهم أو الغلبة على الغزاة. وقرئ : ليحزن ، وليحزن.
__________________
(١) متفق عليه وهذا اللفظ لمسلم من حديث ابن مسعود. وقوله : «وروى دون الثالث» هذا اللفظ البخاري «فائدة» أخرج البزار من حديث ابن عمر نحوه ـ وزاد «إلا باذنه» قلت : فان كانوا أربعة؟ قال : لا بأس به».
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(١١)
(تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ) توسعوا فيه وليفسح بعضكم عن بعض ، من قولهم : أفسح عنى ، أى : تنح ، ولا تتضامّوا. وقرئ : تفاسحوا. والمراد : مجلس رسول الله ، وكانوا يتضامّون فيه تنافسا على القرب منه ، وحرصا على استماع كلامه. وقيل : هو المجلس من مجالس القتال ، وهي مراكز الغزاة ، كقوله تعالى (مَقاعِدَ لِلْقِتالِ) وقرئ : في المجالس. قيل : كان الرجل يأتى الصف فيقول : تفسحوا ، فيأبون لحرصهم على الشهادة. وقرئ : في المجلس ـ بفتح اللام : وهو الجلوس ، أى : توسعوا في جلوسكم ولا تتضايقوا فيه (يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ) مطلق في كل ما يبتغى الناس الفسحة فيه من المكان والرزق والصدر والقبر وغير ذلك (انْشُزُوا) انهضوا للتوسعة على المقبلين. أو انهضوا عن مجلس رسول الله إذا أمرتم بالنهوض عنه ، ولا تملوا رسول الله بالارتكاز فيه : أو انهضوا إلى الصلاة والجهاد وأعمال الخير إذا استنهضتم ، ولا تثبطوا ولا تفرطوا (يَرْفَعِ اللهُ) المؤمنين بامتثال أوامره وأوامر رسوله ، والعالمين منهم خاصة (١) (دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ) قرئ بالتاء والياء. عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه : أنه كان إذا قرأها قال يا أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر (٢) سبعين سنة (٣). وعنه عليه السلام «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» (٤) وعنه
__________________
(١) قال محمود : «فيه تعميم ثم تخصيص للعلماء ... الخ» قال أحمد : في الجزاء برفع الدرجات هاهنا مناسبة العمل لأن المأمور به تفسيح المجلس كيلا يتنافسوا في القرب من المكان الرفيع حوله عليه الصلاة والسلام فيتضايقوا ، فلما كان الممتثل لذلك يخفض نفسه عما يتنافس فيه من الرفعة امتثالا وتواضعا : جوزي على تواضعه برفع الدرجات كقوله : «من تواضع لله رفعه الله» ، ثم لما علم أن أهل العلم بحيث يستوجبون عند أنفسهم وعند الناس ارتفاع مجالسهم ، خصهم بالذكر عند الجزاء ليسهل عليهم ترك ما لهم من الرفعة في المجلس تواضعا لله تعالى.
(٢) قوله «حضر الجواد المضمر» الذي في الصحاح : أحضر الفرس إحضارا ، واحتضر : أى عدا ، واستحضرته : أعديته ، وفرس محضير : أى كثير العدو اه (ع)
(٣) أخرجه أبو يعلى وابن عدى من رواية عبد الله بن محزر عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة ، وعبد الله ابن محرز ـ بمهملات ـ : ساقط الحديث ، وذكر ابن عبد البر في العلم أن ابن عون رواه عن ابن سيرين عن أبى هريرة ، فينظر من خرجه. وفي الباب عن ابن عمرو بن العاص في الترغيب للأصبهانى.
(٤) أخرجه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبى الدرداء رضى الله عنه.
عليه السلام «يشفع يوم القيامة ثلاثة : الأنبياء ، ثم العلماء ، ثم الشهداء» (١) فأعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوّة والشهادة بشهادة رسول الله. وعن ابن عباس : خير سليمان بين العلم والمال والملك ، فاختار العلم فأعطى المال والملك معه (٢). وقال عليه السلام «أوحى الله إلى إبراهيم. يا إبراهيم ، إنى عليم أحب كل عليم» (٣) وعن بعض الحكماء : ليت شعري أى شيء أدرك من فاته العلم ، وأى شيء فات من أدرك العلم. وعن الأحنف : كاد العلماء يكونون أربابا ، وكل عز لم يوطد (٤) بعلم فإلى ذل مّا يصير. وعن الزبيري (٥) العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكورة الرجال.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)(١٣)
(بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ) استعارة ممن له يدان. والمعنى : قبل نجواكم كقول عمر : من أفضل ما أوتيت العرب الشعر ، يقدّمه الرجل أمام حاجته فيستمطر به الكريم ويستنزل به (٦) اللئيم ، يريد : قبل حاجته (ذلِكَ) التقديم (خَيْرٌ لَكُمْ) في دينكم (وَأَطْهَرُ) لأنّ الصدقة طهرة. روى أن الناس أكثروا مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يريدون حتى أملوه وأبرموه (٧) ، فأريد أن يكفوا عن ذلك ، فأمروا بأن من أراد أن يناجيه قدّم قبل مناجاته صدقة. قال على رضى الله عنه : لما نزلت دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما تقول في دينار؟
__________________
(١) أخرجه ابن ماجة وأبو يعلى وابن عدى والعقيل والبيهقي في الشعب من حديث عثمان. وفيه عنبسة بن عبد الرحمن القرشي ، وهو متروك.
(٢) ذكره صاحب الفردوس هكذا ، وذكره قبله ابن عبد البر في كتاب العلم بلا إسناد.
(٣) أخرجه ابن عبد البر في العلم قال : روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ فذكره بغير إسناد.
(٤) قوله «وكل عز لم يوطد بعلم» في الصحاح : وطدت الشيء ، أى : أثبته وثقلته. (ع)
(٥) قوله «وعن الزبيري : العلم ذكر» قوله الزبيري : هو أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير مولى لبنى أسد ، وليس من ولد الزبير بن العوام ، كذا في الهداية والإرشاد اه من هامش. (ع)
(٦) لم أجده.
(٧) قوله «حتى أملوه وأبرموه» في الصحاح : أبرمه» أى : أمله وأضجره اه. (ع)
قلت : لا يطيقونه. قال : كم؟ قلت : حبة أو شعيرة ، قال : إنك لزهيد. فلما رأوا ذلك : اشتدّ عليهم فارتدعوا وكفوا. أما الفقير فلعسرته ، وأما الغنىّ فلشحه (١). وقيل : كان ذلك عشر ليال ثم نسخ. وقيل : ما كان إلا ساعة من نهار. وعن على رضى الله عنه : إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي : كان لي دينار فصرفته ، فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم (٢). قال الكلبي : تصدق به في عشر كلمات سألهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم (٣). وعن ابن عمر : كان لعلىّ ثلاث : لو كانت لي واحدة منهنّ كانت أحب إلىّ من حمر النعم : تزويجه فاطمة ، وإعطاؤه الراية يوم خيبر ، وآية النجوى. قال ابن عباس : هي منسوخة بالآية التي بعدها ، وقيل : هي منسوخة بالزكاة (أَأَشْفَقْتُمْ) أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق الذي تكرهونه ، وأنّ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا) ما أمرتم به وشق عليكم ، و (تابَ اللهُ عَلَيْكُمْ) وعذركم ورخص لكم في أن لا تفعلوه ، فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات (بِما تَعْمَلُونَ) قرئ بالتاء والياء.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ
__________________
(١) قلت : هذا ملفق من حديثين. فمن قوله «قال على إنك لزهيد» أخرجه الترمذي وابن حبان وأبو يعلى والبزار من رواية علقمة الأنماري عن على به وأتم منه. وقال بعد قوله «إنك لزهيد : فنزلت أأشفقتم الآية» قال : فمتى خفف الله عن هذه الأمة» قال الترمذي : حسن غريب : إنما نعرفه من هذا الوجه. وقال البزار : لا يحفظ إلا عن على بهذا الاسناد. وأما أوله وآخره فأخرجه الطبري وابن مردويه من رواية على بن أبى طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قال «إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه. فأراد الله أن يخفف عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، فلما قال ذلك ضن كثير من الناس بأموالهم ، فكف كثير من الناس عن المسألة. فأنزل الله تعالى بعد هذا (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ) الآية فوسع الله عليهم.
(٢) أخرجه الحاكم من طريق عبد الرحمن بن أبى ليلى عن على به وأتم منه. وأخرجه ابن أبى شيبة من رواية ليث بن أبى سليم عن على بلفظ المصنف.
(٣) لم أجده.
عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ)(١٩)
كان المنافقون يتولون اليهود وهم الذين غضب الله عليهم في قوله تعالى (مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ) ويناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين (ما هُمْ مِنْكُمْ) يا مسلمون (وَلا مِنْهُمْ) ولا من اليهود ، كقوله تعالى (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ). (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ) أى يقولون : والله إنا لمسلمون ، فيحلفون على الكذب الذي هو ادعاء الإسلام (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أن المحلوف عليه كذب بحت. فإن قلت : فما فائدة قوله (وَهُمْ يَعْلَمُونَ)؟ قلت : الكذب : أن يكون الخبر لا على وفاق المخبر عنه ، سواء علم المخبر أو لم يعلم ، فالمعنى : أنهم الذين يخبرون وخبرهم خلاف ما يخبرون عنه ، وهم عالمون بذلك متعمدون له ، كمن يحلف بالغموس (١). وقيل : كان عبد الله بن نبتل المنافق يجالس رسول الله (٢) صلى الله عليه وسلم ، ثم يرفع حديثه إلى اليهود ، فبينا رسول الله في حجرة من حجره إذ قال لأصحابه : يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان ، فدخل ابن نبتل وكان أزرق ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : «علام تشتمني أنت وأصحابك»؟ فحلف بالله ما فعل ، فقال عليه السلام : «فعلت» فانطلق فجاء بأصحابه ، فحلفوا بالله ما سبوه ، فنزلت (عَذاباً شَدِيداً) نوعا من العذاب متفاقما (إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) يعنى أنهم كانوا في الزمان الماضي المتطاول على سوء العمل مصرين عليه. أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة. وقرئ : إيمانهم ، بالكسر ، أى : اتخذوا أيمانهم التي حلفوا بها. أو إيمانهم الذي أظهروه (جُنَّةً) أى سترة يتسترون بها من المؤمنين ومن قتلهم (فَصَدُّوا) الناس في خلال أمنهم وسلامتهم (عَنْ سَبِيلِ اللهِ) وكانوا يثبطون من لقوا عن الدخول في الإسلام ويضعفون أمر المسلمين عندهم. وإنما وعدهم الله العذاب المهين المخزى لكفرهم وصدهم ، كقوله تعالى (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ). (مِنَ اللهِ) من عذاب الله (شَيْئاً) قليلا من الإغناء. وروى أنّ رجلا منهم قال :
__________________
(١) قوله «كمن يحلف بالغموس» في الصحاح : الأمر الغموس : الشديد. واليمين الغموس : التي تغمس صاحبها في الإثم. (ع)
(٢) لم أجده هكذا. وروى أحمد والبزار والطبراني والطبري وابن أبى حاتم والحاكم من رواية سماك عن ابن جبير عن ابن عباس قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل حجرة وقد كاد الظل أن يتقاص ، فقال : إنه سيأتيكم إنسان ، فينظر إليكم بعين شيطان. فإذا جاءكم فلا تكلموه. فلم يلبث أن طلع عليهم رجل أزرق أعور فقال حين رآه : علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فقال : ذرني آتيك بهم فانطلق فدعاهم فحلفوا ما قالوا وما فعلوا. فأنزل الله تعالى الآية» لفظ الحاكم.
لننصرنّ يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا (فَيَحْلِفُونَ) لله تعالى على أنهم مسلمون في الآخرة (كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ) في الدنيا على ذلك (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ) من النفع ، يعنى : ليس العجب من حلفهم لكم ، فإنكم بشر تخفى عليكم السرائر ، وأن لهم نفعا في ذلك دفعا عن أرواحهم واستجرار فوائد دنيوية ، وأنهم يفعلونه في دار لا يضطرون فيها إلى علم ما يوعدون ، ولكن العجب من حلفهم لله عالم الغيب والشهادة مع عدم النفع والاضطرار إلى علم ما أنذرتهم الرسل ، والمراد : وصفهم بالتوغل في نفاقهم ومرونهم عليه ، وأن ذلك بعد موتهم وبعثهم باق فيهم لا يضمحل ، كما قال (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ) وقد اختلف العلماء في كذبهم في الآخرة ، والقرآن ناطق بثباته نطقا مكشوفا. كما ترى في هذه الآية وفي قوله تعالى (وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) ونحو حسبانهم أنهم على شيء من النفع إذا حلفوا استنظارهم المؤمنين ليقتبسوا من نورهم ، لحسبان أن الإيمان الظاهر مما ينفعهم. وقيل عند ذلك : يختم على أفواههم (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ) يعنى أنهم الغاية التي لا مطمح وراءها في قول الكذب ، حيث استوت حالهم فيه في الدنيا والآخرة (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ) استولى عليهم. من حاذ الحمار العانة (١) إذا جمعها وساقها غالبا لها. ومنه : كان أحوذيا نسيج وحده ، وهو أحد ما جاء على الأصل ، نحو : استصوب واستنوق ، أى : ملكهم (الشَّيْطانُ) لطاعتهم له في كل ما يريده منهم ، حتى جعلهم رعيته وحزبه (فَأَنْساهُمْ) أن يذكروا الله أصلا لا بقلوبهم ولا بألسنتهم. قال أبو عبيدة : حزب الشيطان جنده.
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ)(٢٠)
(فِي الْأَذَلِّينَ) في جملة من هو أذل خلق الله لا ترى أحدا أذل منهم.
(كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)(٢١)
(كَتَبَ اللهُ) في اللوح (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) بالحجة والسيف. أو بأحدهما.
(لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
__________________
(١) قوله «العانة» هي القطيع من حمر الوحش ، كما في الصحاح. (ع)
خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(٢٢)
(لا تَجِدُ قَوْماً) من باب التخييل. خيل أن من الممتنع المحال : أن تجد قوما مؤمنين يوالون المشركين ، والغرض به أنه لا ينبغي أن يكون ذلك ، وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال ، مبالغة في النهى عنه والزجر عن ملابسته ، والتوصية بالتصلب في مجانية أعداء الله ومباعدتهم والاحتراس من مخالطتهم ومعاشرتهم ، وزاد ذلك تأكيدا وتشديدا بقوله (وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ) وبقوله (أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ) وبمقابلة قوله (أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ) بقوله (أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ) فلا تجد شيئا أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه ، بل هو الإخلاص بعينه (كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ) أثبته فيها بما وفقهم فيه وشرح له صدورهم (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) بلطف من عنده حييت به قلوبهم. ويجوز أن يكون الضمير للإيمان ، أى : بروح من الإيمان ، على أنه في نفسه روح لحياة القلوب به. وعن الثوري أنه قال : كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان. وعن عبد العزيز بن أبى رواد : أنه لقيه المنصور في الطواف فلما عرفه هرب منه وتلاها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان يقول : اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة ، (١) فإنى وجدت فيما أوحيت إلىّ : لا تجد قوما. وروى أنها نزلت في أبى بكر رضى الله عنه ، وذلك أنّ أبا قحافة سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصكه صكة سقط منها ، فقال له رسول الله «أو فعلته»؟ قال : نعم ، قال : «لا تعد» قال : والله لو كان السيف قريبا منى لقتلته (٢). وقيل في أبى عبيدة بن الجراح : قتل أباه عبد الله الجراح يوم أحد ، وفي أبى بكر : دعا ابنه يوم بدر إلى البراز ، وقال لرسول الله : دعني أكرّ في الرعلة (٣) الأولى ، قال : متعنا بنفسك يا أبا بكر ، أما تعلم أنك عندي بمنزلة سمعي وبصرى (٤). وفي مصعب بن عمير : قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد. وفي عمر : قتل خاله العاص بن هشام يوم بدر. وفي على وحمزة وعبيدة بن الحرث : قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله يوم القيامة» (٥)
__________________
(١) ذكره صاحب الفردوس من حديث معاذ. وأورده ابن مردويه من رواية جعفر الأحمر عن كثير بن عطية عن رجل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يذكر ولا لفاسق.
(٢) نقله الثعلبي عن ابن جريج قال «حدثت أن أبا قحافة ... فذكره.
(٣) قوله «دعني أكر في الرعلة» هي القطعة من الخيل ، كما في الصحاح. (ع)
(٤) هو في تفسير مقاتل بن حيان عن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وذكره الثعلبي عن تفسير مقاتل.
(٥) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب رضى الله عنه.
سورة الحشر
مدنية ، وهي أربع وعشرون آية [نزلت بعد البينة]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ)(٢)
صالح بنو النضير رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له ، فلما ظهر يوم بدر قالوا : هو النبي الذي نعته في التوراة لا ترد له راية ، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا ، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة فحالفوا عليه قريشا عند الكعبة فأمر عليه السلام محمد بن مسلمة الأنصارى فقتل كعبا غيلة وكان أخاه من الرضاعة ، ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف فقال لهم : اخرجوا من المدينة ، فقالوا : الموت أحب إلينا من ذاك ، فتنادوا بالحرب (١). وقيل : استمهلوا رسول الله عشرة أيام ليتجهزوا للخروج ، فدس عبد الله بن أبى المنافق وأصحابه إليهم : لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ، ولئن خرجتم لنخرجنّ معكم ، فدربوا على الأزقة (٢) وحصنوها فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة ، فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصر المنافقين : طلبوا الصلح ، فأبى عليهم إلا الجلاء ، على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاءوا من متاعهم فجلوا إلى الشام إلى أريحا وأذرعات ، إلا أهل بيتين منهم : آل
__________________
(١) لم أجد له إسنادا ، بل ذكره الثعلبي هكذا بغير سند.
(٢) قوله «فدربوا على الأزقة «أى ضيقوا أفواهها بالخشب والحجارة كما يؤخذ مما سيأتى في تخريبهم بيوتهم بأيديهم. وفي الصحاح «الدرب» : المضيق في الجبل. (ع)
أبى الحقيق وآل حيي بن أخطب ، فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة. اللام في (لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) تتعلق بأخرج ، وهي اللام في قوله تعالى (يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي) (١) وقولك : جئته لوقت كذا. والمعنى : أخرج الذين كفروا عند أوّل الحشر. ومعنى أوّل الحشر : أن هذا أوّل حشرهم إلى الشأم ، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط ، وهم أوّل من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام. أو هذا أوّل حشرهم ، وآخر حشرهم : إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام. وقيل : آخر حشرهم حشر يوم القيامة ، لأنّ المحشر يكون بالشام. وعن عكرمة : من شك أنّ المحشر هاهنا ـ يعنى الشام ـ فليقرأ هذه الآية. وقيل : معناه أخرجهم من ديارهم لأوّل ما حشر لقتالهم ؛ لأنه أوّل قتال قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا) لشدة بأسهم ومنعتهم ، ووثاقة حصونهم ، وكثرة عددهم وعدتهم ، وظنوا أنّ حصونهم تمنعهم من بأس الله (فَأَتاهُمُ) أمر الله (مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) من حيث لم يظنوا ولم يخطر ببالهم : وهو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف غرّة على يد أخيه ، وذلك مما أضعف قوتهم وفل من شوكتهم ، وسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة بما قذف فيها من الرعب ، وألهمهم أن يوافقوا المؤمنين في تخريب بيوتهم ويعينوا على أنفسهم ، وثبط المنافقين الذين كانوا يتولونهم عن مظاهرتهم. وهذا كله لم يكن في حسبانهم. ومنه أتاهم الهلاك. فإن قلت : أى فرق بين قولك : وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو ما نعتهم ، وبين النظم الذي جاء عليه؟ قلت : في تقديم الخبر على المبتدإ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم ، وفي تصيير ضميرهم اسما لأن وإسناد الجملة إليه : دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالى معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم (٢) ، وليس ذلك في قولك : وظنوا أنّ حصونهم تمنعهم. وقرئ : فمآتاهم الله ، أى : فمآتاهم الهلاك. والرعب : الخوف الذي يرعب الصدر ، أى يملؤه ، وقذفه : إثباته وركزه. ومنه قالوا في صفة الأسد : مقذف ، كأنما قذف باللحم قذفا لا كتنازه وتداخل أجزائه. وقرئ : يخرّبون ويخربون ، مثقلا ومخففا. والتخريب والإخراب : الإفساد بالنقض والهدم. والخرية : الفساد ، كانوا يخربون بواطنها والمسلمون ظواهرها : لما أراد الله من استئصال شأفتهم (٣) وأن لا يبقى لهم بالمدينة دار ولا منهم ديار ، والذي دعاهم إلى التخريب : حاجتهم إلى الخشب والحجارة
__________________
(١) قال محمود : «اللام في قوله (لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) كاللام في قوله (قَدَّمْتُ لِحَياتِي) قال أحمد : كأنه يريد أنها اللام التي تصحب التاريخ ، كقوله : كتبت لعام كذا ولشهر كذا.
(٢) قوله «أو يطمع في معازتهم» أى مغالبتهم ، كما في الصحاح. (ع)
(٣) قوله «من استئصال شأفتهم» في الصحاح «الشأفة» : قرحة تخرج من أسفل القدم فتكوى فتذهب ، يقال في المثل : استأصل الله شأفته ، أى : أذهبه الله كما أذهب تلك القرحة بالكي اه. (ع)
ليسدّوا بها أفواه الأزقة. وأن لا يتحسروا بعد جلائهم على بقائها مساكن للمسلمين ، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جسد الخشب والساج المليح. وأما المؤمنون فداعيهم إزالة متحصنهم ومتمنعهم ، وأن يتسع لهم مجال الحرب. فإن قلت : ما معنى تخريبهم لها بأيدى المؤمنين؟ قلت : لما عرضوهم لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوهم إياه (فَاعْتَبِرُوا) بما دبر الله ويسر من أمر إخراجهم وتسليط المسلمين عليهم من غير قتال. وقيل : وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يورثهم الله أرضهم وأموالهم بغير قتال ، فكان كما قال.
(وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) (٤)
يعنى : أنّ الله قد عزم على تطهير أرض المدينة منهم وإراحة المسلمين من جوارهم وتوريثهم أموالهم ، فلو لا أنه كتب عليهم الجلاء واقتضته حكمته ودعاه إلى اختياره أنه أشق عليهم من الموت (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا) بالقتل كما فعل بإخوانهم بنى قريظة (وَلَهُمْ) سواء أجلوا أو قتلوا (عَذابُ النَّارِ) يعنى : إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة.
(ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ)(٥)
(مِنْ لِينَةٍ) بيان لما قطعتم. ومحل (ما) نصب بقطعتم ، كأنه قال : أى شيء قطعتم ، وأنث الضمير الراجع إلى ما في قوله (أَوْ تَرَكْتُمُوها) لأنه في معنى اللينة. واللينة : النخلة من الألوان ، ضروب النخل ما خلا العجوة (١) والبرنية ، وهما أجود النخيل ، وياؤها عن واو ، قلبت لكسرة ما قبلها ، كالديمة. وقيل : «اللينة» النخلة الكريمة ، كأنهم اشتقوها من اللين. قال ذو الرمّة :
__________________
(١) ذكر الزمخشري فيه تفسيرين أحدهما أنه النخل ما عدا العجوة والبرني وهما خير النخل ... الخ. قال أحمد : والظاهر أن الاذن عام في القطع والترك ، لأنه جواب الشرط المضمر لهما جميعا ويكون التعليل باجزاء الفاسقين لهما جيعا ، وأن القطع يحسرهم على ذهابها والترك يحسرهم على بقائها للمسلمين ينتفعون بها ، فهم في حسرتين من الأمرين جميعا.
|
كأنّ قتودى فوقها عشّ طائر |
|
على لينة سوقاء تهفو جنوبها (١) |
وجمعها لين. وقرئ : قوّما ، على أصلها. وفيه وجهان : أنه جمع أصل كرهن ورهن. أو اكتفى فيه بالضمة عن الواو. وقرئ : قائما على أصوله ذهابا إلى لفظ ما (فَبِإِذْنِ اللهِ) فقطعها بإذن الله وأمره (وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ) ولبذل اليهود ويغيظهم إذن في قطعها ، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمر أن تقطع نخلهم وتحرق قالوا : يا محمد ، قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض ، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ فكان في نفس المؤمنين من ذلك شيء (٢). فنزلت ، يعنى : أنّ الله أذن لهم في قطعها ليزيدكم غيظا ويضاعف لكم حسرة إذا رأيتموهم يتحكمون في أموالكم كيف أحبوا ويتصرفون فيها ما شاءوا. واتفق العلماء أنّ حصون الكفرة وديارهم لا بأس بأن تهدم وتحرق وتغرق وترمى بالمجانيق ، وكذلك أشجارهم لا بأس بقلعها مثمرة كانت أو غير مثمرة. وعن ابن مسعود : قطعوا منها ما كان موضعا للقتال. فإن قلت : لم خصت اللينة بالقطع؟ قلت : إن كانت من الألوان فليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية ، وإن كانت من كرام النخل فليكون غيظ اليهود أشد وأشق. وروى أن رجلين كانا يقطعان : أحدهما العجوة ، والآخر اللون ، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا : تركتها لرسول الله ، وقال هذا : قطعتها غيظا للكفار (٣). وقد استدل به على جواز الاجتهاد ، وعلى جوازه بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، لأنهما بالاجتهاد فعلا ذلك ،
__________________
(١) لذي الرمة يصف ناقته : والقتود عبدان الرحل بلا أذاته. تتخذ من القتاد وهو شجر صلب ذو شوك. واللينة : النخلة. والسوقاء : طويلة الساق. وهفا الريح والبصير يهفو : عدا بسرعة والجنوب : نوع من الريح ، والضمير للينة : شبه عيدان الرجل فوق الناقة بعش الطائر فوق النخلة ، ويلزم من ذلك تشبيه الناقة بالنخلة في الطول والنجابة. وهو المقصود ، فلو قيل : إن استعمال التشبيه الأول في الثاني من باب المجاز ، أو إرادة الثاني من الأول من باب الكناية لم يكن بعيدا. وفي ذلك إشارة لتشبيه بالطائر في الحذر والتيقظ. وفي قوله «تهفو جنوبها» دلالة على سرعة سير الناقة ، واختراقها للرياح كسرعة سير الريح على النخلة ، فهي مخترقة له ، كأنها سائرة فيه بسرعة.
(٢) أخرجه ابن إسحاق في المغازي والطبري من طريقه : حدثنا يزيد بن رومان فذكره. وذكره ابن هشام عن ابن إسحاق من غير ذكر شيخه : ورواه ابن مردويه من طريق ابن إسحاق عن الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس. وذكر الواقدي في المغازي «أن الذي أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو حيي بن أخطب» وروى أبو داود في المراسيل من طريق عبد الله بن أبى بكر بن عمرو بن حزم نحوه مختصرا.
(٣) لم أجده بهذا السياق لكن للبخاري في الواقدي ، واستعمل على قطع النخل وحرقها رجلين من أصحابه : أبا ليلى المازني وعبد الله بن سلام فكان أبو ليلى يقطع العجوة وكان الآخر يقطع اللون. فقيل لهما في ذلك. فقال أبو ليلى : كانت العجوة أحرق لهم وقال ابن سلام : قد عرف أن الله سيغنمهم أموالهم ، وكانت العجوة خير أموالهم فأنزل الله الآية. وروى البيهقي في الدلائل من طريق ابن أبى نجيح عن مجاهد قال «نهى بعض المهاجرين بعضا عن قطع النخل وقالوا : إنما هو من مغانم المسلمين. وقال الذين قطعوا : بل هو غيظ للعدو. فنزل القرآن.
واحتج به من يقول : كل مجتهد مصيب.
(وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)(٧)
(أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ) جعله له فيئا خاصة. والإيجاف من الوجيف. وهو السير السريع. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في الإفاضة من عرفات «ليس البرّ بإيجاف الخيل ولا إيضاع الإبل (١) على هينتكم» (٢) ومعنى (فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ) فما أو أوجفتم على تحصيله وتغنمه خيلا ولا ركابا ، ولا تعبتم في القتال عليه ، وإنما مشيتم إليه على أرجلكم. والمعنى : أنّ ما خوّل الله رسوله من أموال بنى النضير شيء لم تحصلوه بالقتال والغلبة ، ولكن سلطه الله عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم ، فالأمر فيه مفوّض إليه يضعه حيث يشاء ، يعنى : أنه لا يقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهرا ، وذلك أنهم طلبوا القسمة فنزلت. لم يدخل العاطف على هذه الجملة : لأنها بيان للأولى ، فهي منها غير أجنبية عنها. بين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصنع بما أفاء الله عليه ، وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم مقسوما على الأقسام الخمسة. والدولة والدولة ـ بالفتح والضم ـ وقد قرئ بهما ما يدول للإنسان ، أى يدور من الجد. يقال : دالت له الدولة. وأديل لفلان. ومعنى قوله تعالى : (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ) كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون بها جدا بين الأغنياء يتكاثرون به. أو كيلا يكون دولة جاهلية بينهم. ومعنى الدولة الجاهلية : أن الرؤساء منهم كانوا يستأخرون بالغنيمة لأنهم أهل الرياسة والدولة والغلبة ، وكانوا يقولون من عزّ بزّ. والمعنى : كيلا يكون أخذه غلبة وأثرة جاهلية. ومنه قول الحس : اتخذوا عباد الله
__________________
(١) قوله «ولا إيضاع الإبل» في الصحاح : وضع البعير وغيره. أى : أسرع في سيره وأوضعه راكبه اه أى : جعله مسرعا في سيره. (ع)
(٢) أخرجه أبو داود وأحمد وإسحاق والبزار والحاكم من رواية مقسم عن ابن عباس نحوه والبخاري من وجه آخر عن ابن عباس بعضه.
خولا ، ومال الله دولا ، يريد : من غلب منهم أخذه واستأثر به. وقيل : «الدولة» ما يتداول ، كالغرفة : اسم ما يغترف ، يعنى : كيلا يكون الفيء شيئا يتداوله الأغنياء بينهم ويتعاورونه ، فلا يصيب الفقراء. والدولة ـ بالفتح ـ : بمعنى التداول ، أى : كيلا يكون ذا تداول بينهم. أو كيلا يكون إمساكه تداولا بينهم لا يخرجونه إلى الفقراء. وقرئ دولة بالرفع على «كان» التامة كقوله تعالى : وإن كان ذو عسرة ، يعنى كيلا يقع دولة جاهلية ولينقطع أثرها أو كيلا يكون تداول له بينهم. أو كيلا يكون شيء متعاور بينهم غير مخرج إلى الفقراء (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ) من قسمة غنيمة أو فيء (فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ) عن أخذه منها (فَانْتَهُوا) عنه ولا تتبعه أنفسكم (وَاتَّقُوا اللهَ) أن تخالفوه وتتهاونوا بأوامره ونواهيه (إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) لمن خالف رسوله ، والأجود أن يكون عاما في كل ما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه ، وأمر الفيء داخل في عمومه. وعن ابن مسعود رضى الله عنه : أنه لقى رجلا محرما وعليه ثيابه فقال له : انزع عنك هذا (١) فقال الرجل : اقرأ علىّ في هذا آية من كتاب الله. قال : نعم ، فقرأها عليه.
(لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)(٨)
(لِلْفُقَراءِ) بدل من قوله (لِذِي الْقُرْبى) والمعطوف عليه (٢) والذي منع الإبدال من : لله
__________________
(١) أخرجه ابن أبى شيبة حدثنا معاوية بن هشام حدثنا الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن ابن يزيد عن ابن مسعود به ، وأخرجه ابن عبد البر في العلم من طريق يحيى بن آدم عن عطية وأبى بكر بن عباس عن ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن زيد قال «لقى عبد الله بن مسعود» فذكره.
(٢) قال محمود : «هو بدل من قوله لذي القربى وما بعده والذي منع الابدال من لله وللرسول ... الخ» قال أحمد : مذهب أبى حنيفة أن استحقاق ذوى القربى أسهمهم من الفيء موقوف على الفقراء حتى لا يستحقه أغنياؤهم ، وقد أغلظ الشافعي رضى الله عنه فيما نقله عنه إمام الحرمين الرد على هذا المذهب بأن الله تعالى علق الاستحقاق بالقرابة ولم يشترط الحاجة ، وعدم اعتبار القرابة مضادة ومحادة ، واعتذر إمام الحرمين لأبى حنيفة بأن الصدقات لما حرمت عليهم كان فائدة ذكرهم في خمس الفيء والغنيمة أنه لا يمنع صرف ذلك إليهم امتناع صرف الصدقات ، ثم أتبع هذا العذر بأن قال : لا ينبغي أن يعبر به ، فان صيغة الآية ناصة على تعين الاستحقاق لهم تشريفا لهم وتنبيها على عظم أقدارهم ، فمن حمل ذلك على جواز الصرف إليهم مع معارضة هذا الجواز بجواز حرمانهم فقد عطل فحوى الآية ، ثم استعظم الامام وقع ذلك عليهم لأنهم يذهبون إلى اشتراط الايمان في رقبة الظهار زيادة على النص ، فيأتون في إثبات ذلك بالقياس لأنه يستنتج ، وليس من شأنه الثبوت بالقياس. قال : فكذلك يلزمهم أن يعتقدوا أن اشتراط الفقر في القرابة واشتراط الحاجة لقرب ما ذكروه بغرض القرب ، فأما وإن أصلهم المخصوصون من نسب الرسول عليه الصلاة والسلام والثابتون من شجرته كالعجمة ، فلا يبقى مع هذا لمذهبهم وجه انتهى كلام الامام وإنما أوردته ليعلم أن معارضته لأبى حنيفة على أن اشتراط الحاجة عند أبى حنيفة مستند إلى قياس أو نحوه من الأسباب الخارجة من الآية. فلذلك ألزمه أن يكون زيادة على النص ، فأما وقد تلقى أبو حنيفة اعتبار
وللرسول والمعطوف عليهما ، وإن كان المعنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عزّ وجل أخرج رسوله من الفقراء في قوله (وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) وأنه يترفع برسول الله عن التسمية بالفقير ، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله عزّ وجل (أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) في إيمانهم وجهادهم.
(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٩)
(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا) معطوف على المهاجرين ، وهم الأنصار. فإن قلت : ما معنى عطف الإيمان على الدار ، ولا يقال : تبوّؤا الإيمان؟ قلت : معناه تبوّؤا الدار وأخلصوا الإيمان ، كقوله :
علفتها تينا وماء باردا
أو : وجعلوا الإيمان مستقرا ومتوطنا لهم لتمكنهم منه واستقامتهم عليه ، كما جعلوا المدينة كذلك. أو : أراد دار الهجرة ودار الإيمان ، فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه ، وحذف المضاف من دار الإيمان ووضع المضاف إليه مقامه. أو سمى المدينة لأنها دار الهجرة
__________________
الحاجة من تقييد هذا البدل المذكور في الآية ، فإنما يسلك معه في واد غير هذا فيقول هو بدل من المساكين لا غيره. وتقريره أنه سبحانه أراد أن يصف المساكين بصفات تؤكد استحقاقهم ويحمل الأغنياء على إيثارهم وأن لا يجدوا في صدورهم حاجة مما أوتوا ، فلما قصد ذلك وقد فصل بين ذكرهم وبين ما يقصد من ذكر صفاتهم بقوله (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ) إلى قوله (شَدِيدُ الْعِقابِ) طرى ذكرهم ليكون توطئة للصفات المتتالية بعده ، فذكر بصفة أخرى مناسبة الصفة الأولى مبدلة منها وهي الفقر ، لتشهد التطرية على فائدة الجمع لهم بين صفتي المسكنة والفقر ثم تليت صفاتهم على أثر ذلك وهي إخراجهم من ديارهم وأموالهم مهاجرين ، وابتغاؤهم الفضل والرضوان من الله ، ونصرهم لله ورسوله ، وصدقهم في نياتهم ، إلى آخر ذلك ، فهذا هو الذي يرشد إليه السباق مؤيدا بالأصل فان ذوى القربى ذكروا بصفة الإطلاق : فالأصل بقاؤهم على ذلك حتى يتحقق أنهم مرادون بالتقييد. وما ذكرناه من صرف ذلك إلى المساكين يكفى في إقامة وزن الكلام ، فيبقى ذوو القربى على أصل الإطلاق ، وتلك قاعدة لا يسع الحنفية مدافعتها ، فإنهم يرون الاستثناء المتعقب للجمل يختص بالجملة الأخيرة ، لأن عوده إليها يقيم وزن الكلام وينقى ما تقدمهن على الأصل ، ولا فرق بين التعقيب بالاستثناء والبدل وكل ما سوى هذا ، مع أنه لو جعل بدلا من ذوى القربى مع ما بعده : لم يكن إبداله من ذوى القربى إلا بدل بعض من كل ، فان ذوى القربى منقسمون إلى فقراء وأغنياء ولم يكن إبداله من المساكين إلا بدلا للشيء من الشيء ، وهما لعين واحدة ، فيلزم أن يكون هذا البدل محسوسا بالنوعين المذكورين في حالة واحدة ، وذلك متعذر لما بين النوعين من الاختلاف وللتباين ، وكل منهما يتقاضى ما يأباه الآخر ، فهذا القدر كاف إن شاء الله تعالى ، وعليه أعرب الزجاج الآية فجعله بدلا من المساكين خاصة ، والله تعالى الموفق للصواب.
ومكان ظهور الإيمان بالإيمان (مِنْ قَبْلِهِمْ) من قبل المهاجرين ، لأنهم سبقوهم في تبوّئ دار الهجرة والإيمان. وقيل : من قبل هجرتهم (وَلا يَجِدُونَ) ولا يعلمون في أنفسهم (حاجَةً مِمَّا أُوتُوا) أى طلب محتاج إليه مما أوتى المهاجرون من الفيء وغيره ، والمحتاج إليه يسمى حاجة ، يقال : خذ منه حاجتك ، وأعطاه من ماله حاجته ، يعنى : أنّ نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطمح إلى شيء منه يحتاج إليه (وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ) أى خلة ، وأصلها : خصاص البيت ، وهي فروجه ، والجملة في موضع الحال ، أى : مفروضة خصاصتهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بنى النضير على المهاجرين ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة نفر محتاجين : أبا دجانة سماك بن خرشة ، وسهل بن حنيف ، والحرث بن الصمة (١). وقال لهم : إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة ، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة ، فقالت الأنصار : بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها ، فنزلت. الشح ـ بالضم والكسر ، وقد قرئ بهما ـ : اللؤم ، وأن تكون نفس الرجل كزة حريصة على المنع ، كما قال :
|
يمارس نفسا بين جنبيه كزّة |
|
إذا همّ بالمعروف قالت له مهلا (٢) |
وقد أضيف إلى النفس ، لأنه غريزة فيها. وأما البخل فهو المنع نفسه. ومنه قوله تعالى (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَ). (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) ومن غلب ما أمرته به منه وخالف هواها بمعونة الله وتوفيقه (فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الظافرون بما أرادوا. وقرئ : ومن يوقّ
(وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ)(١٠)
__________________
(١) ذكره الثعلبي هكذا بغير سند. وروى الواقدي عن معمر عن الزهري عن خارجة بن زيد عن أم العلاء قالت «لما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى النضير قال لثابت بن قيس بن شماس : ادع لي الأنصار كلهم. فقال : إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين. وإن أحببتم أعطينهم وخرجوا من دوركم ، فقال السعدان : بل نقسمه المهاجرين ويكونون في دورنا. فرضيت الأنصار. فأعطى المهاجرين ولم يعط الأنصار ، إلا رجلين محتاجين سهل ابن حنيف وأبا دجانة ونقل سيف بن أبى الحقيق سعد بن معاذ. وكان له ذكر عندهم. وعند أبى داود من رواية عبد الرزاق عن معمر طرف منه وأبهم اسم الأنصاريين. وعند ابن إسحاق في المغازي : حدثني عبد الله بن أبى بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بنى النضير على المهاجرين الأولين دون الأنصار ، إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة ذكرا فقرا فأعطاهما».
(٢) يصف رجلا بالبخل ، وأنه يعالج نفسه التي بين جنبيه ، كزة ـ بالفتح ـ : شحيحة منقبضة عن فعل الخير إذا غلبها ، وأراد المعروف دعته ثانيا إلى البخل وحجبته عن البذل ، فكأنها قالت له : أمهل فيطاوعها. ومهلا : مصدر حذف فعله وجوبا. وقولها : ذلك ، استعارة تصريحية لوسوستها بالبخل.
(وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ) عطف أيضا على المهاجرين : وهم الذين هاجروا من بعد. وقيل : التابعون بإحسان (غِلًّا) وقرئ : غمرا ، وهما الحقد.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ)(١٢)
(لِإِخْوانِهِمُ) الذين بينهم وبينهم أخوة الكفر ، ولأنهم كانوا يوالونهم ويواخونهم ، وكانوا معهم على المؤمنين في السر (وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ) في قتالكم أحدا من رسول الله والمسلمين إن حملنا عليه. أو في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة (لَكاذِبُونَ) أى في مواعيدهم لليهود. وفيه دليل على صحة النبوّة : لأنه إخبار بالغيوب. فإن قلت : كيف قيل (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ) بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم؟ قلت : معناه : ولئن نصروهم على الفرض والتقدير ، كقوله تعالى (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) وكما يعلم ما يكون ، فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون. والمعنى : ولئن نصر المنافقون اليهود لينهزمن المنافقون ثم لا ينصرون بعد ذلك ، أى : يهلكهم الله تعالى ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم. أو لينهزمن اليهود ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين.
(لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ)(١٧)
(رَهْبَةً) مصدر رهب المبنى للمفعول ، كأنه قيل : أشد مرهوبية. وقوله (فِي صُدُورِهِمْ) دلالة على نفاقهم ، يعنى أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله وأنتم أهيب في صدورهم من الله. فإن قلت : كأنهم كانوا يرهبون من الله حتى تكون رهبتهم منهم أشدّ. قلت : معناه أن رهبتهم في السر منكم أشدّ من رهبتهم من الله التي يظهرونها لكم ـ وكانوا يظهرون لهم رهبة شديدة من الله ـ ويجوز أن يريد أنّ اليهود يخافونكم في صدورهم أشدّ من خوفهم من الله ، لأنهم كانوا قوما أولى بأس ونجدة ، فكانوا يتشجعون لهم مع إضمار الخيفة في صدورهم (لا يَفْقَهُونَ) لا يعلمون الله وعظمته حتى يخشوه حق خشيته (لا يُقاتِلُونَكُمْ) لا يقدرون على مقاتلتكم (جَمِيعاً) مجتمعين متساندين ، يعنى اليهود والمنافقين (إِلَّا) كائنين (فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ) بالخنادق والدروب (أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ) دون أن يصحروا لكم (١) ويبارزوكم ، لقذف الله الرعب في قلوبهم ، وأن تأييد الله تعالى ونصره معكم. وقرئ : جدر ، بالتخفيف. وجدار. وجدر وجدر ، وهما : الجدار (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ) يعنى أنّ البأس الشديد الذي يوصفون به إنما هو بينهم إذا اقتتلوا ، ولو قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدّة ، لأنّ الشجاع يجبن والعزيز يذل عند محاربة الله ورسوله (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً) مجتمعين ذوى ألفة واتحاد (وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) متفرقة لا ألفة بينها ، يعنى. أنّ بينهم إحنا وعداوات ، فلا يتعاضدون حق التعاضد ، ولا يرمون عن قوس واحدة. وهذا تجسير للمؤمنين وتشجيع لقلوبهم على قتالهم (قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) أن تشتت القلوب مما يوهن قواهم ويعين على أرواحهم (٢) (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أى مثلهم كمثل أهل بدر في زمان قريب. فإن قلت : بم انتصب (قَرِيباً)؟ قلت : بمثل ، على : كوجود مثل أهل بدر قريبا (ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ) سوء عاقبة كفرهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. من قولهم كلأ وبيل : وخيم سيئ العاقبة ، يعنى ذاقوا عذاب القتل في الدنيا (وَلَهُمْ) في الآخرة عذاب النار. مثل المنافقين في إغرائهم اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر ، ثم متاركتهم لهم وإخلافهم (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ) إذا استغوى الإنسان (٣) بكيده ثم تبرأ منه في العاقبة ، والمراد استغواؤه قريشا يوم بدر ، وقوله لهم : لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم ، إلى قوله : إنى بريء منكم. وقرأ ابن مسعود : خالدان فيها ، على أنه خبر أنّ ، و (فِي النَّارِ) لغو ، وعلى القراءة المشهورة : الظرف مستقر ، وخالدين فيها : حال. وقرئ : أنا بريء. وعاقبتهما بالرفع.
__________________
(١) قوله «دون أن يصحروا لكم» في الصحاح «أصحر الرجل» : خرج إلى الصحراء اه. (ع)
(٢) قوله «ويعين على أرواحهم» كذا عبارة النسفي أيضا. (ع)
(٣) قوله «إذا استغوى الإنسان» لعله : إذ ، كعبارة النسفي. (ع)
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ)(١٩)
كرر الأمر بالتقوى تأكيدا : واتقوا الله في أداء الواجبات ؛ لأنه قرن بما هو عمل ، واتقوا الله في ترك المعاصي لأنه قرن بما يجرى مجرى الوعيد. والغد : يوم القيامة ، سماه باليوم الذي يلي يومك تقريبا له (١) وعن الحسن : لم يزل يقربه حتى جعله كالغد. ونحوه قوله تعالى (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) يريد : تقريب الزمان الماضي. وقيل : عبر عن الآخرة بالغد كأن الدنيا والآخرة نهاران : يوم وغد. فإن قلت : ما معنى تنكير النفس والغد؟ قلت : أما تنكير النفس فاستقلالا للأنفس النواظر فيما قمن للآخرة ، كأنه قال فلتنظر نفس واحدة في ذلك.
وأما تنكير الغد فلتعظيمه وإبهام أمره ، كأنه قيل : لغد لا يعرف كنهه لعظمه. وعن مالك بن دينار : مكتوب على باب الجنة : وجدنا ما عملنا ، ربحنا ما قدّمنا. خسرنا ما خلفنا (نَسُوا اللهَ) نسوا حقه ، فجعلهم ناسين حق أنفسهم بالخذلان (٢) ، حتى لم يسعوا لها بما ينفعهم عنده. أو فأراهم يوم القيامة من الأهوال ما نسوا فيه أنفسهم ، كقوله تعالى (لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ).
(لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ)(٢٠)
هذا تنبيه للناس وإيذان لهم بأنهم لفرط غفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة وتهالكهم على إيثار العاجلة واتباع الشهوات : كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار والبون العظيم بين أصحابهما ، وأن الفوز مع أصحاب الجنة ، فمن حقهم أن يعلموا ذلك وينبهوا عليه ، كما تقول لمن يعق أباه : هو أبوك ، تجعله بمنزلة من لا يعرفه ، فتنبهه بذلك على حق الأبوّة الذي يقتضى البر والتعطف.
__________________
(١) قال محمود : «سمى يوم القيامة غدا تقريبا له ... الخ» قال أحمد : وقد قيل في قوله تعالى (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) كقوله (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً) حتى قيل : إنه من عكس الكلام الذي يقصد به الافراط فيما يعكس عنه ، كقوله (رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) فمعنى رب هاهنا هو معنى كم ، وأبلغ منه قول القائل :
قد أترك القرن مصفرا أنامله
إلا أن الزمخشري فر من هذا المعنى ، لأن الواقع قلة النفوس الناظرة في أمر المعاد ، فنزله على معنى يطابق الواقع ، ويمكن أن يلاحظ الأمر فيسوغ حمله على التكثير النفوس المأمورات بالنظر في المعاد ، وأنه ما من نفس إلا ومن حقها أن تمتثل هذا الأمر ، وهو نظر حسن ، فان الفعل المسند إلى النفس هاهنا ليس وقوع النظر حتى يستقل ، وإنما هو طلب النظر وهو عام التعلق بكل نفس. والانصاف : أن ما ذكره الزمخشري أمكن وأحسن ، والله الموفق.
(٢) قال محمود : «جعلهم ناسين بالخذلان» قال أحمد : بل خلق فيهم النسيان.
وقد استدل أصحاب الشافعي رضى الله عنه بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر ، وأن الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالقهر.
(لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ)(٢٢)
هذا تمثيل وتخييل (١) ، كما مرّ في قوله تعالى (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ) وقد دل عليه قوله (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ) والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن وتدبر قوارعه وزواجره. وقرئ : مصدّعا على الإدغام (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ) إشارة إلى هذا المثل وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل.
(هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(٢٤)
(الْغَيْبِ) المعدوم (وَالشَّهادَةِ) الموجود المدرك كأنه يشاهده. وقيل : ما غاب عن العباد وما شاهدوه. وقيل : السر والعلانية. وقيل : الدنيا والآخرة (الْقُدُّوسُ) بالضم والفتح ـ وقد قرئ بهما ـ البليغ في النزاهة عما يستقبح. ونظيره : السبوح ، وفي تسبيح الملائكة : سبوح قدوس رب الملائكة والروح. و (السَّلامُ) بمعنى السلامة. ومنه (دارُ السَّلامِ) و (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) وصف به مبالغة في وصف كونه سليما من النقائص. أو في إعطائه السلامة والمؤمن واهب الأمن. وقرئ بفتح الميم بمعنى المؤمن به على حذف الجار ، كما تقول في قوم موسى من قوله تعالى (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) المختارون بلفظ صفة السبعين. و (الْمُهَيْمِنُ) الرقيب على كل شيء ، الحافظ له ، مفيعل من الأمن ، إلا أن همزته قلبت هاء. و (الْجَبَّارُ) القاهر الذي جبر خلقه على ما أراد ، أى أجبره ، و (الْمُتَكَبِّرُ) البليغ الكبرياء والعظمة. وقيل : المتكبر عن ظلم عباده. و (الْخالِقُ) المقدر لما يوجده و (الْبارِئُ) المميز بعضه من بعض بالأشكال
__________________
(١) قال محمود : «هذا تخييل وتمثيل كما تقدم الخ» قال أحمد : وهذا مما تقدم إنكارى عليه فيه ، أفلا كان يتأدب بأدب الآية : حيث سمى الله هذا مثلا ولم يقل : وتلك الخيالات نضربها للناس ، ألهمنا الله حسن الأدب معه والله الموفق.
المختلفة. و (الْمُصَوِّرُ) الممثل. وعن حاطب بن أبى بلتعة أنه قرأ : البارئ المصوّر ، بفتح الواو ونصب الراء ، أى : الذي يبرأ المصوّر أى : يميز ما يصوّره بتفاوت الهيئات. وقرأ ابن مسعود : وما في الأرض.
عن أبى هريرة رضى الله عنه : سألت حبيبي صلى الله عليه وسلم عن اسم الله الأعظم فقال : «عليك بآخر الحشر فأكثر قراءته» (١) فأعدت عليه فأعاد علىّ ، فأعدت عليه فأعاد علىّ. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» (٢)
سورة الممتحنة
مدنية ، وهي ثلاث عشرة آية (٣) [نزلت بعد الأحزاب]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ)(٢)
__________________
(١) أخرجه الثعلبي من رواية على بن رزيق عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عنه. وفي الواحدي من حديث ابن عباس رفعه «اسم الله الأعظم في ست آيات من آخر سورة الحشر.
(٢) أخرجه الثعلبي من رواية يزيد بن أبان عن أنس بهذا.
(٣) قوله «مدنية وهي ثلاث عشرة آية» لفظ مكية ومدنية ساقط من النسخة المنقول منها ، ولعله من سهو الناسخ. وفي المصاحف وفي كتب التفسير : أنها مدنية ، ولذا وضعناه في هذه النسخة كما ترى ، ثم رأيت في بعض المصاحف أنها مكية ، لكن آياتها وسبب نزولها يفيدان أنها مدنية ، فليحرر. (ع)
روى أن مولاة لأبى عمرو بن صيفي بن هاشم يقال لها سارة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يتجهز للفتح ، فقال لها : أمسلمة جئت؟ قالت : لا. قال : أفمهاجرة جئت؟ قالت : لا. قال : فما جاء بك؟ قالت : كنتم الأهل والموالي والعشيرة ، وقد ذهبت الموالي ، تعنى : قتلوا يوم بدر ، فاحتجت حاجة شديدة (١) فحث عليها بنى عبد المطلب فكسوها وحملوها وزوّدوها ، فأناها حاطب بن أبى بلتعة وأعطاها عشرة دنانير وكساها بردا ، واستحملها كتابا إلى أهل مكة نسخته : من حاطب بن أبى بلتعة إلى أهل مكة ، اعلموا أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم ، فخرجت سارة ونزل جبريل بالخبر ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وعمارا وعمر وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرثد ـ وكانوا فرسانا ـ وقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ، فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة ، فخذوه منها وخلوها ، فإن أبت فاضربوا عنقها ، فأدركوها فجحدت وحلفت ، فهموا بالرجوع فقال على رضى الله عنه : والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله ، وسل سيفه ، وقال : أخرجى الكتاب أو تضعي رأسك ، فأخرجته من عقاص شعرها. وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة : هي أحدهم (٢) ، فاستحضر رسول الله حاطبا وقال :
__________________
(١) هكذا ذكره الثعلبي والبغوي والواحدي بغير إسناد. وفيه مخالفة شديدة لما في الصحيحين وهو مخرج فيهما من طريق عبد الله بن أبى رافع عن على ومن طريق أبى عبد الرحمن السلمي عن على. وفي رواية لابن حبان عن على خرجت أنا والزبير وطلحة والمقداد ، وأخرجه ابن إسحاق في السيرة قال : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا. قال «لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى مكة كتب حاطب ابن أبى بلتعة إلى قريش كتابا يخبرهم فيه بأمره ، ثم أعطاه امرأة زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة. وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا. فجعلته في رأسها. ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما فعل حاطب» فذكر القصة ، وذكر الواقدي من طريق يزيد بن رومان ، وسماها كنود وذكر أن الجعل كان عشرة دنانير. وروى الطبري وابن أبى حاتم وأبو يعلى من طريق أبى البختري عن الحرث عن على قال «لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتى مكة أسر إلى أناس من أصحابه أنه يريد مكة ، فيهم حاطب ابن أبى بلتعة : وأفشى في الناس أنه يريد خيبر ـ فكتب حاطب ـ فذكره» وفيه فأخرجته من قبلها.
(٢) هكذا رواه البيهقي في الدلائل وابن مردويه من طريق الحاكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس. وسماهم : عبد العزيز بن حنظل ، ومقيس بن صبابة ، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح ، وأم سارة مولاة لقريش ولفظه قريب من لفظ الكتاب وفي الدارقطني من طريق عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد المخزومي عن أبيه عن جده قال «أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة وسماهم ، إلا أنه قال «الحويرث بن نقيذ وسارة» وذكره ابن إسحاق بغير إسناد فذكر الخمسة ، وقال فيه : وسارة مولاة لبعض بنى عبد المطلب» ورواه الدارقطني أيضا والحاكم من طريق مصعب بن سعد عن أبيه ، وجعل عوض سارة عكرمة بن أبى جهل. وقال الواقدي في المغازي ، وتبعه ابن سعد «أمر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بقتل ستة نفر وأربع نسوة : عكرمة وهبار بن الأسود ، وعبد الله بن حنظل وابن أبى سرح ، ومصعب بن صبابة. والحويرث بن نفيل ، وهند بنت عتبة ، وسارة مولاة عمر بن هاشم ومرينا ومرينة «فقتل منهم ابن حنظل ومقيسا والحويرث».
ما حملك عليه؟ فقال : يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ، ولا غششتك منذ نصحتك. ولا أحببتهم منذ فارقتهم ، ولكنى كنت امرأ ملصقا في قريش. وروى : عزيزا فيهم ، أى : غريبا ، ولم أكن من أنفسها ، وكل من معكم من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم غيرى ، فخشيت على أهلى ، فأردت أن أتخذ عندهم يدا ، وقد علمت أن الله تعالى ينزل عليهم بأسه. وأن كتابي لا يغنى عنهم شيئا ، فصدّقه وقبل عذره ، فقال عمر : دعى يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق ؛ فقال : «وما يدريك يا عمر ، لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ففاضت عينا عمر وقال. الله ورسوله أعلم ، فنزلت. عدى «اتخذ» إلى مفعوليه ، وهما عدوى ، أولياء. والعدوّ : فعول ، من عدا ، كعفوّ من عفا ؛ ولكونه على زنه المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد. فإن قلت : (تُلْقُونَ) بم يتعلق؟ قلت : يجوز أن يتعلق بلا تتخذوا حالا من ضميره ؛ وبأولياء صفة له. ويجوز أن يكون استئنافا. فإن قلت : إذا جعلته صفة لأولياء وقد جرى على غير من هوله ، فأين الضمير البارز وهو قولك : تلقون إليهم أنتم بالمودّة؟ قلت : ذلك إنما اشترطوه في الأسماء دون الأفعال ، لو قيل : أولياء ملقين إليهم بالمودّة على الوصف. لما كان بد من الضمير البارز ، والإلقاء عبارة عن إيصال المودّة والإفضاء بها إليهم : يقال ألقى إليه خراشى صدره (١) ، وأفضى إليه بقشوره. والباء في (بِالْمَوَدَّةِ) إما زائدة مؤكدة للتعدى مثلها في (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) وإما ثابتة على أن مفعول تلقون محذوف ، معناه : تلقون إليهم أخبار رسول الله بسبب المودّة الى بينكم وبينهم. وكذلك قوله (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) أى : تفضون إليهم بمودتكم سرا. أو تسرون إليهم إسرار رسول الله بسبب المودّة. فإن قلت : (وَقَدْ كَفَرُوا) حال مماذا؟ قلت : إما من (لا تَتَّخِذُوا) وإما من (تُلْقُونَ) أى : لا تتولوهم أو توادّونهم وهذه حالهم. و (يُخْرِجُونَ) استئناف كالتفسير لكفرهم وعتوّهم. أو حال من كفروا. و (أَنْ تُؤْمِنُوا) تعليل ليخرجون ، أى يخرجونكم لإيمانكم. و (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ) متعلق بلا تتخذوا ، يعنى : لا تتولوا أعدائى إن كنتم أوليائى. وقول النحويين في مثله : هو شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه. و (تُسِرُّونَ) استئناف ، ومعناه : أىّ طائل لكم في إسراركم وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمى لا تفاوت بينهما ، وأنا مطلع رسولي على ما تسرون (وَمَنْ يَفْعَلْهُ) ومن يفعل هذا الإسرار فقد أخطأ طريق الحق والصواب. وقرأ الجحدري : لما جاءكم ، أى : كفروا لأجل ما جاءكم ، بمعنى : أن ما كان يجب
__________________
(١) قوله «يقال ألقى اليه خراشى صدره» في الصحاح «الخرشاء» مثل الحرباء : جلد الحية وقشرة البيضة بعد أن يخرج ما قبلها ، ثم يشبه به كل شيء فيه انتفاخ وتعتق كالرغوة ، وقد يسمى البلغم خراشاء. يقال : ألقى خراشى صدره ، اه. (ع)
أن يكون سبب إيمانهم جعلوه سببا لكفرهم. (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ) إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم (يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً) خالصي العداوة ، ولا يكونوا لكم أولياء كما أنتم (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ) بالقتال والشتم ، وتمنوا لو ترتدون عن دينكم ، فإذن مودة أمثالهم ومناصحتهم خطأ عظيم منكم ومغالطة لأنفسكم ونحوه قوله تعالى (لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً) فإن قلت : كيف أورد جواب الشرط مضارعا مثله ثم قال (وَوَدُّوا) بلفظ الماضي؟ قلت : الماضي وإن كان يجرى في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب ، فإن فيه نكتة ، كأنه قيل : وودّوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم ، يعنى : أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعا : من قتل الأنفس ، وتمزيق الأعراض ، وردّكم كفارا ، وردكم كفارا أسبق المضارّ عندهم وأوّلها ، لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم ، لأنكم بذّالون لها دونه ، والعدوّ أهم شيء عنده أن يقصد أعز شيء عند صاحبه.
(لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(٣)
(لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ) أى قراباتكم (وَلا أَوْلادُكُمْ) الذي توالون الكفار من أجلهم وتتقربون إليهم محاماة عليهم ، ثم قال (يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) وبين أقاربكم وأولادكم (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ...) الآية فما لكم ترفضون حق الله مراعاة لحق من يفرّ منكم غدا : خطأ رأيهم في موالاة الكفار بما يرجع إلى حال من والوه أوّلا ، ثم بما يرجع إلى حال من اقتضى تلك الموالاة ثانيا ، ليربهم أن ما أقدموا عليه من أى جهة نظرت فيه وجدته باطلا. قرئ : يفصل ويفصّل ، على البناء للمفعول. ويفصل ويفصّل ، على البناء للفاعل وهو الله عزّ وجل. ونفصل ونفصل ، بالنون.
(قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(٥)
وقرئ. أسوة وإسوة. وهو اسم المؤتسى به ، أى كان فيهم مذهب حسن مرضى بأن يؤتسى به ويتبع أثره ، وهو قولهم لكفار قومهم ما قالوا ، حيث كاشفوهم بالعداوة وقشروا لهم العصا ، وأظهروا البغضاء والمقت ، وصرحوا بأن سبب عداوتهم وبغضائهم ليس إلا كفرهم بالله ، وما دام هذا السبب قائما كانت العداوة قائمة ، حتى إن أزالوه وآمنوا بالله وحده انقلبت العداوة موالاة ، والبغضاء محبة ، والمقت مقة (١) ، فأفصحوا عن محض الإخلاص. ومعنى (كَفَرْنا بِكُمْ) وبما تعبدون من دون الله : أنا لا نعتدّ بشأنكم ولا بشأن آلهتكم ، وما أنتم عندنا على شيء. فإن قلت : مم استثنى قوله (إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ)؟ قلت : من قوله (أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) لأنه أراد بالأسوة الحسنة : قولهم الذي حق عليهم أن يأتسوا به ويتخذونه سنة يستنون بها. فإن قلت : فإن كان قوله (لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) مستثنى من القول الذي هو أسوة حسنة ، فما بال قوله (وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) وهو غير حقيق بالاستثناء. ألا ترى إلى قوله (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً)؟ قلت : أراد استثناء جملة قوله لأبيه ، والقصد إلى موعد الاستغفار له ، وما بعده مبنىّ عليه وتابع له ، كأنه قال : أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار. فإن قلت : بم اتصل قوله (رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا)؟ قلت : بما قبل الاستثناء ، وهو من جملة الأسوة الحسنة. ويجوز أن يكون المعنى : قولوا ربنا ، أمرا من الله تعالى للمؤمنين بأن يقولوه ، وتعليما منه لهم تتميما لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار ، والائتساء بإبراهيم وقومه في البراءة منهم ، وتنبيها على الإنابة إلى الله والاستعاذة به من فتنة أهل الكفر ، والاستغفار مما فرط منهم. وقرئ : برآء كشركاء ، وبراء كظراف. وبراء على إبدال الضم من الكسر ، كرخال ورباب. وبراء (٢) على الوصف بالمصدر. والبراء والبراءة كالظماء والظماءة.
(لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)(٦)
ثم كرّر الحث على الائتساء بإبراهيم وقومه تقريرا وتأكيدا عليهم ، ولذلك جاء به مصدرا بالقسم لأنه الغاية في التأكيد ، وأبدل عن قوله (لَكُمْ) قوله (لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) وعقبه بقوله (وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فلم يترك نوعا من التأكيد إلا جاء به.
__________________
(١) قوله «والمقت مقة» أى : محبة. (ع)
(٢) قوله «كرخال ورباب» في الصحاح : الرخل ـ بكسر الخاء ـ : الأنثى من أولاد الضأن ، والذكر حمل ، والجمع رخال ورخال أيضا بالضم. وفيه أيضا : «الربى» بالضم على فعلى : الشاة التي وضعت حديثا. وجمعها رباب بالضم. (ع)
(عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(٧)
ولما نزلت هذه الآيات : تشدّد المؤمنون في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع أقربائهم من المشركين ومقاطعتهم ، فلما رأى الله عز وجل منهم الجدّ والصبر على الوجه الشديد وطول التمني للسبب الذي يبيح لهم الموالاة والمواصلة : رحمهم فوعدهم تيسير ما تمنوه ، فلما يسر فتح مكة أظفرهم الله بأمنيتهم ، فأسلم قومهم ، وتمّ بينهم من التحاب والتصافي ما تمّ. وقيل: تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّ حبيبة ، فلانت عند ذلك عريكة أبى سفيان واسترخت شكيمته في العداوة ، وكانت أمّ حبيبة قد أسلمت وهاجرت مع زوجها عبد الله بن أبى جحش إلى الحبشة ، فتنصر وأرادها على النصرانية ، فأبت وصبرت على دينها ، ومات زوجها ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فخطبها عليه (١) ، وساق عنه إليها مهرها أربعمائة دينار ، وبلغ ذلك أباها فقال : ذلك الفحل لا يقدع أنفه (٢). و (عَسَى) وعد من الله على عادات الملوك حيث يقولون في بعض الحوائج : عسى أو لعل : فلا تبقى شبهة للمحتاج في تمام ذلك. أو قصد به إطماع المؤمنين ، والله قدير على تقليب القلوب وتغيير الأحوال وتسهيل أسباب المودة (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لمن أسلم من المشركين.
(لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ
__________________
(١) هكذا ذكره الثعلبي بغير سند. ومجموعه مفرق في أحاديث. وروى أبو داود والحاكم من رواية الزهري عن عروة عن أم حبيبة «أنها كانت تحت عبد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة. فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم وأمهرها عنه أربعة آلاف. وبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع شرحبيل بن حسنة» وروى الحاكم عن الزهري قال «تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبى سفيان. وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش الأسدى. وكان قد هاجر بها من مكة إلى الحبشة ثم افتتن وتنصر ومات نصرانيا وأثبت الله الإسلام لأم حبيبة حتى رجعت إلى المدينة فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها إياه عثمان بن عفان» قال الزهري وزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى النجاشي فزوجها إياه وساق عنه أربعين أوقية» وروى الواقدي في المغازي ومن طريقه الحاكم من رواية جعفر بن محمد عن أبيه قال «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية إلى النجاشي خطب عليه أم حبيبة ، وأصدقها من عنده أربعمائة دينار» قال الواقدي : حدثني عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن أبى عون قال : لما بلغ أبا سفيان بن حرب نكاح النبي صلى الله عليه وسلم ابنته قال : ذاك الفحل لا يقدع أنفه» وقال أبو نعيم في الدلائل «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي فزوجه أم حبيبة بنت أبى سفيان وأصدقها عنه أربعمائة دينار ، وبعث بها إليه ، وقال : وكان ذلك في سنة ست من الهجرة بعد رجوعه من خيبر ولا أعلم في ذلك خلافا».
(٢) قوله «ذلك الفحل لا يقدع أنفه» اى لا يضرب أنفه ولا يكف وذلك لكونه كريما. أفاده الصحاح. (ع)
أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(٩)
(أَنْ تَبَرُّوهُمْ) بدل من الذين لم يقاتلوكم. وكذلك (أَنْ تَوَلَّوْهُمْ) من الذين قاتلوكم : والمعنى : لا ينهاكم عن مبرّه هؤلاء ، وإنما ينهاكم عن تولى هؤلاء. وهذا أيضا رحمة لهم لتشدّدهم وجدّهم في العداوة متقدّمة لرحمته بتيسير إسلام قومهم ، حيث رخص لهم في صلة من لم يجاهر منهم بقتال المؤمنين وإخراجهم من ديارهم. وقيل : أراد بهم خزاعة وكانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه. وعن مجاهد : هم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا. وقيل : هم النساء والصبيان. وقيل قدمت على أسماء بنت أبى بكر أمّها قتيلة بنت عبد العزى وهي مشركة بهدايا فلم تقبلها ولم تأذن لها في الدخول ، فنزلت ، فأمرها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن تدخلها وتقبل منها وتكرمها وتحسن إليها (١). وعن قتادة : نسختها آية القتال (وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) وتقضوا إليهم بالقسط ولا تظلموهم. وناهيك بتوصية الله المؤمنين أن يستعملوا القسط مع المشركين به ويتحاموا ظلمهم ، مترجمة عن حال مسلم يجترئ على ظلم أخيه المسلم.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ)(١١)
__________________
(١) أخرجه الحاكم من طريق المبارك عن مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده قال «قدمت قتيلة بنت عبد العزى على ابنتها أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما. وكان أبو بكر طلقها» فذكره وساقه أتم. ومن هذا الوجه أحمد والبزار وأبو داود وأبو يعلى والطبري والطبراني وابن أبى حاتم وغيرهم. وحديث أسماء في الصحيحين عن عروة عنها بغير هذا السياق.
(إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ) سماهنّ مؤمنات لتصديقهنّ بألسنتهنّ ونطقهنّ بكلمة الشهادة ولم يظهر منهنّ ما ينافي ذلك. أو لأنهنّ مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان (فَامْتَحِنُوهُنَ) فابتلوهن بالحلف والنظر في الأمارات ليغلب على ظنونكم صدق إيمانهن ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للممتحنة : «بالله الذي لا إله إلا هو ما خرجت من بغض زوج ، بالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض ، بالله ما خرجت التماس دنيا ، بالله ما خرجت إلا حبا لله ولرسوله» (١) (اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَ) منكم لأنكم لا تكسبون فيه علما تطمئن معه نفوسكم ، وإن استحلفتموهن ورزتم أحوالهن ، وعند الله حقيقة العلم به (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ) العلم الذي تبلغه طاقتكم وهو الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات (فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) فلا تردّوهن إلى أزواجهن المشركين ، لأنه لأحل بين المؤمنة والمشرك (٢) (وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا) وأعطوا أزواجهنّ مثل ما دفعوا إليهنّ من المهور ، وذلك أن صلح الحديبية كان على أن من
__________________
(١) أخرجه الطبراني والطبري من رواية الأغر بن الصباح عن خليفة بن حصين عن أبى بهز الأسدى. قال سئل ابن عباس ـ فذكره أتم سياقا منه. قال البزار لا نعلمه عن ابن عباس إلا من هذا الوجه. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة مرسلا.
(٢) قال محمود : «معناه لأحل بين المؤمنة والمشرك» قال أحمد : هذه الآية مما استدل بها على خطاب الكفار بالفروع لأنه تعالى قال (لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ) والضمير الأول للمؤمنات ، والثاني الكفار ، والمراد به يحرمن على الكفار لأن قسيمه متفق على أن المراد به تحريم الكفار على المؤمنات ، فيكون كل من القبيلين المؤمنات والكفار مخاطبا بالحرمة ، ولما كان المذهب المعزى إلى أصحاب أبى حنيفة أن الكفار غير مخاطبين لك الزمخشري يتفسر الآية ما يوافق ذلك ، فحملها على أن المراد نفى الحل بين المؤمنة والكافر على الإجمال ، حتى لا يتمحض نسبة الحرمة إلى الكافر ، وهذا لا متخلص فيه ؛ فان الحل المنفي بين المؤمنة والكافر إلى الحرمة ، لا بد وأن يتعلق بفعل أحدهما أو كليهما ، إذ هو حكم فان تعلق بفعل كل واحد منهما أعنى التمكين من المرأة والفعل من الرجل : تحقق خطاب الكافر بالحرمة ، وتعليقه بفعل المرأة دون فعل الرجل : يأباه نظم الآية ، فانه نفى الحل من الجهتين جميعا ولو كان كذلك ، لكفى قوله (وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَ) والتحقيق الممتحن على قواعد الأصول : هو ما نذكره إن شاء الله تعالى فنقول : كل من فعلى المؤمنة والكافر ينفى عنه الحل بالتفسير اللائق ، فأما فعل المؤمنة وهو التمكين فلا شك في تعلق الحرمة للشرع. باعتبار أنها مخاطبة بأن لا يحصل في الوجود على وجه لو حصل لكانت متوعدة على حصوله وأما فعل الكافر وهو الوطء مثلا ، فمنفى حله باعتبار أن الشرع قصد إلى أن لا يحصل الوطء ، لما يشتمل عليه من المفسدة ، وللشرع قصد في أن لا تقع المفاسد ، وليس الكافر موردا للخطاب ، ولكن الأئمة مثلا أو من يقوم مقامهم. مخاطبون بأن يمنعوا الكافر كى لا يقع هذا الفعل المنطوى على المفسدة في نظر الشرع ، فكلا الفعلين إذا من جانب المرأة والرجل غرض في أن لا يقع ، لكن مورد الخطاب المنطوى على السلامة من المفسدة في حق المرأة هي وفي حق الكافر الأئمة مثلا ، ويتفق المختلفون فيه في خطاب الكفار على أن للشرع غرضا في أن لا تحصل المفاسد في الوجود. ألا ترى أن الكافر إذا جهر بالفساد بين المسلمين يتفق على وجوب ردعه عن ذلك ومنعه عنه ، وما ذاك إلا لما فهم عن الشرع من طلب سلامة الوجود عن المفاسد ، ومورد الخطاب يردع الكافر كى لا يجهر بالفساد يعم الأئمة ، والله الموفق.
أتاكم من أهل مكة ردّ إليهم ، ومن أتى منكم مكة لم يردّ إليكم ، وكتبوا بذلك كتابا وختموه ، فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية ، فأقبل زوجها مسافر المخزومي. وقيل صيفي بن الراهب فقال : يا محمد ، اردد علىّ امرأتى فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا ، وهذه طينة الكتاب لم تجف ، فنزلت بيانا لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء (١). وعن الضحاك : كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين عهد : أن لا تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا ، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن تردّ على زوجها الذي أنفق عليها ، وللنبي صلى الله عليه وسلم من الشرط مثل ذلك. وعن قتادة : ثم نسخ هذا الحكم وهذا العهد براءة ، فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلفت ، فأعطى زوجها ما أنفق وتزوّجها عمر. فإن قلت : كيف سمى الظنّ علما في قوله (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَ)؟ قلت : إيذانا بأن الظن الغالب وما يفضى إليه الاجتهاد والقياس جار مجرى العلم ، وأن صاحبه غير داخل في قوله (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) فإن قلت : فما فائدة قوله (اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَ) وذلك معلوم لا شبهة فيه؟ قلت : فائدته بيان أن لا سبيل لكم إلى ما تطمئن به النفس ويثلج به الصدر من الإحاطة بحقيقة إيمانهن ، فإنّ ذلك مما استأثر به علام الغيوب ، وأن ما يؤدى إليه الامتحان من العلم كاف في ذلك ، وأن تكليفكم لا يعدوه ، ثم نفى عنهم الجناح في تزوّج هؤلاء المهاجرات إذا آتوهنّ أجورهنّ أى مهورهنّ ، لأن المهر أجر البضع ، ولا يخلو إما أن يراد بها ما كان يدفع إليهنّ ليدفعنه إلى أزواجهنّ فيشترط في إباحة تزوجهنّ تقديم أدائه ، وإما أن يراد أن ذلك إذا دفع إليهنّ على سبيل القرض ثم تزوجن على ذلك لم يكن به بأس ، وإما أن يبين لهم أن ما أعطى أزواجهنّ لا يقوم مقام المهر وأنه لا بد من إصداق ، وبه احتج أبو حنيفة على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلما أو بذمة وبقي الآخر حربيا : وقعت الفرقة ، ولا يرى العدة على المهاجرة ويبيح نكاحها إلا أن تكون حاملا (وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ) والعصمة ما يعتصم به من عقد وسبب ، يعنى : إياكم وإياهنّ ، ولا تكن بينكم وبينهنّ عصمة ولا علقة زوجية. قال ابن عباس : من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدنّ بها من نسائه ، لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه. وعن النخعي : هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر. وعن مجاهد : أمرهم بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن (وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ) من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفار (وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا) من مهور نسائهم المهاجرات. وقرئ : ولا تمسكوا بالتخفيف. ولا تمسكوا بالتثقيل. ولا تمسكوا ، أى : ولا تتمسكوا (ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ) يعنى جميع ما ذكر في هذه الآية (يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ) كلام مستأنف. أو حال من حكم الله على
__________________
(١) هكذا ذكره البغوي عن ابن عباس بغير سند.
حذف الضمير ، أى : يحكمه الله. أو جعل الحكم حاكما على المبالغة. روى أنها لما نزلت هذه الآية أدى المؤمنون ما أمروا به من أداء مهور المهاجرات إلى أزواجهنّ المشركين ، وأبى المشركون أن يؤدوا شيئا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين ، فنزل قوله (وَإِنْ فاتَكُمْ) وإن سبقكم وانفلت منكم (شَيْءٌ) من أزواجكم : أحد منهن إلى الكفار ، وهو في قراءة ابن مسعود : أحد. فإن قلت : هل لإيقاع شيء في هذا الموقع فائدة؟ قلت : نعم ، الفائدة فيه : أن لا يغادر شيء من هذا الجنس وإن قل وحقر ، غير معوض منه تغليظا في هذا الحكم وتشديدا فيه (فَعاقَبْتُمْ) من العقبة وهي التوبة : شبه ما حكم به على المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة ، وأولئك مهور نساء هؤلاء أخرى بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره. ومعناه : فجاءت عقبتكم من أداء المهر ، فآتوا من فاتته امرأته إلى الكفار مثل مهرها من مهر المهاجرة ، ولا تؤتوه زوجها الكافر ، وهكذا عن الزهري : يعطى من صداق من لحق بهم. وقرئ : فأعقبتم. فعقبتم بالتشديد. فعقبتم بالتخفيف ، بفتح القاف وكسرها ، فمعنى أعقبتم : دخلتم في العقبة ، وعقبتم : من عقبه إذا قفاه ، لأنّ كل واحد من المتعاقبين يقفى صاحبه ، وكذلك عقبتم بالتخفيف ، يقال : عقبه يعقبه. وعقبتم نحو تبعتم. وقال الزجاج : فعاقبتم فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم ، والذي ذهبت زوجته كان يعطى من الغنيمة المهر ، وفسر غيرها من القراآت فكانت العقبى لكم ، أى : فكانت الغلبة لكم حتى غنمتم. وقيل : جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين راجعة عن الإسلام ست نسوة : أم الحكم بنت أبى سفيان كانت تحت عياض بن شداد الفهري ، وفاطمة بنت أبى أمية كانت تحت عمر بن الخطاب وهي أخت أم سلمة ، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان ، وعبدة بنت عبد العزى بن نصلة وزوجها عمرو بن عبدودّ ، وهند بنت أبى جهل كانت تحت هشام بن العاص. وكلثوم بنت جرول كانت تحت عمر ، فأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهور نسائهم من الغنيمة (١).
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(١٢)
__________________
(١) هكذا ذكره الثعلبي ثم البغوي عن ابن عباس بلا إسناد.
(وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَ) وقرئ : يقتلن ، بالتشديد ، يريد : وأد البنات (وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَ) كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها : هو ولدى منك. كنى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذبا ، لأنّ بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين ، وفرجها الذي تلده به بين الرجلين (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) فيما تأمرهن به من المحسنات وتنهاهنّ عنه من المقبحات. وقيل : كل ما وافق طاعة الله فهو معروف. فإن قلت : لو اقتصر على قوله (وَلا يَعْصِينَكَ) فقد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا بمعروف؟ قلت : نبه بذلك على أنّ طاعة المخلوق في معصية الخالق جديرة بغاية التوقي والاجتناب. وروى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال : أخذ في بيعة النساء وهو على الصفا (١) وعمر بن الخطاب رضى الله عنه أسفل منه يبايعهن بأمره ويبلغهن عنه ، وهند بنت عتبة امرأة أبى سفيان متقنعة متنكرة خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها (٢) فقال عليه الصلاة والسلام : «أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا فرفعت هند رأسها وقالت : والله لقد عبدنا الأصنام وإنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال تبايع الرجال على الإسلام والجهاد ، فقال عليه الصلاة والسلام : و «لا يسرقن» (٣) فقالت : إنّ أبا سفيان رجل شحيح ، وإنى أصبت من ماله هنات ، فما أدرى ، أتحل لي أم لا. فقال أبو سفيان : ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال لها : وإنّك لهند بنت عتبة؟ قالت : نعم فاعف عما سلف يا نبى الله عفا الله عنك ، فقال : «ولا يزنين» ، فقالت : أو تزنى الحرة؟ وفي رواية : ما زنت منهن امرأة قط ، فقال عليه الصلاة والسلام «ولا يقتلن أولادهن» فقالت : ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا فأنتم وهم أعلم ، وكان ابنها حنظلة بن أبى سفيان قد قتل يوم بدر ، فضحك عمر حتى استلقى ، وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «ولا يأتين ببهتان» فقالت : والله إنّ البهتان لأمر قبيح ، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق ، فقال : «ولا يعصينك في معروف» فقالت : والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء. وقيل في كيفية
__________________
(١) لم أره بسياقه لكن أخرجه الطبري بمعناه وأخص منه من طريق العوفى عن ابن عباس. وأخرجه ابن أبى حاتم من طريق مقاتل بن حيان. وفيه قول هند : ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا ، فضحك عمر بن الخطاب رضى الله عنه حتى استلقى.
(٢) قوله «خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها» لما صنعت بحمزة ، كذا في النسفي ، وذلك في غزوة أحد. (ع)
(٣) قوله «فقال عليه السلام ولا يسرقن» في النسفي قبل هذا : فبايع عمر النساء على أن لا يشركن بالله شيئا. (ع)
المبايعة : دعا بقدح من ماء فغمس فيه يده ، ثم غمسن أيديهن (١). وقيل صافحهن وكان على يده ثوب قطري (٢). وقيل كان عمر يصافحهن عنه (٣)
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ)(١٣)
روى أنّ بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم (٤). فقيل لهم (لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً) مغضوبا عليهم (قَدْ يَئِسُوا) من أن يكون لهم حظ في الآخرة لعنادهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم يعلمون أنه الرسول المنعوت في التوراة (كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ) من موتاهم أن يبعثوا ويرجعوا أحياء. وقيل (مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ) بيان للكفار ، أى : كما يئس الكفار الذين قبروا من خير الآخرة ، لأنهم تبينوا قبح حالهم وسوء منقلبهم. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة الممتحنة كان له المؤمنون والمؤمنات شفعاء يوم القيامة (٥) ..
__________________
(١) أخرجه ابن سعد عن الواقدي عن أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب نحوه ، وله شاهد في الطبراني عن عروة بن مسعود ، وآخر في تاريخ أصبهان لأبى نعيم في حرف الحاء من حديث أسماء بنت يزيد.
(٢) رواه أبو داود في المراسيل عن الشعبي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بايع النساء أتى ببرد قطري فوضعه على يده. وقال : لا أصافح النساء» وروى عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم النخعي قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصافح النساء على يده ثوب قطري».
(٣) أخرجه ابن حبان والطبراني والبزار وأبو يعلى والطبري وغيرهم من حديث أم عطية قالت «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أمر نساء الأنصار فجمعهن في بيت ثم أرسل إليهن عمر. فجاء عمر فسلم ـ فذكر القصة ـ وفيها : ثم مد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت.
(٤) قال محمود «كان طائفة من ضعفاء المسلمين قد والوا اليهود ليصيبوا من أثمارهم ، فنزلت هذه الآية ، والمراد بالكفار المشركون ... الخ» قال أحمد : قد كان الزمخشري ذكر في قوله (وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ) إلى قوله (وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا) أن آخر الآية استطراد ، وهو فن من فنون البيان مبوب عليه عند أهله ، وآية الممتحنة هذه ممكنة أن تكون من هذا الفن جدا ، فانه ذم اليهود واستطرد ذمهم بذم المشركين على نوع حسن من النسبة ، وهذا لا يمكن أن يوجد للفصحاء في الاستطراد أحسن ولا أمكن منه ، ومما صدروا هذا الفن به قوله :
|
إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعه |
|
فليس به بأس وإن كان من جرم |
|
وقوله : إن كنت كاذبة التي حدثتني |
|
فنجوت منجى الحرث بن هشام |
|
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم |
|
ونجا برأس طمرة ولجام |
(٥) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب رضى الله عنه.
سورة الصف
مدنية ، وآياتها ١٤ [نزلت بعد التغابن]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ)(٤)
(لِمَ) هي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك : بم ، وفيم ، ومم ، وعم ، وإلام ، وعلام. وإنما حذفت الألف ، لأنّ ما والحرف كشيء واحد ، ووقع استعمالهما كثيرا في كلام المستفهم ، وقد جاء استعمال الأصل قليلا والوقف على زيادة هاء السكت أو الإسكان ، ومن أسكن في الوصل فلإجرائه مجرى الوقف ، كما سمع : ثلاثة ، أربعة : بالهاء وإلقاء حركة الهمزة عليها محذوفة ، وهذا الكلام يتناول الكذب وإخلاف الموعد. وروى أنّ المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال : لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملناه ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا ، فدلهم الله تعالى على الجهاد في سبيله ، فولوا يوم أحد فعيرهم. وقيل : لما أخبر الله بثواب شهداء بدر قالوا : لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا ، ففروا يوم أحد ولم يفوا. وقيل : كان الرجل يقول : قتلت ولم يقتل ، وطعنت ولم يطعن ، وضربت ولم يضرب ، وصبرت ولم يصبر. وقيل : كان قد أذى المسلمين رجل ونكى فيهم ، فقتله صهيب وانتحل قتله آخر ، فقال عمر لصهيب : أخبر النبي عليه السلام أنك قتلته ، فقال : إنما قتله لله ولرسوله ، فقال عمر : يا رسول الله قتله صهيب ، قال : كذلك يا أبا يحيى؟ قال : نعم ، فنزلت (١) في المنتحل. وعن الحسن : نزلت في المنافقين. ونداؤهم بالإيمان : تهكم بهم
__________________
(١) أخرجه الثعلبي من حديث صهيب قال «كان رجل يوم بدر قد آذى المسلمين ونكأ فيهم فقتله صهيب. فقال رجل : يا رسول الله قتلت فلانا. ففرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمرو بن عبد الرحمن لصهيب أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ـ الحديث»
وبإيمانهم ، هذا من أفصح كلام وأبلغه (١) في معناه قصد في (كَبُرَ) التعجب من غير لفظه كقوله :
غلت ناب كليب بواؤها (٢)
ومعنى التعجب : تعظيم الأمر في قلوب السامعين ، لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله ، وأسند إلى أن تقولوا. ونصب (مَقْتاً) على تفسيره ، دلالة على أنّ قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه ، لفرط تمكن المقت منه ، واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض وأبلغه. ومنه قيل : نكاح المقت ، للعقد على الرابة (٣) ، ولم يقتصر على أن جعل البغض كبيرا ، حتى جعل أشده وأفحشه. و (عِنْدَ اللهِ) أبلغ من ذلك ، لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله فقد تم كبره وشدته وانزاحت عنه الشكوك. وعن بعض السلف أنه قيل له : حدّثنا ، فسكت ثم قيل له حدثنا ، فقال : تأمروننى أن أقول ما لا أفعل فاستعجل مقت الله. في قوله (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ) عقيب ذكر مقت المخلف : دليل (٤) على أن المقت قد تعلق بقول الذين وعدوا الثبات في قتال الكفار فلم يفوا. وقرأ زيد بن على : يقاتلون بفتح التاء. وقرئ : يقتلون (صَفًّا) صافين أنفسهم أو مصفوفين (كَأَنَّهُمْ) في تراصهم من غير فرجة ولا خلل (بُنْيانٌ) رص بعضه إلى بعض ورصف. وقيل : يجوز أن يريد استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص. وعن بعضهم : فيه دليل على فضل القتال راجلا ، لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة. وقوله (صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ) حالان متداخلتان (٥).
__________________
(١) قال محمود : «هذا من أفصح الكلام وأبلغه ، في معناه قصد إلى التعجب بغير صيغة التعجب لتعظيم الأمر ... الخ» قال أحمد : وزائد على هذه الوجوه الأربعة وجه خامس : وهو تكراره لقوله (ما لا تَفْعَلُونَ) وهو لفظ واحد في كلام واحد ومن فوائد التكرار : التهويل والإعظام ، وإلا فقد كان الكلام مستقلا لو قيل : كبر مقتا عند الله ذلك ، فما إعادته إلا لمكان هذه الفائدة الثانية ، والله أعلم.
(٢) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثالث صفحة ٢٧٣ فراجعه إن شئت اه مصححة.
(٣) قوله «على الرابة» هي بتشديد الباء كالدابة. وفي الصحاح : نكاح المقت كان في الجاهلية : أن يتزوج الرجل امرأة أبيه اه. (ع)
(٤) قال محمود : «ذكره لهذا عقيب ذكر مقت المخلف دليل ... الخ» قال أحمد : صدق ، والأول كالبسطة العامة لهذه القصة الخاصة ، كقوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ) فالنهي العام ورد أولا ، والمقصود اندراج هذا الخاص فيه كما تقول للمقترف جرما معينا : لا تفعل ما يلصق العار بك ولا تشاتم زيدا ، وفائدة مثل هذا النظم : النهي عن الشيء الواحد مرتين مندرجا في العموم ومفردا بالخصوص ، وهو أولى من النهى عنه على الخصوص مرتين فان ذلك معدود في حين التكرار ، وهذا يتكرر مع ما في التعميم من التعظيم والتهويل ، والله أعلم.
(٥) قال محمود : «قوله (صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ) : حالان متداخلتان» قال أحمد : يريد أن معنى الأولى مشتمل على معنى الثانية ، لأن التراص هيئة للاصطفاف ، والله أعلم.
(وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ)(٥)
(وَإِذْ) منصوب بإضمار اذكر. أو : وحين قال لهم ما قال كان كذا وكذا (تُؤْذُونَنِي) كانوا يؤذونه بأنواع الأذى من انتقاصه وعيبه في نفسه ، وجحود آياته ، وعصيانه فيما تعود إليهم منافعه ، وعبادتهم البقر ، وطلبهم رؤية الله جهرة ، والتكذيب الذي هو تضييع حق الله وحقه (وَقَدْ تَعْلَمُونَ) في موضع الحال ، أى : تؤذوننى عالمين علما يقينا (١) (أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ) وقضية علمكم بذلك وموجبه تعظيمي وتوقيري ، لا أن تؤذوني وتستهينوا بى ، لأن من عرف الله وعظمته عظم رسوله ، علما بأن تعظيمه في تعظيم رسوله ، ولأن من آذاه كان وعيد الله لا حقا به (فَلَمَّا زاغُوا) عن الحق (أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) بأن منع ألطافه عنهم (٢) (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) لا يلطف بهم لأنهم ليسوا من أهل اللطف. فإن قلت : ما معنى (قَدْ) في قوله (قَدْ تَعْلَمُونَ)؟ قلت : معناه التوكيد كأنه قال : وتعلمون علما يقينا لا شبهة لكم فيه.
(وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ)(٦)
__________________
(١) قال محمود : «بين أنهم على عكس الصواب حيث قال : تؤذوننى عالمين ... الخ» قال أحمد : أهل العربية تقول : إن «قد» تصحب الماضي لتقريبه من الحال. ومنه قول المؤذن : قد قامت الصلاة ، وتشتمل المصاحبة للماضي أيضا على معنى التوقع ، فلذلك قال سيبويه «قد فعل» جواب لما يفعل ، وقال الخليل : هذا الخبر لقوم ينتظرونه ، وأما مع المضارع فإنها تفيد التقليل مثل : ربما ، كقولهم : إن الكذوب قد يصدق ، فإذا كان معناها مع المضارع التقليل وقد دخلت في الآية على مضارع ، فالوجه ـ والله أعلم ـ أن يكون هذا من الكلام الذي يقصدون به الافراط فيما ينعكس عنه ، وتكون «قد» في هذا المعنى نظيرة «ربما» في قوله (رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ) فإنها في هذا الموضع أبلغ من كم في التكثير ، فلما أوردت «ربما» في التكثير على عكس معناها الأصلى في التقليل ، فكذلك إيراد «قد» هاهنا لتكثير علمهم ، أى : تحقيق تأكيده على عكس معناها الأصلى في تقليل الأصل ، وعليه : قد أترك القرن مصفرا أنامله وإنما مدح نفسه بكثرة هذا الفعل منه عكس ديدنه الأصلى ، ولا يقال : إن حملها في الآية على التكثير متعذر ، لأن العلم معلوم التعلق لا يتكثر ولا يتقلل ، لأنا نقول : يعبر عن تمكن الفعل وتحققه وتأكده وبلوغه الغاية في نوعه بما يعبر به عن التكثير ، وهو تعبير صحيح. ألا ترى أن قوله (رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) هو من هذا القبيل ، فان المراد شدة ودهم لذلك وبلوغه أقصى منتهاه لا غير ، والله الموفق.
(٢) قوله «بأن منع ألطافه عنهم» فسر الازاغة بذلك بناء على مذهب المعتزلة : أنه تعالى لا يريد الشر. ومذهب أهل السنة : أنه تعالى يريد الشر والخير ، كما تقرر في محله. (ع)
قيل : إنما قال : يا بنى إسرائيل ، ولم يقل : يا قوم كما قال موسى ، لأنه لا نسب له فيهم فيكونوا قومه (١). والمعنى : أرسلت إليكم في حال تصديقى ما تقدمني (مِنَ التَّوْراةِ) وفي حال تبشيرى (بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي) يعنى : أن دينى التصديق بكتب الله وأنبيائه جميعا ممن تقدم وتأخر. وقرئ : من بعدي ، بسكون الياء وفتحها ، والخليل وسيبويه يختاران الفتح. وعن كعب : أن الحواريين قالوا لعيسى : يا روح الله ، هل بعدنا من أمّة؟ قال : نعم أمّة أحمد حكماء علماء أبرار أتقياء ، كأنهم من الفقه أنبياء ، يرضون من الله باليسير من الرزق ، ويرضى الله منهم باليسير من العمل. فإن قلت : بم انتصب مصدقا ومبشرا؟ أبما في الرسول من معنى الإرسال أم بإليكم؟ قلت : بل بمعنى الإرسال ، لأن (إِلَيْكُمْ) صلة للرسول ، فلا يجوز أن تعمل شيئا لأن حروف الجرّ لا تعمل بأنفسها ، ولكن بما فيها من معنى الفعل ، فإذا وقعت صلات لم تتضمن معنى فعل ، فمن أين تعمل؟ وقرئ : هذا ساحر مبين.
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(٧)
وأى الناس أشد ظلما ممن يدعوه ربه على لسان نبيه إلى الإسلام الذي له فيه سعادة الدارين ، فيجعل مكان إجابته إليه افتراء الكذب على الله بقوله لكلامه الذي هو دعاء عباده إلى الحق : هذا سحر ، لأنّ السحر كذب وتمويه. وقرأ طلحة بن مصرف : وهو يدعى ، بمعنى يدعى. دعاه وادّعاه ، نحو : لمسه والتمسه. وعنه : يدّعى ، بمعنى يدعو ، وهو الله عز وجل.
(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ)(٨)
أصله : يريدون أن يطفؤا كما جاء في سورة براءة ، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة تأكيدا له ، لما فيها من معنى الإرادة في قولك : جئتك لإكرامك ، كما زيدت اللام في : لا أبا لك ، تأكيدا لمعنى الإضافة في : لا أباك ، وإطفاء نور الله بأفواههم : تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن : هذا سحر ، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه (وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ) أى متمّ الحق ومبلغه غايته. وقرئ بالإضافة.
__________________
(١) قال الزمخشري : «وإنما قال (يا بَنِي إِسْرائِيلَ) ولم يقل : يا قوم ، لأنه لم يكن له ـ صلوات الله على نبينا وعليه ـ نسب فيهم» قال أحمد : وهذا نظير قوله تعالى (إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ) لأن شعيبا لم يكن من قوم من أرسل إليهم.
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(٩)
(وَدِينِ الْحَقِ) الملة الحنيفية (لِيُظْهِرَهُ) ليعليه (عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) على جميع الأديان المخالفة له ، ولعمري لقد فعل ، فما بقي دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام. وعن مجاهد : إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض إلا دين الإسلام. وقرئ : أرسل نبيه.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)(١٣)
(تُنْجِيكُمْ) قرئ مخففا ومثقلا. و (تُؤْمِنُونَ) استئناف ، كأنهم قالوا : كيف : نعمل؟ فقال : تؤمنون (١) ، وهو خبر في معنى الأمر ، ولهذا أجيب بقوله (يَغْفِرْ لَكُمْ) وتدل عليه قراءة ابن مسعود : آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا. فإن قلت : لم جيء به على لفظ الخبر؟ قلت : للإيذان بوجوب الامتثال ، وكأنه امتثل فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين. ونظيره قول
__________________
(١) قال محمود : قوله (تُؤْمِنُونَ) استئناف كلام كأنه لما قال الكلام الأول قيل : كيف نفعل؟ فقيل : تؤمنون ... الخ» قال أحمد : إنما وجه إعراب الفراء بما ذكر ، لأنه لو جعله جوابا لقوله (هَلْ أَدُلُّكُمْ) فإنكم إن أدلكم على كذا وكذا أغفر لكم ، فتكون المغفرة حينئذ مترتبة على مجرد دلالته إياهم على الخير ، وليس كذلك ، إنما تترتب المغفرة على فعلهم لما دلهم عليه لا على نفس الدلالة ، فلذلك أول (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ) بتأويل : هل تتجرون بالايمان والجهاد حتى تكون المغفرة مترتبة على فعل الايمان والجهاد لا على الدلالة ، وهذا التأويل غير محتاج إليه ، فان حاصل الكلام إذا صار إلى : هل أدلكم أغفر لكم ، التحق ذلك بأمثال قوله تعالى (قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ) فانه رتب فعل الصلاة على الأمر بها ، حتى كأنه قال ، فإنك إن تقل لهم أقيموا يقيموها. وللقائل أن يقول : قد قيل لبعضهم : أقم الصلاة فتركها؟ فالجواب عنه : أن الأمر الموجه على المؤمن الراسخ في الايمان لما كان مظنة لحصول الامتثال ، جعل كالمحقق وقوعه مرتبا عليه ، وكذلك هاهنا لما كانت دلالة الذين آمنوا على فعل الخير مظنة لامتثالهم. وامتثالهم سببا في المغفرة محققا : عومل معاملة تحقق الامتثال والمغفرة مرتبين على الدلالة ، والله أعلم.
الداعي : غفر الله لك ، ويغفر الله لك : جعلت المغفرة لقوّة الرجاء ، كأنها كانت ووجدت. فإن قلت : هل لقول الفراء أنه جواب (هَلْ أَدُلُّكُمْ) وجه؟ قلت : وجهه أن متعلق الدلالة هو التجارة ، والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد ، فكأنه قيل : هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم؟ فإن قلت : فما وجه قراءة زيد بن على رضى الله عنهما (تُؤْمِنُونَ ... وَتُجاهِدُونَ)؟ قلت : وجهها أن تكون على إضمار لام الأمر ، كقوله :
|
محمّد تفد نفسك كلّ نفس |
|
إذا ما خفت من أمر تبالا (١) |
وعن ابن عباس أنهم قالوا : لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه ، فنزلت هذه الآية ، فمكثوا ما شاء الله يقولون : ليتنا نعلم ما هي ، فدلهم الله عليها بقوله (تُؤْمِنُونَ) وهذا دليل على أن (تُؤْمِنُونَ) كلام مستأنف ، وعلى أنّ الأمر الوارد على النفوس بعد تشوّف وتطلع منها إليه : أوقع فيها وأقرب من قبولها له مما فوجئت به (ذلِكُمْ) يعنى ما ذكر من الإيمان والجهاد (خَيْرٌ لَكُمْ) من أموالكم وأنفسكم. فإن قلت : ما معنى قوله (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)؟ قلت : معناه إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيرا لكم (٢) حينئذ ، لأنكم إذا علمتم ذلك واعتقدتموه أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أنفسكم وأموالكم ، فتخلصون وتفلحون (وَأُخْرى تُحِبُّونَها) ولكم إلى هذه النعمة المذكورة من المغفرة والثواب في الآجلة نعمة أخرى عاجلة محبوبة إليكم ، ثم فسرها بقوله (نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) أى عاجل وهو فتح مكة. وقال الحسن : فتح فارس والروم. وفي (تُحِبُّونَها) شيء من التوبيخ على محبة العاجل. فإن قلت : علام عطف قوله (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)؟ قلت : على (تُؤْمِنُونَ) لأنه في معنى الأمر ، كأنه قيل : آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم ، وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك. فإن قلت : لم نصب من قرأ نصرا من
__________________
(١) لأبى طالب. وقيل : للأعشى ، يقول : يا رسول الله ، تفد ، أى لتفد ، فحذف لام الدعاء الجازمة للفعل لضرورة الشعر ، وسوغ حذفها قرينة مقام الطلب ، وإلا فحروف الجزم كحروف الجر لا تعمل وهي محذوفة إلا شذوذا ، كما صرح به السكاكي. هذا والحذف في نحو قوله تعالى (قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ) أسهل لأن قرينته لفظية ، وهي لفظ (قُلْ) الدال على الطلب. وقيل : هو خبر بمعنى الدعاء ، وخفف بحذف الياء ، وقيل : إن ذلك في غير الفواصل والقوا في غير سديد ، أى : فدى الله نفسك بكل نفس إذا خفت تبالا من شيء. والتبال : هو الوبال ، قلبت واوه تاء. ويروى بالجر ، على أنه صفة أمر وليس بجيد.
(٢) قال محمود : «معناه : إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيرا لكم ... الخ» قال أحمد : كأنه يجرى الشرط على حقيقته وليس بالظاهر ، لأن علمهم لذلك محقق. إذ الخطاب مع المؤمنين ، والظاهر أنه من وادى قوله (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) والمقصود بهذا الشرط : التنبيه على المعنى الذي يقتضى الامتثال وإلهاب الحمية للطاعة ، كما تقول لمن تأمره بالانتصاف من عدوه : إن كنت حرا فانتصر ، تريد أن تثير منه حمية الانتصار لا غير ، والله أعلم.
الله وفتحا قريبا؟ قلت : يجوز أن ينصب على الاختصاص. أو على تنصرون نصرا ، ويفتح لكم فتحا. أو على : يغفر لكم ويدخلكم جنات ، ويؤتكم أخرى نصرا من الله وفتحا.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ)(١٤)
قرئ : كونوا أنصار الله وأنصارا لله. وقرأ ابن مسعود : كونوا أنتم أنصار الله. وفيه زيادة حتم للنصرة عليهم. فإن قلت : ما وجه صحة التشبيه ـ وظاهره تشبيه كونهم أنصارا بقول عيسى صلوات الله عليه : (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ) (١)؟ قلت : التشبيه محمول على المعنى ، وعليه يصح. والمراد : كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ). فإن قلت : ما معنى قوله (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ)؟ قلت : يجب أن يكون معناه مطابقا لجواب الحواريين (نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ) والذي يطابقه أن يكون المعنى : من جندي متوجها إلى نصرة الله ، وإضافة (أَنْصارِي) خلاف إضافة (أَنْصارَ اللهِ) فإنّ معنى (نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ) : نحن الذين ينصرون الله. ومعنى (مَنْ أَنْصارِي) من الأنصار الذين يختصون بى ويكونون معى في نصرة الله ، ولا يصح أن يكون معناه : من ينصرني مع الله ، لأنه لا يطابق الجواب. والدليل عليه : قراءة من قرأ : من أنصار الله. والحواريون أصفياؤه وهم أوّل من آمن به وكانوا اثنى عشر رجلا ، وحوارى الرجل : صفيه وخلصانه (٢) من الحور وهو البياض الخالص. والحوّارى : الدرمك. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام «الزبير ابن عمّى وحواريي من أمتى» (٣) وقيل :كانوا قصارين يحوّرون الثياب يبيضونها. ونظير الحوارى في زنته : الحوالى : الكثير الحيل (فَآمَنَتْ طائِفَةٌ) منهم بعيسى (وَكَفَرَتْ) به (طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا) مؤمنيهم على كفارهم ، فظهروا
__________________
(١) قال محمود : «إن قلت ما وجه التشبيه وظاهره تشبيه كونهم أنصارا ... الخ» قال أحمد : كلام حسن وتمام على الذي أحسن : أن يميز بين الاضافتين المذكورتين : بأن الأولى محضة والثانية غير محضة ، فتنبه لها ، والله الموفق.
(٢) قوله «وخلصانه» أى خالصته ، يستوي فيه الواحد والكثير ، كذا في الصحاح. وفيه : الدرمك : دقيق الحوارى. وفيه أيضا : والحوارى ما حور من الطعام ، أى بيض. وهذا دقيق حوارى ، وكل هذه بالضم كما أفاده الصحاح. (ع)
(٣) أخرجه النسائي من حديث جابر. وهو في الصحيحين بلفظ «لكل نبى حوارى وحواريي الزبير».
عليهم. وعن زيد بن على : كان ظهورهم بالحجة.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة الصف كان عيسى مصليا عليه مستغفرا له ما دام في الدنيا وهو يوم القيامة رفيقه» (١).
سورة الجمعة
مدنية ، وآياتها ١١ [نزلت بعد الصف]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(٤)
قرئت صفات الله عزّ وعلا بالرفع على المدح ، كأنه قيل : هو الملك القدوس ، ولو قرئت منصوبة لكان وجها ، كقول العرب : الحمد لله أهل الحمد. الأمى : منسوب إلى أمّة العرب ، لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤن من بين الأمم. وقيل : بدأت الكتابة بالطائف ، أخذوها من أهل الحيرة ، وأهل الحيرة من أهل الأنبار. ومعنى (بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ) بعث رجلا أميا في قوم أميين ، كما جاء في حديث شعياء : أنى أبعث أعمى في عميان ، وأمّيا في أميين (٢) وقيل منهم ، كقوله تعالى (مِنْ أَنْفُسِكُمْ) يعلمون نسبه وأحواله. وقرئ : في الأمين ، بحذف ياءى النسب
__________________
(١) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي من حديث أبى بن كعب رضى الله عنه.
(٢) أخرجه أبو نعيم في الدلائل من طريق عبد الصمد بن معقل ، سمعت وهب بن منبه يقول «أوحى الله إلى نبى من أنبياء بنى إسرائيل يقال له شعياء فذكره مطولا.
(يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ) يقرؤها عليهم مع كونه أمّيا مثلهم لم تعهد منه قراءة ولم يعرف بتعلم ، وقراءة أمى بغير تعلم آية بينة (وَيُزَكِّيهِمْ) ويطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) القرآن والسنة. وإن في (وَإِنْ كانُوا) هي المخففة من الثقيلة واللام دليل عليها ، أى : كانوا في ضلال لا ترى ضلالا أعظم منه (وَآخَرِينَ) مجرور عطف على الأميين ، يعنى : أنه بعثه في الأميين الذين على عهده ، وفي آخرين من الأميين لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون بهم ، وهم الذين بعد الصحابة رضى الله عنهم. وقيل : لما نزلت قيل : من هم يا رسول الله ، فوضع يده على سلمان ثم قال : «لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من هؤلاء» وقيل : هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم القيامة ، ويجوز أن ينتصب عطفا على المنصوب في (وَيُعَلِّمُهُمُ) أى : يعلمهم ويعلم آخرين ؛ لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندا إلى أوّله ، فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) في تمكينه رجلا أمّيا من ذلك الأمر العظيم ، وتأييده عليه ، واختياره إياه من بين كافة البشر (ذلِكَ) الفضل الذي أعطاه محمدا وهو أن يكون نبى أبناء عصره ، ونبى أبناء العصور الغوابر ، هو (فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) إعطاءه وتقتضيه حكمته.
(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(٥)
شبه اليهود ـ في أنهم حملة التوراة وقرّاؤها وحفاظ ما فيها ، ثم إنهم غير عاملين بها ولا منتفعين بآياتها ، وذلك أنّ فيها نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم والبشارة به ولم يؤمنوا به ـ بالحمار حمل أسفارا ، أى كتبا كبارا من كتب العلم ، فهو يمشى بها ولا يدرى منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب. وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله ، وبئس المثل (بِئْسَ) مثلا (مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ) وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم. ومعنى (حُمِّلُوا التَّوْراةَ) : كلفوا علمها والعمل بها ، (ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها) ثم لم يعملوا بها ، فكأنهم لم يحملوها. وقرئ : حملوا التوراة ، أى حملوها ثم لم يحملوها في الحقيقة لفقد العمل. وقرئ : يحمل الأسفار. فإن قلت : (يَحْمِلُ) ما محله؟ قلت : النصب على الحال (١) ، أو الجر على الوصف ، لأنّ الحمار كاللئيم في قوله :
ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّنى (٢)
__________________
(١) قال محمود : «إما أن يكون قوله (يَحْمِلُ) حالا ، كقوله : ولقد أمر على اللئيم يسبني قال أحمد : يريد أن المراد فيها الجنس ، فتعريفه وتنكيره سواء.
(٢) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ١٦ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(٨)
هاد يهود : إذا تهود (١) (أَوْلِياءُ لِلَّهِ) كانوا يقولون : نحن أبناء الله وأحباؤه ، أى : إن كان قولكم حقا وكنتم على ثقة (فَتَمَنَّوُا) على الله أن يميتكم وينقلكم سريعا إلى دار كرامته التي أعدّها لأوليائه ، ثم قال (وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً) بسبب ما قدّموا من الكفر ، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه» فلولا أنهم كانوا موقنين بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لتمنوا ، ولكنهم علموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد ، فما تمالك أحد منهم أن يتمنى ، وهي إحدى المعجزات. وقرئ : فتمنوا الموت ، بكسر الواو ، تشبيها بلو استطعنا. ولا فرق بين «لا» و «لن» في أن كل واحدة منهما نفى للمستقبل ، إلا أن في «لن» تأكيدا وتشديدا ليس في «لا» فأتى مرّة بلفظ التأكيد (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ) ومرّة بغير لفظه (وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ) ثم قيل لهم : (إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ) ولا تجسرون أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم ؛ لا تفوتونه وهو ملاقيكم لا محالة (ثُمَّ تُرَدُّونَ) إلى الله فيجازيكم بما أنتم أهله من العقاب. وقرأ زيد بن على رضى الله عنه : إنه ملاقيكم. وفي قراءة ابن مسعود : تفرون منه ملاقيكم ، وهي ظاهرة. وأما التي بالفاء ، فلتضمن الذي معنى الشرط ، وقد جعل (إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ) كلاما برأسه في قراءة زيد ، أى : إنّ الموت هو الشيء الذي تفرّون منه ، ثم استؤنف : إنه ملاقيكم.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(١٠)
__________________
(١) قوله «هاد يهود إذا تهود» في الصحاح : هاد يهود : تاب ورجع إلى الحق ، وهاد وتهود : إذا صار يهوديا. (ع)
يوم الجمعة : يوم الفوج المجموع ، كقولهم : ضحكة ، للمضحوك منه. ويوم الجمعة ، بفتح الميم : يوم الوقت الجامع ، كقولهم : ضحكة ، ولعنة ، ولعبة ؛ ويوم الجمعة تثقيل للجمعة ، كما قيل : عسرة في عسر. وقرئ بهنّ جميعا. فإن قلت : من في قوله (مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) ما هي؟ قلت : هي بيان لإذا وتفسير له. والنداء : الأذان. وقالوا : المراد به الأذان عند قعود الإمام على المنبر ، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن واحد ، فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد ، فإذا نزل أقام للصلاة (١) ، ثم كان أبو بكر وعمر رضى الله عنهما على ذلك ، حتى إذا كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد مؤذنا آخر ، فأمر بالتأذين الأوّل على داره التي تسمى زوراء ، فإذا جلس على المنبر : أذن المؤذن الثاني ، فإذا نزل أقام للصلاة ، فلم يعب ذلك عليه. وقيل : أول من سماها «جمعة» كعب بن لؤي ، وكان يقال لها : العروبة. وقيل : إنّ الأنصار قالوا : لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام ، وللنصارى مثل ذلك ، فهلموا نجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر الله فيه ونصلى. فقالوا : يوم السبت لليهود ، ويوم الأحد للنصارى ، فاجعلوه يوم العروبة فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم ، فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه ، فأنزل الله آية الجمعة ، فهي أوّل جمعة ، كانت في الإسلام (٢) وأما أوّل جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهي : أنه لما قدم المدينة مهاجرا نزل قباء على بنى عمرو بن عوف ، وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس ، وأسس مسجدهم ، ثم خرج يوم الجمعة عامدا المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بنى سالم بن عوف في بطن واد لهم ، فخطب وصلى الجمعة (٣). وعن بعضهم : قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث : افتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه ، فكذبهم في قوله (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) وبأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم بالحمار يحمل أسفارا ، وبالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع الله لهم الجمعة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أهبط إلى الأرض ، وفيه تقوم الساعة ، وهو عند الله يوم المزيد. وعنه عليه السلام : «أتانى جبريل وفي كفه مرآة بيضاء وقال : هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدا ولأمّتك من بعدك ، وهو سيد الأيام عندنا ، ونحن
__________________
(١) متفق عليه من حديث السائب بن يزيد بغير هذا السياق ، وليس فيه على باب المسجد.
(٢) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين بهذا مطولا. وأخرجه الثعلبي من طريقه. وروى الطبراني من حديث كعب بن مالك نحوه باختصار.
(٣) أخرجه ابن إسحاق في المغازي عن محمد بن جعفر عن عروة بن عبد الرحمن بن عويم أخبرنى بعض قومي قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين. ذكر ذلك مطولا. ومن طريقه البيهقي في الدلائل. وذكره ابن هشام في مختصره عن ابن إسحاق بغير إسناد
ندعوه إلى الآخرة يوم المزيد» (١). وعنه صلى الله عليه وسلم : «إنّ لله تعالى في كل جمعة ستمائة ألف عتيق من النار (٢). وعن كعب : إنّ الله فضل من البلدان : مكة ، ومن الشهور : رمضان ، ومن الأيام : الجمعة. وقال عليه الصلاة والسلام «من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد ، ووقى فتنة القبر» (٣) وفي الحديث : «إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد (٤) بأيديهم صحف من فضة وأقلام من ذهب ، يكتبون الأوّل فالأوّل على مراتبهم» (٥) وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج.
__________________
(١) متفق عليه دون قوله «وهو عند الله يوم المزيد» البزار والطبري من طريق جهضم بن عبد الله بن الطفيل عن أبى طيبة عن عثمان بن عمير عن أنس بهذا مطولا. ولفظه «ونحن ندعوه في الآخرة» وهو الصواب وفي رواية الطبري في تفسير في حدثنا جهضم بن عبد الله بن الطفيل عن أبى طيبة عن عثمان بن عمير عن أنس بهذا مطولا ولفظه «ونحن ندعوه في الآخرة» وهو الصواب. وفي رواية الطبري في تفسير ق حدثني أبو طيبة عن معاوية العبسي عن عثمان. ورواه ابن مردويه من رواية على بن الحكم البناني وعنبسة بن سعيد ، كلاهما عن عثمان بن عمير عن أنس به. وطريق على بن الحكم عن أبى يعلى وأخرجه ابن أبى شيبة وإسحاق من رواية ليث بن أبى سليم عن عثمان ابن عمير به. ورواه الشافعي بإسناد واه قال : أخبرنى إبراهيم بن أبى يحيى حدثني موسى بن عبيدة حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عبد الله بن عمير أنه سمع أنس بن مالك نحوه. وله طريق أخرى عن أنس أخرجه الطبراني في الأوسط. من رواية ثابت بن ثوبان عن سالم بن عبد الله عن أنس. وقال إسحاق بن راهويه. أخبرنا محمد بن شعيب حدثني عمر مولى عمرة عن أنس. وله شاهد من حديث حذيفة أخرجه البزار من رواية القاسم بن مطيب عن الأعمش عن أبى وائل عنه.
(٢) أخرجه أبو يعلى والبيهقي في الشعب وابن عدى وابن حبان من رواية أزور بن غالب عن سليمان التيمي عن ثابت عن أنس والأزور. قال الدارقطني : متروك. رواه أبو يعلى من رواية المعتمر بن نافع عن عبد الله العمرى عن ثابت حدثني أنس ، وأخرجه البخاري وفي التاريخ في ترجمة المعتمر. وأخرجه الدارقطني في الأفراد من رواية عبد الواحد بن زيد بن ثابت.
(٣) قال عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن رجل عن ابن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقى فتنة القبر وكتب له أجر شهيد» وقال أبو مرة في السنن : ذكر ابن جريج أخبرنى سفيان عن ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو مرفوعا مثله. ومن طريق ربيعة أخرجه الترمذي ولم يذكر الشهادة وقال : غريب وليس لربيعة سماع من عبد الله بن عمرو انتهى. وقد وصله الطبراني وأبو يعلى من حديث ربيعة عن عياض عن قبة العزى عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما. وله طريق أخرى أخرجها أحمد وإسحاق والطبراني من رواية بقية : حدثني معاوية عن سعيد سمعت أبا قبيل سمعت عبد الله بن عمرو نحوه. ورواه أبو نعيم في الحلية في ترجمة ابن المنكدر من طريق عمر بن موسى بن الوجيه عن جابر ، بلفظ «من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة أجير من عذاب القبر ، وجاء يوم القيامة عليه طابع الشهداء».
(٤) قوله «على أبواب المسجد» لعله «المساجد». وفي الخازن : إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المساجد ملائكة يكتبون ... الخ». (ع)
(٥) أخرجه ابن مردويه من طريق عمرو بن سمرة عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن على وإسناده ضعيف جدا. وهو في الصحيح من حديث أبى هريرة دون قوله بأيديهم صحاف من فضة وأقلام من ذهب».
وقيل : أوّل بدعة أحدثت في الإسلام : ترك البكور إلى الجمعة. وعن ابن مسعود : أنه بكر فرأى ثلاثة نفر سبقوه ، فاغتم وأخذ يعاتب نفسه يقول : أراك رابع أربعة وما رابع أربعة بسعيد (١). ولا تقام الجمعة عند أبى حنيفة رضى الله عنه إلا في مصر جامع ، لقوله عليه السلام : «لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع» (٢) والمصر الجامع : ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام ، ومن شروطها الإمام أو من يقوم مقامه ، لقوله عليه السلام «فمن تركها وله إمام عادل أو جائر ... الحديث» (٣) وقوله صلى الله عليه وسلم : «أربع إلى الولاة : الفيء ، والصدقات «والحدود ، والجمعات» (٤). فإن أمّ رجل بغير إذن الإمام أو من ولاه من قاض أو صاحب شرطة : لم يجز ، فإن لم يكن الاستئذان فاجتمعوا على واحد فصلى بهم : جاز ، وهي تنعقد بثلاثة سوى الإمام. وعند الشافعي بأربعين. ولا جمعة على المسافرين والعبيد والنساء والمرضى والزمنى ، ولا على الأعمى عند أبى حنيفة ، ولا على الشيخ الذي لا يمشى إلا بقائد. وقرأ عمر وابن عباس وابن مسعود وغيرهم : فامضوا. وعن عمر رضى الله عنه أنه سمع رجلا يقرأ : فاسعوا ، فقال : من أقرأك هذا؟ قال أبىّ بن كعب ، فقال : لا يزال يقرأ بالمنسوخ ، لو كانت (فَاسْعَوْا) لسعيت حتى يسقط ردائي. وقيل : المراد بالسعي القصد دون
__________________
(١) أخرجه ابن ماجة والبزار من رواية الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال «خرجت مع عبد الله بن مسعود إلى الجمعة ، فوجد ثلاثة قد سبقوه ـ فذكره. وليس فيه فاغتم وأخذ يعاتب نفسه ، وزاد «إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الناس يجلسون من الله يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعات» واختلفا في الراوي عن الأعمش مع اتفاقهما على أنه من رواية عبد المجيد بن أبى رواد. ففي ابن ماجة بينهما معمر وفي البزار بينهما مروان بن سالم. وذكره ابن أبى حاتم في العلل روى عن عبد المجيد عن الثوري عن الأعمش. وهذا لا يصح عن الثوري.
(٢) لم أره مرفوعا ورواه ابن أبى شيبة عن على. وإسناده ضعيف.
(٣) أخرجه ابن ماجة من رواية عبد الله بن محمد العدوى عن على بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن جابر قال «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا ـ الحديث بطوله» وفيه هذا وغيره أخرجه ابن عدى. وروى عن وكيع أن العدوى كان يضع الحديث. وله طريق أخرى عند أبى يعلى من رواية فضيل بن مرزوق : أخبرنى الوليد بن بكير عن نمر بن على عن سعيد بن المسيب. وفي إسناده نظر. فقال : رواه الطبراني في الأوسط من رواية موسى بن عطية الباهلي عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبى سعيد. وقال : تفرد به يحيى بن حبيب عن موسى بن عطية. وقال : رواه أسد بن موسى وعبد الله بن صالح العجلى عن فضيل بن مرزوق عن الوليد بن بكير عن عبد الله بن محمد العدوى عن على بن زيد عن سعيد عن جابر. قلت : فرجعت الرواية الأخرى إلى العدوى وقال ابن حبان في الضعفاء : أخبرنا ابن خزيمة حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن غزوان حدثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد ، وقال محمد بن عبد الرحمن يروى العجائب. ورواه في الضعفاء أيضا من طريق خالد بن عبد الدائم حدثنا نافع بن يزيد عن زهرة بن معبد عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة وأهله بخالد بن عبد الدايم. وقال الدارقطني في العلل : اختلف زهرة وعلى في صحته. وكلاهما غير ثابت.
(٤) لم أره مرفوعا.
العدو ، والسعى : التصرف في كل عمل. ومنه قوله تعالى (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) ، (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) وعن الحسن : ليس السعى على الأقدام ، ولكنه على النيات والقلوب. وذكر محمد بن الحسن رحمه الله في موطنه : أن عمر سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي. قال محمد : وهذا لا بأس به ما لم يجهد نفسه (إِلى ذِكْرِ اللهِ) إلى الخطبة والصلاة ، ولتسمية الله الخطبة ذكرا له قال أبو حنيفة رحمه الله : إن اقتصر الخطيب على مقدار يسمى ذكرا لله كقوله : الحمد لله ، سبحان الله : جاز (١). وعن عثمان أنه صعد المنبر فقال : الحمد لله وأرتج عليه ، فقال : إن أبا بكر وعمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالا ، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوّال ، وستأتيكم (٢) الخطب ، ثم نزل ، وكان ذلك بحضرة الصحابة ولم ينكر عليه أحد. وعند صاحبيه والشافعي : لا بد من كلام يسمى خطبة. فإن قلت : كيف يفسر ذكر الله بالخطبة وفيها ذكر غير الله؟ (٣) قلت : ما كان من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله ، فأمّا ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم ، وهم أحقاء بعكس ذلك ، فمن ذكر الشيطان وهو من ذكر الله على مراحل ، وإذا قال المنصت للخطبة لصاحبه «صه» فقد لغا ، أفلا يكون الخطيب الغالي في ذلك لا غيا ، نعوذ بالله من غربة الإسلام ونكد الأيام. أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا ، وإنما خص البيع من بينها لأن يوم
__________________
(١) قال : محمود «استدل بذلك على مذهب أبى حنيفة رحمه الله ... الخ» قال أحمد : ولا دليل فيه ، فان العرب تسمى الشيء باسم بعض ما يشتمل عليه ، كما سميت الصلاة مرة قرآنا ومرة سجودا ومرة ركوعا ، لأنها مشتملة على ذلك ، فكذلك الخطبة لما كانت مشتملة على ذكر الله سميت به ، ولا يلزم أن يكون كذلك كل ما اشتملت عليه. لا سيما والمسمى خطبة عند العرب لا بد وأن يزيد على القدر الذي اكتفى به أبو حنيفة. قال بعض أصحاب مالك رحمه الله : أقلها حمد الله والصلاة على نبيه وتحذير وتبشير وقرآن.
(٢) أتبع الزمخشري الاستدلال على مذهب أبى حنيفة بالآية ، بأثر عن عثمان : وهو أنه صعد المنبر فقال إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال ، وستأتيكم الخطب ثم نزل وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه أحد» قال أحمد : سلمه بلا اشتباه ، فإن عثمان لم يصدر ذلك منه في خطبة الجمعة ، وإنما كان ذلك في ابتداء خلافته وصعوده المنبر للبيعة ، وكانت عادة العرب الخطب في المهمات. ألا ترى إلى قوله : وستأتيكم بعد ذلك الخطب ، فان ذلك يحقق أن مقالته هذه ليست بخطبة ، ولو كان في الجمعة لكان تاركا للخطبة بالكلية ، وهي منقولة في التاريخ أنه أرتج عليه فقال : سيجعل الله بعد عسر يسرا وبعد عي بيانا ، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال ، وستأتيكم الخطب.
(٣) قال محمود : «إن قلت : كيف فسر ذكر الله بالخطبة وفيه ذكر غير الله ، وأجاب بأن ذكر رسول الله والصحابة والخلفاء الراشدين ... الخ» قال أحمد : الدعاء السلطان الواجب الطاعة مشروع بكل حال. وقد نقل عن بعض السلف أنه دعا لسلطان ظالم فقيل له : أتدعو له وهو ظالم؟ فقال : إي والله أدعو ، له إن ما يدفع الله ببقائه أعظم مما يندفع بزواله ، لا سيما إذا ضمن ذلك الدعاء بصلاحه وسداده وتوفيقه ، والله الموفق.
الجمعة يوم يهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم ، وينصبون إلى المصر من كل أوب ووقت هبوطهم واجتماعهم واغتصاص الأسواق بهم إذا انتفخ النهار (١) وتعالى الضحى ودنا وقت الظهيرة ، وحينئذ تحرّ التجارة ويتكاثر البيع والشراء ، فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول بالبيع عن ذكر الله والمضي إلى المسجد ، قيل لهم : بادروا تجارة الآخرة ، واتركوا تجارة الدنيا ، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح (وَذَرُوا الْبَيْعَ) الذي نفعه يسير وريحه مقارب. فإن قلت : فإذا كان البيع في هذا الوقت مأمورا بتركه محرما ، فهل هو فاسد؟ قلت: عامّة العلماء على أن ذلك لا يوجب فساد البيع. قالوا : لأنّ البيع لم يحرم لعينه ، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب ، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب ، والوضوء بماء مغصوب ، وعن بعض الناس : أنه فاسد. ثم أطلق لهم ما حظر عليهم بعد قضاء الصلاة من الانتشار وابتغاء الربح ، مع التوصية بإكثار الذكر ، وأن لا يلهيهم شيء من تجارة ولا غيرها عنه ، وأن تكون هممهم في جميع أحوالهم وأوقاتهم موكلة به لا يتفصون عنه ، لأنّ فلاحهم فيه وفوزهم منوط به : وعن ابن عباس : لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا ، إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله : وعن الحسن وسعيد بن المسيب : طلب العلم ، وقيل : صلاة التطوّع : وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا نظرا في هذه الآية.
(وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)(١١)
روى أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد ، فقدم دحية بن خليفة بتجارة من زيت الشام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ، فقاموا إليه ، خشوا أن يسبقوا إليه ، فما بقي معه إلا يسير. قيل : ثمانية ، وأحد عشر ، واثنا عشر ، وأربعون ، فقال عليه السلام : «والذي نفس محمد بيده ، لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي (٢) نارا» وكانوا إذا
__________________
(١) قوله «إذا انتفخ النهار» أى علا. وقوله «تحر» أى تعطش أو يشتد حرها. أفاده الصحاح. (ع)
(٢) هكذا ذكره الواحدي عن المفسرين. وذكره الثعلبي ثم البغوي عن الحسن بغير إسناد. ولفظ الحسن أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه قال «أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر. فقدمت عير والنبي صلى الله عليه وسلم قائم يخطب يوم الجمعة فسمعوا بها وخرجوا إليها والنبي صلى الله عليه وسلم قائم يخطب كما هو ، فأنزل الله تعالى (وَتَرَكُوكَ قائِماً) فقال : لو اتبع آخرهم أولهم لا لتهب الوادي عليهم نارا» وفي رواية أبى سفيان الآتية عند ابن حبان نحوه قال «والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال الوادي عليكم نارا : «نزلت هذه الآية» وتعيين دحية في قوله «خشوا أن يسبقوا إليه» رواه الطبري مختصرا من رواية السدى عن ابن مالك قال :
أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق ، فهو المراد باللهو : وعن قتادة : فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل مقدم عير. فإن قلت : فإن اتفق تفرق الناس عن الإمام في صلاة الجمعة كيف يصنع؟ قلت : إن بقي وحده أو مع أقل من ثلاثة ، فعند أبى حنيفة : يستأنف الظهر إذا نفروا عنه قبل الركوع. وعند صاحبيه : إذا كبر وهم معه مضى فيها. وعند زفر : إذا نفروا قبل التشهد بطلت. فإن قلت : كيف قال (إِلَيْها) وقد ذكر شيئين؟ قلت : تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها ، أو لهوا انفضوا إليه : فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه ، وكذلك قراءة من قرأ : انفضوا إليه. وقراءة من قرأ : لهوا أو تجارة انفضوا إليها. وقرئ : إليهما.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة الجمعة أعطى من الأجر عشر حسنات بعدد من أتى الجمعة وبعدد من لم يأتها في أمصار المسلمين» (١).
__________________
قدم دحية بن خليفة بتجارة زبيب من الشام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة. فلما رأوه قاموا خشية أن يسبقوا إليه فنزلت (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً ـ) الآية وروى البزار من طريق عكرمة عن ابن عباس قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ، فجاء دحية يبيع سلعة فما بقي في المسجد أحد إلا خرج ـ إلا نفر ـ والنبي صلى الله عليه وسلم قائم فنزلت. وأصل هذه القصة في الصحيحين من رواية حصين عن سالم بن أبى الجعد عن جابر قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب قائما يوم الجمعة فجاءت عير من الشام فانفتل الناس حتى لم يبق إلا اثنى عشر رجلا فأنزلت» وفي لفظ مسلم «منهم أبو بكر وعمر» وفي رواية له «أنا فيهم» وفي رواية البخاري «بينما نحن نصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبلت عير» قال البيهقي : المراد بقوله نصلى أى نسمع الخطبة ، جمعا بين الروايتين انتهى. وقد أخرجه ابن حبان من رواية أبى سفيان عن جابر كذلك. ولفظه «بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة. فقدمت عير من الشام إلى المدينة فابتدرها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق معه إلا اثنى عشر رجلا ـ الحديث» ويؤيده حديث كعب بن عجرة عند مسلم «أنه أنكر على عبد الرحمن بن أم الحكم أن يخطب قاعدا. فقال : انظروا إلى هذا يخطب قاعدا. والله يقول : وتركوك قائما» ويدل أيضا على أنه كان في الخطبة ما رواه أبو داود في المراسيل من رواية بكر بن معروف عن مقاتل بن حيان قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى يوم الجمعة قبل الخطبة حتى إذا كان ذات يوم وهو يخطب وقد صلى الجمعة فدخل رجل فقال : إن دحية قد قدم. وكان إذا قدم تلقوه بالدفاف فخرج الناس ، لم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء فأنزل الله الآية. فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة «وأخر الصلاة» «تنبيه» لم أقف على رواية أنهم كانوا ثمانية ولا أحد عشر ، وأما رواية اثنى عشر فهي المشهورة الصحيحة. ورواية الأربعين أخرجها الدارقطني من طريق على بن عاصم عن حصين : وقال : لم يقل أحد من أصحاب حصين أربعون إلا على بن عاصم. والكل قالوا : اثنى عشر رجلا. وكذلك قال أبو سفيان عن جابر كما تقدم عند ابن حبان.
(١) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب رضى الله عنه.
سورة المنافقون
مدنية ، وهي إحدى عشرة آية [نزلت بعد الحج]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ)(٣)
أرادوا بقولهم (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم (١). فقال الله عزّ وجلّ : قالوا ذلك (وَاللهُ يَعْلَمُ) أن الأمر كما يدل عليه قولهم : إنك لرسول الله ، والله يشهد إنهم لكاذبون في قولهم : نشهد ، وادعائهم فيه المواطأة. أو إنهم لكاذبون فيه ، لأنه إذا خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة ، فهم كاذبون في تسميته شهادة. أو أراد : والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم : لأنهم كانوا يعتقدون أنّ قولهم (إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه. فإن قلت : أى فائدة في قوله تعالى (وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ)؟ قلت : لو قال : قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد إنهم الكاذبون ، لكان يوهم أنّ قولهم هذا كذب ، فوسط بينهما قوله (وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) ليميط هذا الإيهام (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) يجوز أن يراد أنّ قولهم نشهد إنك لرسول الله يمين من أيمانهم الكاذبة ، لأنّ الشهادة تجرى مجرى الحلف فيما يراد به من التوكيد ، يقول الرجل : أشهد وأشهد بالله ، وأعزم وأعزم
__________________
(١) قال محمود : «إنما كذبهم لأنهم ادعوا أن شهادتهم بألسنتهم تواطئ لقلوبهم ... الخ» قال أحمد : ومثل هذا من نمطه المليح قوله (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا) وقد كان المطابق لقوله (وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا) أن يقال لهم : لا تقولوا آمنا ، ولكنه لما كان موهما للنهى عن قول الايمان عدل عنه على ما فيه من الطباق إلى ما سلم الكلام فيه من الوهم ، وذلك أجل وأعظم من فائدة المطابقة ، لا سيما في مخاطبة هؤلاء الذين كانوا يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة. ألا تراهم كيف غالطوا أنفسهم متغابين ، ولبسوا على ضعفهم متجاهلين عند ما أنزل قوله (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ).
بالله في موضع أقسم وأولى. وبه استشهد أبو حنيفة رحمه الله على أن «أشهد» يمين (١). ويجوز أن يكون وصفا للمنافقين في استجنانهم بالأيمان. وقرأ الحسن البصري : إيمانهم ، أى : ما أظهروه من الإيمان بألسنتهم. ويعضده قوله تعالى (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا). (ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) من نفاقهم وصدهم الناس عن سبيل الله. وفي (ساءَ) معنى التعجب الذي هو تعظيم أمرهم عند السامعين (ذلِكَ) إشارة إلى قوله (ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) أى ذلك القول الشاهد عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالا بسبب (بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا) أو إلى ما وصف من حالهم في النفاق والكذب والاستجنان بالأيمان ، أى : ذلك كله بسبب أنهم آمنوا ثم كفروا (فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ) فجسروا على كل عظيمة. فإن قلت : المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم ، (٢) فما معنى قوله (آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا)؟ قلت : فيه ثلاثة أوجه ، أحدها : آمنوا ، أى : نطقوا بكلمة الشهادة وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام ، ثم كفروا : ثم ظهر كفرهم بعد ذلك وتبين بما أطلع عليه من قولهم : إن كان ما يقوله محمد حقا فنحن حمير ، وقولهم في غزوة تبوك : أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات. ونحوه قوله تعالى (يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ) أى : وظهر كفرهم بعد أن أسلموا. ونحوه قوله تعالى (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ) والثاني آمنوا : أى نطقوا بالإيمان عند المؤمنين ، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام ، كقوله تعالى (وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا) إلى قوله تعالى (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) والثالث : أن يراد أهل الردة منهم. وقرئ : فطبع على قلوبهم. وقرأ زيد بن على : فطبع الله.
__________________
(١) قال محمود : «استدل لأبى حنيفة على أن قول القائل «أشهد» يمين بقوله (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) ولم يصدر منهم إلا قولهم (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) فجعله يمينا» قال أحمد : أحد القولين عند مالك رحمه الله إذا قال أشهد وأحلف وأقسم ولم ينو بالله ولا بغيره ، كما نقل عن أبى حنيفة أنه يمين وليس بالمشهور. أما لو نوى بالله وإن لم بتلفظ فيمين بلا إشكال ، وليس فيما ذكره دليل على ما ذكره ، فان قوله (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) غايته أن ما ذكروه يسمى يمينا ، وليس الخلاف في تسميته يمينا ، وإنما الخلاف هل يكون يمينا منعقدة يلزم بالحنث فيها كفارة أم لا؟ وليس كل ما يسمى حلفا أو قسما يوجب حكما ، ألا ترى أنه لو قال : «أحلف» ولم يقل «بالله» ولا بغيره ، فهو من محال الخلاف في وجوب الكفارة به ، وإن كان حلفا لغة باتفاق ، لأنه فعل مشتق منه.
(٢) قال محمود : «المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم ... الخ. قال أحمد : ويحتمل وجها رابعا وهو أنهم آمنوا به قبل مبعثه على الصفة المذكورة في التوراة ، لأنهم كانوا يسمعونها من جيرانهم اليهود ، ثم كفروا به بعد مبعثه وموافقة الصفة ، ولعل في المنافقين يهودا ، وإن لم يكن فقد كان الايمان قبل مبعثه من الفريقين : اليهود وعبدة الأوثان من العرب ، إلى نزول قوله (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) كيف حكى الله تعالى عن الفريقين ما كانوا يقولونه. والبينة : النبي صلى الله عليه وسلم.
(وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)(٤)
كان عبد الله بن أبىّ رجلا جسيما صبيحا ، فصيحا ، ذلق اللسان (١) وقوم من المنافقين في مثل صفته ، وهم رؤساء المدينة ، وكانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستندون فيه ، ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن (٢) ؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم ومن حضر يعجبون بهياكلهم ويسمعون إلى كلامهم. فإن قلت : ما معنى قوله (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ)؟ قلت : شبهوا في استنادهم ـ وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير ـ بالخشب المسندة إلى الحائط ؛ ولأنّ الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع ، وما دام متروكا فارغا غير منتفع به أسند إلى الحائط ، فشبهوا به في عدم الانتفاع. ويجوز أن يراد بالخشب المسندة : الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحيطان ، شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم ، والخطاب في (رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ) لرسول الله ، أو لكل من يخاطب. وقرئ : يسمع ، على البناء للمفعول ، وموضع (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ) رفع على : هم كأنهم خشب. أو هو كلام مستأنف لا محل له. وقرئ : خشب جمع خشبة ، كبدنة وبدن. وخشب ، كثمرة وثمر. وخشب ، كمدرة ومدر ، وهي في قراءة ابن عباس. وعن اليزيدي أنه قال في (خُشُبٌ) : جمع خشباء ، والخشباء :
الخشبة التي دعر جوفها (٣) : شبهوا بها في نفاقهم وفساد بواطنهم (عَلَيْهِمْ) ثانى مفعولي يحسبون (٤) ، أى : يحسبون كل صيحة واقعة عليهم وضارة لهم ، لجبنهم وهلعهم وما في قلوبهم من الرعب : إذا نادى مناد في العسكر أو انفلتت دابة أو أنشدت ضالة : ظنوه إيقاعا بهم. وقيل : كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم. ومنه أخذ الأخطل :
__________________
(١) قوله «فصيحا ذلق اللسان» أى طلق اللسان ، كذا في الصحاح. (ع)
(٢) قال محمود : «كانوا يجالسون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستندون في المجلس ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن ... الخ» : قال أحمد : وفيما قال اليزيدي نظر من حيث مقتضى العربية ، وإلا فهو متمكن المعنى ، وذلك أنها قرئت بضم الشين وسكونها قراءتين مستفيضتين ، ففيه دليل أن أصلها الضم ، والسكون إنما هو طارئ عليه تخفيفا ، وهذا يبعد كونها جمع خشباء على وزن فعلاء ، لأن قياس جمعه فعل بسكون العين كحمراء وحمر ، ولا يطرأ الضم ، فلو كان كما قال لم تضم شينها ، والله تعالى أعلم.
(٣) قوله «التي دعر جوفها» أى فسد. أفاده الصحاح. (ع)
(٤) قال محمود : «المفعول الثاني (عَلَيْهِمْ) تقديره : واقعة عليهم ... الخ» قال أحمد : وغلا المتنبي في المعنى فقال :
|
وضاقت الأرض حتى صار هاربهم |
|
إذا رأى غير شيء ظنه رجلا |
|
ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهم |
|
خيلا تكرّ عليهم ورجالا (١) |
يوقب على (عَلَيْهِمْ) ويبتدأ (هُمُ الْعَدُوُّ) أى الكاملون في العداوة : لأنّ أعدى الأعداء العدوّ المداجى (٢) ، الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوىّ (فَاحْذَرْهُمْ) ولا تغترر بظاهرهم. ويجوز أن يكون (هُمُ الْعَدُوُّ) المفعول الثاني ، كما لو طرحت الضمير. فإن قلت : فحقه أن يقال : هي العدوّ. قلت : منظور فيه إلى الخبر ، كما ذكر في (هذا رَبِّي) وأن يقدر مضاف محذوف على : يحسبون كل أهل صيحة (قاتَلَهُمُ اللهُ) دعاء عليهم ، وطلب من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم. أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) كيف يعدلون عن الحق تعجبا من جهلهم (٣) وضلالتهم.
(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ)(٦)
(لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ) عطفوها وأمالوها إعراضا عن ذلك واستكبارا. وقرئ بالتخفيف والتشديد للتكثير.
(هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ)(٨)
روى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين لقى بنى المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم وقتل منهم : ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد أجير لعمر يقود فرسه،
__________________
(١) للأخطل ، يقول : لا زلت يا جرير تظن كل شيء بعدهم ، أى : بعد خذلان قومك. ويجوز أن بعدهم بمعنى غيرهم ، خيلا تكر : أى ترجع بسرعة عليهم ورجالا لكثرة ما قام بقلبك من الخوف.
(٢) قوله «العدو المداجى الذي يكاشرك» أى المدارى. والكثر : التهسم تبدو منه الأسنان. والدوى ـ مقصور ـ المرض ، تقول : دوى الرجل ـ بالكسر : مرض ودوى صدره أيضا : ضغن. ودوىّ الريح : حفيفها ، كذا في الصحاح. (ع)
(٣) قوله «تعجبا من جهلهم» لعله تعجب ، بل لعله : تعجيب. (ع)
وسنان الجهني حليف لعبد الله بن أبىّ ، واقتتلا ، فصرخ جهجاه : يا للمهاجرين : وسنان : يا للأنصار ، فأعان جهجاها جعال من فقراء المهاجرين ولطم سنانا ، فقال عبد الله لجعال. وأنت هناك ، وقال : ما صحبنا محمدا إلا لنلطم ، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال : سمن كلبك يأكلك ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل ، عنى بالأعز : نفسه ، وبالأذل : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال لقومه : ما ذا فعلتم بأنفسكم؟ أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم ، أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم ، ولأوشكوا أن يتحوّلوا عنكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد ، فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث ، فقال : أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك ، ومحمد في عزّ من الرحمن وقوّة من المسلمين ، فقال عبد الله : اسكت فإنما كنت ألعب ، فأخبر زيد رسول الله فقال عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله ، فقال : إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب. قال : فإن كرهت أن يقتله مهاجرى ، فأمر به أنصاريا فقال : فكيف إذا تحدّث الناس أنّ محمدا يقتل أصحابه ، وقال عليه الصلاة والسلام لعبد الله : أنت صاحب الكلام الذي بلغني؟ قال : والله الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك ، وإن زيدا لكاذب ، وهو قوله تعالى (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) فقال الحاضرون : يا رسول الله : شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام ، عسى أن يكون قد وهم. وروى أن رسول الله قال له : لعلك غضبت عليه ، قال : لا ، قال : فلعله أخطأ سمعك ، قال : لا ، قال : فلعله شبه عليك ، قال : لا. فلما نزلت : لحق رسول الله زيدا من خلفه فعرك أذنه وقال : وفت أذنك يا غلام ، إنّ الله قد صدقك وكذب المنافقين (١). ولما أراد عبد الله أن يدخل المدينة : اعترضه ابنه حباب ، وهو عبد الله بن عبد الله غير رسول الله اسمه ، وقال : إنّ حبابا اسم شيطان. وكان مخلصا وقال : وراءك ، والله ، لا تدخلها حتى تقول رسول الله الأعز وأنا الأذل ، فلم يزل حبيسا في يده حتى أمره رسول الله بتخليته (٢). وروى أنه قال له:
__________________
(١) هكذا ذكره الواقدي في المغازي بغير إسناد وعزاه إلى الثعلبي والواحدي ولأصحاب السير ، وأخرجه ابن إسحاق في السيرة : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، وعبد الله بن أبى بكر ومحمد بن يحيى بن حبان كل قد حدثني بعض حديث بنى المصطلق ـ فذكر للغزوة بطولها والقصة المذكورة باختلاف يسير. وكذا أخرجه الطبري من طريقه وأصل القصة في الصحيحين من طريق أبى إسحاق عن زيد بن أرقم قال «كنت مع عمى فسمعت عبد الله بن أبى يقول ـ الحديث ـ وأوله عندهما أيضا من طريق عمرو بن دينار عن جابر قال «كنا في غزوة بنى المصطلق فتبع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار» ورواه الترمذي والنسائي والحاكم من طريق أبى سعد الأودى حدثنا زيد بن أرقم قال «غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان معنا أناس من الأعراب فكنا نبتدر الماء وكان الأعراب يسبقوننا فسبق أعرابى. فملأ الحوض» فذكر القصة بطولها. وفي سياقها اختلاف.
(٢) هكذا ذكره الثعلبي موصولا بالذي قبله ، وروى الزبيدي من طريق عمرو بن دينار عن جابر أصل القصة وقال بعد عمر : دعني أضرب عنقه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» قال وقال ـ
لئن لم تقرّ لله ورسوله بالعز لأضر بن عنقك ، فقال : ويحك ، أفاعل أنت؟ قال : نعم. فلما رأى منه الجدّ قال : أشهد أنّ العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ، فقال رسول الله لابنه : جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرا (١) ، فلما بان كذب عبد الله قيل له : قد نزلت فيك آي شداد ، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك ، فلوى رأسه ثم قال : أمرتموني أن أو من فآمنت ، وأمرتموني أن أزكى مالى فزكيت ، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد ، فنزلت (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ) ولم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات (٢) (سَواءٌ عَلَيْهِمْ) الاستغفار وعدمه ، لأنهم لا يلتفتون إليه ولا يعتدون به لكفرهم. أو لأن الله لا يغفر لهم. وقرئ : استغفرت ، على حذف حرف الاستفهام ؛ لأنّ «أم» المعادلة تدل عليه. وقرأ أبو جعفر : آستغفرت ، إشباعا لهمزة الاستفهام للإظهار والبيان ، لا قلبا لهمزة الوصل ألفا ، كما في : آلسحر ، وآلله (يَنْفَضُّوا) يتفرقوا. وقرئ : ينفضوا ، من انفض القوم إذا فنيت أزوادهم. وحقيقته : حان لهم أن ينفضوا مزاودهم (وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) وبيده الأرزاق والقسم ، وفهو رازقهم منها ، وإن أبى أهل المدينة أن ينفقوا عليهم ، ولكن عبد الله وأضرابه جاهلون (لا يَفْقَهُونَ) ذلك فيهذون بما يزين لهم الشيطان. وقرئ : ليخرجنّ الأعز منها الأذل بفتح الياء. وليخرجنّ ، على البناء للمفعول. قرأ الحسن وابن أبى عبلة : لنخرجنّ ، بالنون ونصب الأعز والأذل. ومعناه : خروج الأذل. أو إخراج الأذل. أو مثل الأذل (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ) الغلبة والقوّة ، ولمن أعزه الله وأيده من رسوله ومن المؤمنين ، وهم الأخصاء بذلك ، كما أنّ المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين. وعن بعض الصالحات ـ وكانت في هيئة رثة ـ ألست على الإسلام؟ وهو العز الذي لا ذل معه ، والغنى الذي لا فقر معه. وعن الحسن بن على رضى الله عنهما : أنّ رجلا قال له. إنّ الناس يزعمون أنّ فيك تيها ، قال : ليس بتيه ، ولكنه عزة ، وتلا هذه الآية.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ)(٩)
__________________
غير عمر وقال له ابنه عبد الله بن عبد الله «والله لا تنفلت حتى تقول إنك الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز ففعل» قلت : وأصل حديث جابر في الصحيح.
(١) هكذا أورده الثعلبي موصولا بالحديث الذي قبله.
(٢) ذكره الثعلبي موصولا بالذي قبله. وأخرجه الطبري من رواية إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن بشر بن مسلم «أنه قيل لعبد الله بن أبى : يا أبا الحباب : إنه أنزل آي شداد ، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فذكره أخصر منه.
(لا تُلْهِكُمْ) لا تشغلكم (أَمْوالُكُمْ) والتصرف فيها : والسعى في تدبير أمرها : والتهالك على طلب النماء فيها بالتجارة والاغتلال ، وابتغاء النتاج والتلذذ بها ، والاستمتاع بمنافعها (وَلا أَوْلادُكُمْ) وسروركم بهم ، وشفقتكم عليهم ، والقيام بمؤنهم ، وتسوية ما يصلحهم من معايشهم في حياتكم وبعد مماتكم ، وقد عرفتم قدر منفعة الأموال والأولاد ، وأنه أهون شيء وأدونه في جنب ما عند الله (عَنْ ذِكْرِ اللهِ) وإيثاره عليها (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) يريد الشغل بالدنيا عن الدين (فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) في تجارتهم حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني. وقيل : ذكر الله الصلوات الخمس. وعن الحسن : جميع الفرائض ، كأنه قال : عن طاعة الله. وقيل : القرآن. وعن الكلبي : الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)(١١)
من في (مِمَّا رَزَقْناكُمْ) للتبعيض ، والمراد : الإنفاق الواجب (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) من قبل أن يرى دلائل الموت ، ويعاين ما بيأس معه من الإمهال ، ويضيق به الخناق ، ويتعذر عليه الإنفاق ويفوت وقت القبول ، فيتحسر على المنع ، ويعضّ أنا مله على فقد ما كان متمكنا منه. وعن ابن عباس رضى الله عنه : تصدّقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت ، فلا تقبل توبة ، ولا ينفع عمل. وعنه : ما يمنع أحدكم إذا كان له مال أن يزكى ، وإذا أطاق الحج أن يحج من قبل أن يأتيه الموت ، فيسأل ربه الكرة فلا يعطاها. وعنه : أنها نزلت في ما نعى الزكاة ، وو الله لو رأى خيرا لما سأل الرجعة ، فقيل له : أما تتقى الله ، يسأل المؤمنون الكرة؟ قال : نعم ، أنا أقرأ عليكم به قرآنا ، يعنى : أنها نزلت في المؤمنين وهم المخاطبون بها ، وكذا عن الحسن : ما من أحد لم يزك ولم يصم ولم يحج إلا سأل الرجعة. وعن عكرمة أنها نزلت في أهل القبلة (لَوْ لا أَخَّرْتَنِي). وقرئ : أخرتن ، يريد : هلا أخرت موتى (إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ) إلى زمان قليل (فَأَصَّدَّقَ) وقرأ أبىّ : فأتصدق على الأصل. وقرئ : وأكن ، عطفا على محل (فَأَصَّدَّقَ) كأنه قيل. إن أخرتنى أصدّق وأكن ومن قرأ : وأكون على النصب ، فعلى اللفظ. وقرأ عبيد بن عمير : وأكون ، على : وأنا أكون عدة منه بالصلاح (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ) نفى للتأخير على وجه التأكيد الذي معناه منافاة المنفي الحكمة. والمعنى : إنكم إذا علمتم أنّ تأخير الموت عن وقته مما لا سبيل إليه. وأنه هاجم لا محالة ، وأنّ الله عليم بأعمالكم فجاز
عليها ، من منع واجب وغيره : لم تبق إلا المسارعة إلى الخروج عن عهدة الواجبات والاستعداد للقاء الله. وقرئ : تعملون ، بالتاء والياء. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة المنافقين بريء من النفاق» (١).
سورة التغابن
مختلف فيها ، وهي ثمان عشرة آية [نزلت بعد التحريم]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)(٤)
قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله عز وجل ، وذلك لأنّ الملك على الحقيقة له ، لأنه مبدئ كل شيء ومبدعه ، والقائم به ، والمهيمن عليه ، وكذلك الحمد ، لأنّ أصول النعم وفروعها منه. وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء ، وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) يعنى : فمنكم آت بالكفر وفاعل له (٢)
__________________
(١) أخرجه ابن مردويه والثعلبي والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب.
(٢) قوله «فمنكم آت بالكفر وفاعل له» قد أول الآية بمذهب المعتزلة : من أن العبد هو الخالق لفعله الاختياري ، ومذهب أهل السنة : أن العبد ليس له في فعله إلا الكسب ، وخالقه في الحقيقة هو الله عز وجل ، بدليل قوله تعالى (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) خيرا كان أو شرا ، وكما أن خلق الكافر لا يستوجب الذم كما سيقول فخلق كفره لا يستوجب الذم لأنه لحكمة وإن خفيت علينا. (ع)
ومنكم آت بالإيمان (١) وفاعل له ، كقوله تعالى (وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ) ، (فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) والدليل عليه قوله تعالى (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أى عالم بكفركم وإيمانكم اللذين هما من عملكم. والمعنى : هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق والإيجاد عن العدم ، فكان يجب أن تنظروا النظر الصحيح ، وتكونوا بأجمعكم عبادا شاكرين ، فما فعلتم مع تمكنكم ، بل تشعبتم شعبا ، وتفرقتم أمما ، فمنكم كافر ومنكم مؤمن ، وقدم الكفر لأنه الأغلب عليهم والأكثر فيهم. وقيل : هو الذي خلقكم فمنكم كافر بالخلق وهم الدهرية ، ومنكم مؤمن به. فإن قلت : نعم ، إن العباد هم الفاعلون للكفر ، ولكن قد سبق في علم الحكيم أنه إذا خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر ولم يختاروا غيره ، فما دعاه إلى خلقهم مع علمه بما يكون منهم؟ وهل خلق القبيح وخلق فاعل القبيح إلا واحد؟ وهل مثله إلا مثل من وهب سيفا باترا لمن شهر بقطع السبيل وقتل النفس المحرّمة فقتل به مؤمنا؟ أما يطبق العقلاء على ذم الواهب وتعنيفه والدق في فروته (٢) كما يذمون القاتل؟ بل إنحاؤهم باللوائم على الواهب أشد؟ قلت : قد علمنا أنّ الله حكيم عالم بقبح القبيح عالم بغناه عنه ، فقد علمنا أن أفعاله كلها حسنة ، وخلق فاعل القبيح فعله ، فوجب أن يكون حسنا ، وأن يكون له وجه حسن ، وخفاء وجه الحسن علينا لا يقدح في حسنه ، كما لا يقدح في حسن أكثر مخلوقاته جهلنا بداعي الحكمة إلى خلقها (بِالْحَقِ) بالغرض الصحيح والحكمة البالغة ، وهو أن جعلها مقارّ المكلفين ليعملوا فيجازيهم (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) وقرئ : صوركم بالكسر ، لتشكروا. وإليه مصيركم فجزاؤكم على الشكر والتفريط فيه. فإن قلت. كيف أحسن صورهم؟ قلت : جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه ، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور. ومن حسن صورته
__________________
(١) قال محمود : «معناه : فمنكم آت بالكفر وفاعل له ومنكم آت بالايمان ... الخ» قال أحمد : لقه ركب عمياء وخبط خبط عشواء ، واقتحم وعرا : السالك فيه هالك ، والغابر فيه عاثر ، وإنما ينصب إلى مهاوي الأراك ، ويحوم حول مراتع الاشراك ، ويبحث ولكن على حتفه بظلفه ، ويتحذق وما هو إلا يتشدق ، ويتحقق وما هو إلا يتفسق ، وهب أنه أعرض عن الأدلة العقلية والنصوص النقلية المتظافرة على أن الله تعالى خالق كل شيء ، واطرد له في الشاهد ما ادعاه. ومن مذهبه قياس الغائب على الشاهد ، قد التجأ إلى الاعتراف بأن الله خالق العبد الفاعل للقبيح ، وأن خلق العبد الفاعل للقبيح بمثابة إعطاء السيف الباتر للرجل الفاجر ، وأن هذا قبيح شاهدا ، ولا يلزم أن يكون مثله قبيحا في خلق الله تعالى ، أفلا يجوز أن يكون منطويا على حكمة استأثر الله تعالى بعلمها ، فما يؤمنه من دعوى أن أفعال العبد وإن استقبحها العقلاء مخلوقة لله تعالى ، وفي خلقها حكمة استأثر الله بعلمها ، وهل الفرق إذا إلا عين التحكم ، ونفس اتباع الهوى. هذا ودون تمكنه من اتباع هذه القواعد : أن يمكن من القتاد اختراط ، ومن الجمل أن يلج في سم الخياط.
(٢) قوله «والدق في فروته» في الصحاح «الفروة» : جلدة الرأس. والفروة : قطعة نبات مجتمعة يابسة اه. (ع)
أنه خلق منتصبا غير منكب ، كما قال عز وجل (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ). فإن قلت : فكم من دميم مشوّه الصورة سمج الخلقة تقتحمه العيون؟ قلت : لا سماجة ثم ولكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب ، فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطا بينا وإضافتها إلى الموفى (١) عليها لا تستملح ، وإلا فهي داخلة في حيز الحسن غير خارجة عن حدّه. ألا ترى أنك قد تعجب بصورة وتستملحها ولا ترى الدنيا بها ، ثم ترى أملح وأعلى في مراتب الحسن منها فينبو عن الأولى طرفك ، وتستثقل النظر إليها بعد افتتانك بها وتهالكك عليها. وقالت الحكماء : شيئان لا غاية لهما : الجمال ، والبيان. نبه بعلمه ما في السماوات والأرض ، ثم بعلمه ما يسره العباد ويعلنونه ، ثم بعلمه ذوات الصدور : أنّ شيئا من الكليات والجزئيات غير خاف عليه ولا عازب عنه ، فحقه أن يتقى ويحذر ولا يجترأ على شيء مما يخالف رضاه. وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد ، وكل ما ذكره بعد قوله تعالى (فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) كما ترى في معنى الوعيد على الكفر ، وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمته فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق (٢) ويجعله من جملته ، والخلق : أعظم نعمة من الله على عباده ، والكفر : أعظم كفران من العباد لربهم.
(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)(٦)
(أَلَمْ يَأْتِكُمْ) الخطاب لكفار مكة. و (ذلِكَ) إشارة إلى ما ذكر من الوبال الذي ذاقوه في الدنيا وما أعدّلهم من العذاب في الآخرة (بِأَنَّهُ) بأنّ الشأن والحديث (كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ ...... أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا) أنكروا أن تكون الرسل بشرا ، ولم ينكروا أن يكون الله حجرا (وَاسْتَغْنَى اللهُ) أطلق ليتناول كل شيء ، ومن جملته إيمانهم وطاعتهم. فإن قلت : قوله (وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ) يوهم وجود التولي والاستغناء معا (٣) ، والله تعالى لم يزل غنيا. قلت : معناه : وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك.
__________________
(١) قوله «وإضافتها إلى الموفى عليها» يعنى إلى المتفوق عليها من الصور. (ع)
(٢) قوله «فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق» يريد أهل السنة ، حيث يقولون أنه تعالى هو الخالق لأعمال العباد حتى الكفر وغيره من المعاصي ، ولا وجه لتجهيلهم مع استنادهم إلى قوله تعالى «والله خلقكم وما تعملون. (ع)
(٣) قال محمود : «أطلقه ليتناول كل شيء ثم قال فان قلت كان التولي فيهم ... الخ» قال أحمد : إنما الحق أنه لم يخلق لهم إيمانا ولا قدرة عليه ، فكان قادرا أن يخلق لهم الايمان والقدرة عليه ، وإنما حرفها الزمخشري إلى قاعدته.
(زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(٨)
الزعم : ادعاء العلم : ومنه قوله عليه السلام «زعموا مطية الكذب» (١) وعن شريح: الكل شيء كنية وكنية الكذب «زعموا» ويتعدّى إلى المفعولين تعدّى العلم. قال :
... ولم أزعمك عن ذاك معزلا (٢)
وإن مع ما في حيزه قائم مقامهما. والذين كفروا. أهل مكة. و (بَلى) إثبات لما بعد لن ، وهو البعث (وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) أى لا يصرفه عنه صارف. وعنى برسوله والنور : محمدا صلى الله عليه وسلم والقرآن.
(يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (١٠)
وقرئ : نجمعكم. ونكفر. وندخله ، بالياء والنون. فإن قلت : بم انتصب الظرف؟ قلت بقوله : لتنبؤن ، أو بخبير ، لما فيه من معنى الوعيد ، كأنه قيل : والله معاقبكم يوم يجمعكم. أو بإضمار «اذكر» (لِيَوْمِ الْجَمْعِ) ليوم يجمع فيه الأوّلون والآخرون. التغابن : مستعار من تغابن القوم في التجارة ، وهو أن يغبن بعضهم بعضا ، لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء ، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء. وفيه تهكم بالأشقياء ، لأنّ نزولهم ليس بغبن. وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من عبد يدخل الجنة إلا أرى مقعده من النار لو أساء ، ليزداد شكرا. وما من عبد يدخل النار إلا أرى مقعده من
__________________
(١) لم أجده مرفوعا بهذا اللفظ وقد تقدم في أوائل البقرة بلفظ «بئس مطية الرجل إلى الكذب زعمواه وقد تقدم عن شريح «زعموا كنية الكذب».
|
(٢) وإن الذي قد عاش يا أم مالك |
|
يموت ولم أزعمك عن ذاك معزلا |
يقول : وإن كل حي وإن طال عمره يموت ، ولم أظنك يا أم مالك معزالا عن ذلك الحكم أو الموت. والمعزل : مكان العزلة والانفراد ، أى : لم أظنك في معزل عنه أو ذات معزل أو معتزلة. أو نفس المقول مبالغة.
الجنة لو أحسن ، ليزداد حسرة» (١) ومعنى (ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ) ـ وقد يتغابن الناس في غير ذلك اليوم ـ : استعظام له وأن تغابنه هو التغابن في الحقيقة ، لا التغابن في أمور الدنيا وإن جلت وعظمت (صالِحاً) صفة للمصدر ، أى : عملا صالحا.
(ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(١١)
(إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) إلا بتقديره ومشيئته ، كأنه أذن للمصيبة أن تصيبه (يَهْدِ قَلْبَهُ) يلطف به ويشرحه للازدياد من الطاعة والخير. وقيل : هو الاسترجاع عند المصيبة. وعن الضحاك : يهد قلبه حتى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطنه. وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وعن مجاهد : إن ابتلى صبر ، وإن أعطى شكر ، وإن ظلم غفر. وقرئ. يهد قلبه ، على البناء للمفعول ، والقلب : مرفوع أو منصوب. ووجه النصب : أن يكون مثل سفه نفسه ، أى : يهد في قلبه. ويجوز أن يكون المعنى : أنّ الكافر ضال عن قلبه بعيد منه ، والمؤمن واجد له مهتد إليه ، كقوله تعالى (لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ) وقرئ : نهد قلبه ، بالنون. ويهد قلبه ، بمعنى : يهتد. ويهدأ قلبه : يطمئن. ويهد. ويهدا على التخفيف (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) يعلم ما يؤثر فيه اللطف من القلوب مما لا يؤثر فيه فيمنحه ويمنعه.
(وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)(١٣)
(فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ) فلا عليه إذا توليتم ، لأنه لم يكتب عليه طاعتكم ، إنما كتب عليه أن يبلغ ويبين فحسب (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) بعث لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على التوكل عليه والتقوّى به في أمره ، حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)(١٥)
__________________
(١) رواه البخاري من رواية الأعرج عن أبى هريرة : وفي المتفق عليه من حديث أنس في قصة المؤمن ، فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة. قال نبى الله : فيراهما جميعا ، ولها عن ابن عمر «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى ـ الحديث».
إنّ من الأزواج أزواجا يعادين بعولتهنّ ويخاصمنهم ويجلبن عليهم ، ومن الأولاد أولادا يعادون آباءهم ويعقونهم ويجرعونهم الغصص والأذى (فَاحْذَرُوهُمْ) الضمير للعدوّ أو للأزواج والأولاد جميعا. أى : لما علمتم أن هؤلاء لا يخلون من عدوّ ، فكونوا منهم على حذر ولا تأمنوا غوائلهم وشرهم (وَإِنْ تَعْفُوا) عنهم إذا اطلعتم منهم على عداوة ولم تقابلوهم بمثلها ، فإن الله يغفر لكم ذنوبكم ويكفر عنكم. وقيل : إنّ ناسا أرادوا الهجرة عن مكة ، فثبطهم أزواجهم وأولادهم وقالوا : تنطلقون وتضيعوننا فرقوا لهم ووقفوا ، فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين : أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم ، فزين لهم العفو. وقيل : قالوا لهم : أين تذهبون وتدعون بلدكم وعشيرتكم وأموالكم ، فغضبوا عليهم وقالوا : لئن جمعنا الله في دار الهجرة لم نصبكم بخير ، فلما هاجروا منعوهم الخير ، فحثوا أن يعفوا عنهم ويردّوا إليهم البر والصلة. وقيل : كان عوف بن مالك الأشجعى ذا أهل وولد ، فإذا أراد أن يغزو تعلقوا به وبكوا إليه ورققوه ، فكأنه همّ بأذاهم ، فنزلت (فِتْنَةٌ) بلاء ومحنة ، لأنهم يوقعون في الإثم والعقوبة ، ولا بلاء أعظم منهما ، ألا ترى إلى قوله (وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) وفي الحديث «يؤتى برجل يوم القيامة فيقال : أكل عياله حسناته» (١) وعن بعض السلف : العيال سوس الطاعات. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب ، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان ، فنزل إليهما فأخذهما (٢) ووضعهما في حجره على المنبر فقال : «صدق الله (إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما» ثم أخذ في خطبته. وقيل : إذا أمكنكم الجهاد والهجرة فلا يفتننكم الميل إلى الأموال والأولاد عنهما.
(فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(١٦)
(مَا اسْتَطَعْتُمْ) جهدكم ووسعكم ، أى : ابذلوا فيها استطاعتكم (وَاسْمَعُوا) ما توعظون به (وَأَطِيعُوا) فيما تأمرون به وتنهون عنه (وَأَنْفِقُوا) في الوجوه التي وجبت عليكم النفقة فيها
__________________
(١) لم أره مرفوعا : وأخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة سفيان الثوري من قوله. وروى على بن معبد في الطاعة والمعصية عن إسحاق بن أبى يحيى عن عبد الملك عن بكير قال «ينادى مناد يوم القيامة : أين الذين أكلت عيالهم حسناتهم قوموا فان قبلكم الانبعاث».
(٢) أخرجه أصحاب السنن وابن جبان والحاكم وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة وأبو يعلى والبزار من روايه حسين بن واقد عن ابن بريدة عن أبيه. قال البزار لا نعلم له طريقا إلا هذا.
(خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ) نصب بمحذوف ، تقديره : ائتوا خيرا لأنفسكم ، وافعلوا ما هو خير لها وأنفع ، وهذا تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر ، وبيان لأنّ هذه الأمور خير لأنفسكم من الأموال والأولاد وما أنتم عاكفون عليه من حب الشهوات وزخارف الدنيا.
(إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(١٨)
وذكر القرض : تلطف في الاستدعاء (يُضاعِفْهُ لَكُمْ) يكتب لكم بالواحدة عشرا وأو سبعمائة إلى ما شاء من الزيادة. وقرئ : يضعفه (شَكُورٌ) مجاز ، أى : يفعل بكم ما يفعل المبالغ في الشكر من عظيم الثواب ، وكذلك (حَلِيمٌ) يفعل بكم ما يفعل من يحلم عن المسيء ، فلا يعاجلكم بالعقاب مع كثرة ذنوبكم.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة التغابن رفع عنه موت الفجأة»(١).
سورة الطلاق
مدنية ، وهي إحدى عشرة ، أو اثنتا عشرة ، أو ثلاث عشرة آية
[نزلت بعد الإنسان]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (١) فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ
__________________
(١) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب رضى الله عنه.
بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً)(٣)
خص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء وعم بالخطاب (١) ، لأنّ النبي إمام أمّته وقدوتهم ، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم : يا فلان افعلوا كيت وكيت ، إظهارا لتقدّمه واعتبارا لترؤسه ، وأنه مدرة قومه (٢) ولسانهم ، والذي يصدرون عن رأيه ولا يستبدّون بأمر دونه ، فكان هو وحده في حكم كلهم ، وسادّا مسدّ جميعهم. ومعنى (إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ) إذا أردتم تطليقهنّ وهممتم به على تنزيل المقبل على الأمر المشارف له منزلة الشارع فيه : كقوله عليه السلام «من قتل قتيلا فله سلبه» (٣) ومنه كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلى (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ) فطلقوهن مستقبلات لعدتهن (٤) ، كقولك : أتيته لليلة بقيت من المحرم ، أى : مستقبلا لها. وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم : في قبل عدّتهنّ ، وإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم للقرء الأوّل من أقرائها ، فقد طلقت مستقبلة لعدتها. والمراد : أن يطلقن في طهر لم يجامعن فيه (٥) ، ثم يخلين حتى تنقضي عدّتهنّ ، وهذا أحسن الطلاق وأدخله في السنة وأبعده
__________________
(١) قال محمود : «خص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء وعم بالخطاب ... الخ» قال أحمد : وعلى هذا الفرق جرى قوله تعالى حكاية عن فرعون : (قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى) فأفرد موسى عليه السلام بالنداء ، لأنه كان أجل الاثنين عليهما السلام وعمهما بالخطاب. وقد تقدم فيه وجه آخر.
(٢) قوله «وأنه مدرة قومه» في الصحاح العرب تسمى القرية مدرة اه ، فالمعنى أنه بمنزلة القرية لقومه. (ع)
(٣) متفق عليه. وقد تقدم في أوائل البقرة.
(٤) قال محمود : «ومعنى فطلقوهن مستقبلات لعدتهن ... الخ» قال أحمد : حمل القراءتين المستفيضة والشاذة على أن وقت الطلاق هو الوقت الذي تكون العدة مستقبلة بالنسبة إليه ، وادعى أن ذلك معنى المستقبل فيها ، ونظر اللام فيها باللام في قولك مؤرخا الليلة. الليلة بقيت من المحرم ، وإنما يعنى أن العدة بالحيض : كل ذلك تحامل لمذهب أبى حنيفة في أن الأقراء الحيض ، ولا يتم له ذلك ، فقد استدل أصحابنا بالقراءة المستفيضة ، وأكدوا الدلالة بالشاذة على أن الأقراء الأطهار. ووجه الاستدلال لها على ذلك : أن الله تعالى جعلى العدة ـ وإن كانت في الأصل مصدرا ـ ظرفا الطلاق المأمور به. وكثيرا ما تستعمل العرب المصادر ظرفا ، مثل خفوق النجم ومقدم الحاج. وإذا كانت العدة ظرفا للطلاق المأمور به ، وزمانه هو الطهر وفاقا ، فالطهر عدة إذا. ونظير اللام هنا على التحقيق : اللام في قوله (يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي) وإنما تمنى أن لو عمل عملا في حياته ، وقراءته عليه السلام : في قبل عدتهن ، تحقق ذلك. فان قيل. الشيء جزء منه وداخل فيه وفي صفة مسح الرأس فأقبل بهما وأدبر ، أى مسح قبل الرأس وهو مقدمها ، فحينئذ قبل العدة جزء منها وهو الطهر.
(٥) قال محمود : «والمراد أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه ... الخ» قال أحمد : الأمر كما نقله ، وضابط
من الندم ، ويدل عليه ما روى عن إبراهيم النخعي أنّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستحبون أن لا يطلقوا أزواجهم للسنة إلا واحدة ، ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدّة ، وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثا في ثلاثة أطهار. وقال مالك بن أنس رضى الله عنه : لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة ، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو متفرقة. وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة في طهر واحد ، فأما مفرقا في الأطهار فلا ، لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض : ما هكذا أمرك الله ، إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالا ، وتطلقها لكل قرء تطليقة (١) وروى أنه قال لعمر : مر ابنك فليراجعها ، ثم ليدعها حتى تحيض ثم تطهر ، ثم ليطلقها إن شاء ، فتلك العدّة التي أمر الله أن تطلق لها النساء (٢). وعند الشافعي رضى الله عنه : لا بأس بإرسال الثلاث ، وقال : لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح. فما لك تراعى في طلاق السنة الواحدة والوقت ، وأبو حنيفة يراعى التفريق والوقت ، والشافعي يراعى الوقت وحده. فإن قلت : هل يقع الطلاق المخالف للسنة؟ قلت : نعم ، وهو آثم ، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّ رجلا طلق امرأته ثلاثا بين يديه ، فقال ، أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم (٣). وفي حديث ابن عمر أنه قال : يا رسول الله ، أرأيت لو طلقتها ثلاثا ، فقال له : إذن عصيت وبانت منك امرأتك (٤). وعن عمر رضى الله عنه أنه كان لا يؤتى برجل طلق امرأته
__________________
ـ السنة عند مالك : أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه واحدة وهي غير معتدة. والآية تدل لمذهبه على تأويل المتقدمين جميعا ، أما على تأويل الزمخشري وتفسيره المقيد بالاستقبال ، فلأن الطلاق المأمور به أى المأذون فيه في الآية : مقيد بوقت تكون العدة مستقبلة بالنسبة إليه ، وهذا يأبى وقوع الطلاق في أثناء العدة الماضي بعضها. وأما على تأويلنا فلأنه مقيد بزمان يكون أولا للعدة وقبلا لها ، وهذا يأبى من وقوعه مرادفا في الطهر الثاني والثالث ، غير أن البدعة عند مالك تتفاوت ، فلا جرم قال إن طلقها في الحيض أجبر على الرجعة ، فإن أبى ارتجع عليه الحاكم ، وإن طلقها في طهر مسها فيه أو أردف الطلاق لم يجبره ،
(١) أخرجه الدارقطني من رواية عطاء الخراساني عن الحسن عن ابن عمر به ، وأتم منه.
(٢) متفق عليه من حديث ابن عمر رضى الله عنهما.
(٣) لم أره هكذا. وإنما رواه النسائي من رواية مخرمة بن بكير عن أبيه عن محمود بن لبيد «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا. فقام غضبان ثم قال : أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم حتى قام رجل فقال : يا رسول الله ، ألا نقتله؟».
(٤) هو في آخر الحديث الثاني عند الدارقطني ولفظه «فقلت : يا رسول الله ، أفرأيت لو طلقتها أثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال : لا. كانت تبين منك ، وكانت معصية» واللفظ الذي في الكتاب موقوف. في الصحيح على ابن عمر رضى الله عنهما.
ثلاثا إلا أوجعه ضربا. وأجاز ذلك عليه (١). وعن سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين : أنّ من خالف السنة في الطلاق فأوقعه في حيض أو ثلث لم يقع ، وشبهوه بمن وكل غيره بطلاق السنة فخالف. فإن قلت : كيف تطلق للسنة التي لا تحيض لصغر أو كبر أو حمل وغير المدخول بها؟ قلت : الصغيرة والآيسة والحامل كلهن عند أبى حنيفة وأبى يوسف يفرق عليهن الثلاث في الأشهر ، وخالفهما محمد وزفر في الحامل فقالا : لا تطلق للسنة إلا واحدة. وأما غير المدخول بها فلا تطلق للسنة إلا واحدة ، ولا يراعى الوقت. فإن قلت : هل يكره أن تطلق المدخول بها واحدة بائنة؟ قلت : اختلفت الرواية فيه عن أصحابنا. والظاهر الكراهة. فإن قلت : قوله إذا طلقتم النساء عام يتناول المدخول بهن وغير المدخول بهن من ذوات الأقراء والآيسات والصغائر والحوامل ، فكيف صحّ تخصيصه بذوات الأقراء المدخول بهن؟ قلت : لا عموم ثم ولا خصوص ، ولكن النساء اسم جنس للإناث من الإنس ، وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن وفي بعضهن ، فجاز أن يراد بالنساء هذا وذاك ، فلما قيل (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ) علم أنه أطلق على بعضهنّ وهنّ المدخول بهن من المعتدات بالحيض (وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) واضبطوها بالحفظ وأكملوها ثلاثة أقراء مستقبلات كوامل لا نقصان فيهن (٢) (لا تُخْرِجُوهُنَ) حتى تنقضي عدتهنّ (مِنْ بُيُوتِهِنَ) من مساكنهنّ التي يسكنها قبل العدة ، وهي بيوت الأزواج ، وأضيفت إليهنّ لاختصاصها بهنّ من حيث السكنى. فإن قلت : ما معنى الجمع بين إخراجهم أو خروجهن (٣)؟ قلت : معنى الإخراج (٤) : أن لا يخرجهن البعولة غضبا عليهن وكراهة لمساكنتهن ، أو لحاجة لهم إلى المساكن ، وأن لا يأذنوا لهنّ في الخروج إذا طلبن ذلك ، إيذانا بأنّ إذنهم لا أثر له في رفع الحظر ، ولا يخرجن بأنفسهن إن أردن ذلك (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) قرئ بفتح الياء وكسرها. قيل : هي الزنا ، يعنى إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن وقيل : إلا أن يطلقن على النشوز ، والنشوز يسقط حقهنّ في السكنى. وقيل : إلا أن يبذون (٥)
__________________
(١) أخرجه ابن أبى شيبة وعبد الرزاق من رواية شقيق بن عبد الله عن أنس قال : كان عمر رضى الله عنه إذا أتى برجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس أوجعه ضربا. وفرق بينهما».
(٢) قال محمود : «معناه أكملوا العدة أقراء ثلاثة مستوفاة» قال أحمد : وقوله (وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ) توطئة لقوله (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَ) حتى كأنه نهى عن الإخراج مرتين : مندرجا في العموم ، ومفرد بالخصوص. وقد تقدمت أمثاله.
(٣) قوله «بين إخراجهم أو خروجهن» لعله : وخروجهن. (ع)
(٤) قوله «قلت : معنى الإخراج» الأولى : معنى الجمع بينهما ، وإلا فالأولى فيما يأتى ، ومعنى الخروج : أن لا يخرجن بأنفسهن. (ع)
(٥) قوله «وقيل إلا أن يبذون» في الصحاح : البذاءة ـ بالمد : الفحش ، تقول : بذوت على القوم وأبذيت ، وقد بذو الرجل. (ع)
فيحل إخراجهنّ لبذائهنّ ، وتؤكده قراءة أبىّ : إلا أن يفحشن عليكم. وقيل : خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه. الأمر الذي يحدثه الله : أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها ، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها. ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها. والمعنى : فطلقوهنّ لعدتهن وأحصوا العدة ، لعلكم ترغبون وتندمون فتراجعون (فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَ) وهو آخر العدة وشارفنه ، فأنتم بالخيار : إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف والإحسان ، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتقاء الضرار وهو أن يراجعها في آخر عدتها ثم يطلقها تطويلا للعدة عليها وتعذيبا لها (وَأَشْهِدُوا) يعنى عند الرجعة والفرقة جميعا. وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبى حنيفة كقوله (وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ) وعند الشافعي : هو واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة. وقيل : فائدة الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد ، وأن لا يتهم في إمساكها ، ولئلا يموت أحدهما فيدعى الباقي ثبوت الزوجية ليرث (مِنْكُمْ) قال الحسن : من المسلمين. وعن قتادة : من أحراركم (لِلَّهِ) لوجهه خالصا ، وذلك أن تقيموها لا للمشهود له ولا للمشهود عليه ، ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق ودفع الظلم ، كقوله تعالى (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ) أى (ذلِكُمْ) الحث على إقامة الشهادة لوجه الله ولأجل القيام بالقسط (يُوعَظُ بِهِ ...... وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ) يجوز أن تكون جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة ، وطريقه الأحسن والأبعد من الندم ، ويكون المعنى : ومن يتق الله فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد (يَجْعَلْ) الله (لَهُ مَخْرَجاً) مما في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق ، ويفرج عنه وينفس ويعطه الخلاص (وَيَرْزُقْهُ) من وجه لا يخطره بباله ولا يحتسبه إن أو في المهر وأدى الحقوق والنفقات وقل ماله. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عمن طلق ثلاثا أو ألفا ، هل له من مخرج؟ فتلاها (١). وعن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال : لم تتق الله فلم يجعل لك مخرجا ، بانت منك بثلاث والزيادة إثم في عنقك. ويجوز أن يجاء بها على سبيل الاستطراد عند ذكر قوله (ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ) يعنى : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ومخلصا من غموم الدنيا والآخرة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأها فقال : مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد
__________________
(١) أخرجه الدارقطني والطبراني وابن مردويه من طريق عبيد الله بن الوليد وغيره عن إبراهيم بن عبد الله ابن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده. قال «طلق بعض آبائي امرأته ألفا فانطلق بنوه ، فقالوا : يا رسول الله إن أبانا طلق أمنا ألفا. فهل له مخرج. فقال : إن أباكم لم يتق الله فيجعل له مخرجا ـ الحديث» وفي إسناده جماعة من الضعفاء. رواه إسحاق في مسنده عن ابن إدريس عن عبيد الله بن الوليد عن داود بن إبراهيم عن عبادة بن الصامت كذا قال.
يوم القيامة (١). وقال عليه السلام : إنى لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ ...) فما زال يقرؤها ويعيدها (٢). وروى أنّ عوف بن مالك الأشجعى أسر المشركون ابنا له يسمى سالما. فأتى رسول الله فقال : أسر ابني وشكا إليه الفاقة ، فقال : ما أمسى عند آل محمد إلا مدّ فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوّة إلا بالله ، ففعل فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدو فاستاقها ، فنزلت هذه الآية (٣) (بالِغُ أَمْرِهِ) أى يبلغ ما يريد لا يفوته مراد ولا يعجزه مطلوب. وقرئ : بالغ أمره بالإضافة ، وبالغ أمره : بالرفع ، أى : نافذ أمره وقرأ المفضل : بالغا أمره ، على أنّ قوله (قَدْ جَعَلَ اللهُ) خبر إن ، وبالغا حال (قَدْراً) تقديرا وتوقيتا. وهذا بيان لوجوب التوكل على الله (٤) ، وتفويض الأمر إليه ، لأنه إذا علم أنّ كل شيء من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوقيته : لم يبق إلا التسليم للقدر والتوكل.
__________________
(١) أخرجه الثعلبي والواحدي من رواية سعيد بن راشد عن عبد الله بن سعيد بن أبى هند عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن عباس به مرفوعا. ورواه أبو نعيم موقوفا على قتادة في ترجمته في الحلية.
(٢) أخرجه أحمد في الزهد وابن ماجة وابن حبان والحاكم من طريق ابن السلبل حزيب بن مغير عن أبى ذر مرفوعا
(٣) أخرجه الثعلبي من طريق الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس قال «جاء عوف بن مالك الأشجعى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكره نحوه. ولم يسم الابن ، لكن قال : أنه أحضر أربعة آلاف شاة ورواه البيهقي في الدلائل من طريق أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه نحوه. وفيه فلم يلبث الرجل أن رد الله عليه ابنه وإبله أو فر ما كانت. فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره فقام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وأمرهم بمسألة الله والرغبة إليه. وقرأ عليهم (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ ـ) الآية وروى الحاكم من طريق سالم بن الجعد عن جابر قال «نزلت هذه الآية في رجل من أشجع كان فقيرا خفيف ذات اليد كثير العيال ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله. فقال : اتق الله واصبر ، فلم يلبث إلا يسيرا حتى جاء ابن له بغنم كان العدو أصابها. فذكره مختصرا. وفيه عبيد بن كثير تركه الأزدى وعباد عن يعقوب. وهو رافضي.
(٤) قال محمود : «قوله (بالِغُ أَمْرِهِ) بيان لوجوب التوكل على الله ، وتفويض الأمر إليه ... الخ» قال أحمد : ليس بعشك فادرجى أيراه القدري ، وأين التسليم للقدر وليس هذا دينه ولا معتقده من تقسيم الحوادث ثلاثة أقسام : فمنها ما يريد الله تعالى وجوده وهو المأمورات ولا يقع أكثر مراده منها ، ومنها ما يريد عدمه وهو المنهيات فيوجد أكثرها على خلاف مراده ، ومنها ما لا يريد عدمه ولا وجوده فان وجد فبغير إرادته عز وجل وإن عدم فكذلك فيتحصل من هذا الهذيان الذي لا يتصور أن الكائنات إنما تتبع إرادة الخلق لأنها لا تقع إلا بها ، فان واقت إرادة الله تعالى فليس وقوعها تابعا لها ؛ لأنها وقعت بدونها ، وإن خالفت إرادة الله تعالى لم يكن لمخالفتها للارادة الربانية تأثير في منع وقوعها ، فمن يتوغل في أدغال هذا الضلال كيف له بالتوكل الذي يتوقف على اعتقاد أن الكائنات جميعها إنما تتوقف على إرادة الله عز وجل ، فمهما أراده وقع ، ومهما لم يرده لم يقع ، شاء العبد أو أبى ، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، والعبد مجرى لحدوث الكائنات الواقعة بقدرة الله تعالى وإرادته لا غير ، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه ، فما القدري من هذا المقام الشريف إلا على مراحل لا يقربه إليها إلا راحلة الانصاف وزاد التقوى ودليل التوفيق ، والله حسبنا ونعم الوكيل.
(وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) ذلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً)(٥)
روى أنّ ناسا قالوا : قد عرفنا عدة ذوات الأقراء ، فما عدة اللائي لا يحضن ، فنزلت : فمعنى (إِنِ ارْتَبْتُمْ) : إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهنّ ، وقيل : إن ارتبتم في ذم البالغات مبلغ اليأس وقد قدروه بستين سنة وبخمس وخمسين ، أهو دم حيض أو استحاضة؟ (فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ) وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها ، فغير المرتاب بها أولى بذلك (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) هن الصغائر. والمعنى : فعدتهن ثلاثة أشهر ، فحذف لدلالة المذكور عليه. اللفظ مطلق في أولات الأحمال ، فاشتمل على المطلقات والمتوفى عنهن. وكان ابن مسعود وأبىّ وأبو هريرة وغيرهم لا يفرقون. وعن على وابن عباس : عدة الحامل المتوفى عنها أبعد الأجلين (١). وعن عبد الله : من شاء لا عنته أنّ سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في البقرة (٢) ، يعنى : أنّ هذا اللفظ مطلق في الحوامل. وروت أم سلمة أنّ سبيعة الأسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بليال ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها : قد حللت فانكحي (٣) (يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) ييسر له من أمره ويحلل له من عقده بسبب التقوى (ذلِكَ أَمْرُ اللهِ) يريد ما علم من حكم هؤلاء المعتدات. والمعنى : ومن يتق الله في العمل بما أنزل الله من هذه الأحكام وحافظ على الحقوق الواجبة عليه مما ذكر من الإسكان وترك الضرار والنفقة على الحوامل وإيتاء أجر المرضعات وغير ذلك : استوجب تكفير السيئات والأجر العظيم.
(أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ
__________________
(١) رواه البخاري في صحيحه قال : «جاء رجل إلى ابن عباس وأبو هريرة عنده. فقال : أفتنى في امرأة ولدت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة. فقال ابن عباس آخر الأجلين وفيه قصة سبيعة. وفيه مخالفة أبى هريرة له في ذلك رواه ابن أبى شيبة عن وكيع عن إسماعيل عن الشعبي قال قال عبد الله «أجل كل حامل حتى تضع» وكان على يقول «آخر الأجلين» وله طريق أخرى عنده موصولة من طريق عبيد بن الحسن عن عبد الرحمن بن معقل قال «شهدت عليا رضى الله عنه ... فذكره نحوه.
(٢) أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة من طريق مسروق لم يذكر البخاري أوله. وزاد عبد الرزاق أنه قال ذلك لما بلغه أن عليا قال «هي في آخر الأجلين».
(٣) متفق عليه وله طرق وألفاظ. وفي رواية البخاري «فوضعت بعد موته بأربعين ليلة».
وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً)(٧)
(أَسْكِنُوهُنَ) وما بعده : بيان لما شرط من التقوى في قوله (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ) كأنه قيل : كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل : أسكنوهن. فإن قلت : من في (مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ) ما هي؟ قلت : هي من التبعيضية مبعضها محذوف (١) معناه : أسكنوهن مكانا من حيث سكنتم ، أى بعض مكان سكناكم ، كقوله تعالى (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ) أى بعض أبصارهم. قال قتادة : إن لم يكن إلا بيت واحد ، فأسكنها في بعض جوانبه. فإن قلت : فقوله (مِنْ وُجْدِكُمْ)؟ (٢) قلت : هو عطف بيان لقوله (مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ) وتفسير له ، كأنه قيل : أسكنوهن مكانا من مسكنكم مما تطيقونه. والوجد : الوسع والطاقة. وقرئ بالحركات الثلاث. والكنى والنفقة : واجبتان لكل مطلقة. وعند مالك والشافعي : ليس للمبتوتة إلا السكنى ولا نفقة لها. وعن الحسن وحماد : لا نفقة لها ولا سكنى ، لحديث فاطمة بنت قيس : أن زوجها أبت طلاقها (٣) ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا سكنى لك ولا نفقه (٤). وعن عمر رضى الله عنه : لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لعلها نسيت أو شبه لها : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : «لها السكنى والنفقة» (٥) (وَلا تُضآرُّوهُنَ) ولا تستعملوا معهن الضرار (لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَ) في المسكن ببعض الأسباب : من إنزال من لا يوافقهن ، أو يشغل مكانهن ، أو غير ، ذلك ، حتى تضطروهن إلى الخروج. وقيل : هو أن يراجعها إذا بقي من عدتها يومان ليضيق
__________________
(١) قوله «مبعضها محذوف معناه» قد يقال : مبعضها هو مدخولها ، وهو (حَيْثُ سَكَنْتُمْ) بمعنى مكان سكناهم فلا حذف ، إلا أن يراد بمبعضها البعض المدلول عليه بها. (ع)
(٢) قوله «فان قلت فقوله من وجدكم» لعل عقبه سقطا تقديره. ما موقعه؟ (ع)
(٣) قوله «أن زوجها أبت طلاقها» لعله «بت» كما في النسفي. (ع)
(٤) أخرجه مسلم من طرق عنها. وفي رواية «فلم يجعل لها سكنى ولا نفقة» وفي رواية «لا نفقة لك ولا سكنى» وفي رواية «طلقني زوجي ثلاثا».
(٥) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق أبى إسحاق قال «كنت مع الأسود ومعنا الشعبي في المسجد إذ حدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس. فأخذ الأسود كفا من حصا فحصبه به وقال : يا ويلك تحدث بمثل هذا؟ قال عمر : لا نترك كتاب ربنا وسغة نبينا لقول امرأة لعلها حفظت أو نسيت.
عليها أمرها. وقيل : هو أن يلجئها إلى أن تفتدى منه. فإن قلت : فإذا كانت كل مطلقة عندكم تجب لها النفقة ، فما فائدة الشرط في قوله (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَ) (١) قلت : فائدته أن مدة الحمل ربما طالت فظن ظانّ أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحائل ، فنفى ذلك الوهم. فإن قلت : فما تقول في الحامل المتوفى عنها؟ قلت : مختلف فيها ، فأكثرهم على أنه لا نفقة لها ، لوقوع الإجماع على أنّ من أجبر الرجل على النفقة عليه من امرأة أو ولد صغير لا يجب أن ينفق عليه من ماله بعد موته ، فكذلك الحامل. وعن على وعبد الله وجماعة : أنهم أوجبوا نفقتها (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ) يعنى هؤلاء المطلقات إن أرضعن لكم ولدا من غيرهنّ أو منهنّ بعد انقطاع عصمة الزوجية (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ) حكمهنّ في ذلك حكم الأظآر (٢) ، ولا يجوز عند أبى حنيفة وأصحابه رضى الله عنهم الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم يبنّ. ويجوز عند الشافعي. الائتمار بمعنى التآمر ، كالاشتوار بمعنى التشاور. يقال : ائتمر القوم وتآمروا ، إذا أمر بعضهم بعضا. والمعنى : وليأمر بعضكم بعضا ، والخطاب للآباء والأمهات (بِمَعْرُوفٍ) بجميل وهو المسامحة ، وأن لا يماكس الأب ولا تعاسر الأم ، لأنه ولدهما معا ، وهما شريكان فيه وفي وجوب الإشفاق (٣) عليه (وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى) فستوجد ولا تعوز مرضعة غير الأم ترضعه ، وفيه طرف من معاتبة الأم على المعاسرة ، كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى : سيقضيها غيرك (٤) ، تريد : لن تبقى غير مقضية وأنت ملوم ، وقوله (لَهُ) أى للأب ، أى : سيجد الأب غير معاسرة ترضع له ولده إن عاسرته أمه (لِيُنْفِقْ) كل واحد من
__________________
(١) قوله تعالى : (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ) إلى قوله : (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ ...) الآية.
قال أحمد : لا يخفى على المتأمل لهذه الأى أن المبتوتة غير الحامل لا نفقة لها ، لأن الآي سيقت لبيان الواجب ، فأوجب السكنى لكل معتدة تقدم ذكرها ولم يوجب سواها ، ثم استثنى الحوامل فخصهن بإيجاب النفقة لهن حتى يضعن حملهن ، وليس بعد هذا البيان بيان ، والقول بعد ذلك بوجوب النفقة لكل معتدة مبتوتة حاملا أو غير حامل لا يخفى منافرته لنظم الآية ، والزمخشري نصر مذهب أبى حنيفة فقال : فائدة تخصيص الحوامل بالذكر : أن الحمل ربما طال أمده فيتوهم متوهم أن النفقة لا تجب بطوله ، فخصت بالذكر تنبيها على قطع هذا الوهم ، وغرض الزمخشري بذلك أن يحمل التخصيص على هذه الفائدة ، كيلا يكون له مفهوم في إسقاط النفقة لغير الحوامل ، لأن أبا حنيفة يسوى بين الجميع في وجوب النفقة.
(٢) قوله «في ذلك حكم الأظآر» الظئر : المرضع لولد غيرها ، والجمع : ظؤار ، بالضم. وظئور وأظآر ، كما في الصحاح. (ع)
(٣) قوله «وفي وجوب الإشفاق» كذا عبارة النسفي. (ع)
(٤) قال محمود : «وفي قوله (وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى) معاتبة للأم على المعاسرة ، كما تقول لمن تستقضيه حاجة ... الخ» قال أحمد : وخص الأم بالمعاتبة لأن المبذول من جهتها هو لبنها لولدها ، وهو غير متمول ولا مضنون به في العرف ، وخصوصا في الأم على الولد ، ولا كذلك المبذول من جهة الأب ، فانه المال المضنون به عادة ، فالأم إذا أجدى باللوم وأحق بالعتب ، والله أعلم.
الموسر والمعسر ما بلغه وسعه يريد : ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات ، كما قال (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) وقرئ لينفق بالنصب ، أى شرعنا ذلك لينفق. وقرأ ابن أبى عبلة : قدر (سَيَجْعَلُ اللهُ) موعد لفقراء ذلك الوقت بفتح أبواب الرزق عليهم ، أو لفقراء الأزواج إن أنفقوا ما قدروا عليه ولم يقصروا.
(وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً (٨) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً (٩) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً)(١١)
(عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها) أعرضت عنه على وجه العتوّ والعناد (حِساباً شَدِيداً) بالاستقصاء والمناقشة (عَذاباً نُكْراً) وقرئ : نكرا منكرا عظيما ، والمراد : حساب الآخرة وعذابها ما يذوقون فيها من الوبال ويلقون من الخسر ، وجيء به على لفظ الماضي ، كقوله تعالى (وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ) ، (وَنادى أَصْحابُ النَّارِ) ونحو ذلك ، لأنّ المنتظر من وعد الله ووعيده ملقى في الحقيقة ، وما هو كائن فكان قد. وقوله (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً) تكرير للوعيد وبيان لكونه مترقبا» كأنه قال : أعد الله لهم هذا العذاب فليكن لكم ذلك (يا أُولِي الْأَلْبابِ) من المؤمنين لطفا في تقوى الله وحذر عقابه. ويجوز أن يراد إحصاء السيئات ، واستقصاؤها عليهم في الدنيا ، وإثباتها في صحائف الحفظة ، وما أصيبوا به من العذاب في العاجل ، وأن يكون (عَتَتْ) وما عطف عليه : صفة للقرية. وأعد الله لهم : جوابا لكأين (رَسُولاً) هو جبريل صلوات الله عليه : أبدل من ذكرا ، لأنه وصف بتلاوة آيات الله ، فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر (١) فصح إبداله منه. أو أريد بالذكر : الشرف ، من قوله (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) فأبدل
__________________
(١) قوله تعالى (رَسُولاً) ذكر الزمخشري فيه ستة أوجه : إبدال الرسول عن الذكر لأن إنزاله في معنى إنزال الذكر ... الخ قال أحمد : وعلى هذين الوجهين الأخيرين يكون مفعولا ، إما بالفعل المحذوف أو بالمصدر. وعلى الأربعة المتقدمة بدلا. والله سبحانه وتعالى أعلم.
منه ، كأنه في نفسه شرف : إما لأنه شرف للمنزل عليه ، وإما لأنه ذو مجد وشرف عند الله ، كقوله تعالى (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) أو جعل لكثرة ذكره لله وعبادته كأنه ذكر. أو أريد : ذا ذكر ، أى ملكا مذكورا في السماوات وفي الأمم كلها. أو دل قوله (أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً) على : أرسل فكأنه قيل : أرسل رسولا ، أو أعمل ذكرا في رسولا إعمال المصدر في المفاعيل ، أى : أنزل الله أن ذكر رسولا أو ذكره رسولا. وقرئ : رسول ، على : هو رسول. أنزله (لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا) بعد إنزاله ، أى : ليحصل لهم ما هم عليه الساعة من الإيمان والعمل الصالح : لأنهم كانوا وقت إنزاله غير مؤمنين ، وإنما آمنوا بعد الإنزال والتبليغ. أو ليخرج الذين عرف منهم أنهم يؤمنون. قرئ : يدخله ، بالياء والنون (قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً) فيه معنى التعجب والتعظيم ، لما رزق المؤمن من الثواب.
(اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً)(١٢)
(اللهُ الَّذِي خَلَقَ) مبتدأ وخبر. وقرئ : مثلهنّ بالنصب ، عطفا على سبع سماوات ، وبالرفع على الابتداء ، وخبره : من الأرض. قيل : ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه. وقيل : بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام ، وغلظ كل سماء كذلك ، والأرضون مثل السماوات (يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ) أى يجرى أمر الله وحكمه بينهن ، وملكه ينفذ فيهن. وعن قتادة : في كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه. وقيل : هو ما يدبر فيهنّ من عجائب تدبيره. وقرئ : ينزل الأمر. وعن ابن عباس : أن نافع بن الأزرق سأله هل تحت الأرضين خلق؟ قال : نعم. قال : فما الخلق؟ قال : إما ملائكة أو جنّ (لِتَعْلَمُوا) قرئ بالتاء والياء.
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «من قرأ سورة الطلاق مات على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم» (١)
__________________
(١) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بأسانيدهم إلى أبى بن كعب.
سورة التحريم
مدنية ، وتسمى سورة النبي صلى الله عليه وسلم
وهي ثنتا عشرة آية [نزلت بعد الحجرات]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)(٢)
روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بمارية في يوم عائشة ، وعلمت بذلك حفصة ، فقال لها : اكتمي علىّ ، وقد حرمت مارية على نفسي (١) ، وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان
__________________
(١) «نقل الزمخشري في سبب نزولها أنه عليه السلام خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة ، فقال لها : اكتمي علىّ وقد حرمت مارية على نفسي ... الخ» قال أحمد : ما أطلقه الزمخشري في حق النبي صلى الله عليه وسلم تقول وافتراء ، والنبي صلى الله عليه وسلم منه براء ، وذلك أن تحريم ما أحله الله على وجهين : اعتقاد ثبوت حكم التحريم فيه ، فهذا بمثابة اعتقاد حكم التحليل فيما حرمه الله عز وجل ، وكلاهما محظور لا يصدر من المتسمين بسمة الايمان ، وإن صدر سلب المؤمن حكم الايمان واسمه. الثاني : الامتناع مما أحله عز وجل ، وحمل التحريم بمجرده صحيح ، لقوله (وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ) أى منعنا لا غير ، وقد يكون مؤكدا باليمين مع اعتقاد حله ، وهذا مباح صرف وحلال محض ، ولو كان على المنع ترك المباح والامتناع منه غير مباح استحالت حقيقة الحال بلا إشكال ، فإذا علمت بون ما بين القسمين ، فعلى القسم الثاني تحمل الآية ، والتفسير الصحيح يعضده ، فان النبي صلى الله عليه وسلم حلف بالله لا أقرب مارية ، ولما نزلت الآية كفر عن يمينه ، ويدل عليه : (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ) وقال مالك في المدونة : عن زيد بن أسلم إنما كفر النبي صلى الله عليه وسلم في تحريمه أم ولده ، لأنه حلف أن لا يقربها. ومثله عن الشعبي ، وهذا المقدار مباح ليس في ارتكابه جناح ، وإنما قيل له : لم تحرم ما أحل الله لك ، رفقا به وشفقة عليه ، وتنويها لقدره ولمنصبه صلى الله عليه وسلم : أن يراعى مرضات أزواجه بما يشق عليه ، جريا على ما ألف من لطف الله تعالى بنبيه ورفعه عن أن يحرج بسبب أحد من البشر الذين هم أتباعه ومن أجله خلقوا ، ليظهر الله كمال نبوته بظهور نقصانهم عنه ، والزمخشري قطعا لم يحمل التحريم على هذا الوجه ، لأنه جعله زلة ، فيلزمه أن يحمله على المحمل الأول ، ومعاذ الله وحاش لله وإن آحاد المؤمنين يحاشى عن أن يعتقد تحريم ما أحل الله له ، فكيف لا يربأ بمنصب النبي عليه السلام عما يرتفع عنه منصب عامة الأمة ، وما هذه من الزمخشري إلا جراءة على الله ورسوله ، وإطلاق القول من غير تحرير ، وإبراز الرأى الفاسد بلا تخمير ، نعوذ بالله من ذلك ، وهو المسئول أن يجعل وسيلتنا إليه تعظيما لنبينا صلوات الله عليه ، وأن يجنبنا خطوات للشيطان ، ويقبلنا من عثرات اللسان ، آمين.
بعدي أمر أمتى ، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين (١). وقيل : خلا بها في يوم حفصة ، فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم (٢) ، فطلقها واعتزل نساءه ؛ ومكث تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية. وروى أن عمر قال لها : لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك ، فنزل جبريل عليه السلام وقال : راجعها فإنها صوّامة قوّامة ، وإنها لمن نسائك في الجنة (٣). وروى أنه شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش ، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له : إنا نشم منك ريح المغافير ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره التفل ، فحرّم العسل (٤) ، فمعناه (لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ) من ملك اليمين أو العسل. و (تَبْتَغِي) إما تفسير لتحرم. أو حال : أو
__________________
(١) لم أقف في شيء من الطرق على أن ذلك كان في بيت عائشة رضى الله عنها ، إلا فيما رواه ابن سعد عن الواقدي عن عمر بن عقبة عن شعبة هو مولى ابن عباس سمعت ابن عباس يقول «خرجت حفصة من بيتها. وكان يوم عائشة فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمارية القبطية بيت حفصة ، فجاءت حفصة والباب بحاف فدفعته حتى خرجت الجارية. فقالت حفصة : أما إنى قد رأيت ما صنعت. فقال لها : اكتمي على وهي على حرام ، فانطلقت حفصة إلى عائشة فأخبرتها فأنزل الله تعالى (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ) فأمر فكفر عن يمينه وحبس نساءه» وروى الطبراني في عشرة النساء وابن مردويه في التفسير عنه من طريق موسى بن جعفر بن أبى كثير بن عبد الرحمن عن عمر عن أبى بكر بن عبد الرحمن عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمارية القبطية بيت حفصة بنت عمر فوجدتها معه. فقالت : يا رسول الله في بيتي وتفعل هذا بى من دون نسائك قال : فإنها على حرام أن أمسها يا حفصة ، ألا أبشرك؟ فقالت : بلى. قال : يلي هذا الأمر من بعدي أبو بكر ويليه من بعده أبوك واكتمي هذا على ، فخرجت حتى أتت عائشة فذكرت ذلك كله. وفيه قوله : وكان أدى السرور أن حرمها على نفسه ، فأنزل الله تعالى (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ) وروى الطبراني من طريق الضحاك عن ابن عباس قال «دخلت حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها وهو يطأ مارية ، فقال لها لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة ، فان أباك يلي من بعد أبى بكر إذا أنا مت ، فذهبت حفصة فأخبرت عائشة. فقالت عائشة رضى الله عنها : لا أنظر إليك حتى تحرم مارية فحرمها. فأنزل الله الآية».
(٢) أخرجه ابن إسحاق ومن طريقه ابن أبى خيثمة قال : أخبرنى بعض آل عمر قال «أصاب النبي صلى الله عليه وسلم جاريته القبطية أم ابراهيم في بيت حفصة وفي يومها. فعثرت حفصة على ذلك. فقالت : يا رسول الله ، لقد جئت أمرا ما جئته إلى أحد من نسائك في بيتي وعلى فراشي ، وفي دولتى؟ قال : أيرضيك أن أحرمها فلا أمسها أبدا؟ قالت : نعم. فحرمها على نفسه. وقال لا تذكريه لأحد من الناس ، وكانت حفصة لا تكتم عائشة شيئا ، فلما خرجت ذهبت إلى عائشة فأخبرتها. فأنزل الله تعالى «يا أيها النبي لم تحرم ، فكفر عن يمينه ، وقرب جاريته» وقوله «وطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعة وعشرين ليلة في بيت مارية» : لم أر هذا.
(٣) لم أره هكذا ، وهو عند الحاكم وغيره بغير ذكر سببه ، وقال ابن سعد : أخبرنا زيد» وقال الحرث أخبرنا عفان قال : عن حماد عن أبى عمران الجونى عن قيس بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ، فقال : إن جبريل أتانى فقال لي : راجع حفصة فإنها صوامة قوامة ، وهي زوجتك في الجنة» وروى الحاكم من طريق الحسن بن أبى جعفر عن ثابت عن أنس نحوه وزاد تطليقة ، والحسن ضعيف. واختلف عليه فيه ، ورواه الطبراني والبزار من رواية الحسن المذكور عن عاصم عن عمار رضى الله عنه.
(٤) متفق عليه من حديث عمر بدون قوله «يكره التفل» فعندهما «وكان يشتد عليه أن يوجد منه الريح».
استئناف ، وكان هذا زلة منه لأنه ليس لأحد أن يحرّم ما أحلّ الله لأن الله عزّ وجل إنما أحلّ ما أحل لحكمة ومصلحة عرفها في إحلاله ، فإذا حرّم كان ذلك قلب المصلحة مفسدة (وَاللهُ غَفُورٌ) قد غفر لك ما زللت فيه (رَحِيمٌ) قد رحمك فلم يؤاخذك به (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ) فيه معنيان ، أحدهما : قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم ، من قولك : حلل فلان في يمينه ، إذا استثنى فيها. ومنه : حلا أبيت اللعن (١) ، بمعنى : استثن في يمينك إذا أطلقها ، وذلك أن يقول «إن شاء الله» عقيبها ، حتى لا يحنث. والثاني : قد شرع الله لكم تحلتها بالكفارة. ومنه قوله عليه السلام : «لا يموت لرجل ثلاثة أولاد فتمسه النار إلا تحلة القسم» (٢) وقول ذى الرمّة :
قليلا كتحليل الألىّ (٣)
فإن قلت : ما حكم تحريم الحلال؟ قلت : قد اختلف فيه ، فأبو حنيفة براه يمينا في كل شيء ، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرّمه ، فإذا حرّم طعاما فقد حلف على أكله ، أو أمة فعلى وطئها ، أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية ، وإن نوى الظهار فظهار ، وإن نوى الطلاق فطلاق بائن «وكذلك إن نوى ثنتين وإن نوى ثلاثا فكما نوى ، وإن قال : نويت الكذب ديّن فيما بينه وبين الله تعالى ، ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء. وإن قال : كل حلال علىّ حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو ، وإلا فعلى ما نوى ، ولا يراه الشافعي يمينا. ولكن سببا في الكفارة في النساء وحدهنّ ، وإن نوى الطلاق فهو رجعي عنده. وعن أبى بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد رضى الله عنهم : أنّ الحرام يمين (٤) وعن عمر : إذا نوى الطلاق فرجعى. وعن على رضى الله عنه : ثلاث (٥). وعن زيد : واحدة بائنة. وعن عثمان : ظهار.
__________________
(١) قوله «ومنه : حلا أبيت اللعن» في الصحاح : يقال حلا ، أى استثنى. ويا حالف اذكر حلا ، وهو بالكسر أفاده الصحاح أيضا. (ع)
(٢) أخرجه مسلم من حديث سعيد بن المسيب عن أبى هريرة رضى الله عنه.
(٣) قوله «كتحليل الألى» في الصحاح «الالية» : اليمين على فعلية ، وكذلك الألوة والألوة ، فأما الألوة بالتشديد : فهو العود الذي يتبخر به اه ، فالألى في كلام ذى الرمة جمع الألوة بالتخفيف «كالمدية والمدى ، والخطوة والخطى. (ع)
(٤) حديث أبى بكر رضى الله عنه أخرجه ابن أبى شيبة من رواية جويبر عن الضحاك : أن أبا بكر وعمر وابن مسعود قالوا : من قال لامرأته : هي على حرام ، فليست بحرام وعليه كفارة يمين. وإسناده ضعيف ومنقطع. وحديث عمر رضى الله عنه مثله ، وله طريق أخرى أخرجها ابن أبى شيبة أيضا من رواية خالد الحذاء عن عكرمة عنه قال «الحرام يمين» وهذا منقطع وحديث ابن عباس رضى الله عنهما مثله متفق عليه من رواية ابن جبير عنه قال : الحرام يمين يكفرها. وفي رواية لمسلم «إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها». وحديث ابن مسعود مثله ، وله طريق أخرى أخرجها عبد الرزاق من طريق الطبراني عن ابن عقبة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عنه ، قال : في الحرام يمين يكفرها. ورجاله ثقات مع انقطاعه. وحديث زيد بن ثابت رضى الله عنه مثله.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة وعبد الرزاق من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن على في قول الرجل لامرأته : أنت على حرام ، هي ثلاث. وهذا منقطع أيضا.
وكان مسروق لا يراه شيئا ويقول : ما أبالى أحرمتها أم قصعة من ثريد ، وكذلك عن الشعبي قال : ليس بشيء ، محتجا بقوله تعالى (وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ) وقوله تعالى (لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ) وما لم يحرّمه الله تعالى فليس لأحد أن يحرّمه ولا أن يصير بتحريمه حراما ، ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لما أحله الله : هو حرام علىّ ، وإنما امتنع من مارية ليمين تقدّمت منه ، وهو قوله عليه السلام : والله لا أقربها بعد اليوم ، فقيل له : (لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ) أى لم تمتنع منه بسبب اليمين ، يعنى : أقدم على ما حلفت عليه ، وكفر عن يمينك. ونحوه قوله تعالى (وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ) أى ، منعناه منها. وظاهر قوله تعالى (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ) أنه كانت منه يمين. فإن قلت : هل كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك؟ قلت : عن الحسن : أنه لم يكفر ، لأنه كان مغفورا له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر (١) ، وإنما هو تعليم للمؤمنين. وعن مقاتل : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق رقبة في تحريم مارية (وَاللهُ مَوْلاكُمْ) سيدكم ومتولى أموركم (وَهُوَ الْعَلِيمُ) بما يصلحكم فيشرعه لكم (الْحَكِيمُ) فلا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما توجبه الحكمة. وقيل : مولاكم أولى بكم من أنفسكم ، فكانت نصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم.
(وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ)(٣)
(بَعْضِ أَزْواجِهِ) حفصة. والحديث الذي أسر إليها : حديث مارية وإمامة الشيخين نبأت به أفشته إلى عائشة. وقرئ : أنبأت به (وَأَظْهَرَهُ) وأطلع النبي عليه السلام (عَلَيْهِ) على الحديث ، أى : على إفشائه على لسان جبريل. وقيل : أظهر الله الحديث على النبي صلى الله عليه وسلم من الظهور (عَرَّفَ بَعْضَهُ) أعلم ببعض الحديث تكرما. قال سفيان : ما زال التغافل من فعل الكرام. وقرئ : عرف بعضه ، أى : جاز عليه ، من قولك للمسىء : لأعرفن لك ذلك ، وقد عرفت ما صنعت. ومنه : أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ، وهو كثير في القرآن ، وكان جزاؤه تطليقه إياها. وقيل : المعرف : حديث الإمامة ، والمعرض عنه : حديث مارية : وروى
__________________
(١) لم أجده. وفي المراسيل لأبى داود عنه خلاف ذلك ، أخرجه من طريق قتادة عنه في تحريم أم إبراهيم. قال : فأمر أن يكفر عن يمينه ، وكذا ذكره ابن اسحق كما تقدم أنه كفر عن يمينه.
أنه صلى الله عليه وسلم قال لها : ألم أقل لك اكتمي علىّ ، قالت : والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحا بالكرامة التي خص الله بها أباها. فإن قلت : هلا قيل : فلما نبأت به بعضهن وعرفها بعضه؟ قلت : ليس الغرض بيان من المذاع إليه ومن المعرف ، وإنما هو ذكر جناية حفصة في وجود الإنباء به وإفشائه من قبلها ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرمه وحلمه ، لم يوجد منه إلا الإعلام ببعضه ، وهو حديث الإمامة. ألا ترى أنه لما كان المقصود في قوله (فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا) ذكر المنبأ ، كيف أتى بضميره.
(إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ)(٤)
(إِنْ تَتُوبا) خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات ، ليكون أبلغ في معاتبتهما. وعن ابن عباس : لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عنهما حتى حج وحججت معه ، فلما كان ببعض الطريق عدل وعدلت معه بالإداوة ، فسكبت الماء على يده فتوضأ ، فقلت : من هما؟ فقال : عجبا يا ابن عباس ـ كأنه كره ما سألته عنه ـ ثم قال : هما حفصة وعائشة (١) (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) فقد وجد منكما ما يوجب التوبة ، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالصة رسول الله صلى الله عليه وسلم من حب ما يحبه وكراهة ما يكرهه. وقرأ ابن مسعود : فقد زاغت (وَإِنْ تَظاهَرا) وإن تعاونا (عَلَيْهِ) بما يسوءه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره ، فلن يعدم هو من يظاهره ، وكيف يعلم المظاهر من الله مولاه أى وليه وناصره ، وزيادة (هُوَ) إيذان بأن نصرته عزيمة من عزائمه ، وأنه يتولى ذلك بذاته (وَجِبْرِيلُ) رأس الكروبيين ، وقرن ذكره بذكره مفردا له من بين الملائكة تعظيما له وإظهارا لمكانته عنده (وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) ومن صلح من المؤمنين ، يعنى : كل من آمن وعمل صالحا. وعن سعيد بن جبير : من بريء منهم من النفاق. وقيل : الأنبياء وقيل : الصحابة. وقيل : الخلفاء منهم. فإن قلت : صالح المؤمنين واحد أم جمع؟ قلت : هو واحد أريد به الجمع ، كقولك : لا يفعل هذا الصالح من الناس ، تريد الجنس ، كقولك : لا يفعله من صلح منهم. ومثله قولك : كنت في السامر والحاضر. ويجوز أن يكون أصله : صالحوا المؤمنين بالواو ، فكتب بغير واو على اللفظ ، لأنّ لفظ الواحد والجمع واحد فيه ، كما جاءت أشياء في المصحف متبوع فيها حكم اللفظ دون وضع الخط (وَالْمَلائِكَةُ) على تكاثر عددهم ، وامتلاء السماوات من جموعهم (بَعْدَ ذلِكَ) بعد نصرة الله وناموسه وصالحي المؤمنين (ظَهِيرٌ) فوج مظاهر له ، كأنهم يد واحدة على من يعاديه ، فما يبلغ تظاهر امرأتين على من هؤلاء
__________________
(١) متفق عليه.
ظهراؤه؟ فإن قلت : قوله (بَعْدَ ذلِكَ) تعظيم للملائكة ومظاهرتهم. وقد تقدّمت نصرة الله وجبريل وصالح المؤمنين ، ونصرة الله تعالى أعظم وأعظم. قلت : مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله ، فكأنه فضل نصرته تعالى بهم وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه نصرته تعالى ، لفضلهم على جميع خلقه (١). وقرئ : تظاهرا. وتتظاهرا. وتظهرا.
(عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً)(٥)
قرئ : يبدله ، بالتخفيف والتشديد للكثرة (مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ) مقرّات مخلصات (سائِحاتٍ) صائمات. وقرئ : سيحات ، وهي أبلغ. وقيل للصائم : سائح ، لأنّ السائح لا زاد معه ، فلا يزال ممسكا إلى أن يجد ما يطعمه ، فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره. وقيل : سائحات مهاجرات ، وعن زيد بن أسلم : لم تكن في هذه الأمّة سياحة إلا الهجرة. فإن قلت : كيف تكون المبدلات خيرا منهن ، ولم تكن على وجه الأرض نساء خير من أمّهات المؤمنين؟ (٢) قلت : إذا طلقهن رسول الله لعصيانهن له وإيذائهن إياه ، لم يبقين على تلك الصفة ، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والنزول على هواه ورضاه خيرا منهن ، وقد عرض بذلك في قوله (قانِتاتٍ) لأنّ القنوت هو القيام بطاعة الله ، وطاعة الله في طاعة رسوله. فإن قلت : لم أخليت الصفات كلها عن العاطف (٣) ووسط بين الثيبات والأبكار؟ قلت : لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما اجتماعهن (٤) في سائر الصفات ،
__________________
(١) قوله «لفضلهم على جميع خلقه» مذهب المعتزلة تفضيل الملك على البشر ، وأهل السنة على تفضيل بعض البشر على الملائكة. (ع)
(٢) قوله «نساء خير من أمهات المؤمنين» لعله خيرا. (ع)
(٣) قال محمود : «إن قلت لم أخليت هذه الصفات من العاطف ... الخ» قال أحمد : وقد ذكر لي الشيخ أبو عمرو بن الحاجب رحمه الله : أن القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني الكاتب رحمه الله كان يعتقد أن الواو في الآية هي الواو التي سماها بعض ضعفة النحاة واو الثمانية ، لأنها ذكرت مع الصفة الثامنة ، فكان الفاضل يتبجج باستخراجها زائدة على المواضع الثلاثة المشهورة صلة ، أحدها التي في الصفة الثامنة من قوله (التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ) عند قوله (وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) والثانية في قوله (وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) والثالثة في قوله (وَفُتِحَتْ أَبْوابُها) قال الشيخ أبو عمرو بن الحاجب : ولم يزل الفاضل يستحسن ذلك من نفسه إلى أن ذكره يوما بحضرة أبى الجود النحوي المقري فبين له أنه واهم في عدها من ذلك القبيل ، وأحال البيان على المعنى الذي ذكره الزمخشري من دعاء الضرورة إلى الإتيان بها هاهنا ، لامتناع اجتماع الصفتين في موصوف واحد ، وواو الثمانية إن ثبتت فإنما ترد بحيث لا حاجة إليها إلا للاشعار بتمام نهاية العدد الذي هو السبعة ، فأنصفه الفاضل رحمه الله ، واستحسن ذلك منه وقال : أرشدنا يا أبا الجود.
(٤) قوله «لا يجتمعن فيهما اجتماعهن» لعل فيه قلبا ، والأصل : لا يجتمعان فيهن اجتماع سائر الصفات فيهن. (ع)
فلم يكن بد من الواو.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(٧)
(قُوا أَنْفُسَكُمْ) بترك المعاصي وفعل الطاعات (وَأَهْلِيكُمْ) بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم. وفي الحديث «رحم الله رجلا قال يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم لعلّ الله يجمعهم معه في الجنة» (١) وقيل : إنّ أشد الناس عذابا يوم القيامة من جهل أهله. وقرئ : وأهلوكم (٢) ، عطفا على واو (قُوا) وحسن العطف للفاصل. فإن قلت : أليس التقدير : قوا أنفسكم ، وليق أهلوكم أنفسهم؟ قلت : لا ، ولكن المعطوف مقارن في التقدير للواو ، وأنفسكم واقع بعده ، فكأنه قيل : قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم لما جمعت مع المخاطب الغائب غلبته عليه ، فجعلت ضميرهما معا على لفظ المخاطب (ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) نوعا من النار لا يتقد إلا بالناس والحجارة ، كما يتقد غيرها من النيران بالحطب. وعن ابن عباس رضى الله عنهما : هي حجارة الكبريت ، وهي أشدّ الأشياء حرا إذا أو قد عليها. وقرئ : وقودها بالضم ، أى ذو وقودها (عَلَيْها) يلي أمرها وتعذيب أهلها (مَلائِكَةٌ) يعنى الزبانية التسعة عشر وأعوانهم (غِلاظٌ شِدادٌ) في أجرامهم غلظة وشدّة ، أى : جفاء وقوّة. أو في أفعالهم جفاء وخشونة ، لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله والغضب له والانتقام من أعدائه (ما أَمَرَهُمْ) في محل النصب على البدل ، أى : لا يعصون ما أمر الله. أى : أمره ، كقوله تعالى (أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) أو لا يعصونه فيما أمرهم. فإن قلت : أليست الجملتان في معنى واحد؟ قلت : لا ، فإنّ معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها. ومعنى الثانية : أنهم يؤدون ما يؤمرون
__________________
(١) لم أجده.
(٢) قال محمود في قوله تعالى (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً) : قرئ وأهلوكم. قال أحمد : ولكن المعطوف مقارن في التقدير للواو ، وأنفسكم واقع بعده ، كأنه قال : قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم ، ولكن لما اجتمع ضمير المخاطب والغائبين : غلب ضمير الخطاب على ضمير الغيبة. ثم قال : فان قلت قوله (لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) أليس الجملتان في معنى واحد؟ وأجاب بأن معنى الأولى أنهم يلتزمون الأوامر ولا يأتونها ... الخ» قال أحمد : جوابه الأول مفرع على قاعدته الفاسدة في اعتقاد خلود الفساق في جهنم ، ولعله إنما أورد السؤال ليتكلف عنه بجواب ينفس عما في نفسه مما لا يطيق كتمانه من هذا الباطل نعوذ بالله منه ، وإلا فالسؤال غير وارد ، فانه لا يمتنع أن المؤمن يحذر من عذاب الكافر أن يناله على الإيمان ، كقوله في آل عمران خطابا للمؤمنين (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ، وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
به لا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه. فإن قلت : قد خاطب الله المشركين المكذبين بالوحي بهذا بعينه في قوله تعالى (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) وقال (أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) فجعلها معدّة للكافرين ، فما معنى مخاطبته به المؤمنين؟ قلت: الفساق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار ، فإنهم مساكنون الكفار في دار واحدة فقيل للذين آمنوا : قوا أنفسكم باجتناب الفسوق مساكنة الكفار الذين أعدت لهم هذه النار الموصوفة. ويجوز أن يأمرهم بالتوقي من الارتداد ، والندم على الدخول في الإسلام ، وأن يكون خطابا للذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون ، ويعضد ذلك قوله تعالى على أثره (يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أى : يقال لهم ذلك عند دخولهم النار لا تعتذروا ، لأنه لا عذر لكم. أو لأنه لا ينفعكم الاعتذار.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(٨)
(تَوْبَةً نَصُوحاً) وصفت التوبة بالنصح على الإسناد المجازى ، والنصح : صفة التائبين ، وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم ، فيأتوا بها على طريقها متداركة للفرطات ماحية للسيئات ، وذلك : أن يتوبوا عن القبائح لقبحها ، نادمين عليها ، مغتمين أشدّ الاغتمام لارتكابها ، عازمين على أنهم لا يعودون في قبيح من القبائح إلى أن يعود اللبن في الضرع ، موطنين أنفسهم على ذلك. وعن على رضى الله تعالى عنه : أنه سمع أعرابيا يقول : اللهم إنى أستغفرك وأتوب إليك ، فقال : يا هذا ، إنّ سرعة اللسان بالتوبة توبة الكذابين. قال : وما التوبة؟ قال : يجمعها ستة أشياء : على الماضي من الذنوب : الندامة ، وللفرائض : الإعادة ، ورد المظالم ، واستحلال الخصوم ، وأن تعزم على أن لا تعود ، وأن تذيب نفسك في طاعة الله ، كما ربيتها في المعصية ، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي. وعن حذيفة : بحسب الرجل من الشر أن يتوب عن الذنب ثم يعود فيه. وعن شهر بن حوشب : أن لا يعود ولو حز بالسيف وأحرق بالنار. وعن ابن السماك : أن تنصب الذنب الذي أقللت فيه الحياء من الله أمام عينك وتستعد لمنتظرك. وقيل : توبة لا يتاب منها. وعن السدى : لا تصح التوبة إلا بنصيحة النفس والمؤمنين ، لأن من صحت توبته أحب أن يكون الناس مثله. وقيل : نصوحا من نصاحة الثوب ، أى : توبة ترفو
خروقك في دينك ، وترم خلك (١). وقيل : خالصة ، من قولهم : عسل ناصح إذا خلص من الشمع. ويجوز أن يراد : توبة تنصح الناس ، أى : تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها ، واستعماله الجد والعزيمة في العمل على مقتضياتها. وقرأ زيد بن على : توبا نصوحا. وقرئ : نصوحا بالضم ، وهو مصدر نصح. والنصح والنصوح ، كالشكر والشكور ، والكفر والكفور أى : ذات نصوح. أو تنصح نصوحا. أو توبوا لنصح أنفسكم على أنه مفعول له (عَسى رَبُّكُمْ) إطماع من الله لعباده ، وفيه وجهان ، أحدهما : أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإجابة بعسى ولعل. ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت. والثاني : أن يجيء به تعليما العباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء ، والذي يدل على المعنى الأول وأنه في معنى البت : قراءة ابن أبى عبلة : ويدخلكم بالجزم ، عطفا على محل (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ) كأنه قيل : توبوا يوجب لكم تكفير سيئاتكم ويدخلكم (يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ) نصب بيدخلكم ، ولا يخزى : تعريض بمن أخزاهم الله من أهل الكفر والفسوق ، واستحماد إلى المؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم (يَسْعى نُورُهُمْ) على الصراط (أَتْمِمْ لَنا نُورَنا) قال ابن عباس : يقولون ذلك إذا طفئ نور المنافقين إشفاقا. وعن الحسن : الله متممه لهم ولكنهم يدعون تقربا إلى الله ، كقوله تعالى (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) وهو مغفور له. وقيل : يقوله أدناهم منزلة ، لأنهم يعطون من النور قدر ما يبصرون به مواطئ أقدامهم ، لأنّ النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلا. وقيل : السابقون إلى الجنة يمرون مثل البرق على الصراط ، وبعضهم كالريح ، وبعضهم حبوا وزحفا ، فأولئك الذين يقولون (رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا) فإن قلت : كيف يشفقون والمؤمنون آمنون ، (أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ). (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) ، (لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) أو كيف (٢) يتقربون وليست الدار دار تقرّب؟ قلت : أما الإشفاق فيجوز أن يكون على عادة البشرية وإن كانوا معتقدين الأمن. وأما التقرّب فلما كانت حالهم كحال المتقربين حيث يطلبون ما هو حاصل لهم من الرحمة : سماه تقرّبا.
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)(٩)
(جاهِدِ الْكُفَّارَ) بالسيف (وَالْمُنافِقِينَ) بالاحتجاج ، واستعمل الغلظة والخشونة على
__________________
(١) قوله «وترم خلك» في الصحاح «الخل» الثوب البالي. وعبارة النسفي : خالك. وفي الصحاح «الخلل» بالتحريك : الفرجة بين الشيئين ، وفساد في الأمر. (ع)
(٢) قوله «أو كيف» لعله : وكيف. (ع)
الفريقين فيما تجاهدهما به من القتال والمحاجة. وعن قتادة : مجاهدة المنافقين لإقامة الحدود عليهم. وعن مجاهد : بالوعيد. وقيل : بإفشاء أسرارهم.
(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)(١٠)
مثل الله عز وجل حال الكفار ـ في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين معاقبة مثلهم (١) من غير إبقاء ولا محاباة ، ولا ينفعهم مع عداوتهم لهم ما كان بينهم وبينهم من لحمة نسب أو وصلة صهر ، لأن عداوتهم لهم وكفرهم بالله ورسوله قطع العلائق وبت الوصل ، وجعلهم أبعد من الأجانب وأبعد ، وإن كان المؤمن الذي يتصل به الكافر نبيا من أنبياء الله ـ بحال امرأة نوح وامرأة لوط : لما نافقتا وخانتا الرسولين لم يغن الرسولان عنهما بحق ما بينهما وبينهما من وصلة الزواج إغناء مّا من عذاب الله (وَقِيلَ) لهما عند موتهما أو يوم القيامة : (ادْخُلَا النَّارَ مَعَ) سائر (الدَّاخِلِينَ) الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء. أو مع داخليها من إخوانكما من قوم نوح وقوم لوط. ومثل حال المؤمنين ـ في أنّ وصلة الكافرين لا تضرهم ولا تنقص شيئا من ثوابهم وزلفاهم عند الله ـ بحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله تعالى ، مع كونها زوجة أعدى أعداء الله الناطق بالكلمة العظمى ، ومريم ابنة عمران وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين ، مع أنّ قومها كانوا كفارا. وفي طىّ هذين التمثيلين تعريض بأمّى المؤمنين المذكورتين في أوّل السورة وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم (٢) بما كرهه وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده ، لما في التمثيل من ذكر الكفر. ونحوه في التغليظ قوله تعالى (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الإخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين ، وأن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله ، فإنّ ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين ، والتعريض بحفصة أرجح ، لأن امرأة لوط أفشت عليه كما أفشت حفصة على رسول الله ، وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حدا يدق عن تفطن العالم ويزل عن نبصره.
__________________
(١) قوله «حال الكفار في أنهم يعاقبون على كفرهم» أى الذين بينهم وبين المؤمنين علاقة. وقوله «مثلهم» أى ممن لا علاقة بينهم وبين المؤمنين. (ع)
(٢) قوله «على التظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم» لعله من التظاهر ، كعبارة النسفي. (ع)
فإن قلت ، ما فائدة قوله (مِنْ عِبادِنا)؟ قلت : لما كان مبنى التمثيل على وجود الصلاح في الإنسان كائنا من كان ، وأنه وحده هو الذي يبلغ به الفوز وينال ما عند الله : قال عبدين من عبادنا صالحين ، فذكر النبيين المشهورين العلمين بأنهما عبدان لم يكونا إلا كسائر عبادنا ، من غير تفاوت بينهما وبينهم إلا بالصلاح وحده إظهارا وإبانة ، لأن عبدا من العباد لا يرجح عنده إلا بالصلاح لا غير ، وأن ما سواه مما يرجح به الناس عند الناس ليس بسبب للرجحان عنده. فإن قلت : ما كانت خيانتهما؟ قلت : نفاقهما وإبطانهما الكفر ، وتظاهرهما على الرسولين ، فامرأة نوح قالت لقومه : إنه مجنون ، وامرأة لوط دلت على ضيفانه. ولا يجوز أن يراد بالخيانة الفجور لأنه سمج في الطباع نقيصة عند كل أحد ، بخلاف الكفر فإن الكفار لا يستسمجونه بل يستحسنونه ويسمونه حقا ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما «ما بغت امرأة نبى قط» (١).
(وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ)(١٢)
وامرأة فرعون : : آسية بنت مزاحم. وقيل : هي عمة موسى عليه السلام آمنت حين سمعت بتلقف عصا موسى الإفك ، فعذبها فرعون. عن أبى هريرة : أن فرعون وتد امرأته بأربعة أوتاد ، واستقبل بها الشمس ، وأضجعها على ظهرها ، ووضع رحى على صدرها. وقيل : أمر بأن تلقى عليها صخرة عظيمة فدعت الله فرقى بروحها ، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه. وعن الحسن : فنجاها الله أكرم نجاة ؛ فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتتنعم فيها. وقيل : لما قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة : أريت بيتها في الجنة يبنى. وقيل : إنه من درة. وقيل : كانت تعذب في الشمس فتظلها الملائكة. فإن قلت : ما معنى الجمع بين عندك وفي الجنة؟ قلت طلبت القرب من رحمة الله والبعد من عذاب أعدائه ، ثم بينت مكان القرب بقولها (فِي الْجَنَّةِ) أو أرادت ارتفاع الدرجة في الجنة وأن تكون جنتها من الجنان التي هي أقرب إلى العرش وهي جنات المأوى ، فعبرت عن القرب إلى العرش بقولها (عِنْدَكَ). (مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ) من عمل فرعون. أو من نفس فرعون الخبيثة وسلطانه الغشوم ، وخصوصا
__________________
(١) أخرجه عبد الرزاق والطبري وابن مردويه من طريق عنه في تفسير هود وهنا.
من عمله وهو : الكفر ، وعبادة الأصنام ، والظلم ، والتعذيب بغير جرم (وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) من القبط كلهم. وفيه دليل على أنّ الاستعاذة بالله والالتجاء إليه ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل : من سير الصالحين وسنن الأنبياء والمرسلين : (فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ، (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ). (فِيهِ) في الفرج. وقرأ ابن مسعود : فيها ، كما قرئ في سورة الأنبياء ، والضمير للجملة ، وقد مرّ لي في هذا الظرف كلام. ومن بدع التفاسير : أنّ الفرج هو جيب الدرع ، ومعنى أحصنته : منعته جبريل ، وأنه جمع في التمثيل بين التي لها زوج والتى لا زوج لها ، تسلية للأرامل وتطييبا لأنفسهنّ (وَصَدَّقَتْ) قرئ بالتشديد والتخفيف على أنها جعلت الكلمات والكتب صادقة ، يعنى : وصفتها بالصدق ، وهو معنى التصديق بعينه. فإن قلت : فما كلمات الله وكتبه؟ قلت : يجوز أن يراد بكلماته : صحفه التي أنزلها على إدريس وغيره ، سماها كلمات لقصرها (١) ، وبكتبه : الكتب الأربعة (٢) ، وأن يراد جميع ما كلم الله به ملائكته وغيرهم ، وجميع ما كتبه في اللوح وغيره. وقرئ : بكلمة الله وكتابه. أى : بعيسى وبالكتاب المنزل عليه وهو الإنجيل. فإن قلت : لم قيل (مِنَ الْقانِتِينَ) على التذكير؟ قلت : لأنّ القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين ، فغلب ذكوره على إناثه. و (مِنْ) للتبعيض. ويجوز أن يكون لابتداء الغاية ، على أنها ولدت من القانتين ، لأنها من أعقاب هرون أخى موسى صلوات الله عليهما. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : «كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا أربع : آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ، ومريم ابنة عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد. وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (٣) وأما ما روى أنّ عائشة سألت
__________________
(١) قال محمود : «يجوز أن يراد بالكلمات الصحف التي أنزلها الله تعالى على إدريس وغيره : سماها كلمات لقصرها ... الخ» قال أحمد : هو يعتقد حدوث كلام الله ويجحد الكلام القديم. فلا جرم أن كلامه لا يعدو الاشعار بأن كلمات الله متناهية ، لأنه في الوجه الأول جعلها مجموعة جمع قلة لقصرها ، وفي الثاني حصرها بقوله «جميع» وأين وصفه لها بالقصر والحصر من الآيتين التوأمتين اللتين إحداهما قوله (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي) والأخرى قوله (وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ...) الآية وما هو في الحقيقة إلا غير مؤمن بكلمات الله تعالى ، فالحق أن كلام الله تعالى صفة من صفات كماله أزلية أبدية غير متناهية ، فهكذا آمنت امرأة فرعون المتلو ثناؤها في كتاب الله العزيز ، ثبتنا الله على الايمان ، ووقانا الخذلان ، والله المستعان.
(٢) قوله «وبكتبه الكتب الأربعة» لعلها علمت بالإنجيل والقرآن نزولهما. (ع)
(٣) أخرجه الثعلبي من طريق عمرو بن مرزوق عن شعبة عن عمرو بن مرة سمع مرة عن أبى موسى بهذا. وأخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة عمرو بن مرة من هذا الوجه. قال : حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا يوسف القاضي حدثنا عمرو بن مرزوق بهذا. وهو في البخاري من رواية مرة عن أبى موسى دون ذكر خديجة وفاطمة
رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف سمى الله المسلمة؟ تعنى مريم ، ولم يسم الكافرة؟ فقال: بغضالها : قالت : وما اسمها؟ قال : اسم امرأة نوح «واعلة» واسم امرأة لوط «واهلة» فحديث أثر الصنعة عليه ظاهر بين ، ولقد سمى الله تعالى جماعة من الكفار بأسمائهم وكناهم ، ولو كانت التسمية للحب وتركها البغض لسمى آسية ، وقد قرن بينها وبين مريم في التمثيل للمؤمنين ، وأبى الله إلا أن يجعل للمصنوع أمارة تنم عليه ، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أحكم وأسلم من ذلك.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرأ سورة التحريم آتاه الله توبة نصوحا» (١)
سورة الملك
مكية ، وهي ثلاثون آية [نزلت بعد الطور]
وتسمى : الواقية ، والمنجية ، لأنها تقى وتنجي قارئها من عذاب القبر
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ) (٤)
(تَبارَكَ) تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين (الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) على كل موجود (وَهُوَ
__________________
ـ رضى الله عنهما. وفي ابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس رضى الله عنهما رفعه «أفضل نساء العالمين أربع ... فذكره».
(١) أخرجه الثعلبي وابن مردويه باسنادهما إلى أبى بن كعب.
عَلى كُلِ) ما لم يوجد مما يدخل تحت القدرة (قَدِيرٌ) وذكر اليد مجاز عن الإحاطة بالملك والاستيلاء عليه. والحياة : ما يصح بوجوده الإحساس. وقيل : ما يوجب كون الشيء حيا ، وهو الذي يصح منه أن يعلم ويقدر. والموت عدم ذلك (١) فيه ، ومعنى خلق الموت والحياة : إيجاد ذلك المصحح وإعدامه. والمعنى : خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون (لِيَبْلُوَكُمْ) وسمى علم الواقع منهم باختيارهم «بلوى» وهي الخبرة استعارة من فعل المختبر. ونحوه قوله تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ* حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ). فإن قلت : من أين تعلق قوله (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) بفعل البلوى (٢)؟ قلت : من حيث أنه تضمن معنى العلم ، فكأنه قيل : ليعلمكم أيكم أحسن عملا ، وإذا قلت : علمته أزيد أحسن عملا أم هو؟ كانت هذه الجملة واقعة موقع الثاني من مفعوليه ، كما تقول : علمته هو أحسن عملا. فإن قلت : أتسمى هذا تعليقا؟ قلت : لا ، إنما التعليق أن توقع بعده ما يسدّ مسدّ المفعولين جميعا ، كقولك : علمت أيهما عمرو ، وعلمت أزيد منطلق. ألا ترى أنه لا فصل بعد سبق أحد المفعولين بين أن يقع ما بعده مصدرا بحرف الاستفهام وغير مصدر به ، ولو كان تعليقا لا فترقت الحالتان كما افترقتا في قولك : علمت أزيد منطلق. وعلمت زيدا منطلقا. (أَحْسَنُ عَمَلاً). قيل : أخلصه وأصوبه ، لأنه إذا كان خالصا غير صواب لم يقبل ، وكذلك إذا كان صوابا غير خالص ، فالخالص : أن يكون لوجه الله تعالى ، والصواب : أن يكون على السنة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلاها ، فلما بلغ قوله (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) قال : «أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله» (٣) يعنى : أيكم أتم عقلا عن الله وفهما لأغراضه ، والمراد : أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل وتستمكنون منه ، وسلط عليكم الموت الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح ، لأن وراءه البعث والجزاء الذي لا بد منه. وقدم الموت على الحياة ، لأنّ أقوى الناس داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم (وَهُوَ الْعَزِيزُ)
__________________
(١) قال محمود : «أى ما يوجب كون الشيء حيا أو ما يصح بوجوده الاحساس والموت عدم ذلك ... الخ» قال أحمد : أخطأ في تفسير الموت ديدنه المعروف أن يفسر ويتبع التفسير آراء القدرية ، ومنها قطع الله ذكرها :
أن الموت عدم ، وهو خطأ صراح. ومعتقد أهل السنة أنه أمر وجودى يضاد الحياة ، وكيف يكون العدم بهذه المثابة ، ولو كان العدم مخلوقا حادثا وعدم الحوادث مقرر أزلا : للزم قطع الحوادث أزلا ، وذلك أبشم من القول بقدم العالم ، فانظر إلى هذا الهوى أين مؤداه. وكيف أهوى بصاحبه فأرداه ، نعوذ بالله من الزلل والخطل.
(٢) قال محمود : «أين تعلق قوله (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) بفعل البلوى؟ وأجاب بأن معناه ليعلمكم أيكم أحسن عملا ، لأن البلوى تتضمن العلم ... الخ» قال أحمد : التعليق عن أحد المفعولين مختلف فيه بين النحاة ، والأصح ما أجازه ، وهو في هذا الفن يمشى وفيه يدرج ويدرى كيف يدخل فيه ويخرج.
(٣) تقدم الكلام عليه في أول سورة هود.
الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل (الْغَفُورُ) لمن تاب من أهل الإساءة (طِباقاً) مطابقة بعضها فوق بعض ، من طابق النعل : إذا خصفها طبقا على طبق ، وهذا وصف بالمصدر. أو على ذات طباق ، أو على : طوبقت طباقا (مِنْ تَفاوُتٍ) وقرئ : من تفوت. ومعنى البناءين واحد ، كقولهم : تظاهروا من نسائهم. وتظهروا. وتعاهدته وتعهدته ، أى : من اختلاف واضطراب في الخلقة ولا تناقض ، إنما هي مستوية مستقيمة. وحقيقة التفاوت : عدم التناسب ، كأن بعض الشيء يفوت بعضا ولا يلائمه. ومنه قولهم : خلق متفاوت. وفي نقيضه : متناصف. فإن قلت : كيف موقع هذه الجملة مما قبلها؟ قلت : هي صفة مشايعة لقوله (طِباقاً) وأصلها : ما ترى فيهنّ من تفاوت ، فوضع مكان الضمير قوله (خَلْقِ الرَّحْمنِ) تعظيما لخلقهنّ ، وتنبيها على سبب سلامتهنّ من التفاوت : وهو أنه خلق الرحمن ، وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب ، والخطاب في ما ترى للرسول أو لكل مخاطب. وقوله تعالى (فَارْجِعِ الْبَصَرَ) متعلق به على معنى التسبيب ، أخبره بأنه لا تفاوت في خلقهنّ ، ثم قال (فَارْجِعِ الْبَصَرَ) حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة ، ولا تبقى معك شبهة فيه (هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ) من صدوع وشقوق : جمع فطر وهو الشق. يقال : فطره فانفطر. ومنه : فطر ناب البعير ، كما يقال : شق وبزل. ومعناه : شق اللحم فطلع. وأمره بتكرير البصر فيهنّ متصفحا ومتتبعا يلتمس عيبا وخللا (يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ) أى إن رجعت البصر وكررت النظر لم يرجع إليك بصرك بما التمسته من رؤية الخلل وإدراك العيب ، بل يرجع إليك بالخسوء والحسور ، أى : بالبعد عن إصابة الملتمس. كأنه يطرد عن ذلك طردا بالصغار والقماءة (١). وبالإعياء والكلال لطول الإجالة والبرديد. فإن قلت : كيف ينقلب البصر خاسئا حسيرا برجعه كرّتين اثنتين؟ قلت : معنى التثنية التكرير بكثرة (٢) ، كقولك : لبيك وسعديك ، تريد إجابات كثيرة بعضها في أثر بعض ، وقولهم في المثل : دهدرّين سعد القين (٣) من ذلك. أى : باطلا بعد باطل. فإن قلت : فما معنى ثم ارجع؟ قلت : أمره يرجع
__________________
(١) قوله «بالصغار والقماءة» أى : الصغر والذل ، كما في الصحاح. (ع)
(٢) قال محمود : «لم خص الكرتين؟ فأجاب بأن معنى التئنية هاهنا التكثير ... الخ» قال أحمد : وفي قوله (يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ) وضع الظاهر موضع المضمر. وفيه من الفائدة : التنبيه على أن الذي يرجع خاسئا حسيرا غير مدرك الفطور : هو الآلة التي يلتمس بها إدراك ما هو كائن ، فإذا لم يدرك شيء دل على أنه لا شيء. ومن هذا القبيل قوله (خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ) وأصله : ما ترى في خلقهن من تفاوت ، ولكنه ذكرهن منسربات لخلق الرحمن ، تنبيها على السبب الذي ربأ بهن على الفطور والتفاوت.
(٣) قوله «دهدرين ... الخ» في القاموس بضم الدالين وفتح الراء المشددة : اسم لبطل ، وللباطل والكذب كالدهدر. ودهدرين سعد القين : أى بطل سعد الحداد. أو أن فينا ادعى أن اسمه سعد زمانا ، ثم تبين كذبه ، فقيل له ذلك» أى : جمعت باطلا إلى باطل يا سعد الحصاد. ويروى منفصلا «ده» أمر من الدهاء ، و «درين» من در : أى تتابع ، أى : بالغ في الكذب يا سعد. وفيه غير ذلك ، فراجعه ، كذا بهامش الأصل. (ع)
البصر ، ثم أمره بأن لا يقتنع بالرجعة الأولى وبالنظرة الحمقاء ، وأن يتوقف بعدها ويجم بصره ، ثم يعاود ويعاود ، إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة ، فإنه لا يعثر على شيء من فطور.
(وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ) (٥)
(الدُّنْيا) القربى ، لأنها أقرب السماوات إلى الناس ، ومعناها : السماء الدنيا منكم. والمصابيح السرج ، سميت بها الكواكب ، والناس يزينون مساجدهم ودورهم بأثقاب المصابيح (١) ، فقيل : ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها (بِمَصابِيحَ) أى بأى مصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة ، وضممنا إلى ذلك منافع أخر : أنا (جَعَلْناها رُجُوماً) أعدائكم : (لِلشَّياطِينِ) الذين يخرجونكم من النور إلى الظلمات وتهتدون بها في ظلمات البر والبحر. قال قتادة : خلق الله النجوم لثلاث : زينة للسماء ، ورجوما للشياطين ، وعلامات يهتدى بها. فمن تأوّل فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به وعن محمد بن كعب : في السماء والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم ، ولكنهم يبتغون الكهانة ويتخذون النجوم علة. والرجوم : جمع رجم : وهو مصدر سمى به ما يرجم به. ومعنى كونها مراجم للشياطين : أنّ الشهب التي تنقض لرمي المسترقة منهم منفصلة من نار الكواكب ، لا أنهم يرجمون بالكواكب أنفسها ، لأنها قارة في الفلك على حالها. وما ذاك إلا كقبس يؤخذ من نار ، والنار ثابتة كاملة لا تنقص. وقيل : من الشياطين المرجومة من يقتله الشهاب. ومنهم من يخبله. وقيل : معناه وجعلناها ظنونا ورجوما بالغيب لشياطين الإنس وهم النجامون (٢) (وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ) في الآخرة بعد عذاب الإحراق بالشهب في الدنيا.
(وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا
__________________
(١) قوله «ودورهم بأثقاب المصابيح» في الصحاح «ثقبت النار» : اتقدت. وأثقبتها أنا. وشهاب ثاقب ، أى : مضيء. (ع)
(٢) حمل الزمخشري الشياطين على ظاهره ، ونقل عن بعضهم أن معناه : وجعلناها ظنونا ورجوما بالغيب ... الخ. قال أحمد : وهذا من الاستطراد. لما ذكر وعيد الشياطين استطرد ذلك وعيد الكافرين عموما والله أعلم.
وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ)(١٢)
(وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) أى : ولكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم (عَذابُ جَهَنَّمَ) ليس الشياطين المرجومين مخصوصين بذلك. وقرئ عذاب جهنم بالنصب عطفا على عذاب السعير (إِذا أُلْقُوا فِيها) أى طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة ، ويرمى به. ومثله قوله تعالى (حَصَبُ جَهَنَّمَ). (سَمِعُوا لَها شَهِيقاً) إمّا لأهلها ممن تقدم طرحهم فيها. أو من أنفسهم ، كقوله (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) وإما للنار تشبيها لحسيسها (١) المنكر الفظيع بالشهيق (وَهِيَ تَفُورُ) تغلى بهم غليان المرجل بما فيه. وجعلت كالمغتاظة عليهم لشدة غليانها بهم ، ويقولون : فلان يتميز غيظا ويتقصف غضبا ، وغضب فطارت منه شقة في الأرض وشقة في السماء : إذا وصفوه بالإفراط فيه. ويجوز أن يراد : غيظ الزبانية (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ) توبيخ يزدادون به عذابا إلى عذابهم وحسرة إلى حسرتهم. وخزنتها : مالك وأعوانه من الزبانية (قالُوا بَلى) اعتراف منهم بعدل الله ، وإقرار بأن الله عز وعلا أزاح عللهم ببعثة الرسل وإنذارهم ما وقعوا فيه ، وأنهم لم يؤتوا من قدره كما تزعم المجبرة (٢) ، وإنما أتوا من قبل أنفسهم ، واختيارهم خلاف ما اختار الله وأمر به وأوعد على ضده. فإن قلت : (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ) من المخاطبون به؟ قلت : هو من جملة قول الكفار وخطابهم للمنذرين ، على أنّ النذير بمعنى الإنذار. والمعنى : ألم يأتكم أهل نذير. أو وصف منذروهم لغلوهم في الإنذار ، كأنهم ليسوا إلا إنذارا ، وكذلك (قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ) ونظيره قوله تعالى (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ) أى حاملا رسالته. ويجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار على إرادة القول : أرادوا حكاية ما كانوا عليه من ضلالهم في الدنيا. أو أرادوا بالضلال : الهلاك. أو سموا عقاب الضلال باسمه. أو من كلام الرسل لهم حكوه للخزنة ، أى قالوا لنا هذا فلم نقبله (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ)
__________________
(١) قوله «تشبيها لحسيسها» في الصحاح : الحس والحسيس : الصوت ، والخفي. (ع)
(٢) قوله «كما تزعم المجبرة» إن كان مراده أهل السنة كعادته لقولهم : إنه تعالى هو الخالق لأفعال العباد ، وأنها بقضائه تعالى وقدره ، بل من جهة ما لهم فيها من الكسب والاختيار كما تقرر في محله وإن كان مراده القائلين بالجبر المحض وأن العبد كالريشة المعلقة في الهواء لا دخل له في عمله أصلا ، فقد أصاب الفرق الضروري بين حركة اليد في البطش وحركتها في الارتعاش ، كما تقرر في علم التوحيد ، فارجع إليه. (ع)
الإنذار سماع طالبين للحق (١). أو نعقله عقل متأمّلين. وقيل : إنما جمع بين السمع والعقل ، لأنّ مدار التكليف على أدلة السمع والعقل. ومن بدع التفاسير : أنّ المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب (٢) الرأى ، كأنّ هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين ، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم ، وكأن من كان من هؤلاء فهو من من الناجين لا محالة ، وعدّة المبشرين من الصحابة : عشرة ، لم يضم إليهم حادي عشر ، وكأن من يجوز على الصراط أكثرهم لم يسمعوا باسم هذين الفريقين (بِذَنْبِهِمْ) بكفرهم في تكذيبهم الرسل (فَسُحْقاً) قرئ بالتخفيف والتثقيل ، أى : فبعدا لهم ، اعترفوا أو جحدوا ، فإنّ ذلك لا ينفعهم.
(وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)(١٤)
ظاهره الأمر بأحد الأمرين : الإسرار والإجهار. ومعناه : ليستو عندكم إسراركم وإجهاركم (٣) في علم الله بهما ، ثم أنه علله ب (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) أى بضمائرها قبل أن تترجم الألسنة عنها ، فكيف لا يعلم ما تكلم به. ثم أنكر أن لا يحيط علما بالمضمر والمسر والمجهر (مَنْ خَلَقَ) الأشياء (٤) ، وحاله أنه اللطيف الخبير ، المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه
__________________
(١) قال محمود : «معناه لو كنا نسمع للانذار سماع طالبين للحق ... الخ» قال أحمد : إن عنى أن الأحكام الشرعية تستفاد من العقل كما تستفاد من السمع بناء على قاعدة التحسين والتقبيح ، فهو غير بعيد من أصحاب السعير. وإن عنى أن العقل يرشد إلى العقائد الصحيحة والسمع يختص بالأحكام الشرعية : فهو مع أهل السنة.
(٢) قال محمود : «ومن بدع التفاسير أن المراد : لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب الرأى ... الخ» قال أحمد : ولو تفطن نبيه لهذه الآية لعدها دليلا على تفضيل السمع على البصر ، فانه قد استدل على ذلك بأخفى منها.
(٣) قوله «إسراركم وإجهاركم» في الصحاح «إجهار الكلام» : إعلانه. (ع)
(٤) قال محمود : «أنكر أن لا يحيط علما بالسر أو الجهر من خلق ذلك ... الخ» قال أحمد : هذه الآية رد على المعتزلة وتصحيح الطريق التي يسلكها أهل السنة في الرد عليهم ، فان أهل السنة يستدلون على أن العبد لا يخلق أفعاله بأنه لا يعلمها ، وهو استدلال بنفي اللازم الذي هو العلم على نفى الملزوم الذي هو الخلق ، وبهذه الملازمة دلت الآية ، فان الله تعالى أرشد إلى الاستدلال على ثبوت العلم له عز وجل بثبوت الخلق ، وهو استدلال بوجود الملزوم على وجود اللازم ، فهو نور واحد يقتبس منه ثبوت العلم الباري عز وجل ، وإبطال خلق العبد لأفعاله ، وإعراب الآية ينزل على هذا المعنى ، فان الوجه فيها أن يكون (مَنْ) فاعلا مرادا به الخالق ، ومفعول العلم محذوف تقديره : ذلك إشارة إلى السر والجهر ومفعول خلق محذوف ضميره عائد إلى ذلك. والتقدير في الجميع : ألا يعلم السر والجهر من خلقهما. ومتى حذونا غير هذا الوجه من الاعراب ألقانا إلى مضايق التكلف والتعسف ، فمن المحتمل أن يكون من مفعولة واقعة على فاعل السر والجهر ، والتقدير : ألا يعلم الله المسرين والجاهرين ، وليس مطابقا ـ
وما بطن. ويجوز أن يكون (مَنْ خَلَقَ) منصوبا بمعنى : ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله. وروى أنّ المشركين كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء ، فيظهر الله رسوله عليها ، فيقولون : أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمد ، فنبه الله على جهلهم. فإن قلت : قدرت في (أَلا يَعْلَمُ) مفعولا على معنى : ألا يعلم ذلك المذكور مما أضمر في القلب وأظهر باللسان من خلق ، فهلا جعلته مثل قولهم : هو يعطى ويمنع ، وهلا كان المعنى : ألا يكون عالما من هو خالق ، لأنّ الخلق لا يصح إلا مع العلم؟ قلت : أبت ذلك الحال التي هي قوله (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) لأنك لو قلت : ألا يكون عالما من هو خالق وهو اللطيف الخبير : لم يكن معنى صحيحا ، لأنّ ألا يعلم معتمد على الحال. والشيء لا يوقت بنفسه ، فلا يقال : ألا يعلم وهو عالم ، ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء.
(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)(١٥)
المشي في مناكبها : مثل لفرط التذليل ومجاوزته الغاية ، لأنّ المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير وأنباه عن أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه ، فإذا جعلها في الذل بحيث يمشى في مناكبها لم يترك (١). وقيل : مناكبها جبالها. قال الزجاج : معناه سهل لكم السلوك في جبالها ، فإذا أمكنكم السلوك في جبالها ، فهو أبلغ التذليل. وقيل جوانبها. والمعنى : وإليه نشوركم ، فهو مسائلكم (٢) عن شكر ما أنعم به عليكم.
(أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ)(١٩)
(مَنْ فِي السَّماءِ) فيه وجهان : أحدهما من ملكوته في السماء ، لأنها مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ ، ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه. والثاني: أنهم
__________________
ـ للمفصل ، فانه لم يقع ذوات الفاعلين ، وإنما وقع على أفعالهم من السر والجهر. وعليه وقع الاستدلال. ويحتمل غير ذلك أبعد منه. والأول هو الأولى لفظا ومعنى. والله الموفق.
(١) قوله «لم يترك» لعل هنا سقطا تقديره : لم يترك شيئا منها إلا قد ذلله. (ع)
(٢) قوله «فهو مسائلكم» عبارة النسفي : سائلكم. (ع)
كانوا يعتقدون التشبيه ، وأنه في السماء ، وأنّ الرحمة والعذاب ينزلان منه ، وكانوا يدعونه من جهتها ، فقيل لهم على حسب اعتقادهم : أأمنتم من تزعمون أنه في السماء ، وهو متعال عن المكان أن يعذبكم بخسف أو بحاصب ، كما تقول لبعض المشبهة : أما تخاف من فوق العرش أن يعاقبك بما تفعل ، إذا رأيته يركب بعض المعاصي (فَسَتَعْلَمُونَ) قرئ بالتاء والياء (كَيْفَ نَذِيرِ) أى إذا رأيتم المنذر به علمتم كيف إنذارى حين لا ينفعكم العلم (صافَّاتٍ) باسطات أجنحتهن في الجوّ عند طيرانها ، لأنهن إذا بسطنها صففن قوادمها (١) صفا (وَيَقْبِضْنَ) ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن. فإن قلت : لم قيل : ويقبضن ، ولم يقل : وقابضات؟ قلت : لأن الأصل في الطيران هو صف الأجنحة ، لأنّ الطيران في الهواء كالسباحة في الماء ، والأصل في السباحة مدّ الأطراف وبسطها. وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك ، فجيء بما هو طار غير أصل بلفظ الفعل ، على معنى أنهن صافات ، ويكون منهن القبض تارة كما يكون من السابح (ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ) بقدرته وبما دبر لهن من القوادم والخوافي (٢) ، وبنى الأجسام على شكل وخصائص قد تأتى منها الجري في الجو (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) يعلم كيف يخلق وكيف يدبر العجائب.
(أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ(٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ)(٢١)
(أَمَّنْ) يشار إليه من الجموع ويقال (هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ) الله إن أرسل عليكم عذابه (أَمَّنْ) يشار إليه ويقال (هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ) وهذا على التقدير. ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأوثان لاعتقادهم أنهم يحفظون من النوائب ويرزقون ببركة آلهتهم ، فكأنهم الجند الناصر والرازق. ونحوه قوله تعالى (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا). (بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ) بل تمادوا في عناد وشراد عن الحق لثقله عليهم فلم يتبعوه.
(أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)
__________________
(١) قال محمود : «معناه : باسطات أجنحتها ، لأنها إذا بسطتها صفت قوادمها ... الخ» قال أحمد : ويلاحظ هذا المعنى في قوله (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً) بعد قوله (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ) ولم يقل مسبحات ، مثل محشورة لقربه من هذا التفسير ، ولقد أحسن فيه كل الإحسان.
(٢) قوله «من القوادم والخوافي» في الصحاح «قوادم الطير» : مقاديم ريشه ، وهي عشر ريشات في كل جناح. والخوافي ما دون الريشات العشر من مقدم الجناح. (ع)
قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)(٢٤)
يجعل «أكب» مطاوع «كبه» يقال : كببته فأكب ، من الغرائب والشواذ. ونحوه: قشعت الريح السحاب فأقشع ، وما هو كذلك ، ولا شيء من بناء أفعل مطاوعا ، ولا يتقن نحو هذا إلا حملة كتاب سيبويه ، وإنما «أكب» من باب «انفض ، وألأم» (١) ومعناه : دخل في الكب ، وصار ذاكب ، وكذلك أقشع السحاب : دخل في القشع. ومطاوع كب وقشع : انكب وانقشع. فإن قلت : ما معنى (يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ)؟ وكيف قابل (يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)؟ قلت : معناه : يمشى معتسفا في مكان معتاد غير مستوفيه انخفاض وارتفاع ، فيعثر كل ساعة فيخر على وجهه منكبا ، فحاله نقيض حال من يمشى سويا ، أى : قائما سالما من العثور والخرور. أو مستوى الجهة قليل الانحراف خلاف المعتسف الذي ينحرف هكذا وهكذا على طريق مستو. ويجوز أن يراد الأعمى الذي لا يهتدى إلى الطريق فيعتسف ، فلا يزال ينكب على وجهه ، وأنه ليس كالرجل السوي الصحيح البصر الماشي في الطريق المهتدى له ، وهو مثل للمؤمن والكافر. وعن قتادة : الكافر أكب على معاصى الله تعالى فحشره الله يوم القيامة على وجهه. وعن الكلبي : عنى به أبو جهل بن هشام. وبالسوىّ : رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقيل : حمزة بن عبد المطلب.
(وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ) (٢٧)
(فَلَمَّا رَأَوْهُ) الضمير للوعد. والزلفة : القرب ، وانتصابها على الحال أو الظرف ، أى : رأوه ذا زلفة أو مكانا ذا زلفة (سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أى ساءت رؤية الوعد وجوههم : بأن عليها الكآبة وغشيها الكسوف والقترة ، وكلحوا ، وكما يكون (٢) وجه من يقاد إلى القتل أو يعرض على بعض العذاب (وَقِيلَ) القائلون : الزبانية (تَدَّعُونَ) تفتعلون من الدعاء ،
__________________
(١) قوله «من باب انفض وألأم» في الصحاح «انفض القوم» هلكت أموالهم. وانفضوا أيضا : مثل ارملوا فنى زادهم. وفيه أيضا : ألأم الرجل إذا صنع ما يدعوه الناس عليه لئيما. (ع)
(٢) قوله «وكما يكون» لعله كما بدون واو. (ع)
أى : تطلبون وتستعجلون به. وقيل : هو من الدعوى ، أى : كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون. وقرئ : تدعون. وعن بعض الزهاد : أنه تلاها في أول الليل في صلاته ، فبقى يكررها وهو يبكى إلى أن نودي لصلاة الفجر ، ولعمري إنها لوقاذة (١) لمن تصور تلك الحالة وتأملها.
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ)(٢٨)
كان كفار مكة يدعون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين بالهلاك ، فأمر بأن يقول لهم : نحن مؤمنون متربصون لإحدى الحسنيين : إما أن نهلك كما تتمنون فننقلب إلى الجنة ، أو نرحم بالنصرة والإدالة للإسلام كما نرجو ، فأنتم ما تصنعون؟ من يجيركم ـ وأنتم كافرون ـ من عذاب النار؟ لا بدّ لكم منه ، يعنى : إنكم تطلبون لنا الهلاك الذي هو استعجال للفوز والسعادة ، وأنتم في أمر هو الهلاك الذي لإهلاك بعده ، وأنتم غافلون لا تطلبون الخلاص منه. أو إن أهلكنا الله بالموت فمن يجيركم بعد موت هداتكم ، والآخذين بحجزكم من النار ، وإن رحمنا بالإمهال والغلبة عليكم وقتلكم فمن يجيركم ، فإنّ المقتول على أيدينا هالك. أو إن أهلكنا الله في الآخرة بذنوبنا ونحن مسلمون ، فمن يجير الكافرين وهم أولى بالهلاك لكفرهم ، وإن رحمنا بالإيمان فمن يجير من لا إيمان له.
(قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(٢٩)
فإن قلت : لم أخر مفعول آمنا وقدم مفعول توكلنا؟ قلت : لوقوع آمنا تعريضا بالكافرين حين ورد عقيب ذكرهم ، كأنه قيل : آمنا ولم نكفر كما كفرتم ، ثم قال : وعليه توكلنا خصوصا لم نتكل على ما أنتم متكلون عليه من رجالكم وأموالكم.
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ)(٣٠)
(غَوْراً) غائرا ذاهبا في الأرض. وعن الكلبي لا تناله الدلاء ، وهو وصف بالمصدر كعدل ورضا. وعن بعض الشطار أنها تليت عنده فقال : تجيء به الفئوس والمعاول ، فذهب ماء عينيه ، نعوذ بالله من الجرأة على الله وعلى آياته.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة الملك فكأنما أحيا ليلة القدر»(٢).
__________________
(١) قوله «إنها لوقاذة لمن تصور» في الصحاح «وقذه» ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت. (ع)
(٢) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه عن أبى بن كعب رضى الله عنه.
سورة ن
مكية ، وهي اثنان وخمسون آية [نزلت بعد العلق]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ)(١)
قرئ : ن والقلم بالبيان والإدغام ، وبسكون النون وفتحها وكسرها ، كما في ص. والمراد هذا الحرف من حروف المعجم : وأمّا قولهم : هو الدواة فما أدرى أهو وضع لغوى أم شرعي؟ ولا يخلو إذا كان اسما للدواة من أن يكون جنسا أو علما ، فإن كان جنسا فأين الإعراب والتنوين ، وإن كان علما فأين الإعراب ، وأيهما كان فلا بد له من موقع في تأليف الكلام. فإن قلت : هو مقسم به وجب إن كان جنسا أن تجرّه وتنوّنه ، ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة ، كأنه قيل : ودواة والقلم ، وإن كان علما أن تصرفه وتجرّه ، أو لا تصرفه وتفتحه للعلمية والتأنيث ، وكذلك التفسير بالحوت : إما أن يراد نون من النينان. أو يجعل علما لليهموت (١) الذي يزعمون ، والتفسير باللوح من نور أو ذهب ، والنهر في الجنة نحو ذلك. وأقسم بالقلم : تعظيما له ، لما في خلقه وتسويته من الدلالة على الحكمة العظيمة ، ولما فيه من المنافع والفوائد التي لا يحيط بها الوصف (وَما يَسْطُرُونَ) وما يكتب من كتب. وقيل : ما يستره الحفظة ، وما موصولة أو مصدرية. ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه ، فيكون الضمير في (يَسْطُرُونَ) لهم كأنه قيل : وأصحاب القلم ومسطوراتهم. أو وسطرهم ، ويراد بهم كل ما يسطر ، أو الحفظة.
(ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ)(٣)
فإن قلت : بم يتعلق الباء في (بِنِعْمَةِ رَبِّكَ) وما محله؟ قلت : يتعلق بمجنون منفيا (٢) ، كما يتعلق بعاقل مثبتا في قولك : أنت بنعمة الله عاقل ، مستويا في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك : ضرب زيد عمرا ، وما ضرب زيد عمرا : تعمل الفعل مثبتا ومنفيا إعمالا واحدا ،
__________________
(١) قوله «أو يجعل علما اليهموت» لعله باليهموت بالموحدة كعبارة غيره ، فليحرر. (ع)
(٢) قوله «يتعلق بمجنون منفيا» في النسفي تتعلق بمحذوف ، ومحله النصب على الحال. والعامل فيهما (بِمَجْنُونٍ). (ع)
ومحله النصب على الحال ، كأنه قال : ما أنت بمجنون منعما عليك بذلك (١) ، ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله ، لأنها زائدة لتأكيد النفي. والمعنى ، استبعاد ما كان ينسبه إليه كفار مكة عداوة وحسدا ، وأنه من إنعام الله عليه بحصافة العقل (٢) والشهامة التي يقتضيها التأهيل للنبوّة ، بمنزل (وَإِنَّ لَكَ) على احتمال ذلك وإساغة الغصة فيه والصبر عليه (لَأَجْراً) لثوابا (غَيْرَ مَمْنُونٍ) غير مقطوع كقوله (عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أو غير ممنون عليك به (٣) ، لأنه ثواب تستوجبه (٤) على عملك ، وليس بتفضل ابتداء ، وإنما تمنّ الفواضل لا الأجور على الأعمال.
(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)(٤)
استعظم خلقه لفرط احتماله الممضات (٥) من قومه وحسن مخالفته ومداراته لهم. وقيل : هو الخلق الذي أمره الله تعالى به في قوله تعالى (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) وعن عائشة رضى الله عنها : أن سعيد بن هشام سألها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : كان خلقه القرآن ، ألست تقرأ القرآن : قد أفلح المؤمنون(٦).
(فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ)(٦)
(الْمَفْتُونُ) المجنون ، لأنه فتن : أى محن بالجنون. أو لأن العرب يزعمون أنه من تخبيل الجن ، وهم الفتان للفتاك منهم ، والباء مزيدة. أو المفتون مصدر كالمعقول والمجلود ، أى : بأيكم
__________________
(١) قوله «منعما عليك بذلك» كذا في النسفي بعد ما سبق فيه (ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ) أى بانعامه عليك بالنبوة وغيرها. وهذا مرجع الاشارة. (ع)
(٢) قوله «وإنه من إنعام الله بحصافة» لعله من إنعام الله عليه بحصافة العقل أى استحكامه. كما أفاده الصحاح. (ع)
(٣) قال محمود : «معناه غير مقطوع ، كقوله (عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) ... الخ» قال أحمد : ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يرضى من الزمخشري بتفسير الآية هكذا. وهو صلى الله عليه وسلم يقول «لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله قيل : ولا أنت يا رسول الله؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة» ولقد بلغ بالزمخشرى سوء الأدب إلى حد يوجب الحد ، وحاصل قوله : أن الله لا منة له على أحد ولا فضل في دخول الجنة لأنه قام بواجب عليه ، نعوذ بالله من الجرأة عليه.
(٤) قوله «لأنه ثواب تستوجبه على عملك» وجوب الثواب عليه تعالى مذهب المعتزلة ، ولا يجب عليه شيء عند أهل السنة. (ع)
(٥) قوله «احتماله الممضات» أى : الموجعات. أفاده الصحاح. (ع)
(٦) أخرجه مسلم من رواية زرارة ابن أبى أو في عن سعد بن هشام عنه ، وفيه قصة ، وأخرجه الحاكم مختصرا بلفظ المصنف.
الجنون. أو بأى الفريقين منكم الجنون (١) ، أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين؟ أى : في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم : وهو تعريض بأبى جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما ، وهذا كقوله تعالى (سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ).
(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)(٩)
(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ) بالمجانين على الحقيقة ، وهم الذين ضلوا عن سبيله (وَهُوَ أَعْلَمُ) بالعقلاء وهم المهتدون. أو يكون وعيدا ووعدا ، وأنه أعلم بجزاء الفريقين (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم ، وكانوا قد أرادوه على أن يعبد الله مدة ، وآلهتهم مدة ، ويكفوا عنه غوائلهم (لَوْ تُدْهِنُ) لو تلين وتصانع (فَيُدْهِنُونَ). فإن قلت : لم رفع (فَيُدْهِنُونَ) ولم ينصب بإضمار «أن» وهو جواب التمني؟ قلت : قد عدل به إلى طريق آخر : وهو أن جعل خبر مبتدإ محذوف ، أى : فهم يدهنون ، كقوله تعالى (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ) على معنى : ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ. أو ودوا إدهانك فهم الآن يدهنون ، لطمعهم في إدهانك. قال سيبويه : وزعم هرون أنها في بعض المصاحف ودوا لو تدهن فيدهنوا.
(وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ)(١٤)
(إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ)(١٦)
(حَلَّافٍ) كثير الحلف في الحق والباطل ، وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف. ومثله قوله تعالى (وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ). (مَهِينٍ) من المهانة وهي القلة والحقارة ، يريد القلة في الرأى والتمييز. أو أراد الكذاب لأنه حقير عند الناس (هَمَّازٍ) عياب طعان. وعن الحسن. يلوى شدقيه في أقفية الناس (مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) مضرب (٢) نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه السعاية والإفساد بينهم. والنميم والنميمة : السعاية ، وأنشدنى بعض العرب :
__________________
(١) قوله «أو بأى الفريقين منكم الجنون» لعله المجنون. وفي النسفي. قال الزجاج : الباء بمعنى في. تقول : كنت ببلد كذا ، أى : في بلد كذا ، وتقديره : في أيكم المفتون ، أى : في أى الفريقين منكم المجنون. (ع)
(٢) قوله «مضرب نقال» في الصحاح «التضريب بين القوم» : الإغراء. (ع)
|
تشبّبى تشبّب النّميمه |
|
تمشى بها زهرا إلى تميمه (١) |
(مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ) بخيل. والخير : المال. أو مناع أهله الخير وهو الإسلام ، فذكر الممنوع منه دون الممنوع ، كأنه قال : مناع من الخير. قيل : هو الوليد بن المغيرة المخزومي : كان موسرا ، وكان له عشرة من البنين ، فكان يقول لهم وللحمته : (٢) من أسلم منكم منعته رفدي عن ابن عباس. وعنه : أنه أبو جهل. وعن مجاهد : الأسود بن عبد يغوث. وعن السدى : الأخنس ابن شريق ، أصله في ثقيف وعداده في زهرة ، ولذلك قيل : زنيم (مُعْتَدٍ) مجاوز في الظلم حده (أَثِيمٍ) كثير الآثام (عُتُلٍ) غليظ جاف ، من عتله : إذا قاده بعنف وغلظة (بَعْدَ ذلِكَ) بعد ما عدّله من المثالب والنقائص (زَنِيمٍ) دعى (٣). قال حسان :
|
وأنت زنيم نيط فيءال هاشم |
|
كما نيط خلف الرّاكب القدح الفرد (٤) |
وكان الوليد دعيا في قريش ليس من سنخهم ، ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده. وقيل : بغت أمّه ولم يعرف حتى نزلت هذه الآية ، جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه ، لأنه إذا جفا وغلظ طبعه قسا قلبه واجترأ على كل معصية ، ولأنّ الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث الناشئ منها. ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا ولده ولا ولد ولده» (٥) و (بَعْدَ ذلِكَ) نظير (ثُمَ) في قوله (ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) وقرأ الحسن : عتل ،
__________________
(١) لأعرابى يخاطب النار. والتشبب : التوقد. والتميمة : تزوير الكلام وتزويقه للافساد بين الناس. وثوب منمم ومنمنم : منقش محسن. وزهرا ـ بالفتح ـ : اسم امرأة نمامة. وتميمة : قبيلة تميم ، ونزل النار منزلة العاقل فأمرها وقال : اشتعلى كاشتعال النميمة حال كونها تمشى بها هذه المرأة إلى بنى تميم ، وكانت كثيرة الإفساد بين العرب ، حتى ضرب بها المثل ، وجعل اشتعال نميمتها أبلغ من اشتعال النار ، فأمرها أن تتوقد كتوقدها ، وبين نميمة وتميمة الجناس اللاحق.
(٢) قوله «يقول لهم وللحمته» في الصحاح «اللحمة» بالضم : القرابة. (ع)
(٣) قال محمود : «العتل الجافي ، والزنيم الداعي ، وكذلك كان الوليد بن المخزومي استلحقه المغيرة بعد ثمان عشر من مولده ... الخ» قال أحمد : وإنما أخذ كون هذين أشد معايبه من قوله بعد ذلك ، فانه يعطى تراخى المرتبة فيما بين المذكور أولا والمذكور بعده في الشر والخير. ونظيره في الخير قوله تعالى (وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) ومن ثم استعملت ثم لتراخى المراتب ، وإن أعطت عكس الترتيب الوجودي.
(٤) لحسان بن ثابت يخاطب الوليد بن المغيرة ، يقول : إنه زنيم ، أى معلق في آل هاشم كالزنمة في الإهاب وهي قطعة جلد صغيرة تترك معلقة بطرفه ، فشبهه بها وشبهه بالقدح المنفرد الفارغ المعلق خلف الراكب.
(٥) أخرجه أبو نعيم في ترجمة مجاهد من رواية عبد الله بن حسن في ترجمة يوسف بن أسباط من رواية بركة بن محمد عن يوسف بن أسباط عن أبى إسرائيل الملائى عن إسماعيل بن إسحاق عن قبيصة بن عمرو عن مجاهد عن بنى عمر عن أبى هريرة. ثم رواه من طريق إسحاق بن منصور عن أبى إسرائيل به وأبو إسحاق ضعيف جدا. وقد ادعى ابن طاهر وابن الجوزي أن هذا الحديث موضوع. وقد خولف عن مجاهد. رواه النسائي من طريق إبراهيم بن
رفعا على الذم وهذه القراءة تقوية لما يدل عليه بعد ذلك. والزنيم : من الزنمة وهي الهنة من جلد الماعزة تقطع فتخلى معلقة في حلقها ، لأنه زيادة معلقة بغير أهله (أَنْ كانَ ذا مالٍ) متعلق بقوله (وَلا تُطِعْ) يعنى ولا تطعه مع هذه المثالب ، لأن كان ذا مال. أى : ليساره وحظه من الدنيا. ويجوز أن يتعلق بما بعده على معنى : لكونه متمولا مستظهرا بالبنين كذب آياتنا (١) ولا يعمل فيه (قالَ) الذي هو جواب إذا ، لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله ، ولكن ما دلت عليه الجملة من معنى التكذيب. وقرئ : أأن كان؟ على الاستفهام على : إلا لأن كان ذا مال وبنين ، كذب. أو أتطيعه لأن كان ذا مال. وروى الزبيري عن نافع : إن كان ، بالكسر والشرط للمخاطب ، أى : لا تطع كل حلاف شارطا يساره ، لأنه إذا أطاع الكافر لغناه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى ، ونحو صرف الشرط إلى المخاطب صرف الترجي إليه في قوله تعالى (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ) الوجه : أكرم موضع في الجسد ، والأنف أكرم موضع من الوجه لتقدمه له ، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية ، واشتقوا منه الأنفة. وقالوا الأنف في الأنف ، وحمى أنفه ، وفلان شامخ العرنين. وقالوا في الذليل : جدع أنفه ، ورغم أنفه ، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة ، لأن السمة على الوجه شين وإذالة ، (٢) فكيف بها على أكرم موضع منه ، ولقد وسم العباس أباعر (٣) في وجوهها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «أكرموا الوجوه» (٤) فوسمها في جواعرها (٥) وفي لفظ الخرطوم : استخفاف به واستهانة. وقيل معناه : سنعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يبين بها عن سائر الكفرة ، كما
__________________
ـ مجاهد عن مجاهد عن محمد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة بلفظ «لا يدخل الجنة ولد زنا. ولا شيء من نسله إلى سبعة آباء» وإبراهيم فيه ضعف. ورواه أيضا من رواية يزيد بن أبى زياد عن مجاهد عن أبى سعيد نحو حديث منصور الآتي. ويزيد ضعيف وروى النسائي أيضا من رواية شعبة عن منصور عن سالم بن أبى الجعد عن عبد الله بن شريك عن جابان عن عبد الله بن عمر بلفظ «لا يدخل ولد زانية الجنة» ومن رواية سفيان عن منصور بإسقاط عبد الله بن شريك. وأخرجه ابن حبان من الوجهين. وقال الطريقان محفوظان. إلا أن الثوري أعرف بحديث ملو.
(١) قوله «كذب آياتنا» عبارة النسفي : كذب بآياتنا. (ع)
(٢) قوله «وإذالة» في القاموس «أذلته» أهنته اه. (ع)
(٣) قوله «أباعر» لعله أباعره بالاضافة إلى الضمير ، لأن الجمع أبعرة وأباعر ، كما في الصحاح. (ع)
(٤) لم أره هكذا. وفي ابن حبان من حديث ابن عباس «أن العباس وسم بعيرا له. ودابة في وجهها فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فغضب : فقال العباس : لا أسمه إلا في آخره فوسمه في جاعرتيه» وأصله في مسلم بلفظ «رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا موسوم الوجه ، فأنكر ذلك فقال الرجل : والله لا أسمه إلا في أقصى شيء من الوجه. فأمر بحمار له فكوى في جاعرتيه. فهو أول من كوى في الجاعرتين ، زاد الطبراني «وكان الرجل الذي كوى : العباس بن عبد المطلب»
(٥) قوله «فوسمها في جواعرها» الجاعرة : ما حول الدبر ـ أفاده الصحاح. (ع)
عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة بان بها عنهم. وقيل : خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمة على خرطومه. وقيل : سنشهره بهذه الشتيمة في الدارين جميعا ، فلا تخفى ، كما لا تخفى السمة على الخرطوم. وعن النضر بن شميل : أن الخرطوم الخمر ، وأن معناه : سنحده على شربها وهو تعسف. وقيل للخمر : الخرطوم ، كما قيل لها : السلافة. وهي ما سلف من عصير العنب. أو لأنها تطير في الخياشيم.
(إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ)(٣٣)
إنا بلونا أهل مكة بالقحط والجوع بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم (كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ) وهم قوم من أهل الصلاة كانت لأبيهم هذه الجنة دون صنعاء بفرسخين ، (١) فكان
__________________
(١) قال محمود : «أصحاب الجنة قوم من أهل الصلاة كانت لأبيهم هذه الجنة دون صنعاء بفرسخين ... الخ» قال أحمد : وفائدة التنكير الإبهام تعظيما لما أصابها ، ومعنى كالصريم : أى لهلاك ثمرها. وقيل الصريم الليل ، لأنها احترفت واسودت. وقيل : النهار ، أى خالية فارغة من قولهم : بيض الإناء ، إذا فرغه. قلت : ومنه البياض من الأرض ، أى : الخالية من الشجر. ورد في الحديث ، ويستعمله الفقهاء في المساقاة ، ومعنى صارمين : حاصدين. قال : وإنما عدل عن «إلى» في قوله (عَلى حَرْثِكُمْ) لأن غدوهم كان ليصرموه ، فهو غدو عليه ، ومعنى (يَتَخافَتُونَ) يسرون حديثهم خيفة من ظهور المساكين عليهم. وقوله (أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ) مثل : لا أرينك هاهنا ، والحرد من حاردت السنة إذا منعت خيرها والمعنى : وغدوا على نكد ومنع غير عاجزين عن النفع. وقيل : الحرة ـ
يأخذ منها قوت سنته ويتصدق بالباقي ، وكان يترك للمساكين ما أخطأه المنجل ، وما في أسفل الأكداس ، (١) وما أخطأه القطاف من العنب ، وما بقي على البساط الذي يبسط تحت النخلة إذا صرمت ، فكان يجتمع لهم شيء كثير ، فلما مات قال بنوه : إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر ونحن أولو عيال ، فحلفوا ليصر منها مصبحين في السدف (٢) خفية عن المساكين ، ولم يستثنوا في يمينهم ، فأحرق الله جنتهم. وقيل : كانوا من بنى إسرائيل (مُصْبِحِينَ) داخلين في الصبح مبكرين (وَلا يَسْتَثْنُونَ) ولا يقولون إن شاء الله. فإن قلت. لم سمى استثناء ، وإنما هو شرط؟ قلت : لأنه يؤدى مؤدى الاستثناء ، من حيث أن معنى قولك : لأخرجنّ إن شاء الله ، ولا أخرج إلا أن يشاء الله. واحد (فَطافَ عَلَيْها) بلاء أو هلاك (طائِفٌ) كقوله تعالى (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ) وقرئ : طيف (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) كالمصرومة لهلاك ثمرها. وقيل : الصريم الليل ، أى. احترقت فاسودت. وقيل : النهار أى : يبست وذهبت خضرتها. أو لم يبق شيء فيها ، من قولهم : بيض الإناء ، إذا فرغه. وقيل الصريم الرمال (صارِمِينَ) حاصدين. فإن قلت : هلا قيل : اغدوا إلى حرثكم ، وما معنى (عَلى)؟ قلت : لما كان الغدوّ إليه ليصرموه ويقطعوه : كان غدوّا عليه ، كما تقول : غدا عليهم العدوّ. ويجوز أن يضمن الغدوّ معنى الإقبال ، كقولهم : يغدى عليه بالجفنة ويراح ، أى : فأقبلوا على حرثكم باكرين (يَتَخافَتُونَ) يتسارّون فيما بينهم. وخفى ، وخفت ، وخفد : ثلاثتها في معنى الكتم ، ومنه : الخفدود للخفاش (أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا) أن مفسرة. وقرأ ابن مسعود بطرحها بإضمار القول ، أى يتخافتون يقولون لا يدخلنها ، والنهى عن الدخول للمسكين نهى لهم عن تمكينه منه ، أى : لا تمكنوه من الدخول حتى يدخل ، كقولك : لا أرينك هاهنا. الحرد : من حردت السنة إذا منعت خيرها ، وحاردت الإبل إذا منعت درّها. والمعنى : وغدوا قادرين على نكد ، لا غير عاجزين عن النفع ، يعنى أنهم عزموا أن يتنكدوا على المساكين ويحرموهم وهم قادرون على نفعهم ، فغدوا بحال فقر وذهاب مال لا يقدرون فيها إلا على النكد والحرمان ، وذلك أنهم طلبوا حرمان المساكين فتعجلوا الحرمان والمسكنة. أو وغدوا على محاردة جنتهم وذهاب خيرها قادرين ، بدل كونهم قادرين على إصابة
__________________
ـ السرعة ، أى : غدوا مسارعين نشطين لما عزموا عليه من الحرمان. ومعنى (قادِرِينَ) على هذا التأويل : عند أنفسهم. وقيل : حرد اسم الجنة المذكورة ، وقولهم (إِنَّا لَضَالُّونَ) قالوه في بديهة أمرهم دهشا لما رأوا ما لم يعهدوه فاعتقدوا أنهم ضلوا عنها وأنها ليست هي ، ثم لما تبينوا وأيقنوا أنها هي أضربوا عن الأول إلى قولهم (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ).
(١) قوله «وما أسفل الأكداس» في الصحاح «الكدس» بالضم : واحد الأكداس الطعام (ع).
(٢) قوله «مصبحين في السدف خفية» في الصحاح «السدفة» في لغة نجد : الظلمة ، وفي لغة غيرهم الضوء. (ع)
خيرها ومنافعها ، أى : غدوا حاصلين على الحرمان مكان الانتفاع ، أو لما قالوا اغدوا على حرثكم وقد خبثت نيتهم : عاقبهم الله بأن حاردت جنتهم وحرموا خيرها ، فلم يغدوا على حرث وإنما غدوا على حرد. و (قادِرِينَ) من عكس الكلام للتهكم ، أى : قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان المساكين ، وعلى حرد ليس بصلة قادرين ، وقيل : الحرد بمعنى الحرد. وقرئ : على حرد ، أى لم يقدروا إلا على حنق وغضب بعضهم على بعض ، كقوله تعالى (يَتَلاوَمُونَ) وقيل : الحرد القصد والسرعة ، يقال : حردت حردك. وقال :
|
أقبل سيل جاء من أمر الله |
|
يحرد حرد الجنّة المغلّه (١) |
وقطا حراد : سراع ، يعنى : وغدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة ونشاط ، قادرين عند أنفسهم ، يقولون : نحن نقدر على صرامها وزى (٢) منفعتها عن المساكين. وقيل (حَرْدٍ) علم للجنة ، أى غدوا على تلك الجنة قادرين على صرامها عند أنفسهم. أو مقدرين أن يتم لهم مرادهم من الصرام والحرمان (قالُوا) في بديهة وصولهم (إِنَّا لَضَالُّونَ) أى ضللنا جنتنا ، وما هي بها لما رأوا من هلاكها ، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) حرمنا خيرها لجنايتنا على أنفسنا (أَوْسَطُهُمْ) أعدلهم وخيرهم ، من قولهم : هو من سطة قومه ، وأعطنى من سطات مالك. ومنه قوله تعالى (أُمَّةً وَسَطاً). (لَوْ لا تُسَبِّحُونَ) لو لا تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نيتكم ، كأن أوسطهم قال لهم حين عزموا على ذلك : اذكروا الله وانتقامه من المجرمين ، وتوبوا عن هذه العزيمة الخبيثة من فوركم ، وسارعوا إلى حسم شرها قبل حلول النقمة ، فعصوه فعيرهم. والدليل عليه قولهم (سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) فتكلموا بما كان يدعوهم إلى التكلم به على أثر مقارفة الخطيئة ، ولكن بعد خراب البصرة. وقيل : المراد بالتسبيح. الاستثناء لالتقائهما في معنى التعظيم لله ، لأنّ الاستثناء تفويض إليه ، والتسبيح تنزيه له ، وكل واحد من التفويض والتنزيه تعظيم. وعن الحسن : هو الصلاة ، كأنهم كانوا يتوانون في الصلاة ، وإلا لنهتهم عن الفحشاء والمنكر ، ولكانت لهم لطفا في أن يستثنوا ولا يحرموا (سُبْحانَ رَبِّنا) سبحوا الله ونزهوه عن الظلم وعن كل قبيح ، ثم اعترفوا بظلمهم في منع المعروف وترك الاستثناء (يَتَلاوَمُونَ) يلوم بعضهم بعضا ، لأنّ منهم من زين ، ومنهم من قبل ، ومنهم من أمر بالكف وعذر
__________________
(١) يصف سيلا بالكثرة ، ولذلك قال : من عند الله. ويروى : من أمر الله ، وحذفت الألف قبل الهاء من لفظ الجلالة لأنه جائز في الوقف. وحرد يحرد من باب ضرب ، بمعنى قصد وأسرع ، أى : يسرع إسراع الجنة أى البستان المغلة كثير الغلة والخير ، ومعنى إسراع الجنة : ظهور خيرها قبل غيرها في زمن يسير ، واختارها لأنها تنشأ عن السيل.
(٢) قوله «وزى منفعتها» في الصحاح : تقول : زوى فلان المال عن وارثه زيا. (ع)
ومنهم من عصى الأمر ، ومنهم من سكت وهو راض (أَنْ يُبْدِلَنا) قرئ بالتشديد والتخفيف (إِلى رَبِّنا راغِبُونَ) طالبون منه الخير راجون لعفوه (كَذلِكَ الْعَذابُ) مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة وأصحاب الجنة عذاب الدنيا (وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ) أشد وأعظم منه ، وسئل قتادة عن أصحاب الجنة : أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟ فقال : لقد كلفتنى تعبا. وعن مجاهد : تابوا فأبدلوا خيرا منها. وروى عن ابن مسعود رضى الله عنه : بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان : فيها عنب يحمل البغل منه عنقودا.
(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (٣٤)
(عِنْدَ رَبِّهِمْ) أى في الآخرة (جَنَّاتِ النَّعِيمِ) ليس فيها إلا التنعم الخالص ، لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنان الدنيا.
(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ)(٣٩)
كان صناديد قريش يرون وفور حظهم من الدنيا وقلة حظوظ المسلمين منها ، فإذا سمعوا بحديث الآخرة وما وعد الله المسلمين قالوا : إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم تكن حالهم وحالنا إلا مثل ما هي في الدنيا ، وإلا لم يزيدوا علينا ولم يفضلونا ، وأقصى أمرهم أن يساوونا ، فقيل : أنحيف في الحكم فنجعل المسلمين كالكافرين. ثم قيل لهم على طريقة الالتفات (١) (ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) هذا الحكم الأعوج؟ كأنّ أمر الجزاء مفوّض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم (أَمْ لَكُمْ كِتابٌ) من السماء (تَدْرُسُونَ) في ذلك الكتاب أنّ ما تختارونه وتشتهونه لكم ، كقوله تعالى (أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ) والأصل تدرسون أنّ لكم ما تخيرون ، بفتح أنّ ، لأنه مدروس ، فلما جاءت اللام كسرت. ويجوز أن تكون حكاية للمدروس ، كما هو ، كقوله (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ). وتخير الشيء واختاره : أخذ خيره ، ونحوه : تنخله وانتخله : إذا أخذ منخوله. لفلان علىّ يمين بكذا : إذا ضمنته منه وحلفت له (٢) على الوفاء به ، يعنى : أم ضمنا منكم وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد
__________________
(١) قال محمود : «هذا خطاب على وجه الالتفات لأهل مكة إذا اعتقدوا أنهم في الآخرة أكثر نعيما من المؤمنين ... الخ» قال أحمد : ولما كان الدرس قولا كسرها.
(٢) قوله «إذا ضمنته منه وحلفت له» لعله : عنه ، وكذا قوله «منكم» لعله «عنكم» وفي الصحاح : ضمنته الشيء تضمينا فتضمنه عنى. (ع)
فإن قلت : بم يتعلق (إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ)؟ قلت : المقدر في الظرف ، أى : هي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا تخرج عن عهدتها إلا يومئذ إذا حكمناكم وأعطيناكم ما تحكمون. ويجوز أن يتعلق ببالغة ، على أنها تبلغ ذلكم اليوم وتنتهي إليه وافرة لم تبطل منها يمين إلى أن يحصل المقسم عليه من التحكيم. وقرأ الحسن : بالغة ، بالنصب على الحال من الضمير في الظرف (إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ) جواب القسم ، لأنّ معنى (أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا) أم أقسمنا لكم.
(سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ)(٤١)
(أَيُّهُمْ بِذلِكَ) الحكم (زَعِيمٌ) أى قائم به وبالاحتجاج لصحته ، كما يقوم الزعيم المتكلم عن القوم المتكفل بأمورهم (أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ) أى ناس يشاركونهم في هذا القول ويوافقونهم عليه ويذهبون مذهبهم فيه (فَلْيَأْتُوا) بهم (إِنْ كانُوا صادِقِينَ) في دعواهم ، يعنى : أنّ أحدا لا يسلم لهم هذا ولا يساعدهم عليه ، كما أنه لا كتاب لهم ينطق به ، ولا عهد لهم به عند الله ، ولا زعيم لهم يقوم به.
(يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ)(٤٣)
الكشف عن الساق والإبداء عن الخدام (١) : مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب ، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهنّ في الهرب ، وإبداء خدامهن عند ذلك. قال حاتم :
|
أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها |
|
وإن شمّرت عن ساقها الحرب شمّرا (٢) |
__________________
(١) قوله «والإبداء عن الخدام» جمع خدمة ، وهي الخلخال. أفاده الصحاح ، وذلك كرقاب جمع رقبة. (ع)
(٢) لجرير. ويروى بدل الشطر الأول :
|
ألا رب ساهى الطرف من آل مازن |
|
إذا شمرت ......... |
الخ وساهي الطرف : فاتر العين. وأخو الحرب : بمعنى أنه يألفها ويلازمها كالأخ. وشبه الحرب بفرس عضوه على طريق الكناية ، فأثبت لها العضد. وعضها : أى بلغ منها مراده. أو غلب أهلها ، فالعض استعارة لذلك على طريق التصريح. ويجوز أنه ترشيح للأولى. وقوله «به» يدل على أن العض وقع بجزئه. وقوله «عضها» يفيد أنه وقع بها كلها ، يعنى : أنه يكافئ أعداء ، وزيادة. والتشمير عن الساق : كناية عن اشتداد الأمر وصعوبته. وأصله : أن يسند للإنسان ، لأن تشمير الثوب عن الساق لخوض لجة أو جرى أو نحوه ، فأسند للحرب ـ
وقال ابن الرقيات :
|
تذهل الشّيخ عن بنيه وتبدى |
|
عن خدام العقيلة العذراء (١) |
فمعنى (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ) في معنى : يوم يشتدّ الأمر ويتفاقم ، ولا كشف ثم ولا ساق ، كما تقول للأقطع الشحيح : يده مغلولة ، ولا يد ثم ولا غل ، وإنما هو مثل في البخل. وأما من شبه فلضيق عطنه (٢) وقلة نظره في علم البيان ، والذي غرّه منه حديث ابن مسعود رضى الله عنه : «يكشف الرحمن عن ساقه ، فأمّا المؤمنون فيخرّون سجدا (٣) ، وأما المنافقون فتكون ظهورهم طبقا طبقا كأنّ فيها سفافيد» (٤) ومعناه : يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله ، وهو الفزع الأكبر يوم القيامة ، ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه ، لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن. فإن قلت : فلم جاءت منكرة في التمثيل؟ قلت : للدلالة على أنه أمر مبهم في الشدة منكر خارج عن المألوف ، كقوله (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ) كأنه قيل : يوم يقع أمر فظيع هائل ، ويحكى هذا التشبيه عن مقاتل : وعن أبى عبيدة : خرج من خراسان رجلان ، أحدهما : شبه حتى مثل ، وهو مقاتل بن سليمان ، والآخر نفى حتى عطل
__________________
ـ لتشبيهها بالإنسان على طريق الكناية. وقوله «شمر» أى عن ساعده لا عن ساقه ، لأن تشمير الساعد كناية عن ملاقاة الأمر ومباشرته بنشاط وقوة ، وهو المراد. أو شمر عن ساقه وساعده دليل الإطلاق ، فيكون أبلغ من تشميرها. فان قلت : كان ينبغي ذكر التشمير قبل العض لأنه من باب الاستعداد ، قلت : نعم لو بقي على معناه ، ولكن المراد به هنا شدة الأمر ، وصعوبة الحرب : زيادة على أصلها.
|
(١) كيف نومى على الفراش ولما |
|
تشمل الشام غارة شعواء |
|
تذهل الشيخ عن بنيه وتبدى |
|
عن خدام العقيلة العذراء |
لعبيد بن قيس الرقيات. وكيف استفهام إنكارى ، بمعنى نفى النوم. ولما بمعنى لم ، إلا أن فيها استمرار النفي إلى زمن التكلم وتوقيع الوقوع بعده. وشبه الغارة وهي الحرب بماله إحاطة وشمول على طريق المكنية ، والشمول تخييل ، والشعواء الغاشية المنتشرة ، وإذهالها للشيخ عن بنيه : كناية عن اشتدادها ، وكذلك كشفها عن خدام العقيلة ، والخدام : الخلخال. وعقيلة كل شيء : أكرمه. ومن النساء المخدرة التي عقلت في خدرها. والعذراء : التي يتعذر نوالها ويشق وصالها. وفيه الاقواء ، وهي اختلاف الروى بالضم والكسر. ويروى برفع العقيلة العذراء على أنه فاعل تبدى ، وجعله ابن جرير شاهدا على جواز حذف التنوين إذا تلاه ساكن ، وإن كان الكثير تحريكه حينئذ ، وعلى هذا فتحتاج هذه الجملة إلى رابط يعود على المنعوت وهو غارة ، والتقدير : وتبدى فيها العقيلة عن خلخال.
(٢) «قوله وأما من شبه فلضيق عطنه» أى من قال بمذهب المشبهة على ما هو مقرر في علم الكلام ، كما سيشير إليه بعد. (ع)
(٣) أخرجه الحاكم من طريق سلمة بن كهيل عن أبى الزعراء عن ابن مسعود في أثناء حديث طويل ليس فيه تصريح برفعه. ورواه للطبري مختصرا.
(٤) قوله «كأن فيها السفافيد» واحدها سفود بالتشديد ، وهي حديدة يشوى بها اللحم. أفاده الصحاح. (ع)
وهو جهم بن صفوان ، ومن أحس بعظم مضارّ ففد هذا العلم علم مقدار عظم منافعه. وقرئ : يوم نكشف بالنون. وتكشف بالتاء على البناء للفاعل والمفعول جميعا ، والفعل للساعة أو للحال ، أى : يوم تشتدّ الحال أو الساعة ، كما تقول : كشفت الحرب عن ساقها على المجاز. وقرئ : تكشف بالتاء المضمومة وكسر الشين ، من أكشف : إذا دخل في الكشف. ومنه. أكشف الرجل فهو مكشف ، إذا انقلبت شفته العليا. وناصب الظرف : فليأتوا. أو إضمار «اذكر» أو يوم يكشف عن ساق كان كيت وكيت ، فحذف للتهويل البليغ ، وإن ثم من الكوائن ما لا يوصف لعظمه. عن ابن مسعود رضى الله عنه : تعقم أصلابهم ، أى ترد عظاما بلا مفاصل لا تنثني عند الرفع والخفض. وفي الحديث : وتبقى أصلابهم طبقا واحدا ، أى. فقارة واحدة. فإن قلت : لم يدعون إلى السجود ولا تكليف؟ قلت : لا يدعون إليه تعبدا وتكليفا ، ولكن توبيخا وتعنيفا على تركهم السجود في الدنيا ، مع إعقام أصلابهم والحيلولة بينهم وبين الاستطاعة تحسيرا لهم وتنديما على ما فرّطوا فيه حين دعوا إلى السجود ، وهم سالمون الأصلاب (١) والمفاصل ممكنون مزاحو العلل فيما تعبدوا به.
(فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)(٤٥)
يقال : ذرني وإياه ، يريدون كله إلىّ ، فإنى أكفيكه ، كأنه يقول : حسبك إيقاعا به أن تكل أمره إلىّ وتخلى بيني وبينه ، فإنى عامل بما يجب أن يفعل به مطيق له ، والمراد : حسبي مجازيا (٢) لمن يكذب بالقرآن ، فلا تشغل قلبك بشأنه وتوكل علىّ في الانتقام منه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتهديدا للمكذبين. استدرجه إلى كذا : إذا استنزله إليه درجة فدرجة ، حتى يورطه فيه. واستدراج الله العصاة أن يرزقهم الصحة والنعمة ، فيجعلوا رزق الله ذريعة ومتسلقا إلى ازدياد الكفر والمعاصي (مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) أى : من الجهة التي لا يشعرون أنه استدراج وهو الإنعام عليهم ، لأنهم يحسبونه إيثارا لهم وتفضيلا على المؤمنين ، وهو سبب لهلاكهم (وَأُمْلِي لَهُمْ) وأمهلهم ، كقوله تعالى (إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً) والصحة والرزق والمدّ في العمر : إحسان من الله وإفضال يوجب عليهم الشكر والطاعة ، ولكنهم يجعلونه سببا في الكفر باختيارهم ، فلما تدرجوا به إلى الهلاك وصف المنعم بالاستدراج. وقيل : كم من مستدرج بالإحسان إليه ، وكم من مفتون بالثناء عليه ، وكم من مغرور بالستر عليه. وسمى
__________________
(١) قوله «وهم سالمون الأصلاب» لعله سالمو الأصلاب بالاضافة. (ع)
(٢) قوله «والمراد حسبي مجازيا» الاستعمال المعروف : حسبك بى مجازيا. أو حسبك الله مجازيا. (ع)
إحسانه وتمكينه كيدا كما سماه استدراجا ، لكونه في صورة الكيد حيث كان سببا للتورّط في الهلكة ، ووصفه بالمتانة لقوّة أثر إحسانه في التسبب للهلاك.
(أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ)(٤٧)
المغرم : الغرامة ، أى لم تطلب منهم على الهداية والتعليم أجرا ، فيثقل عليهم حمل الغرامات في أموالهم ، فيثبطهم ذلك عن الإيمان (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ) أى اللوح (فَهُمْ يَكْتُبُونَ) منه ما يحكمون به.
(فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ)(٥٠)
(لِحُكْمِ رَبِّكَ) وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم (وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ) يعنى : يونس عليه السلام (إِذْ نادى) في بطن الحوت (وَهُوَ مَكْظُومٌ) مملوء غيظا ، من كظم السقاء إذا ملأه ، والمعنى : لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة ، فتبتلى ببلائه. حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في تداركه. وقرأ ابن عباس وابن مسعود : تداركته. وقرأ الحسن : تداركه ، أى تتداركه على حكاية الحال الماضية ، بمعنى : لو لا أن كان يقال فيه تتداركه ، كما يقال : كان زيد سيقوم فمنعه فلان ، أى كان يقال فيه سيقوم. والمعنى : كان متوقعا منه القيام. ونعمة ربه : أن أنعم عليه بالتوفيق للتوبة وتاب عليه. وقد اعتمد في جواب «لو لا» على الحال ، أعنى قوله (وَهُوَ مَذْمُومٌ) يعنى أنّ حاله كانت على خلاف الذمّ حين نبذ بالعراء ، ولو لا توبته لكانت حاله على الذمّ. روى أنها نزلت بأحد حين حل برسول الله صلى الله عليه وسلم ما حل به ، فأراد أن يدعو على الذين انهزموا. وقيل : حين أراد أن يدعو على ثقيف. وقرئ : رحمة من ربه (فَاجْتَباهُ رَبُّهُ) فجمعه إليه ، وقربه بالتوبة عليه ، كما قال : (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى)(فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) أى من الأنبياء. وعن ابن عباس : ردّ الله إليه الوحى وشفعه في نفسه وقومه.
(وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ(٥١) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ)(٥٢)
إن مخففة من الثقيلة واللام علمها. وقرئ ، ليزلقونك بضم الياء وفتحها. وزلقه وأزلقه بمعنى : ويقال : زلق الرأس وأزلقه : حلقه : وقرئ : ليزهقونك ، من زهقت نفسه وأزهقها ، يعنى : أنهم من شدّة تحديقهم ونظرهم إليك شزرا بعيون العداوة والبغضاء ، يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك ، من قولهم : نظر إلىّ نظرا يكاد يصرعني ، ويكاد يأكلنى ، أى : لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله. قال :
|
يتقارضون إذا التقوا في موطن |
|
نظرا يزلّ مواطئ الأقدام (١) |
وقيل : كانت العين في بنى أسد ، فكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام فلا يمر به شيء ، فيقول فيه : لم أر كاليوم مثله إلا عانه ، فأريد بعض العيانين على أن يقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ، فقال : لم أر كاليوم رجلا فعصمه الله. وعن الحسن : دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية (لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) أى القرآن لم يملكوا أنفسهم حسدا على ما أوتيت من النبوة (وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) حيرة في أمره وتنفيرا عنه ، وإلا فقد علموا أنه أعقلهم. والمعنى : أنهم جننوه لأجل القرآن (وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ) وموعظة (لِلْعالَمِينَ) فكيف يجنن من جاء بمثله. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة القلم أعطاه الله ثواب الذين حسن الله أخلاقهم» (٢).
__________________
(١) يقول : إذا للتقوا في مجلس ـ وروى موطن ـ : يتقارضون ، أى : يقرض بعضهم بعضا بنظره إليه ، كأن أحدهم يعطى خصمه النظر ، والثاني يكافئه بنظره إليه حسدا وغيظا ، وإزلال مواطئ الأقدام : كناية عن الإهلاك ، لأن من زلت قدمه سقط على الأرض وربما هلك. أى : ينظر بعضهم بعضا نظر الحسود المغتاظ ، فتسبب عن ذلك زلل الأقدام عن مواطئها ، وإيقاع الازلال على مواضع الأقدام : مجاز عقلى ، لأنه محله ، وفيه مبالغة في زلل القدم.
(٢) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه عن أبى بن كعب.
سورة الحاقة
مكية ، وآياتها ٥٢ [نزلت بعد الملك]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ)(٨)
(الْحَاقَّةُ) الساعة الواجبة الوقوع الثابتة المجيء ، التي هي آتية لا ريب فيها. أو التي فيها حواق الأمور من الحساب والثواب والعقاب. أو التي تحق فيها الأمور ، أى : تعرف على الحقيقة ، من قولك لا أحق هذا ، أى : لا أعرف حقيقته. جعل الفعل لها وهو لأهلها وارتفاعها على الابتداء وخبرها (مَا الْحَاقَّةُ) والأصل : الحاقة ما هي ، أى أىّ شيء هي تفخيما لشأنها وتعظيما لهو لها ، فوضع الظاهر موضع المضمر ، لأنه أهول لها (وَما أَدْراكَ) وأىّ شيء أعلمك ما الحاقة ، يعنى : أنك لا علم لك بكنهها ومدى عظمها ، على أنه من العظم والشدة بحيث لا يبلغه دراية أحد ولا وهمه ، وكيفما قدرت حالها فهي أعظم من ذلك ، و (ما) في موضع الرفع على الابتداء. و (أَدْراكَ) معلق عنه لتضمنه معنى الاستفهام. (بِالْقارِعَةِ) التي تقرع الناس بالأفزاع والأهوال ، والسماء بالانشقاق والانفطار ، والأرض والجبال بالدك والنسف ، والنجوم بالطمس والانكدار. ووضعت موضع الضمير لتدل على معنى القرع. في الحاقة : زيادة في وصف شدتها ، ولما ذكرها وفخمها أتبع ذكر ذلك ذكر من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب ، تذكيرا لأهل مكة وتخويفا لهم من عاقبة تكذيبهم (بِالطَّاغِيَةِ) بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة. واختلف فيها ،
فقيل : الرجفة. وعن ابن عباس : الصاعقة. وعن قتادة : بعث الله عليهم صيحة فأهمدتهم. وقيل : الطاغية مصدر كالعافية ، أى : بطغيانهم ، وليس بذاك لعدم الطباق بينها وبين قوله (بِرِيحٍ صَرْصَرٍ) والصرصر : الشديدة الصوت لها صرصرة. وقيل : الباردة من الصر ، كأنها التي كرر فيها البرد وكثر : فهي تحرق لشدة بردها (عاتِيَةٍ) شديدة العصف والعتوّ استعارة. أو عتت على عاد ، فما قدروا على ردّها بحيلة ، من استتار ببناء ، أو لياذ بجبل ، أو اختفاء في حفرة ، فإنها كانت تنزعهم من مكامنهم وتهلكهم. وقيل : عتت على خزانها ، فخرجت بلا كيل ولا وزن : وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما أرسل الله سفينة من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من مطر إلا بمكيال إلا يوم عاد ويوم نوح ، فإنّ الماء يوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم عليه السبيل ، ثم قرأ (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ) وإن الريح يوم عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ (بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ) (١) ولعلها عبارة عن الشدة والإفراط فيها. الحسوم : لا يخلو من أن يكون جمع حاسم كشهود وقعود. أو مصدرا كالشكور والكفور ، فإن كان جمعا فمعنى قوله (حُسُوماً) نحسات حسمت كل خير واستأصلت كل بركة. أو متتابعة هبوب الرياح : ما خفتت ساعة حتى أتت عليهم تمثيلا لتتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء ، كرة بعد أخرى حتى ينحسم. وإن كان مصدرا : فإما أن ينتصب بفعله مضمرا ، أى : تحسم حسوما ، بمعنى تستأصل استئصالا. أو يكون صفة كقولك : ذات حسوم. أو يكون مفعولا له ، أى : سخرها عليهم للاستئصال. وقال عبد العزيز ابن زرارة الكلابي :
|
ففرّق بين بينهم زمان |
|
تتابع فيه أعوام حسوم (٢) |
وقرأ السدى : حسوما ، بالفتح حالا من الريح ، أى : سخرها عليهم مستأصلة. وقيل : هي أيام العجوز ، وذلك أن عجوزا من عاد توارت في سرب ، فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها. وقيل : هي أيام العجز ، وهي آخر الشتاء ؛ وأسماؤها : الصن والصنبر ، والوبر. والآمر ،
__________________
(١) أخرجه الثعلبي وابن مردويه من رواية موسى بن أعين عن الثوري عن موسى بن المسيب عن شهر بن حوشب عن ابن عباس مرفوعا. وأخرجه الطبري من طريق مهران بن أبى عمر عن سفيان موقوفا.
(٢) لعبد العزيز بن زرارة الكلابي ، وأصل الكلام : ففرق بينهم زمان ، فبينهم ظرف للتفريق ، إلا أنه أراد المبالغة بجعل التفريق بين أجزاء هذا الظرف أيضا ، فقال : ففرق بين بينهم زمان ، وإذا فرق بين الظرف فقد فرق بين أصحابه بالضرورة ، فهو من باب الكناية. ويمكن أن بين الثاني كناية عن الوصلة التي بينهم ، ولعل أصله : ففرق بين ذات بينهم ، وبين سبب تفريق الزمان بينهم بوصفه بأنه تتابع فيه أعوام حسوم ، من الحسم : وهو القطع ، والكي بالنار مرة بعد أخرى حتى ينقطع الدم. وظاهر كلام الجوهري أنه مفرد ، لأنه قال : أيام حسوم ، أى : مستأصلة. والحسوم : الشؤم. ويجوز أنه جمع حاسم كراكع وركوع ، وساجد وسجود ، أى : حاسمات وقاطعات لأبواب الخيرات.
والمؤتمر ، والمعلل ، ومطفئ الجمر. وقيل : مكفئ الظعن (١) ومعنى (سَخَّرَها عَلَيْهِمْ) سلطها عليهم كما شاء (فِيها) في مهابها. أو في الليالي والأيام. وقرئ : أعجاز نخيل (مِنْ باقِيَةٍ) من بقية أو من نفس باقية. أو من بقاء ، كالطاغية : بمعنى الطغيان.
(وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً)(١٠)
(وَمَنْ قَبْلَهُ) يريد : ومن عنده من تباعه. وقرئ : ومن قبله ، أى : ومن تقدمه. وتعضد الأولى قراءة عبد الله وأبى : ومن معه. وقراءة أبى موسى : ومن تلقاءه (وَالْمُؤْتَفِكاتُ) قرى قوم لوط (بِالْخاطِئَةِ) بالخطإ ، أو بالفعلة ، أو الأفعال ذات الخطإ العظيم (رابِيَةً) شديدة زائدة في الشدة ، كما زادت قبائحهم في القبح. يقال : ربا الشيء يربو : إذا زاد (لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ).
(إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ)(١٢)
(حَمَلْناكُمْ) حملنا آباءكم (فِي الْجارِيَةِ) في سفينة ، لأنهم إذا كانوا من نسل المحمولين الناجين ، كان حمل آبائهم منة عليهم ، وكأنهم هم المحمولون ، لأن نجاتهم سبب ولادتهم (لِنَجْعَلَها) الضمير للفعلة : وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة (تَذْكِرَةً) عظة وعبرة (أُذُنٌ واعِيَةٌ) من شأنها أن تعى وتحفظ ما سمعت به ولا تضيعه بترك العمل ، وكل ما حفظته في نفسك فقد وعيته (٢) وما حفظته في غير نفسك فقد أوعيته كقولك : وعيت الشيء في الظرف. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلىّ رضى الله عنه عند نزول هذه الآية «سألت الله أن يجعلها أذنك يا علىّ» قال علىّ رضى الله عنه : فما نسيت شيئا بعد وما كان لي أن أنسى (٣). فإن قلت : لم قيل : أذن واعية ، على التوحيد والتنكير؟ قلت : للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة ، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم ، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله فهي السواد الأعظم عند الله ، وأن ما سواها لا يبالى بهم بالة وإن ملئوا ما بين الخافقين. وقرئ : وتعيها بسكون العين للتخفيف : شبه تعى بكبد.
__________________
(١) قوله «وقيل مكفئ الظعن» جمع ظعينة وهي الهودج ، أفاده الصحاح. (ع)
(٢) قال محمود : «يقال وعيته أى حفظته في نفسك ... الخ» قال أحمد : هو مثل قوله (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ) وقد ذكر أن فائدة التنكير والتوحيد فيه الاشعار قلة الناظرين.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور والطبري من رواية مكحول به مرسلا بتمامه نحوه. وأخرجه الثعلبي من طريق أبى حمزة الثمالي حدثني عبد الله بن حسن قال : حين نزلت فذكره بلفظ المصنف.
(فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ)(١٨)
أسند الفعل إلى المصدر ، وحسن تذكيره للفصل. وقرأ أبو السمال نفخة واحدة بالنصب مسندا للفعل إلى الجار والمجرور. فإن قلت : هما نفختان ، فلم قيل : واحدة (١)؟ قلت معناه أنها لا تثنى في وقتها. فإن قلت : فأى النفختين هي؟ قلت الأولى لأن عندها فساد العالم ، وهكذا الرواية عن ابن عباس. وقد روى عنه أنها الثانية. فإن قلت : أما قال بعد (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ) والعرض إنما هو عند النفخة الثانية؟ قلت : جعل اليوم اسما للحين الواسع الذي تقع فيه النفختان والصعقة والنشور والوقوف والحساب ، فلذلك قيل (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ) كما تقول : جئته عام كذا ، وإنما كان مجيئك في وقت واحد من أوقاته (وَحُمِلَتِ) ورفعت من جهاتها بريح بلغت من قوّة عصفها أنها تحمل الأرض والجبال. أو بخلق من الملائكة. أو بقدرة الله من غير سبب. وقرئ : وحملت ، بحذف المحمل وهو أحد الثلاثة (فَدُكَّتا) فدكت الجملتان : جملة الأرضين وجملة الجبال ، فضرب بعضها ببعض حتى تندقّ وترجع كثيبا مهيلا وهباء منبثا. والدك أبلغ من الدق. وقيل : فبسطتا بسطة واحدة ، فصارتا أرضا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، من قولك : اندكّ السنام إذا انفرش. وبعير أدك وناقة دكاء. ومنه : الدكان (فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) فحينئذ نزلت النازلة وهي القيامة (واهِيَةٌ) مسترخية ساقطة القوّة جدّا بعد ما كانت محكمة مستمسكة. يريد : والخلق الذي يقال له الملك ، وردّ إليه الضمير مجموعا في قوله (فَوْقَهُمْ) على المعنى : فإن قلت : ما الفرق بين قوله (وَالْمَلَكُ) ، وبين أن يقال والملائكة؟ قلت : الملك أعمّ من الملائكة ، ألا ترى أن قولك : ما من ملك إلا وهو شاهد ، أعم من قولك : ما من ملائكة (عَلى أَرْجائِها) على جوانبها : الواحد رجا مقصور ، يعنى : أنها تنشق ، وهي مسكن الملائكة ، فينضوون (٢) إلى أطرافها وما حولها من حافاتها (٣) (ثَمانِيَةٌ) أى : ثمانية
__________________
(١) قال محمود : «إن قلت : لم قال واحدة وهما نفختان ... الخ»؟ قال أحمد : وأما فائدة الاشعار بعظم هذه للنفخة : أن المؤثر لدك الأرض والجبال وخراب العالم هي وحدها غير محتاجة إلى أخرى.
(٢) قوله «فينضوون إلى أطرافها» في الصحاح ضويت إليه : أويت إليه وانضممت. (ع)
(٣) قال محمود : «أى على حافتها لأنها تنشق تنضوى الملائكة الذين هي سكانها إلى أذيالها ... الخ» قال أحمد : كلاهما معرف تعريف الجنس ، فالواحد والجمع سواء في العموم.
منهم. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم «هم اليوم أربعة ، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين فيكونون ثمانية (١)» وروى : ثمانية أملاك : أرجلهم في تخوم الأرض السابعة ، والعرش فوق رؤسهم ، وهم مطرقون مسبحون. وقيل : بعضهم على صورة الإنسان ، وبعضهم على صورة الأسد ، وبعضهم على صورة الثور ، وبعضهم على صورة النسر. وروى : ثمانية أملاك في خلق الأوعال ، ما بين أظلافها إلى ركبها : مسيرة سبعين عاما. وعن شهر بن حوشب : أربعة منهم يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ، وأربعة يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك ، لك الحمد على حلمك بعد علمك. وعن الحسن : الله أعلم كم هم ، أثمانية أم ثمانية آلاف؟ وعن الضحاك : ثمانية صفوف لا يعلم عددهم إلا الله. ويجوز أن تكون الثمانية من الروح ، أو من خلق آخر ، فهو القادر على كل خلق ، سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون. العرض : عبارة عن المحاسبة والمساءلة. شبه ذلك بعرض السلطان العسكر لتعرف أحواله. وروى أنّ في يوم القيامة ثلاثة عرضات ، فأما عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ ، وأما الثالثة ففيها تنشر الكتب فيأخذ الفائز كتابه بيمينه والهالك كتابه بشماله (خافِيَةٌ) سريرة وحال كانت تخفى في الدنيا بستر الله عليكم.
(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ) (٢٤)
(فَأَمَّا) تفصيل للعرض. ها : صوت يصوت به فيفهم منه معنى «خذ» كأف وحس ، وما أشبه ذلك (٢). و (كِتابِيَهْ) منصوب بهاؤم عند الكوفيين ، وعند البصريين باقرءوا ، لأنه أقرب العاملين. وأصله : هاؤم كتابي اقرؤا كتابي ، فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه. ونظيره (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) قالوا : ولو كان العامل الأوّل لقيل : اقرؤه وأفرغه. والهاء للسكت في (كِتابِيَهْ) ، وكذلك في (حِسابِيَهْ) و (مالِيَهْ) و (سُلْطانِيَهْ) وحق هذه الهاءات أن
__________________
(١) أخرجه الطبري من طريق أبى إسحاق. قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ـ فذكره. وهو مذكور في الحديث الطويل الذي يرويه إسماعيل بن رافع عن زيد بن أبى زياد عن القرظي عن رجل عن أبى هريرة. رواه أبو يعلى وغيره وقد تقدم.
(٢) قوله «كأف وحس ، وما أشبه ذلك» يفهم من كل منهما معنى التضجر والتألم ، كما يفيده الصحاح. (ع)
تثبت في الوقف وتسقط في الوصل ، (١) وقد استحب إيثار الوقف إيثارا لثباتها لثباتها في المصحف. وقيل : لا بأس بالوصل والإسقاط. وقرأ ابن محيصن بإسكان الياء بغير هاء. وقرأ جماعة بإثبات الهاء في الوصل والوقف جميعا لاتباع المصحف (ظَنَنْتُ) علمت. وإنما أجرى الظن مجرى العلم ، لأن الظن الغالب يقام مقام العلم في العادات والأحكام. ويقال : أظن ظنا كاليقين أنّ الأمر كيت وكيت (راضِيَةٍ) منسوبة إلى الرضا ، كالدارع والنابل. والنسبة نسبتان : نسبة بالحرف ، ونسبة بالصيغة. أو جعل الفعل لها مجازا وهو لصاحبها (عالِيَةٍ) مرتفعة المكان في السماء. أو رفيعة الدرجات. أو رفيعة المبانى والقصور والأشجار (دانِيَةٌ) ينالها القاعد والنائم. يقال لهم (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً) (٢) أكلا وشربا هنيئا. أو هنيتم هنيئا على المصدر (بِما أَسْلَفْتُمْ) بما قدمتم من الأعمال الصالحة (فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ) الماضية من أيام الدنيا. وعن مجاهد : أيام الصيام ، أى : كلوا واشربوا بدل ما أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه الله. وروى. يقول الله عز وجل : يا أوليائى طالما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة ، وغارت أعينكم ، وخمصت بطونكم ، فكونوا اليوم في نعيمكم ، وكلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية.
(وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ)(٢٩)
الضمير في (يا لَيْتَها) للموتة : يقول : يا ليت الموتة التي متها (كانَتِ الْقاضِيَةَ) أى القاطعة
__________________
(١) قال محمود : «وحق هذه الهاءات يعنى في كتابيه وحسابيه وماليه وسلطانيه ... الخ» قال أحمد : تعليل القراءة باتباع المصحف عجيب مع أن المعتقد الحق أن القراآت السبع بتفاصيلها منقولة تواترا عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ، فالذي أثبت الهاء في الوصل إنما أثبتها من التواتر عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم : آيها كذلك قبل أن تكتب في المصحف ، وما نفس هؤلاء إلا إدخال الاجتهاد في القراآت المستفيضة ، واعتقاد أن فيها ما أخذ بالاختيار النظري وهذا خطأ لا ينبغي فتح بابه ، فانه ذريعة إلى ما هو أكبر منه ، ولقد جرت بيني وبين الشيخ أبى عمرو رحمه الله مفاوضة في قوله (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ) على قراءة حفص ، انتهت إلى أن ألزم الرد على من أثبت الهاء في الوصل في كلمات سورة الحاقة. لأنى حججته بإثبات القراء المشاهير لها كذلك ، ففهمت من رده لذلك ما فهمه من كلام الزمخشري هاهنا ولم أقبله منه رحمه الله ، فتراجع عنه ، وكانت هذه المفاوضة بمكاتبة بيني وبينه ، وهي آخر ما كتب من العلوم على ما أخبرنى به خاصته ، وذلك صحيح لأنها كانت في أوائل مرضه رحمه الله ، والله أعلم.
(٢) قوله «كلوا واشربوا هنيئا» في الصحاح : هنؤ الطعام وهنيء ، أى : صار هنيئا. وهنأنى الطعام يهنئني ويهنؤنى ، ولا نظير له في المهموز هنأ وهناء. وهنئت الطعام ، أى : تهنأت به ، وكلوه هنيئا مريئا. (ع)
لأمرى ، فلم أبعث بعدها ، ولم ألق ما ألقى. أو للحالة ، أى : ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت علىّ ، لأنه رأى تلك الحالة أبشع وأمر مما ذاقه من مرارة الموت وشدته ، فتمناه عندها (ما أَغْنى) نفى أو استفهام على وجه الإنكار ، أى : أىّ شيء أغنى عنى ما كان لي من اليسار (هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ) ملكي وتسلطي على الناس ، وبقيت فقيرا ذليلا. وعن ابن عباس : أنها نزلت في الأسود بن عبد الأشد. وعن فناخسرة الملقب بالعضد ، أنه لما قال :
|
عضد الدّولة وابن ركنها |
|
ملك الأملاك غلّاب القدر (١) |
لم يفلح بعده وجنّ فكان لا ينطق لسانه إلا بهذه الآية. وقال ابن عباس : ضلت عنى حجتي. ومعناه : بطلت حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا.
(خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ)(٣٧)
(ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ) ثم لا تصلوه إلا الجحيم ، وهي النار العظمى ، لأنه كان سلطانا يتعظم على الناس. يقال : صلى النار وصلاه النار. سلكه في السلسلة : أن تلوى على جسده حتى تلتف
__________________
|
(١) ليس شرب الكأس إلا في المطر |
|
وغناء من جوار في سحر |
|
غانيات سالبات النهى |
|
ناعمات في تضاعيف الوتر |
|
مبردات الكأس من مطلعها |
|
ساقيات الكأس من فاق البشر |
|
عضد الدولة وابن ركنها |
|
ملك الأملاك غلاب القدر |
الحسن بن على الطوسي. وقيل لعضد الدولة نفسه ، يقول : ليس شرب الخمر الكامل اللذة إلا في حال المطر ، وفي حال غناء الجواري في السحر ، غانيات : جميلات مقيمات في العيون عذرات ، سالبات : ناهبات للنهى : جمع نهية وهي العقل ، ناعمات : أى متنعمات. وفي تضاعيف الوتر : متعلق بغناء. ويروى : ناغمات ، بالمعجمة ، أى : محسنات لأصواتهن في أثناء صوت الوتر ، وهو الخيط المشدود في آلة اللهو. والراح : الخمر. وعضد الدولة : بدل من الموصول المفعول بساقيات. والعضد في الأصل : استعارة للممدوح ؛ لأن به قوتها. كالعضد للإنسان. والركن كذلك استعارة لأبيه يجامع التقوية أيضا ، وهو أقرب من تشبيه الدولة بالإنسان تارة وبالبناء أخرى ، على طريق المكنية ، ولكنهما الآن لقبان للممدوح وأبيه ، وذكر الضمير وإعادته على الدولة مع أنها جزء العلم في المحلين للمح الأصل كالاستعارة. والقدر : ما قدره الله وقضاه. وفي وصف ممدوحه بأنه غلاب القدر من فجور النساء ما لا يخفى ، ولذلك روى أنه جن وحبس لسانه حتى مات : وعن النبي صلى الله عليه وسلم : «أغيظ الناس رجلا على الله يوم القيامة وأخبثهم : رجل تسمى ملك الأملاك ، ولا ملك إلا الله».
عليه أثناؤها ، وهو فيما بينها مرهق مضيق عليه لا يقدر على حركة ، وجعلها سبعين ذراعا إرادة الوصف بالطول ، كما قال : إن تستغفر لهم سبعين مرة ، يريد : مرات كثيرة ، لأنها إذا طالت كان الإرهاق أشد. والمعنى في تقديم السلسلة على السلك : مثله في تقديم الجحيم على النصلية. أى : لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة ، كأنها أفظع من سائر مواضع الإرهاق في الجحيم. ومعنى (ثُمَ) الدلالة على تفاوت ما بين الغل والتصلية بالجحيم ، وما بينها وبين السلك في السلسلة ، لا على تراخى المدة (إِنَّهُ) تعليل على طريق الاستئناف ، وهو أبلغ ، كأنه قيل : ما له يعذب هذا العذاب الشديد؟ فأجيب بذلك. وفي قوله (وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ) دليلان قويان على عظم الجرم في حرمان المسكين ، أحدهما : عطفه على الكفر ، وجعله قرينة له. والثاني : ذكر الحض دون الفعل ، ليعلم أنّ تارك الحض بهذه المنزلة ، فكيف بتارك الفعل ، وما أحسن قول القائل :
|
إذا نزل الأضياف كان عذوّرا |
|
على الحىّ حتّى تستقلّ مراجله (١) |
يريد حضهم على القرى واستعجلهم وتشاكس عليهم (٢). وعن أبى الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين ، وكان يقول : خلعنا نصف السلسلة بالإيمان ، أفلا نخلع نصفها الآخر؟ وقيل : هو منع الكفار. وقولهم : (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ) والمعنى على بذل طعام المسكين (حَمِيمٌ) قريب يدفع عنه ويحزن عليه ، لأنهم يتحامونه ويفرون منه ،
__________________
|
(١) تركنا فتى قد أيقن الجوع أنه |
|
إذا ما ثوى في أرحل القوم قاتله |
|
فتى قد قد السيف لا متضائل |
|
ولا رهل لباته وأباجله |
|
إذا نزل الأضياف كان عذورا |
|
على الحي حتى تستقل مراجله |
قيل : إنه للعجير السلولي. وقيل : لزينب بنت الطثرية ترثى أخاها يزيد. واللبن الطائر والخاثر : بمعنى. شبه الجوع بإنسان عدو للقوم على سبيل المكنية ، وإثبات الإيقان له تخييل ، وكذلك قتله ، وهذا مبالغة في وصف يزيد بالكرم ، وأنه مانع للجوع من دخوله بيوت القوم ولحوقه بهم ، حتى كأن الجوع يخافه ويتيقن أنه إذا دخل بيوت القوم قتله يزيد. ويجوز أن فاعل ثوى : ضمير يزيد ، لكن الأول أبلغ ، لأنه يفيد أن الجوع لم يدخل على القوم لخوفه من يزيد ، وقد : فعل مبنى للمجهول ، وقد السيف : مفعول مطلق ، أى خلق على شكل السيف في المضي في المكان وتنفيذ العزائم. والمتضائل المتضاعف المتخاشع ، والرهل ـ كتعب ـ : الاسترخاء. والرهل ـ كحذر ـ : وصف منه ، وجمع اللبة باعتبار ما حولها. والأباجل : جمع أبجل ، وهو عرق غليظ في الفخذ والساق وفرس وهن الأباجل سريع الجري ، والعذور ـ بالعين المهملة وتشديد الواو ـ : سيئ الخلق قليل الصبر عن مطلوبه ، كأنه يحتاج إلى الاعتذار عن سوء خلقه. والمراجل : القدور العظام يقول : تركنا في المعركة فتى كريما جوادا سريعا في قرى الضيفان ، إذا نزلوا به كان سيئ الخلق على أهله ، حتى ترتفع قدوره الأثافى ، فيحسن خلقه كما كان.
(٢) قوله «وتشاكس عليهم» في الصحاح : رجل شكس ، أى : صعب الخلق. (ع)
كقوله (وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً). والغسلين : غسالة أهل النار وما يسيل من أبدانهم من الصديد والدم ، فعلين من الغسل (الْخاطِؤُنَ) الآثمون أصحاب الخطايا. وخطئ الرجل : إذا تعمد الذنب (١) ، وهم المشركون : عن ابن عباس : وقرئ : الخاطيون ، بإبدال الهمزة ياء ، والخاطون بطرحها. وعن ابن عباس : ما الخاطون؟ كلنا نخطو. وروى عنه أبو الأسود الدؤلي : ما الخاطون؟ إنما هو الخاطئون ، ما الصابون؟ إنما هو الصابئون : ويجوز أن يراد : الذين يتخطون الحق إلى الباطل ، ويتعدّون حدود الله.
(فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ)(٤٣)
هو إقسام بالأشياء كلها على الشمول والإحاطة ، لأنها لا تخرج من قسمين : مبصر وغير مبصر. وقيل : الدنيا والآخرة ، والأجسام والأرواح ، والإنس والجنّ ، والخلق والخالق ، والنعم الظاهرة والباطنة ، إن هذا القرآن (لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) أى يقوله ويتكلم به على وجه الرسالة من عند الله (وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ) ولا كاهن كما تدعون والقلة في معنى العدم. أى : لا تؤمنون ولا تذكرون ألبتة. والمعنى : ما أكفركم وما أغفلكم (تَنْزِيلٌ) هو تنزيل ، بيانا لأنه قول رسول نزل عليه (مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) وقرأ أبو السمال : تنزيلا ، أى : نزل تنزيلا. وقيل «الرسول الكريم» جبريل عليه السلام ، وقوله (وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ) دليل على أنه محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنّ المعنى على إثبات أنه رسول ، لا شاعر ولا كاهن.
(وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)(٥٢)
__________________
(١) قوله «وخطئ الرجل إذا تعمد الذنب» في الصحاح : قال الأموى ، المخطئ من أراد الصواب فصار إلى غيره. والخاطئ : من تعمد لما لا ينبغي. (ع)
التقوّل : افتعال القول (١) ، كأن فيه تكلفا من المفتعل. وسمى الأقوال المتقولة «أقاويل» تصغيرا بها وتحقيرا ، كقولك : الأعاجيب والأضاحيك ، كأنها جمع أفعولة من القول. والمعنى : ولو ادعى علينا شيئا لم نقله لقتلناه صبرا ، كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم معاجلة بالسخط والانتقام ، فصوّر قتل الصبر بصورته ليكون أهول : وهو أن يؤخذ بيده وتضرب رقبته. وخص اليمين عن اليسار لأن القتال إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذ بيساره ، وإذا أراد أن يوقعه في جيده وأن يكفحه بالسيف ، وهو أشد على المصبور لنظره إلى السيف أخذ بيمينه. ومعنى (لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) لأخذنا بيمينه ، كما أن قوله (لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ) لقطعنا وتينه ، وهذا بين. والوتين : نياط القلب وهو حبل الوريد : إذا قطع مات صاحبه. وقرئ : ولو تقول على البناء للمفعول. قيل (حاجِزِينَ) في وصف أحد ، لأنه في معنى الجماعة ، وهو اسم يقع في النفي العام مستويا فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. ومنه قوله تعالى (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) ، (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ) والضمير في عنه للقتل ، أى : لا يقدر أحد منكم أن يحجزه عن ذلك ويدفعه عنه. أو لرسول الله ، أى : لا تقدرون أن تحجزوا عنه القاتل وتحولوا بينه وبينه ، والخطاب للناس ، وكذلك في قوله تعالى (وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ) وهو إيعاد على التكذيب. وقيل الخطاب للمسلمين. والمعنى : أن منهم ناسا سيكفرون بالقرآن (وَإِنَّهُ) الضمير للقرآن (لَحَسْرَةٌ) على الكافرين به المكذبين له إذا رأوا ثواب المصدقين به. أو للتكذيب ، وأن القرآن اليقين حق اليقين ، كقولك : هو العالم حق العالم ، وجدّ العالم. والمعنى : لعين اليقين ، ومحض اليقين (فَسَبِّحْ) الله بذكر اسمه العظيم وهو قوله : سبحان الله ، واعبده شكرا على ما أهلك له من إيحائه إليك.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة الحاقة حاسبه الله حسابا يسيرا»(٢).
__________________
(١) قال محمود : «التقول : افتعال من القول ، لأن فيه تكلفا ... الخ» قال أحمد : وبناء أقعولة من القول ، وهو معتل ، كما ترى غيب عن القياس التصريفى. ويحتمل أن تكون الأقاويل جمع الجمع ، كالأناعيم : جمع أقوال وأنعام ، وهو الظاهر ، والله أعلم.
(٢) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.
سورة المعارج
مكية ، وآياتها ٤٤ [نزلت بعد الحاقة]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ)(٩) وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلاَّ إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى)(١٨)
ضمن (سَأَلَ) معنى دعا ، فعدّى تعديته ، كأنه قيل : دعا داع (بِعَذابٍ واقِعٍ) من قولك : دعا بكذا. إذا استدعى وطلبه. ومنه قوله تعالى (يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ) وعن ابن عباس رضى الله عنهما : هو النضر بن الحرث : قال إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. وقيل : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، استعجل بعذاب للكافرين. وقرئ. سال سائل ، وهو على وجهين : إما أن يكون من السؤال وهي لغة قريش ، يقولون : سلت تسأل ، وهما يتسايلان ، وأن يكون من السيلان. ويؤيده قراءة ابن عباس : سال سيل ، والسيل : مصدر في معنى السائل ، كالغور بمعنى الغائر. والمعنى : اندفع عليهم وادى عذاب فذهب بهم وأهلكهم. وعن قتادة : سأل سائل عن عذاب الله على من ينزل وبمن يقع؟ فنزلت ، وسأل على هذا الوجه مضمن معنى: عنى واهتم. فإن قلت : بم يتصل
قوله (لِلْكافِرينَ)؟ قلت : هو على القول الأوّل متصل بعذاب صفة له ، أى : بعذاب واقع كائن للكافرين ، أو بالفعل ، أى : دعا للكافرين بعذاب واقع. أو بواقع ، ؛ أى : بعذاب نازل لأجلهم ، وعلى الثاني : هو كلام مبتدأ جواب للسائل ، أى : هو للكافرين. فإن قلت : فقوله (مِنَ اللهِ) بم يتصل؟ قلت : يتصل بواقع ، أى واقع من عنده ، أو بدافع ، بمعنى : ليس له دافع من جهته إذا جاء وقته وأوجبت الحكمة وقوعه (ذِي الْمَعارِجِ) ذى المصاعد جمع معرج ، ثم وصف المصاعد وبعد مداها في العلو والارتفاع فقال: (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ) إلى عرشه وحيث تهبط منه أوامره (فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ) كمقدار مدة (خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) مما يعد الناس. والروح. جبريل عليه السلام ، أفرده لتميزه بفضله. وقيل : الروح خلق هم حفظة على الملائكة ، كما أنّ الملائكة حفظة على الناس. فإن قلت. بم يتعلق قوله (فَاصْبِرْ)؟ قلت : بسأل سائل ، لأنّ استعجال النصر بالعذاب إنما كان على وجه الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم والتكذيب بالوحي ، وكان ذلك مما يضجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر بالصبر عليه ، وكذلك من سأل عن العذاب لمن هو ، فإنما سأل على طريق التعنت ، وكان من كفار مكة. ومن قرأ : سال سائل ، أو سيل ، فمعناه : جاء العذاب لقرب وقوعه ، فاصبر فقد شارفت الانتقام ، وقد جعل (فِي يَوْمٍ) من صلة (واقِعٍ) أى : يقع في يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنيكم ، وهو يوم القيامة : إما أن يكون استطالة له لشدّته على الكفار ، وإما لأنه على الحقيقة كذلك. قيل : فيه خمسون موطنا كل موطن ألف سنة ، وما قدر ذلك على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر. الضمير في (يَرَوْنَهُ) للعذاب الواقع ، أو ليوم القيامة فيمن علق (فِي يَوْمٍ) بواقع ، أى : يستبعدونه على جهة الإحالة (وَ) نحن (نَراهُ قَرِيباً) هينا في قدرتنا غير بعيد علينا ولا متعذر ، فالمراد بالبعيد : البعيد من الإمكان ، وبالقريب : القريب منه. نصب (يَوْمَ تَكُونُ) بقريبا ، أى : يمكن ولا يتعذر في ذلك اليوم. أو بإضمار يقع ، لدلالة (واقِعٍ) عليه. أو يوم تكون السماء كالمهل. كان كيت وكيت. أو هو بدل عن (فِي يَوْمٍ) فيمن علقه بواقع (كَالْمُهْلِ) كدردىّ الزيت. وعن ابن مسعود : كالفضة المذابة في تلوّنها (كَالْعِهْنِ) كالصوف المصبوغ ألوانا ، لأنّ الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ، فإذا بست وطيرت في الجو : أشبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح (وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً) أى لا يسأله بكيف حالك ولا يكلمه ، لأن بكل أحد ما يشغله عن المساءلة (يُبَصَّرُونَهُمْ) أى يبصر الأحماء الأحماء ، فلا يخفون عليهم ، (١) فما يمنعهم من المساءلة أنّ
__________________
(١) قال محمود : «معناه يبصر الأصدقاء أصدقاءهم فيعرفونهم ... الخ» قال أحمد : وفيه دليل على أن الفاعل والمفعول الواقعين في سياق النفي يعم ، كما التزم في : والله لا أشرب ماء من إداوة : أنه عام في المياه والأدوات ، خلافا لبعضهم في الأدوات.
بعضهم لا يبصر بعضا ، وإنما يمنعهم التشاغل : وقرئ : يبصرونهم. وقرئ : ولا يسئل ، على البناء للمفعول ، أى : لا يقال الحميم أين حميمك ولا يطلب منه ، لأنهم يبصرونهم فلا يحتاجون إلى السؤال والطلب. فإن قلت : ما موقع يبصرونهم؟ قلت : هو كلام مستأنف ، كأنه لما قال (وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً) قيل : لعله لا يبصره ، فقيل : يبصرونهم ، ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تساؤلهم. فإن قلت : لم جمع الضميران في (يُبَصَّرُونَهُمْ) وهما للحميمين؟ قلت : المعنى على العموم لكل حميمين لا لحميمين اثنين. ويجوز أن يكون (يُبَصَّرُونَهُمْ) صفة ، أى : حميما مبصرين معرّفين إياهم. قرئ : يومئذ ، بالجرّ والفتح على البناء للإضافة إلى غير متمكن ، ومن عذاب يومئذ ، بتنوين (عَذابِ) ونصب (يَوْمِئِذٍ) وانتصابه بعذاب ، لأنه في معنى تعذيب (وَفَصِيلَتِهِ) عشيرته الأدنون الذين فصل عنهم (تُؤْوِيهِ) تضمه انتماء إليها ، أو لياذا بها في النوائب (يُنْجِيهِ) عطف على يفتدى ، أى : يودّ لو يفتدى ، ثم لو ينجيه الافتداء. أو من في الأرض. وثم : لاستبعاد الإنجاء ، يعنى : تمنى لو كان هؤلاء جميعا تحت يده وبذلهم في فداء نفسه ، ثم ينجيه ذلك وهيهات أن ينجيه (كَلَّا) ردّ للمجرم عن الودادة ، وتنبيه على أنه لا ينفعه الافتداء ولا ينجيه من العذاب ، ثم قال (إِنَّها) والضمير للنار ، ولم يجر لها ذكر ، لأنّ ذكر العذاب دل عليها. ويجوز أن يكون ضميرا مبهما ترجم عنه الخبر ، أو ضمير القصة. و (لَظى) علم للنار ، منقول من اللظى : بمعنى اللهب. ويجوز أن يراد اللهب. و (نَزَّاعَةً) خبر بعد خبر لأنّ ، أو خبر للظى إن كانت الهاء ضمير القصة ، أو صفة له إن أردت اللهب ، والتأنيث لأنه في معنى النار. أو رفع على التهويل ، أى : هي نزاعة. وقرئ نزاعة ، بالنصب على الحال المؤكدة ، أو على أنها متلظية نزاعة ، أو على الاختصاص للتهويل. والشوى : الأطراف. أو جمع شواة : وهي جلدة الرأس تنزعها نزعا فتبتكها (١) ثم تعاد (تَدْعُوا) مجاز عن إحضارهم ، كأنها تدعوهم فتحضرهم. ونحوه قول ذى الرمّة :
...... تدعو أنفه الرّبب (٢)
__________________
(١) قوله «فتبتكها» أى : تقطعها. (ع)
|
(٢) أمسى بوهبين مجتازا لمرتعه |
|
من ذى الفوارس تدعو أنفه الربب |
لدى الرمة يصف ثورا وحشيا. ووهبين : اسم موضع ، وكذلك ذو الفوارس. والربب ـ بموحدتين ـ : جمع ربة وهي أول ما ينبت من الكلا. والدعاء : الطلب ، وهو هنا مجاز عن التسبب في الأمر ، لأن النبات الصغير سبب في وصول أنفه للأرض ، ليرعاه. ويجوز تشبيه الربب بالداعي ، والدعاء تخييل ، ثم يحتمل أن مرتعه من ذى الفوارس ويحتمل أنه سار من ذى الفوارس إلى وهبين. ويروى : مختارا ، أى : متخيرا ومتطلبا خير المراتع.
وقوله :
ليالي اللهو يطبينى فأتبعه (١)
وقول أبى النجم :
تقول للرّائد أعشبت أنزل (٢)
وقيل : تقول لهم : إلىّ إلىّ يا كافر يا منافق. وقيل : تدعو المنافقين والكافرين بلسان فصيح. ثم تلتقطهم التقاط الحب ، فيجوز أن يخلق الله فيها كلاما كما يخلقه في جلودهم وأيديهم وأرجلهم ، وكما خلقه في الشجرة (٣) ويجوز أن يكون دعاء الزبانية. وقيل : تدعو تهلك ، من قول العرب : دعاك الله ، أى : أهلكك. قال
دعاك الله من رجل بأفعى (٤)
(مَنْ أَدْبَرَ) عن الحق (وَتَوَلَّى) عنه (وَجَمَعَ) المال فجعله في وعاء وكنزه ولم يؤدّ الزكاة والحقوق الواجبة فيه ، وتشاغل به عن الدين ، وزهى باقتنائه وتكبر.
__________________
(١) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثالث صفحة ١٩١ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٢) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثاني صفحة ١٦٨ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٣) قوله «وكما خلقه في الشجرة» على زعم المعتزلة أنه تكليم الله موسى ، كأنه كذلك. وعند أهل السنة أنه أطلعه على كلامه القديم القائم بذاته تعالى. (ع)
|
(٤) دعاك الله من رجل بأفعي |
|
ضئيل تنفث السم الذعافا |
دعاك ، أى : أهلك الله بأفعى ؛ يقال : دعاه الله بالمكروه : أنزله به ، ومن رجل : ؛ بيان واقع موقع الحال ، أو تمييز مقترن بمن. لأن ما قبله فيه معنى التعجب ، فيحتاج لتمييز جهة التعجب. وقال بعض النحاة : قد يجيء التمييز لمجرد التوكيد ، فيكون هذا منه ، بأفعى بالتنوين : اسم للحية. وقيل ممنوع من الصرف ، لأنه صفة للحية الشديدة السم ، والذعاف : أى الشديد القاتل ، ضئيل : ضعيفة مهزولة. والنفث : إخراج النفس مع بلل ، وهو هنا إخراج السم الذعاف كغراب : المسرع القتل. ويحتمل أن «دعاك الله» من باب المجاز ، كأن الله دعاه؟؟؟ لقتله بالأفعى. أو طلبه بأفعى أرسلها إليه لتحضره بإهلاكه. وخص المهزولة لأنها أشد إيذاء من غيرها ، وقال ضئيل ، مع أن موصوفه مؤنث على حد : إن رحمة الله قريب ، والمذكر : أفعوان. ويروى «ينفث» على أن الأفعى واحد من الجنس فهو مذكر.
(إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ)(٣٥)
أريد بالإنسان الناس ، فلذلك استثنى منه إلا المصلين. والهلع : سرعة الجزع عند مسّ المكروه وسرعة المنع عند مسّ الخير ، من قولهم : ناقة هلواع سريعة السير. وعن أحمد بن يحيى قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر : ما الهلع؟ فقلت : قد فسره الله ، ولا يكون تفسير أبين من تفسيره ، وهو الذي إذا ناله شر أظهر شدّة الجزع ، وإذا ناله خير بخل به ومنعه الناس. والخير : المال والغنى ، والشرّ : الفقر. أو الصحة والمرض : إذا صحّ الغنى منع المعروف وشحّ بماله ، وإذا مرض جزع وأخذ يوصى. والمعنى : إن الإنسان لإيثاره الجزع والمنع وتمكنهما منه ورسوخهما فيه ، كأنه مجبول عليهما مطبوع (١) ، وكأنه أمر خلقي وضروري غير اختيارى ، كقوله تعالى (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ) والدليل عليه أنه حين كان في البطن والمهد لم يكن به هلع ، ولأنه ذمّ والله لا يذمّ فعله ، والدليل عليه : استثناء المؤمنين الذين جاهدوا أنفسهم وحملوها على المكاره وظلّفوها عن الشهوات ، (٢) حتى لم يكونوا جازعين ولا مانعين. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «شرّ ما أعطى ابن آدم شحّ هالع وجبن (٣) خالع» فإن قلت : كيف قال (عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ) ثم على صلاتهم يحافظون؟ قلت : معنى دوامهم عليها أن يواظبوا على أدائها لا يخلون بها ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل ، كما روى عن النبي صلى الله عليه
__________________
(١) قال محمود : «المعنى أن الإنسان لايثاره الجزع والمنع ورسوبهما فيه كأنه ... الخ» قال أحمد : هو يشرك باطنا وينزه ظاهرا ، فينفى كون الهلع الذي هو موجود للآدمي مخلوقا لله تعالى تنزيها له عن ذلك ، ويثبت خالقا مع الله ، ويتغافل عن اقتضاء نظم الآية لذلك ، فإنك إذا قلت : بريت القلم رقيقا ، فقد نسبت إليك الحال وهو ترقيقه ، كما نسب إليك البرى ، وكذلك الآية. وأما قوله : والله لا يذم خلقه ، فالله تعالى له الحمد على كل حال ، وإنما المذموم العبد بحجة أنه جعل فيه اختيارا يفرق بالضرورة بين الاختياريات والقسريات ألا لله الحجة البالغة والله أعلم.
(٢) قوله : «وظلفوها عن الشهوات» في الصحاح : ظلف نفسه عن الشيء ، أى : منعها من أن تفعله أو تأتيه. (ع)
(٣) أخرجه أبو داود وابن حبان وأحمد وإسحاق والبزار كلهم من طريق عبد العزيز بن مروان : سمعت أبا هريرة بهذا ، لكن قال «شر ما في الرجل»
وسلم «أفضل العمل أدومه وإن قلّ» (١) وقول عائشة : كان عمله ديمة (٢). ومحافظتهم عليها : أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ومواقيتها ويقيموا أركانها ويكملوها بسنتها وآدابها ، ويحفظوها من الإحباط (٣) باقتراف المآثم ، فالدوام يرجع إلى أنفس الصلوات والمحافظة إلى أحوالها (حَقٌّ مَعْلُومٌ) هو الزكاة ، لأنها مقدرة معلومة ، أو صدقة يوظفها الرجل على نفسه يؤديها في أوقات معلومة. السائل : الذي يسأل (وَالْمَحْرُومِ) الذي يتعفف عن السؤال فيحسب غنيا فيحرم (يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) تصديقا بأعمالهم واستعدادهم له ، ويشفقون من عذاب ربهم. واعترض بقوله (إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ) أى لا ينبغي لأحد وان بالغ في الطاعة والاجتهاد أن يأمنه. وينبغي أن يكون مترجحا بين الخوف والرجاء. قرئ : بشهادتهم وبشهاداتهم. والشهادة من جملة الأمانات. وخصها من بينها إبانة لفضلها ، لأنّ في إقامتها إحياء الحقوق وتصحيحها. وفي زيها : تضييعها وإبطالها.
(فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ)(٤٤)
كان المشركون يحتفون حول النبي صلى الله عليه وسلم حلقا حلقا وفرقا فرقا ، يستمعون ويستهزءون بكلامه ، ويقولون : إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم ، فنزلت (مُهْطِعِينَ) مسرعين نحوك ، مادّى أعناقهم إليك ، مقبلين بأبصارهم عليك (عِزِينَ) فرقا
__________________
(١) متفق عليه من حديث عائشة.
(٢) متفق عليه من حديثها رضى الله عنها.
(٣) قال محمود : «أى لا يتركونها في وقت ولا يحبطونها ... الخ» قال أحمد : حفظها من الإحباط نص عند أهل السنة على حفظها من الكفر خاصة ، فلا يحبط ما سواء خلافا للقدرية ، وقد تقدمت أمثاله والله أعلم.
شتى جمع عزة ، وأصلها عزوة ، كأن كل فرقة تعتزى إلى غير من تعتزى إليه الأخرى ؛ فهم مفترقون. قال الكميت :
|
ونحن وجندل باغ تركنا |
|
كتائب جندل شتّى عزينا (١) |
وقيل : كان المستهزءون خمسة أرهط (كَلَّا) ردع لهم عن طمعهم في دخول الجنة ، ثم علل ذلك بقوله (إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ) إلى آخر السورة ، وهو كلام دال على إنكارهم البعث ، فكأنه قال : كلا إنهم منكرون للبعث والجزاء ، فمن أين يطمعون في دخول الجنة؟ فإن قلت : من أى وجه دل هذا الكلام على إنكار البعث؟ قلت : من حيث أنه احتجاج عليهم بالنشأة الأولى ، كالاحتجاج بها عليهم في مواضع من التنزيل ، وذلك قوله (خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ) أى من النطف ، وبالقدرة على أن يهلكهم ويبدل ناسا خيرا منهم ، وأنه ليس بمسبوق على ما يريد تكوينه لا يعجزه شيء ، والغرض أن من قدر على ذلك لم تعجزه الإعادة. ويجوز أن يراد : إنا خلقناهم مما يعلمون ، أى : من النطفة المذرة ، وهي منصبهم الذي لا منصب أوضع منه. ولذلك أبهم وأخفى : إشعارا بأنه منصب يستحيا من ذكره ، فمن أين يتشرفون ويدعون التقدم ويقولون : لندخلن الجنة قبلهم. وقيل : معناه إنا خلقناهم من نطفة كما خلقنا بنى آدم كلهم ، ومن حكمنا أن لا يدخل أحد منهم الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح ، فلم يطمع أن يدخلها من ليس له إيمان وعمل. وقرئ : برب المشرق والمغرب. ويخرجون ، ويخرجون. ومن الأجداث سراعا ، بالإظهار والإدغام. ونصب ، ونصب : وهو كل ما نصب فعبد من دون الله (يُوفِضُونَ) يسرعون إلى الداعي مستبقين كما كانوا يستبقون إلى أنصابهم.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة سأل سائل أعطاه الله ثواب الذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون» (٢).
__________________
(١) الكميت. والكتائب : جمع كتيبة وهي الجماعة. وشتى : جمع شتيت ، كمرضى ومريض ، وعزين : جمع عزة ، أصلها عزو ، فعوضت التاء عن الواو ، من عزاه إلى كذا ، أى : نسبه إليه ، لأن بعضها ينتسب إلى بعض. أو لأنها تنتسب إلى رئيسها. أو إلى أصلها الأعلى ، وهذا كناية عن قتله مع كثرة جيشه.
(٢) أخرجه الثعلبي والراحدى وابن مردويه باسنادهم إلى أبى بن كعب ،
سورة نوح
مكية ، وهي ثمان وعشرون آية [نزلت بعد النحل]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(٤)
(أَنْ أَنْذِرْ) أصله : بأن أنذر ، فحذف الجار وأوصل الفعل : وهي أن الناصبة للفعل ، والمعنى : أرسلناه بأن قلنا له أنذر ، أى : أرسلناه بالأمر بالإنظار. ويجوز أن تكون مفسّرة ، لأنّ الإرسال فيه معنى القول. وقرأ ابن مسعود : أنذر بغير «أن» على إرادة القول. و (أَنِ اعْبُدُوا) نحو (أَنْ أَنْذِرْ) في الوجهين. فإن قلت : كيف قال (وَيُؤَخِّرْكُمْ) مع إخباره بامتناع تأخير الأجل ، وهل هذا إلا تناقض؟ قلت : قضى الله مثلا أنّ قوم نوح إن آمنوا عمرهم ألف سنة ، وإن بقوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة ، فقيل لهم : آمنوا يؤخركم إلى أجل مسمى ، أى : إلى وقت سماه الله وضربه أمدا تنتهون إليه لا تتجاوزونه ، وهو الوقت الأطول تمام الألف. ثم أخبر أنه إذا جاء ذلك الأجل الأمد لا يؤخر كما يؤخر هذا الوقت ، ولم تكن لكم حيلة ، فبادروا في أوقات الإمهال والتأخير.
(قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِراراً (٦) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ
كانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (١٢) ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (١٦) وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (١٨) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً)(٢٠)
(لَيْلاً وَنَهاراً) دائبا من غير فتور مستغرقا به الأوقات كلها (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي) جعل الدعاء فاعل زيادة الفرار. والمعنى على أنهم ازدادوا عنده فرارا ، لأنه سبب الزيادة. ونحوه (فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ) ، (فَزادَتْهُمْ إِيماناً)(لِتَغْفِرَ لَهُمْ) ليتوبوا عن كفرهم فتغفر لهم ، فذكر المسبب الذي هو حظهم خالصا ليكون أقبح لإعراضهم عنه. سدّوا مسامعهم عن استماع الدعوة (وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ) وتغطوا بها ، كأنهم طلبوا أن تغشاهم ثيابهم ، أو تغشيهم لئلا يبصروه كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله. وقيل : لئلا يعرفهم ، ويعضده قوله تعالى (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ). الإصرار : من أصر الحمار على العانة (١) إذا صرّ أذنيه وأقبل عليها يكدمها ويطردها : استعير للإقبال على المعاصي والإكباب عليها (وَاسْتَكْبَرُوا) وأخذتهم العزة من (٢) اتباع نوح وطاعته ، وذكر المصدر تأكيد ودلالة على فرط استقبالهم وعتوهم. فإن قلت : ذكر أنه دعاهم ليلا ونهارا ، ثم دعاهم جهارا ، ثم دعاهم في السرو العلن ، فيجب أن تكون ثلاث دعوات مختلفات حتى يصح العطف. قلت : قد فعل عليه الصلاة والسلام كما يفعل الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر : في الابتداء بالأهون والترقي في الأشد فالأشد ، فافتتح بالمناصحة في السر ، فلما لم يقبلوا ثنى بالمجاهرة ، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان. ومعنى (ثُمَ) الدلالة على تباعد الأحوال ، لأن الجهار أغلظ من الإسرار ، والجمع بين الأمرين ، أغلظ من إفراد أحدهما. و (جِهاراً)
__________________
(١) قوله «من أصر الحمار على العانة» هي القطيع من حمر الوحش ، والكدم : العض بأدنى الفم. أفاده الصحاح. وفيه : صر الفرس أذنيه ضمها إلى رأسه ، فإذا لم يوقعوا قالوا : أصر الفرس بالألف اه ، يعنى : إذا لم يجعلوا الفعل متعديا إلى مفعول. (ع)
(٢) قوله «وأخذتهم العزة من اتباع نوح» لعله : عن. (ع)
منصوب بدعوتهم ، نصب المصدر لأنّ الدعاء أحد نوعيه الجهار ، فنصب به نصب القرفصاء بقعد ، لكونها أحد أنواع القعود. أو لأنه أراد بدعوتهم جاهرتهم. ويجوز أن يكون صفة لمصدر دعا ، بمعنى دعاء جهارا ، أى : مجاهرا به. أو مصدرا في موضع الحال ، أى : مجاهرا. أمرهم بالاستغفار الذي هو التوبة عن الكفر والمعاصي ، وقدّم إليهم الموعد بما هو أوقع في نفوسهم وأحبّ إليهم من المنافع الحاضرة والفوائد العاجلة ، ترغيبا في الإيمان وبركاته والطاعة ونتائجها من خير الدارين ، كما قال (وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ) ، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ) ، (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ) ، (وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ) وقيل : لما كذبوه بعد طول تكرير الدعوة : حبس الله عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة. وروى : سبعين. فوعدهم أنهم إن آمنوا رزقهم الله تعالى الخصب ودفع عنهم ما كانوا فيه. وعن عمر رضى الله عنه : أنه خرج يستسقى ، فما زاد على الاستغفار ، فقيل له : ما رأيناك استسقيت! فقال : لقد استسقيت بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر (١). شبه الاستغفار بالأنواء الصادقة التي لا تخطئ. وعن الحسن : أنّ رجلا شكا إليه الجدب فقال. استغفر الله ، وشكا إليه آخر الفقر ، وآخر قلة النسل ، وآخر قلة ريع أرضه ، فأمرهم كلهم بالاستغفار ، فقال له الربيع بن صبيح : أتاك رجال يشكون أبوابا ويسألون أنواعا ، فأمرتهم كلهم بالاستغفار! فتلا له هذه الآية. والسماء : المظلة ؛ لأنّ المطر منها ينزل إلى السحاب ، ويجوز أن يراد السحاب أو المطر ، من قوله.
إذا نزل السّماء بأرض قوم (٢)
والمدرار : الكثير الدرور ، ومفعال مما يستوي فيه المذكر والمؤنث ، كقولهم : رجل أو امرأة معطار ومتفال (جَنَّاتٍ) بساتين (لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً) لا تأملون له توقيرا أى تعظيما. والمعنى ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب (٣) ، (لِلَّهِ) بيان للموقر ،
__________________
(١) أخرجه عبد الرزاق وابن أبى شيبة والطبراني في الدعاء والطبري وغيرهم من رواية الشعبي : أن عمر ... بهذا وزاد : ثم قرأ (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً) ورجاله ثقات ، إلا أنه منقطع.
|
(٢) إذا نزل السماء بأرض قوم |
|
رعيناه وإن كانوا غضابا |
تطلق السماء على المظلة ، وعلى السحاب ، وعلى المطر كما هنا ، لما فيه من السمو والارتفاع ، وتطلق على النبات مجازا ، لأن المطر سببه ، فلذلك قال : رعيناه ، ففي الكلام استخدام ، حيث أطلق السماء بمعنى ، وأعاد عليها الضمير بمعنى آخر ، والغضاب : جمع غضبان والمعنى : أننا شجعان دون غيرنا.
(٣) قال محمود : «ما لكم لا تكونون على حال يكون فيها تعظيم الله تعالى ... الخ» قال أحمد : وهذا التفسير يبقى الرجاء على بابه الخ.
ولو تأخر لكان صلة للوقار. وقوله (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً) في موضع الحال ، كأنه قال : ما لكم لا تؤمنون بالله والحال هذه وهي حال موجبة للإيمان به ، لأنه خلقكم أطوارا : أى تارات : خلقكم أوّلا ترابا ، ثم خلقكم نطفا ، ثم خلقكم علقا ، ثم خلقكم مضغا ، ثم خلقكم عظاما ولحما ، ثم أنشأكم خلقا آخر. أو لا تخافون لله حلما وترك معاجلة العقاب فتؤمنوا؟ وقيل : ما لكم لا تخافون لله عظمة؟ وعن ابن عباس : لا تخافون لله عاقبة ، لأن العاقبة حال استقرار الأمور وثبات الثواب والعقاب ، من «وقر» إذا ثبت واستقرّ. نبههم على النظر في أنفسهم أوّلا ، لأنها أقرب منظور فيه منهم ، ثم على النظر في العالم وما سوّى فيه من العجائب الشاهدة على الصانع الباهر قدرته وعلمه من السماوات والأرض والشمس والقمر (فِيهِنَ) في السماوات ، وهو في السماء الدنيا ، لأنّ بين السماوات ملابسة من حيث أنها طباق (١) فجاز أن يقال : فيهنّ كذا ، وإن لم يكن في جميعهنّ ، كما يقال : في المدينة كذا وهو في بعض نواحيها. وعن ابن عباس وابن عمر رضى الله عنهما : أنّ الشمس والقمر وجوههما مما يلي السماء وظهورهما مما يلي الأرض (٢) (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً) يبصر أهل الدنيا في ضوئها كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره ، والقمر ليس كذلك ، إنما هو نور لم يبلغ قوّة ضياء الشمس. ومثله قوله تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً) والضياء : أقوى من النور. استعير الإنبات للإنشاء ، كما يقال : زرعك الله للخير ، وكانت هذه الاستعارة أدلّ على الحدوث (٣) ، لأنهم إذا كانوا نباتا كانوا محدثين لا محالة حدوث النبات : ومنه قيل للحشوية : النابتة والنوابت ، لحدوث مذهبهم في الإسلام من غير أوّلية لهم فيه (٤). ومنه قولهم : نجم فلان لبعض المارقة. والمعنى :
أنبتكم فنبتم نباتا. أو نصب بأنبتكم لتضمنه معنى نبتم (ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها) مقبورين ثم (يُخْرِجُكُمْ) يوم القيامة ، وأكده بالمصدر كأنه قال يخرجكم حقا ولا محالة. جعلها بساطا مبسوطة تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه (فِجاجاً) واسعة منفجة.
__________________
(١) قال محمود : «وإنما هو في السماء الدنيا لأن بين السماوات وبين السماء الدنيا مناسبة» قال أحمد : ويلاحظ (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ).
(٢) حديث ابن عباس موقوف ، أخرجه ابن مردويه في يونس من رواية حماد بن سلمة عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عنه بهذا. بلفظ «وأقفيتهما إلى الأرض» وروى الحاكم منه ذكر القمر حسب. وحديث ابن عمر رضى الله عنهما مثله» أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال : قال عبد الله بن عمر : فذكره موقوفا. وروى الطبري من طريق هشام الدستوائى عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الله بن عمر. «تنبيه» وقع في الأصل ابن عمر مصحف. وإنما هو عمر ورضى الله عنهما.
(٣) قوله «أدل على الحدوث» لعله : أدل دليل على الحدوث. (ع)
(٤) قوله «من غير أولية لهم فيه» إن كان مراده بالحشوية أهل السنة ، فأوليتهم في مذهبهم : الكتاب والسنة.(ع)
(قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَساراً (٢١) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (٢٢) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً)(٢٤)
(وَاتَّبَعُوا) رؤسهم المقدمين أصحاب الأموال والأولاد ، وارتسموا ما رسموا لهم من التمسك بعبادة الأصنام ، وجعل أموالهم وأولادهم التي لم تزدهم إلا وجاهة ومنفعة في الدنيا زائدة (خَساراً) في الآخرة ، وأجرى ذلك مجرى صفة لازمة لهم وسمة يعرفون بها ، تحقيقا له وتثبيتا ، وإبطالا لما سواه. وقرئ : وولده بضم الواو وكسرها (وَمَكَرُوا) معطوف على لم يزده ، وجمع الضمير وهو راجع إلى من ، لأنه في معنى الجمع والماكرون : هم الرؤساء. ومكرهم : احتيالهم في الدين وكيدهم لنوح ، وتحريش الناس على أذاه ، وصدّهم عن الميل إليه والاستماع منه. وقولهم لهم : لا تذرون آلهتكم إلى عبادة رب نوح (مَكْراً كُبَّاراً) قرئ بالتخفيف والتثقيل. والكبار : أكبر من الكبير. والكبار : أكبر من الكبار ، ونحوه : طوال وطوّال (وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا) كأن هذه المسميات كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم ، فخصوها بعد قولهم (لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ) وقد انتقلت هذه الأصنام عن قوم نوح إلى العرب ، فكان ودّ لكلب ، وسواع لهمدان ، ويغوث لمذحج ، ويعوق لمراد ، ونسر لحمير ، ولذلك سمت العرب بعبد ودّ وعبد يغوث. وقيل هي أسماء رجال صالحين. وقيل : من أولاد آدم ماتوا ، فقال إبليس لمن بعدهم : لو صورتم صورهم فكنتم تنظرون إليهم ، ففعلوا ، فلما مات أولئك قال لمن بعدهم : إنهم كانوا يعبدونهم ، فعبدوهم. وقيل : كان ودّ على صورة رجل ، وسواع على صورة امرأة ، ويغوث على صورة أسد ، ويعوق على صورة فرس ، ونسر على صورة نسر. وقرئ : ودّا ، بضم الواو. وقرأ الأعمش : ولا يغوثا ويعوقا ، بالصرف ، وهذه قراءة مشكلة ، لأنهما إن كانا عربيين أو عجميين ففيهما سببا منع الصرف : إما التعريف ووزن الفعل ، وإما التعريف والعجمة ، ولعله قصد الازدواج فصرفهما ، لمصادفته أخواتهما منصرفات ودا وسواعا ونسرا ، كما قرئ : وضحاها بالإمالة ، لوقوعه مع الممالات للازدواج (وَقَدْ أَضَلُّوا) الضمير للرؤساء. ومعناه : وقد أضلوا (كَثِيراً) قبل هؤلاء الموصين بأن يتمسكوا بعبادة الأصنام ليسوا بأوّل من أضلوهم. أو وقد أضلوا بإضلالهم كثيرا ، يعنى أنّ هؤلاء المضلين فيهم كثرة. ويجوز أن يكون للأصنام ، كقوله تعالى (إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ). فإن قلت : علام عطف قوله (وَلا تَزِدِ
الظَّالِمِينَ)؟ قلت : على قوله (رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي) على حكاية كلام نوح عليه السلام بعد (قالَ) وبعد الواو النائبة عنه : ومعناه : قال رب إنهم عصوني ، وقال : لا تزد الظالمين إلا ضلالا ، أى : قال هذين القولين وهما في محل النصب ، لأنهما مفعولا «قال» كقولك : قال زيد نودي للصلاة وصل في المسجد ، تحكى قوليه معطوفا أحدهما على صاحبه. فإن قلت : كيف جاز أن يريد لهم الضلال ويدعو الله بزيادته؟ قلت : المراد بالضلال : أن يخذلوا (١) ويمنعوا الألطاف (٢) ، لتصميمهم على الكفر ووقوع اليأس من إيمانهم ، وذلك حسن جميل يجوز الدعاء به ، بل لا يحسن الدعاء بخلافه. ويجوز أن يريد بالضلال : الضياع والهلاك ، لقوله تعالى (وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً).
(مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً (٢٥) وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً)(٢٧)
تقديم (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ) لبيان أن لم يكن إغراقهم بالطوفان ، فإدخالهم النار إلا من أجل خطيئاتهم ، وأكد هذا المعنى بزيادة «ما» وفي قراءة ابن مسعود : من خطيئاتهم ما أغرقوا ، بتأخير الصلة ، وكفى بها مزجرة لمرتكب الخطايا ، فإن كفر قوم نوح كان واحدة من خطيئاتهم ، وإن كانت كبراهنّ. وقد نعيت عليهم سائر خطيئاتهم كما نعى عليهم كفرهم ، ولم يفرق بينه وبينهن في استيجاب العذاب ، لئلا يتكل المسلم الخاطئ على إسلامه ، ويعلم أنّ معه ما يستوجب به العذاب وإن خلا من الخطيئة الكبرى. وقرئ : خطيئاتهم بالهمزة. وخطياتهم بقلبها ياء وإدغامها. وخطاياهم. وخطيئتهم. بالتوحيد على إرادة الجنس. ويجوز أن يراد الكفر (فَأُدْخِلُوا ناراً) جعل دخولهم النار في الآخرة كأنه متعقب لإغراقهم ، لاقترابه ، ولأنه كائن لا محالة ، فكأنه قد كان. أو أريد عذاب القبر. ومن مات في ماء أو في نار أو أكلته السباع والطير : أصابه ما يصيب المقبور من العذاب. وعن الضحاك : كانوا يغرقون من جانب ويحرقون من جانب. وتنكير النار إما لتعظيمها ، أو لأن الله أعد لهم على حسب خطيئاتهم نوعا من النار (فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً) تعريض باتخاذهم آلهة من دون الله وأنها غير قادرة
__________________
(١) قوله «يخذلوا ويمنعوا مبنى على مذهب المعتزلة أنه تعالى لا يريد الشر ولا يفعله ، وأجيب : بأنه إنما دعا عليهم بذلك بعد أن أعلمه الله تعالى أنهم لا يؤمنون ، حيث قال له : إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن. وهذا على مذهب أهل السنة الذين أجازوا أنه تعالى يفعل الشر كخلق الضلال في القلب ، لأن فعله لا يخلو عن حكمة. (ع)
(٢) قال محمود : «كيف جاز أن يريد الضلال ، وأجاب بأن المراد به منع الألطاف» قلت : هذا على قاعدته.
على نصرهم ، وتهكم بهم ، كأنه قال : فلم يجدوا لهم من دون الله آلهة ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله ، كقوله تعالى (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا). (دَيَّاراً) من الأسماء المستعملة في النفي العام ، يقال : ما بالدار ديار وديور ، كقيام وقيوم ، وهو فيعال من الدور. أو من الدار ، أصله ديوار ، ففعل به ما فعل بأصل سيد وميت ، ولو كان فعالا لكان دوّارا. فإن قلت : بم علم أن أولادهم يكفرون ، وكيف وصفهم بالكفر عند الولادة؟ قلت : لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، فذاقهم وأكلهم وعرف طباعهم وأحوالهم ، وكان الرجل منهم ينطلق بابنه إليه ، ويقول : احذر هذا ، فإنه كذاب ، وإن أبى حذرنيه فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك ، وقد أخبره الله عزّ وجل أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ، ومعنى (لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً) لا يلدوا إلا من سيفجر ويكفر. فوصفهم بما يصيرون إليه ، كقوله عليه السلام «من قتل قتيلا فله سلبه» (١)
(رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً)(٢٨)
(وَلِوالِدَيَ) أبوه لمك بن متوشلخ ، وأمه شمخا بنت أنوش : كانا مؤمنين. وقيل. هما آدم وحواء. وقرأ الحسين بن على : ولولدي ، يريد : ساما وحاما (بَيْتِيَ) منزلي. وقيل: مسجدى. وقيل : سفينتي ، خص أوّلا من يتصل به ، لأنهم أولى وأحق بدعائه ، ثم عم المؤمنين والمؤمنات (تَباراً) هلاكا. فإن قلت : ما فعل صبيانهم حين أغرقوا؟ قلت : غرقوا معهم لا على وجه العقاب (٢) ، ولكن كما يموتون بالأنواع من أسباب الموت ، وكم منهم من يموت بالغرق والحرق ، وكأن ذلك زيادة في عذاب الآباء والأمّهات إذا أبصروا أطفالهم يغرقون.
__________________
(١) متفق عليه ، وقد تقدم.
(٢) قال محمود : «ما موجب إغراقهم حين أغرقوا ، وأجاب بأنهم ما أغرقوا لا على وجه العقاب ... الخ» قال أحمد : هذا السؤال مفصح عما في باطنه من وجوب تعليل أفعال الله تعالى ، وعليه يبنى أنه لا يجوز الألم من الله تعالى إلا باستحقاق سابق ، أو لأعواض مترقبة ، أو لغير ذلك من المصالح ، بناء على القاعدة لهم في الصلاح والأصلح والصبيان لا جناية سبقت منهم ولا عوض يترقب فيهم. فبرد السؤال على ذلك. وأما أهل السنة فالله تعالى قد تكفل الجواب عنهم بقوله (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) وهذا الكلام بالنظر إلى خصوص واقعة قوم نوح ، وينجر الكلام منها إلى حكم الله علينا في العدو إذا خيف من مقاتلتهم بالآلات على ذراريهم أن ذلك لا يوجب الاكفاف عن مقاتلتهم بالآلات المهلكة لهم والمذرية ، ويستدل برمي النبي صلى الله عليه وسلم على أهل الطائف بالمجانيق. وقيل له فيهم الذرية ، فقال : هم من آبائهم ، وأما رميهم بالنار وفيهم الذرية : فمنعه مالك رحمه الله ، إلا أن يخاف غائلتهم فيرمون بها إن لم يندفعوا بغيرها ، والله تعالى أعلم.
ومنه قوله عليه السلام «يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى» (١) وعن الحسن : أنه سئل عن ذلك فقال : علم الله براءتهم فأهلكهم بغير عذاب. وقيل : أعقم الله أرحام نسائهم وأيبس أصلاب آبائهم قبل الطوفان بأربعين أو سبعين سنة ، فلم يكن معهم صبى حين أغرقوا. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة نوح كان من المؤمنين الذين تدركهم دعوة نوح عليه السلام» (٢).
سورة الجنّ
مكية ، وآياتها ٢٨ [نزلت بعد الأعراف]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطاً (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِباً)(٥)
قرئ : أحى ، وأصله وحى ، يقال : أوحى إليه ووحى إليه ، فقلبت الواو همزة ، كما يقال : أعد وأزن (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ) وهو من القلب المطلق جوازه في كل واو مضمومة ، وقد أطلقه المازني في المكسورة أيضا كإشاح وإسادة ، وإعاء أخيه ، وقرأ ابن أبى عبلة : وحى على الأصل (أَنَّهُ اسْتَمَعَ) بالفتح ، لأنه فاعل أوحى. وإنا سمعنا : بالكسر : لأنه مبتدأ محكي بعد القول ، ثم تحمل عليهما البواقي ، فما كان من الوحى فتح ، وما كان من قول الجنّ كسر : وكلهن من قولهم إلا الثنتين الأخريين (وَأَنَّ الْمَساجِدَ) ، (وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ) ومن فتح كلهنّ فعطفا
__________________
(١) أخرجه مسلم من طريق ابن الزبير عن عائشة رضى الله عنها.
(٢) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بأسانيدهم إلى أبى بن كعب.
على محل الجار والمجرور في آمنا به ، كأنه قيل : صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا ، وأنه كان يقول سفيهنا ، وكذلك البواقي (نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ) جماعة منهم ما بين الثلاثة إلى العشرة. وقيل : كانوا من الشيصبان ، وهم أكثر الجنّ عددا وعامة جنود إبليس منهم (فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا) أى : قالوا لقومهم حين رجعوا إليهم ، كقوله (فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً) ، (عَجَباً) بديعا مباينا لسائر الكتب في حسن نظمه وصحة معانيه ، قائمة فيه دلائل الإعجاز. وعجب مصدر يوضع موضع العجيب. وفيه مبالغة : وهو ما خرج عن حد أشكاله ونظائره (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ) يدعو إلى الصواب. وقيل : إلى التوحيد والإيمان. والضمير في (بِهِ) للقرآن ، ولما كان الإيمان به إيمانا بالله وبوحدانيته وبراءة من الشرك : قالوا (وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً) أى : ولن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك به في طاعة الشيطان. ويجوز أن يكون الضمير لله عز وجل ، لأنّ قوله (بِرَبِّنا) يفسره (جَدُّ رَبِّنا) عظمته من قولك : جدّ فلان في عينى ، أى : عظم. وفي حديث عمر رضى الله عنه : كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا. وروى في أعيننا (١). أو ملكه وسلطانه. أو غناه ، استعارة من الجد الذي هو الدولة والبخت ، لأن الملوك والأغنياء هم المجدودون. والمعنى : وصفه بالتعالي عن الصاحبة والولد لعظمته. أو لسلطانه وملكوته. أو لغناه. وقوله (مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً) بيان لذلك. وقرئ : جدّا ربنا ، على التمييز. وجدّ ربنا ، بالكسر : أى صدق ربوبيته وحق إلهيته عن اتخاذ الصاحبة والولد ، وذلك أنهم لما سمعوا القرآن ووفقوا للتوحيد والإيمان : تنبهوا على الخطإ فيما اعتقده كفرة الجنّ من تشبيه الله بخلقه واتخاذه صاحبة وولدا ، فاستعظموه ونزهوه عنه. سفيههم : إبليس لعنه الله أو غيره من مردة الجن. والشطط : مجاوزة الحدّ في الظلم وغيره. ومنه : أشط في السوم ، إذا أبعد فيه ، أى : يقول قولا هو في نفسه شطط ، لفرط ما أشط فيه ، وهو نسبة الصاحبة والولد إلى الله ، وكان في ظننا أنّ أحدا من الثقلين لن يكذب على الله ولن يفترى عليه ما ليس بحق ، فكنا نصدّقهم فيما أضافوا إليه من ذلك ، حتى تبين لنا بالقرآن كذبهم وافتراؤهم (كَذِباً) قولا كذبا ، أى : مكذوبا فيه. أو نصب نصب المصدر لأنّ الكذب نوع من القول. ومن قرأ : أن لن تقوّل : وضع كذبا موضع تقوّلا ، ولم يجعله صفة ، لأنّ التقوّل لا يكون إلا كذبا.
(وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً)(٧)
__________________
(١) لم أره عن عمر ، بل هو عن أنس ، كما مضى في البقرة.
والرهق : غشيان المحارم. والمعنى : أنّ الإنس باستعاذتهم بهم زادوهم كبرا وكفرا ، وذلك أنّ الرجل من العرب كان إذا أمسى في واد قفر في بعض مسايره وخاف على نفسه قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ، يريد الجن وكبيرهم ، فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا : سدنا الجن والإنس ، فذلك رهقهم. أو فزاد الجن الإنس رهقا بإغوائهم وإضلالهم لاستعاذتهم بهم (وَأَنَّهُمْ) وأنّ الإنس (ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ) وهو من كلام الجن ، يقوله بعضهم لبعض. وقيل : الآيتان من جملة الوحى. والضمير في (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا) للجنّ ، والخطاب في (ظَنَنْتُمْ) لكفار قريش.
(وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً)(٩)
اللمس : المس ، فاستعير للطلب ، لأنّ الماس طالب متعرّف. قال :
|
مسسنا من الآباء شيئا وكلّنا |
|
إلى نسب في قومه غير واضع (١) |
يقال : لمسه والتمسه وتلمسه «كطلبه وأطلبه وتطلبه» ونحوه : الجس. وقولهم ؛ جسوه بأعينهم وتجسسوه. والمعنى : طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها. والحرس : اسم مفرد في معنى الحرّاس ، كالخدم في معنى الخدّام ، ولذلك وصف بشديد ، ولو ذهب إلى معناه لقيل : شدادا ، ونحوه
أخشى رجيلا أو ركيبا غاديا (٢)
لأنّ الرجل والركب مفردان في معنى الرجال والركاب. والرصد : مثل الحرس : اسم جمع
__________________
|
(١) مسسنا عن الآباء شيئا فكلنا |
|
إلى نسب في قومه غير واضع |
|
فلما بلغنا الأمهات وجدتم |
|
بنى عمكم كانوا كرام المضاجع |
ليزيد بن الحاكم الكلابي. ومسسنا : أى نلنا ، فالمس مجاز مرسل ، فكل منا ينتمي إلى نسب في قومه غير منخفض ويروى : إلى حسب ، فاستوينا من جهة الآباء في التفاخر ، فلما بلغنا فيه ذكر الأمهات وجدتم أقاربكم كرام المضاجع كناية عن الأزواج. أو عبر باسم المحل عن الحال فيه ، وهن الأزواج مجازا مرسلا ، وكرم النساء مذموم ، لأنه كناية عن الخنا ، كما يكنى ببخلهن عن العفة ، فلسنا سواء في الأمهات.
|
(٢) أخشى رجيلا أو ركيبا غاديا |
|
والذئب أخشاه وكلبا عاويا |
الرجيل : تصغير رجل. والركيب : تصغير ركب. غاديا : أى سائرا في الغداة على العادة. يقول : أخاف لهرمى. وضعفى الرجل الصغير والركب القليل. والذئب : نصب بمضمر ، كالمذكور على الاشتغال. أى : وأخشى الذئب وكلبا عطف عليه. أو نصب بمضمر ، أى : وأخشى كلبا عاويا. والجملة معطوفة على جملة «أخشى رجيلا» وعيد الكلب بكونه علويا ، لئلا يتوهم كذبه في دعواه.
للراصد ، على معنى : ذوى شهاب راصدين بالرجم ، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب ، ويمنعونهم من الاستماع. ويجوز أن يكون صفة للشهاب ، بمعنى الراصد أو كقوله :
...... ومعى جياعا (١)
يعنى. يجد شهابا راصدا له ولأجله. فإن قلت : كأن الرجم لم يكن في الجاهلية ، وقد قال الله تعالى (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ) فذكر فائدتين (٢) في خلق الكواكب : التزيين ، ورجم الشياطين؟ قلت : قال بعضهم حدث بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو إحدى آياته ، والصحيح أنه كان قبل المبعث ، وقد جاء ذكره في شعر أهل الجاهلية. قال بشر بن أبى خازم :
|
والعير يرهقها الغبار وجحشها |
|
ينقض خلفهما انقضاض الكوكب (٣) |
__________________
(١) قوله : «ومعى جياعا» في الصحاح المعى واحد الأمعاء والجياع جمع الجائع. وأول البيت :
|
كأن قتود رحلي حين ضمت |
|
حوالب غزرا ومعى جياعا |
والقتود : جمع قتد ، وهو خشب الرحل. (ع)
(٢) قال محمود : «إن قلت كأن الرجم لم يكن في الجاهلية. وقد قال تعالى (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ) فذكر فائدتى الزينة والرجم ... الخ» قال أحمد : ومن عقائدهم أن الرشد والضلال جميعا مرادان لله تعالى بقولهم (وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً) ولقد أحسنوا الأدب في ذكر إرادة الشر محذوفة الفاعل ، والمراد بالمريد : هو الله عز وجل ، وإبرازهم لاسمه عند إرادة الخير والرشد ، فجمعوا بين العقيدة الصحيحة والآداب المليحة.
|
(٣) والعير يرهقها الحبار وجحشها |
|
ينقض خلفهما انقضاض الكوكب |
|
فعلاهما سبط كأن ضبابه |
|
محبوب صادات دواجر تنضب |
|
فتجاريا شأوا بطيئا مثله |
|
هيهات شأوهما وشأو التولب |
لبشر بن أبى خازم. والعير : الحمار ؛ يرهقها : يكلفها ، أى : الأتان. والجبار ـ بضم المهملة ، وقيل بفتحها ـ : الأثر من كل شيء ، وبالمعجمة : الأرض اللينة. وروى : الغبار ، والانقضاض : الاسراع ، والسبط : الغبار الممتد ، والضباب : ندى يغشى الأرض بالغدوات. والصاد : الديك الذي ينكت التراب فيثير غباره ، ويطلق على القدر من النحاس ومن البرام ، وعلى داء في الرأس يداوى بالكي بالنار. قيل : وعلى العلم ، وفسر به هنا. والدواجر : التواشط ، من دجر إذا نشط سرورا ، أو المظلمات. والليل الدجور والديجور : المظلم. وتنضب : اسم شجر دخانه أبيض ، وعلم على قرية قريبة من مكة. والشأو : الطلق ، يقال : شأى كسهى ، إذا سبق غيره. والتولب : الجحش إذا مضى عليه سنة واحدة ، يقول : إن حمار الوحش يكلف أتانه اقتفاء أثره عند الجري ، وجحشها يسرع خلفها كاسراع شهاب الرجم ، فارتفع فوقهما ممتد من الغبار ، كأن ما أشبه الضباب منه غبار أثارته الديكة لأنها تحبه ، وكأنه مرتفع «خان ذلك الشجر أو مظلمة ، لأنه يحجب الضوء وإن كان أبيض ، فدواجر خبر بعد خبر. ويجوز أنه على حذف العاطف ، فقد أجازه السيرافي وابن عصفور وابن مالك ، ومنعه ابن جنى والسهيلي ، وخرجا ما يوهمه على بدل الاضراب ، ويجوز ذلك هنا أيضا ، فشبه التيار بثلاثة أشياء ، ثم قال : فتجاريا شوطا طويلا ـ
وقال أوس بن حجر :
|
وانقضّ كالدّرّي يتبعه |
|
نقع يثور تخاله طنبا (١) |
وقال عوف بن الخرع :
|
يردّ علينا العير من دون إلفه |
|
أو الثّور كالدّرّىّ يتبعه الدّم (٢) |
ولكن الشياطين كانت تسترق في بعض الأحوال ، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم : كثر الرجم وزاد زيادة ظاهرة ؛ حتى تنبه لها الإنس والجن ، ومنع الاستراق أصلا. وعن معمر : قلت للزهري : أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال : نعم. قلت : أرأيت قوله تعالى (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ) فقال : غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم. وروى الزهري عن على بن الحسين عن ابن عباس رضى الله عنهما : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من الأنصار إذ رمى بنجم فاستنار ، فقال : ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية؟ فقالوا : كنا نقول : يموت عظيم أو يولد عظيم (٣). وفي قوله (مُلِئَتْ) دليل على أن الحادث هو المل والكثرة ، وكذلك قوله (نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ) أى كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب ، والآن ملئت المقاعد كلها ، وهذا ذكر ما حملهم على الضرب في البلاد حتى عثروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمعوا قراءته.
__________________
ـ مثله ، وإثبات البعد للمثل كناية عن إثباته للشأو. ويحتمل أن ضمير مثله للجحش ، فهو بالنصب. ثم قال : بعد ما بين شوطهما وشوطه كأنه تأخر. ويحتمل أن المعنى : بعد كل من الشوطين وطال.
(١) لأوس بن حجر يصف فرسا بشدة العدو والسرعة ، كالكوكب الدري نسبة للدر لصفاته ، أو مأخوذ من الدرء لدرئه الظلام ، يتبعه : أى الفرس نقع ، أى غبار ينتشر تظنه طنبا بضمتين ، وهو حبل الخيمة كما يتبع الدري شعاعه ممتدا عند هويه ، فقد شبه النقع بالطنب تصريحا ، وبشعاع الكوكب : ضمنا.
(٢) لعوف بن الخرع ، يصف فرسا بشدة العدو في الصيد ، وأنه يرد عليه الحمار الوحشي حال كونه. أى الحمار من دون إلفه أى بقربه أو يرده من دونه ، أى من قربه ، وإذا رده من جنب ألفه كان رده وهو وحده أهون عليه ، لأنه إذا كان مع إلفه كان أشد فرارا. ويجوز أن المعنى : حال كون الحمار بدون إلفه أى منفردا لا إلف معه يوجب ارتباكه. أو يرد علينا الثور الوحشي حال كونه ، أى الثور ، كالدرى. أو حال كون الفرس كالدرى ، أى : كالكوكب نسبة للدر لصفاء جوهره وإضاءته. أو من الدرة ، أى : الدفع ، لأنه يدرؤ الظلام حال كون الكوكب يتبعه عند سقوطه من السماء خط أحمر من ضوئه يشبه الدم ، فالدم : استعارة مصرحة.
(٣) أخرجه مسلم من رواية الأوزاعي عن الزهري عن على بن الحسين عن ابن عباس أخبرنى رجال من الأنصار ، وقال «بينما هم جلوس ـ فذكره مطولا» ورواه الترمذي من رواية معمر عن الزهري عن على بن الحسين عن ابن عباس قال «بينما ـ فذكره» ولم يقل : أخبرنى رجال.
(وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً)(١٠)
يقولون : لما حدث هذا الحادث من كثرة الرجم ومنع الاستراق ، قلنا : ما هذا إلا لأمر أراده الله بأهل الأرض ، ولا يخلو من أن يكون شرا أو رشدا ، أى : خيرا ، من عذاب أو رحمة ، أو من خذلان أو توفيق.
(وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً)(١١)
(مِنَّا الصَّالِحُونَ) منا الأبرار المتقون (وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ) ومنا قوم دون ذلك ، فحذف الموصوف ، كقوله (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) وهم المقتصدون في الصلاح غير الكاملين فيه. أو أرادوا الطالحين (كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً) بيان للقسمة المذكورة ، أى : كنا ذوى مذاهب مفترقة مختلفة. أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة. أو كنا في طرائق مختلفة ، كقوله :
كما عسل الطّريق الثّعلب (١)
أو كانت طرائقنا طرائق قددا على حذف المضاف الذي هو الطرائق وإقامة الضمير المضاف إليه مقامه ؛ والقدّة من قدّ ، كالقطعة من قطع ، ووصفت الطرائق بالقدد ، لدلالتها على معنى التقطع والتفرّق.
(وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً)(١٢)
(فِي الْأَرْضِ) و (هَرَباً) حالان ، أى : لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها ، ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء. وقيل : لن نعجزه في الأرض إن أراد بنا أمرا ، ولن نعجزه هربا إن طلبنا. والظن بمعنى اليقين ، وهذه صفة أحوال الجن وما هم عليه من أحوالهم وعقائدهم : منهم أخيار ، وأشرار ، ومقتصدون ، وأنهم يعتقدون أنّ الله عز وجل عزيز غالب لا يفوته مطلب ولا ينجى عنه مهرب.
(وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً)(١٣)
(لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى) هو سماعهم القرآن وإيمانهم به (فَلا يَخافُ) فهو لا يخاف ، أى فهو غير خائف ، ولأنّ الكلام في تقدير مبتدإ وخبر دخلت الفاء ، ولو لا ذاك لقيل : لا يخف. فإن
__________________
(١) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثاني صفحة ٩٢ فراجعه إن شئت اه مصححه.
قلت : أى فائدة : في رفع الفعل وتقدير مبتدإ قبله حتى يقع خبرا له ووجوب إدخال الفاء ، وكان ذلك كله مستغنى عنه بأن يقال. لا يخف؟ قلت : الفائدة فيه أنه إذا فعل ذلك ، فكأنه قيل : فهو لا يخاف ، فكان دالا على تحقيق أنّ المؤمن ناج لا محالة وأنه هو المختص بذلك دون غيره وقرأ الأعمش : فلا يخف ، على النهى (بَخْساً وَلا رَهَقاً) أى جزاء بخس ولا رهق ، لأنه لم يبخس أحدا حقا ولا رهق ظلم أحد (١) فلا يخاف جزاءهما. وفيه دلالة على أن من حق من آمن بالله أن يجتنب المظالم. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام «المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم» (٢) ويجوز أن يراد : فلا يخاف أن يبخس بل يجزى الجزاء الأوفى ، ولا أن ترهقه ذلة ، من قوله عز وجل (وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ).
(وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً)(١٥)
(الْقاسِطُونَ) الكافرون الجائرون عن طريق الحق. وعن سعيد بن جبير رضى الله عنه : أنّ الحجاج قال له حين أراد قتله : ما تقول فىّ؟ قال : قاسط عادل ، فقال القوم : ما أحسن ما قال ، حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل ، فقال الحجاج : يا جهلة ، إنه سماني ظالما مشركا ، وتلا لهم قوله تعالى (وَأَمَّا الْقاسِطُونَ) وقوله تعالى (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) وقد زعم من لا يرى للجن ثوابا أنّ الله تعالى أوعد قاسطيهم وما وعد مسلميهم ، وكفى به وعدا أن قال (فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً) فذكر سبب الثواب وموجبه ، والله أعدل من أن يعاقب القاسط ولا يثيب الراشد.
(وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً)(١٧)
(وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا) أن مخففة من الثقيلة ، وهو من جملة الموحى. والمعنى : وأوحى إلىّ أن الشأن والحديث لو استقام الجن على الطريقة المثلى ، أى : لو ثبت أبوهم الجان على ما كان
__________________
(١) قوله «ولا رهق ظلم أحد» في الصحاح : رهقه بالكسر يرهقه رهقا ، أى : غشيه. (ع)
(٢) أخرجه ابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد بهذا. وأتم منه. وفي الباب عن أبى هريرة بلفظ «المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم» وأخرجه الترمذي وابن حبان والحاكم. وعن أنس أخرجه ابن حبان والحاكم أيضا. وعن أبى مالك الأشعرى وواثلة بن الأسقع ، أخرجهما الطبراني مطولا. وأخرج حديث واثلة أبو يعلى. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه عبد بن حميد.
عليه من عبادة الله والطاعة ولم يستكبر عن السجود لآدم ولم يكفر وتبعه ولده على الإسلام ، لأنعمنا عليهم ولوسعنا رزقهم. وذكر الماء الغدق وهو الكثير بفتح الدال وكسرها. وقرئ بهما ، لأنه أصل المعاش وسعة الرزق (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خوّلوا منه. ويجوز أن يكون معناه : وأن لو استقام الجن الذين استمعوا على طريقتهم التي كانوا عليها قبل الاسماع ولم ينتقلوا عنها إلى الإسلام لوسعنا عليهم الرزق مستدرجين لهم ، لنفتنهم فيه : لتكون النعمة سببا في اتباعهم شهواتهم ، ووقوعهم في الفتنة ، وازديادهم إثما ، أو لنعذبهم في كفران النعمة (عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ) عن عبادته أو عن موعظته أو عن وحيه (يَسْلُكْهُ) وقرئ بالنون مضمومة ومفتوحة ، أى : ندخله (عَذاباً) والأصل : نسلكه في عذاب ، كقوله (ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) فعدّى إلى مفعولين : إمّا بحذف الجار وإيصال الفعل ، كقوله (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) وإمّا بتضمينه معنى «ندخله» يقال : سلكه وأسلكه. قال :
حتّى إذا أسلكوهم في قتائدة (١)
والصعد : مصدر صعد ، يقال : صعد صعدا وصعودا ، فوصف به العذاب ، لأنه يتصعد المعذب أى يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. ومنه قول عمر رضى الله عنه : ما تصعدنى شيء ما تصعدتنى خطبة النكاح (٢) ، يريد : ما شق علىّ ولا غلبني.
(وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً)(١٨)
(وَأَنَّ الْمَساجِدَ) من جملة الموحى. وقيل معناه : ولأن المساجد (لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا) على أنّ اللام متعلقة بلا تدعوا ، أى : فلا تدعوا (مَعَ اللهِ أَحَداً) في المساجد ، لأنها لله خاصة ولعبادته. وعن الحسن : يعنى الأرض كلها ، لأنها جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مسجدا. وقيل : المراد بها المسجد الحرام ، لأنه قبلة المساجد. ومنه قوله تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) وعن قتادة : كان اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله ، فأمرنا أن نخلص لله الدعوة إذا دخلنا المساجد. وقيل : المساجد أعضاء السجود السبعة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أمرت أن أسجد على سبعة آراب : وهي الجبهة ، والأنف ، واليدان ،
__________________
(١) قوله «إذا أسلكوهم في قتائدة» في الصحاح : «قتائدة» اسم عقبة. قال عبد مناف بن ربع :
|
حتى إذا أسلكوهم في قتائدة |
|
شلا كما تطرد الجمالة الشردا |
والشل : الطرد. والشرد : جمع شارد ، كالخدم جمع خادم. (ع)
(٢) حدثني أبو عبيدة في الغريب من رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عمر بهذا ، وهو منقطع.
والركبتان ، والقدمان (١)». وقيل : هي جمع مسجد وهو السجود.
(وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً)(١٩)
(عَبْدُ اللهِ) النبي صلى الله عليه وسلم. فإن قلت : هلا قيل : رسول الله أو النبي؟ قلت : لأن تقديره : وأوحى إلىّ أنه لما قام عبد الله. فلما كان واقعا في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه : جيء به على ما يقتضيه التواضع والتذلل. أو لأن المعنى أن عبادة عبد الله لله ليست بأمر مستبعد عن العقل ولا مستنكر ، حتى يكونوا عليه لبدا. ومعنى (قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ) قام يعبده ، يريد : قيامه لصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن فاستمعوا لقراءته صلى الله عليه وسلم (كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً) أى يزدحمون عليه متراكمين تعجبا مما رأوا من عبادته واقتداء أصحابه به قائما وراكعا وساجدا ، وإعجابا بما تلا من القرآن ، لأنهم رأوا ما لم يروا مثله ، وسمعوا بما لم يسمعوا بنظيره. وقيل معناه : لما قام رسولا يعبد الله وحده مخالفا للمشركين في عبادتهم الآلهة من دونه : كاد المشركون لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته يزدحمون عليه متراكمين (لِبَداً) جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض ، ومنها «لبدة الأسد» وقرئ : لبدا واللبدة في معنى اللبدة ، ولبدا : جمع لا بد ، كساجد وسجد. ولبدا بضمتين : جمع لبود ، كصبور وصبر. وعن قتادة : تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه. فأبى الله إلا أن ينصره ويظهره على من ناوأه. ومن قرأ : وإنه ، بالكسر : جعله من كلام الجن : قالوه لقومهم حين رجعوا إليهم حاكين ما رأوا من صلاته وازدحام أصحابه عليه في ائتمامهم به.
(قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ
__________________
(١) أخرجه البزار من حديث العباس بهذا اللفظ ، لكن قال «الوجه عوض الجبهة والأنف» ورواه الأربعة في السنن من حديثه بلفظ «إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب : وجهه وكفاه وقدماء وركبتاه» وفي الصحيحين عن ابن عباس مرفوعا «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم» وفي لفظ «أعضاء» وعند أبى داود «أمرت» وقال «أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة آراب»
رَبِّي أَمَداً (٢٥) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً)(٢٨)
(قُلْ) للمتظاهرين عليه (١) (إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي) يريد : ما أتيتكم بأمر منكر ، إنما أعبد ربى وحده (وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً) وليس ذاك مما يوجب إطباقكم على مقتى وعداوتي. أو قال للجن عند ازدحامهم متعجبين : ليس ما ترون من عبادتي الله ورفضى الإشراك به بأمر يتعجب منه ، إنما يتعجب ممن يدعو غير الله ويجعل له شريكا. أو قال الجن لقومهم ذلك حكاية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَلا رَشَداً) ولا نفعا. أو أراد بالضر : الغىّ ، ويدل عليه قراءة أبىّ «غيا ولا رشدا» والمعنى : لا أستطيع أن أضركم وأن أنفعكم ، إنما الضارّ والنافع الله (٢). أو لا أستطيع أن أقسركم على الغىّ والرشد ، إنما القادر على ذلك الله عز وجل : و (إِلَّا بَلاغاً) استثناء منه. أى لا أملك إلا بلاغا من الله (٣). و (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي) جملة معترضة اعترض بها لتأكيد نفى الاستطاعة عن نفسه وبيان عجزه ، على معنى أنّ الله إن أراد به سوءا من مرض أو موت أو غيرهما : لم يصح أن يجيره منه أحد أو يجد من دونه ملاذا يأوى إليه : والملتحد الملتجأ ، وأصله المدّخل ، من اللحد. وقيل : محيصا ومعدلا. وقرئ : قال لا أملك ،
__________________
(١) قوله «قال للمتظاهرين عليه» هذه قراءة غير عاصم وحمزة ، كذا في النسفي ، وهو يفيد أن قراءتهما (قُلْ) بصيغة الأمر ، كأنه سقط من كلام المصنف ذكر هذه القراءة فليحرر.
(٢) قال محمود : «معناه أى لا أستطيع أن أنفعكم أو أضركم إنما النافع والضار الله عز وجل ... الخ» قال أحمد : في الآية دليل بين على أن الله تعالى هو الذي يملك لعباده الرشد والغى أى يخلقهما لا غير ، فان النبي صلى الله عليه وسلم إنما سلب ذلك عن قدر» ليمحض إضافته إلى قدرة الله وحده ، وفطن الزمخشري لذلك فأخذ يعمل الحبل ، فتارة يحمل الرشد على مطلق النفع ، فيضيف ذلك إلى الله تعالى ، وتارة يكنع عنه لأن فيه إبطالا لخصوصية الرشد المنصوص عليه في الآية ، فيثور له من تقليده الرأى الفاسد ثوائر تصرفه عن الحق وعن اعتقاد أن الله تعالى هو الذي يخلق الرشد لعبيده مقارنا لاختيارهم ، فيدخل زيادة القسر ، لأن معنى ما ورد من إضافة الرشد إلى قدرة انه تعالى عندهم أنه يخلق أن يخضع لها الرقاب ، فيخلق العبد لنفسه عند ظهورها رشدا. فيضاف إلى قدرة الله تعالى ، لأنه خلق السبب وهو في الحقيقة مخلوق بقدرة العبد «هذه قاعدة القدرية وعقيدتهم ، وما الجن بعد هذا إلا أوفر منهم عقلا وأسد منهم نظرا ، لأنهم قالوا : وأنا لا ندرى أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ، فأضافوا الرشد نفسه إلى إرادة الله عز وجل وقدرته.
(٣) قال محمود : «هو اعتراض. وقوله (إِلَّا بَلاغاً) استثناء من قوله (لا أَمْلِكُ) أى لا أملك لكم إلا بلاغا. وقيل بلاغا يدل من ملتحدا ... الخ» قال أحمد : فيكون تقدير الكلام : بلاغا من الله مستفادا من قوله (قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً).
أى قال عبد الله للمشركين أو للجن. ويجوز أن يكون من حكاية الجن لقومهم. وقيل (بَلاغاً) بدل من (مُلْتَحَداً) أى : لن أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ عنه ما أرسلنى به. وقيل : (إِلَّا) هي «إن لا» ومعناه : أن لا أبلغ بلاغا ، كقولك : إن لا قياما فقعودا (وَرِسالاتِهِ) عطف على بلاغا ، كأنه قيل : لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات. والمعنى : إلا أن أبلغ عن الله فأقول : قال الله كذا ، ناسبا لقوله إليه ، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلنى بها من غير زيادة ولا نقصان. فإن قلت : ألا يقال : بلغ عنه. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام «بلغوا عنى بلغوا عنى»؟ (١) قلت : من ليست بصلة للتبليغ ، إنما هي بمنزلة من في قوله (بَراءَةٌ مِنَ اللهِ) بمعنى بلاغا كائنا من الله. وقرئ : فأن له نار جهنم ، على : فجزاؤه أنّ له نار جهنم ، كقوله (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) أى : فحكمه أنّ لله خمسه. وقال (خالِدِينَ) حملا على معنى الجمع في من. فإن قلت : بم تعلق «حتى» ، وجعل ما بعده غاية له؟ قلت : بقوله (يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً) على أنهم يتظاهرون عليه بالعداوة ، ويستضعفون أنصاره ويستقلون عددهم (حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ) من يوم بدر وإظهار الله له عليهم. أو من يوم القيامة (فَسَيَعْلَمُونَ) حينئذ أنهم (أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً) ويجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال : من استضعاف الكفار له واستقلالهم لعدده ، كأنه قال : لا يزالون على ما هم عليه (حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ) قال المشركون : متى يكون هذا الموعود؟ إنكارا له ، فقيل (قُلْ) إنه كائن لا ريب فيه ، فلا تنكروه ، فإن الله قد وعد ذلك وهو لا يخلف الميعاد. وأما وقته فما أدرى متى يكون ، لأنّ الله لم يبينه لما رأى في إخفاء وقته من المصلحة. فإن قلت : ما معنى قوله (أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً) والأمد يكون قريبا وبعيدا ألا ترى إلى قوله (تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً)؟ قلت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقرب الموعد ، فكأنه قال : ما أدرى أهو حال متوقع في كل ساعة أم مؤجل ضربت له غاية أى : هو (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ) فلا يطلع. و (مِنْ رَسُولٍ) تبيين لمن ارتضى ، يعنى : أنه لا يطلع على الغيب إلا المرتضى الذي هو مصطفى للنبوة خاصة ، لا كل مرتضى. وفي هذا إبطال للكرامات (٢) ، لأنّ الذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين ، فليسوا برسل (٣). وقد
__________________
(١) أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي بلفظ «بلغوا عنى ولو آية ... الحديث».
(٢) قوله «وفي هذا إبطال للكرامات» إبطالها مذهب المعتزلة ، وإثباتها مذهب أهل السنة ، وهي لا تنحصر في الاخبار بالغيب. (ع)
(٣) قال محمود : «إبطال للكرامات ، لأنه حصر ذلك في المرتضى من الرسل ، والولي وإن كان من المرتضين ... الخ» قال أحمد : ادعى عاما واستدل خاصا ، فان دعواه إبطال الكرامات بجميع أنواعها ، والمدلول عليه بالآية إبطال اطلاع الولي على الغيب خاصة ، ولا يكون كرامة وخارق للعادة إلا الاطلاع على الغيب لا غير ، وما القدرية إلا ولهم شبهة في إبطالها ، وذلك أن الله عز وجل لا يتخذ منهم وليا أبدا وهم لم يحدثوا بذلك عن أشياعهم ـ
خصّ الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب وإبطال الكهانة والتنجيم ، لأنّ أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) يدي من ارتضى للرسالة (وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين يطردونهم عنه ويعصمونه من وساوسهم وتخاليطهم ، حتى يبلغ ما أوحى به إليه. وعن الضحاك : ما بعث نبىّ إلا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك (لِيَعْلَمَ) الله (أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ) يعنى الأنبياء : وحد أولا على اللفظ في قوله (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) ثم جمع على المعنى ، كقوله (فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ) والمعنى : ليبلغوا رسالات ربهم كما هي ، محروسة من الزيادة والنقصان ، وذكر العلم كذكره في قوله تعالى (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ) وقرئ : ليعلم ، على البناء للمفعول (وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ) بما عند الرسل من الحكم والشرائع ، لا يفوته منها شيء ولا ينسى منها حرفا ، فهو مهيمن عليها حافظ لها (وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً) من القطر والرمل وورق الأشجار ، وزبد البحار ، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه. وعددا : حال ، أى : وضبط كل شيء معدودا محصورا. أو مصدر في معنى إحصاء.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة الجن كان له بعدد كل جنى صدق محمدا صلى الله عليه وسلم وكذب به عتق رقبة» (١).
__________________
ـ فط ، فلا جرم أنهم يستمرون على الإنكار ولا يعلمون أن شرط الكرامة الولاية ، وهي مسلوبة عنهم اتفاقا وأما سلب الايمان فمسألة خلاف ، فما أطمع من يكون إيمانه مسألة خلاف وهو يريد الكرامة لأنه لم يؤتها والله الموفق.
(١) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه باسنادهم إلى أبى بن كعب.
سورة المزمل
مكية [إلا الآيات ١٠ و ١١ و ٢٠ فمدنية]
وآياتها ١٩ وقيل ٢٠ [نزلت بعد القلم]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً)(٤)
(الْمُزَّمِّلُ) المتزمّل ، وهو الذي تزمّل في ثيابه : أى تلفف بها ، بإدغام التاء في الزاى : ونحوه : المدثر في المتدثر. وقرئ : المتزمّل على الأصل ؛ والمزمل بتخفيف الزاى وفتح الميم وكسرها. على أنه اسم فاعل أو مفعول ، من زمله ، وهو الذي زمله غيره أو زمل نفسه ؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نائما بالليل متزمّلا في قطيفة ، فنبه ونودي بما يهجن إليه (١) الحالة التي كان عليها من التزمل في قطيفته واستعداده للاستثقال في النوم ، كما يفعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن. ألا ترى إلى قول ذى الرمّة :
|
وكائن تخطّت ناقتي من مفازة |
|
ومن نائم عن ليلها متزمّل (٢) |
__________________
(١) قال محمود : «هو المتلفف في ثيابه كالمدثر ونودي بما يهجن إليه ... الخ» قال أحمد : أما قوله الأول أن نداءه بذلك تهجين للحالة التي ذكر أنه كان عليها واستشهاده بالأبيات المذكورة. فخطأ وسوء أدب. ومن اعتبر عادة خطاب الله تعالى له في الإكرام والاحترام : علم بطلان ما تخيله الزمخشري ، فقد قال العلماء : أنه لم يخاطب باسمه نداء ، وأن ذلك من خصائصه دون سائر الرسل إكراما له وتشريفا ، فأين تداؤه بصيغة مهجنة من نسائه ، باسمه ، واستشهاده على ذلك بأبيات قيلت ذما في جفاة حفاة من الرعاء ، فأنا أبرأ إلى الله من ذلك وأربأ به صلى الله عليه وسلم ، ولقد ذكرت بقوله :
أوردها سعد وسعد مشتمل
ما وقعت عليه من كلام ابن خروف النحوي يرد على الزمخشري ويخطئ رأيه في تصنيفه المفصل ، وإجحامه في الاختصار بمعاني كلام سيبويه ، حتى سماه ابن خروف : البرنامج ، وأنشد عليه :
|
أوردها سعد وسعد مشتمل |
|
ما هكذا تورد يا سعد الإبل |
وأما ما نقله أن ذلك كان في مرط عائشة رضى الله عنها فبعيد ، فان السورة مكية ، وبنى النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة رضى الله عنها بالمدينة. والصحيح في الآية ما ذكره آخرا ، لأن ذلك كان في بيت خديجة عند ما لقبه جبريل أول مرة ، فبذلك وردت الأحاديث الصحيحة ، والله أعلم.
(٢) لذي الرمة. وكائن : بمعنى كم الخيرية ، والأكثر استعمالها مع «من» كقول : وكائن من كذا. والمتزمل
يريد : الكسلان المتقاعس الذي لا ينهض في معاظم الأمور وكفايات الخطوب ، ولا يحمل نفسه المشاق والمتاعب ، ونحوه :
|
فأنت به حوش الفؤاد سبطّنا |
|
سهدا إذا ما نام ليل الهوجل (١) |
وفي أمثالهم :
|
أوردها سعد وسعد مشتمل |
|
ما هكذا تورد يا سعد الإبل (٢) |
__________________
ـ المتلفف في ثيابه عند كثرة النوم ، يقول : كثيرا من المفاوز تخطته ناقتي وسارته ، وكثيرا من نائم وغافل عن ليلها ـ أى : المفازة أو الناقة ـ متكاسل عما فيه من عظائم الأمور ، فالمتزمل كناية عن ذلك.
|
(١) ولقد سربت على الظلام بمغشم |
|
جلد من الفتيان غير مثقل |
|
ممن حملن به وهن عواقد |
|
حبك النطاق فشب غير مهبل |
|
ومبرأ من كل غير حيضة |
|
وفساد مرضعة وداء مغيل |
|
حملت به في ليلة مزؤدة |
|
كرها وعقد نطاقها لم يحلل |
|
فأتت به حوش الفؤاد مبطنا |
|
سهدا إذا ما نام ليل الهوجل |
لأبى كبير الهذلي يصف مأبط شرا ، واسمه : جابر بن ثابت ، تزوج الهذلي بأمه بعد جابر فخاف منه ، فأغرته على قتله فخرج به متحيلا لذلك فلم يقدر ، فمدحه بالشجاعة والفطنة : يقول : سرت ليلا في الظلمة بمغشم ، أى مع فتى يقدم على الأمر بلا مبالاة ولا تدبير ولا خوف عاقبة ، مع جراءة ، جلد ، أى : صلب صبور غير مثقل ، أى : خفيف في السير منزه عن كل ما يوجب الضعف والثباطؤ ، وبينه بقوله : ممن حملن. أى : هو ممن حملن ، أى جنس النسوة به ، أو هو بعض الفتيان الذين حملت بهم النسوة ، وأفرد ضمير «به» مراعاة للفظ «من» وضمن العمل معنى العلوق ، فعداه بالباء ، وإلا فهو يتعدى بنفسه. والحبك : جمع حباك كخزام. أو جمع حبيك أو حبيكة ، وهو الخيوط التي يحبك بها النطاق. والمهبل : المدعو عليه بالهبل ، أى ، الثكل والفقد. والغبر ـ بالضم فالتشديد ـ : بقية الحيض وغيره ، وكذلك الغبر ـ بالضم وبالفتح مع السكون. والغابر : الباقي والذاهب. ويجوز أن غبر : جمع غابر ، وغبر يغبر غبورا ـ كدخل ـ : بقي وذهب ، أى : لم تحمل به أمه في زمن بقية الحيض. ومرضع : من الصفات المختصة بالمؤنث ، والغالب تجريدها من التاء ، فما هنا على خلاف الغالب. والغيلة : إحبال الرجل امرأته وهي ترضع ولدها : فيمرض ، فالمغيل : الممرض بالغيلة. وفي حديث مسلم : لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم ، وكان القياس في مغيل إعلاله كمقيم ومبين ومعين ، لكن جاء على الأصل شذوذا للضرورة ، وروى معضل ، أى معى ومعجز للأطباء. وزأده ـ كذعره : إذا خوفه ، فهو مزؤود ومذعور فالمزءودة : المخوفة ، وتخويف الليلة مجاز عقلى : كشربت الكوز. والخوف في الحقيقة المرأة. ويروى بالنصب على الحال ، لكن يضيع ذكر ليلة ، إلا أن يقدر وصفها بمظلمة ، والنطاق : ما يشد به الوسط. وحوش الفؤاد بالضم وحشى القلب لحدته وتوقده ونفوره عن الناس. والرجل الحوش والحوشى : الذي يجانب الناس مبطنا خميص البطن منضمره : سهدا ـ بضمتين ـ : كثير السهاد أى السهر : وإسناد النوم إلى الليل مجاز عقلى ، وإنما النائم الهوجل : وهو الرجل الطويل الأحمق ، ومن تجربة العرب : أن المرأة إذا حملت بولدها كارهة غير مستعدة للوطء : جاء ولدها نجيبا ، حكى عن أم تأبط شرا أنها قالت فيه : والله إنه الشيطان ، ما رأيته ضاحكا قط ، ولا هم بشيء في صباء إلا فعله ، ولقد حملت به في ليلة ظلماء ، وإن نطاقى لمشدود ، وذلك يدل على نجابته وشجاعته.
(٢) لمالك بن زيد مناة يخاطب أخاه ، وكان قد بنى على امرأته فلم يحسن سعد القيام بأمر الإبل ، فقال : أوردها
فذمه بالاشتمال بكسائه ، وجعل ذلك خلاف الجلد والكبس ، وأمر بأن يختار على الهجود التهجد ، وعلى التزمل التشمر ، والتخفف للعبادة والمجاهدة في الله ، لا جرم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تشمر لذلك مع أصحابه حق التشمر ، وأقبلوا على إحياء لياليهم ، ورفضوا له الرقاد والدعة ، وتجاهدوا فيه حتى انتفخت أقدامهم واصفرت ألوانهم ، وظهرت السيمى في وجوههم وترامى أمرهم إلى حد رحمهم له ربهم ، فخفف عنهم. وقيل : كان متزملا في مرط لعائشة (١) يصلى ، فهو على هذا ليس بتهجين ، بل هو ثناء عليه وتحسين لحاله التي كان عليها ، وأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه. وعن عائشة رضى الله عنها : أنها سئلت ما كان تزميله؟ قالت : كان مرطا طوله أربع عشرة ذراعا نصفه علىّ وأنا نائمة ونصفه عليه وهو يصلى ، فسئلت : ما كان؟ قالت : والله ما كان خزا ولا قزا ولا مرعزى (٢) ولا إبريسما ولا صوفا : كان سداه شعرا ولحمته وبرا (٣). وقيل : دخل على خديجة ، وقد جئث فرقا (٤) أول ما أتاه جبريل وبوادره ترعد ، فقال : زملوني زملوني ، وحسب أنه عرض له ، فبينا هو على ذلك إذ ناداه جبريل : يا أيها المزمل (٥). وعن عكرمة : أنّ المعنى : يا أيها الذي زمل أمرا عظيما ، أى : حمله. والزمل : الحمل. وازدمله : احتمله. وقرئ : قم الليل بضم الميم وفتحها. قال عثمان بن جنى : الغرض بهذه الحركة التبلغ بها هربا من التقاء الساكنين ، فبأى الحركات تحرّك فقد وقع الغرض (نِصْفَهُ) بدل من الليل. وإلا قليلا : استثناء من النصف ، كأنه قال : قم أقل من نصف الليل. والضمير في منه وعليه للنصف ، والمعنى : التخيير بين أمرين ، بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت ، وبين أن يختار أحد الأمرين وهما النقصان من النصف والزيادة عليه. وإن شئت جعلت
__________________
ـ سعد إلى الماء والحال أنه مشتمل متلفف بثيابه لا متشمر. وذكر الظاهر مكان المضمر : فيه نوع من التوبيخ. ما هكذا تورد ، أى : تساق إلى الماء ، وكان معرضا عنه فالتفت إليه ونداؤه نداء البعيد : دلالة على أنه بليد. وحق هاء التنبيه : الدخول على اسم الاشارة ، لكن قدمت على كاف التشبيه مبادرة واهتماما بالتنبيه. ويروى بدل الشطر الثاني : يا سعد ما تروى بهذا كالإبل. وهذاك اسم إشارة ، وصار هذا البيت يضرب مثلا لكل من لم يحسن القيام بشأن ما تولاه.
(١) قوله «وقيل كان متزملا في مرط لعائشة» كيف والسورة مكية. (ع)
(٢) قوله «ولا مرعزى» المرعزى الزغب الذي تحت شعر العنز اه صحاح. (ع)
(٣) لم أره هكذا ومن قوله «ما كان خزا» رواه البيهقي في الدعوات من حديثها في ليلة النصف من شعبان «انسل النبي صلى الله عليه وسلم من مرطى. ثم قالت : والله ما كان مرطى من حرير ولا قز. ولا كتان ولا كرسف ولا صوف. فقلنا : من أى شيء كان؟ قالت : إن كان سداه لمن شعر وإن كانت لحمته لمن وبر».
(٤) «قوله وقد جئث فرقا» أى أفزع ، فهو مجؤوث : أى مذعور ، كذا في الصحاح. وفيه البوادر من الإنسان وغيره : اللحمة التي بين المنكب والعنق. (ع)
(٥) لم أره هكذا. وأصله في الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها.
نصفه بدلا من قليلا ، وكان تخييرا بين ثلاث : بين قيام النصف بتمامه ، وبين قيام الناقص منه وبين قيام الزائد عليه ، وإنما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل ، وإن شئت قلت : لما كان معنى (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً نِصْفَهُ) إذا أبدلت النصف من الليل ، قم أقل من نصف الليل ، رجع الضمير في منه وعليه إلى الأقل من النصف ، فكأنه قيل : قم أقل من نصف الليل. أو : قم أنقص من ذلك الأقل أو أزيد منه قليلا ، فيكون التخيير فيما وراء النصف بينه وبين الثلث. ويجوز إذا أبدلت نصفه من قليلا وفسرته به أن تجعل قليلا الثاني بمعنى نصف النصف : وهو الربع ، كأنه قيل. أو انقص منه قليلا نصفه. وتجعل المزيد على هذا القليل ، أعنى الربع ، نصف الربع كأنه قيل : أو زد عليه قليلا نصفه. ويجوز أن تجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمة الثلث ، فيكون تخييرا بين النصف والثلث والربع. فإن قلت : أكان القيام فرضا أم نفلا؟ قلت : عن عائشة رضى الله عنها أنّ الله جعله تطوّعا بعد أن كان فريضة. وقيل : كان فرضا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ، ثم نسخ بهنّ إلا ما تطوّعوا به. وعن الحسن : كان قيام ثلث الليل فريضة ، وكانوا على ذلك سنة. وقيل : كان واجبا ، وإنما وقع التخيير في المقدار ، ثم نسخ بعد عشر سنين. وعن الكلبي : كان يقوم الرجل حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النصف والثلث والثلثين ، ومنهم من قال : كان نفلا بدليل التخيير في المقدار ، ولقوله تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ). ترتيل القرآن : قراءته على ترسل وتؤدة بتبيين الحروف وإشباع الحركات ، حتى يجيء المتلوّ منه شبيها بالثغر المرتل : وهو المفلج المشبه بنور الأقحوان ، وألا يهذه هذا ولا يسرده سردا (١) ، كما قال عمر رضى الله عنه : شر السير الحقحقة. وشر القراءة الهذرمة ، حتى يشبه المتلو في تتابعه الثغر الألص (٢). وسئلت عائشة رضى الله عنها عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت : لا كسردكم هذا ، لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها. و (تَرْتِيلاً) تأكيد في إيجاب الأمر به ، وأنه ما لا بد منه للقارئ.
(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً)(٥)
هذه الآية اعتراض ، ويعنى بالقول الثقيل : القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي
__________________
(١) قوله «وأن لا يهذّه هذّا ولا يسرده» الهذ : الاسراع. والسرد : التتابع. والحقحقة : شدة السير. والألص : متقارب الأسنان. أفاده الصحاح. وفيه «الهذرمة» سرعة القراءة. (ع)
(٢) لم أره عنه من رواية منصور ، وإنما قال أبو عبيد بن قتيبة في الغريب قال عمر «شر القراءة الهزرمة» وأخرجه الخطيب في الجامع من رواية منصور بن جعفر قال : قرأت على أبى محمد بن درستويه. قال : قرأنا على ابن قتيبة بهذا وروى ابن المبارك في الزهد من رواية الحسن قال «كان يقال : شر السير الجعجعة» ورواه ابن عدى مرفوعا من رواية الحسن بن دينار عن الحسن بن أبى هريرة. والحسن بن دينار ضعيف.
تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين ، خاصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه متحملها بنفسه ومحملها أمته ، فهي أثقل عليه وأبهظ له ، وأراد بهذا الاعتراض : أن ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة التي ورد بها القرآن ، لأنّ الليل وقت السبات والراحة والهدوء فلا بد لمن أحياه من مضادة لطبعه ومجاهدة لنفسه. وعن ابن عباس رضى الله عنه : كان إذا نزل عليه الوحى ثقل عليه (١) وتربد له (٢) جلده. وعن عائشة رضى الله عنها : رأيته ينزل عليه الوحى في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإنّ جبينه ليرفض عرقا (٣). وعن الحسن : ثقيل في الميزان. وقيل : ثقيل على المنافقين. وقيل : كلام له وزن ورجحان ليس بالسفساف.
(إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً)(٦)
(ناشِئَةَ اللَّيْلِ) النفس الناشئة بالليل ، التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة (٤) ، أى: تنهض وترتفع ، من نشأت السحابة : إذا ارتفعت. ونشأ من مكانه ونشز : إذا نهض ، قال :
|
نشأنا إلى خوص برى نيّها السّرى |
|
وألصق منها مشرفات القماحد (٥) |
وقيام الليل ، على أنّ الناشئة مصدر من نشأ إذا قام ونهض على فاعلة : كالعاقبة. ويدل عليه ما روى عن عبيد بن عمير : قلت لعائشة : رجل قام من أوّل الليل ، أتقولين له قام ناشئة؟ قالت لا ، إنما الناشئة القيام بعد النوم. ففسرت الناشئة بالقيام عن المضجع أو العبادة التي تنشأ بالليل ، أى : تحدث ، وترتفع. وقيل : هي ساعات الليل كلها ، لأنها تحدث واحدة بعد أخرى. وقيل : الساعات الأول منه. وعن على بن الحسين رضى الله عنهما أنه كان يصلى بين المغرب والعشاء ويقول : أما سمعتم قول الله تعالى (إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ) هذه ناشئة الليل (هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً) هي خاصة دون ناشئة النهار ، أشدّ مواطأة يواطئ قلبها لسانها : إن أردت النفس. أو يواطئ فيها قلب
__________________
(١) أخرجه أحمد من حديث ابن عباس في قصة ابن أمية. قال «وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحى عرفوا ذلك في تربد جلده» وأبو نعيم في الدلائل «كان إذا نزل عليه الوحى تربد له وجهه وجسده» وفي الباب حديث عبادة بن الصامت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحى كرب لذلك وتربد وجهه.
(٢) قوله «وتربد» أى تعبس. (ع)
(٣) متفق عليه من حديث عائشة.
(٤) قال محمود : «قيل الناشئة النفس القائمة بالليل التي تنشأ عن مضجعها ... الخ» قال أحمد : فان حملت الناشئة على النفس فاضافة المواطأة إليها حقيقة ، وإن حملتها على الساعات أو المصدر فهو من الاتساع المجازى
(٥) نشأنا : نهضنا. والخوص ـ جمع خوصاء : الناقة المرتفعة الأعلى ، الضخمة الأسفل. والى : الشحم. والسرى : سير الليل. والقماحد : جمع قمحدوة : وهي أعلى عظم الرأس. يقول : نهضنا إلى نوق عظيمة أذاب شحمها سير الليل ، وألصق عظام رأسها بعضها ببعض ، كناية عن تمرنها على السير واعتيادها له.
القائم لسانه : إن أردت القيام أو العبادة أو الساعات. أو أشدّ موافقة لما يراد من الخشوع والإخلاص. وعن الحسن : أشدّ موافقة بين السر والعلانية ، لانقطاع رؤية الخلائق. وقرئ : أشدّ وطأ بالفتح والكسر. والمعنى : أشد ثبات قدم وأبعد من الزلل. أو أثقل وأغلظ على المصلى من صلاة النهار ، من قوله عليه السلام «اللهم اشدد وطأتك على مضر» (١) (وَأَقْوَمُ قِيلاً) وأسد مقالا وأثبت قراءة لهدوّ الأصوات. وعن أنس رضى الله عنه أنه قرأ : وأصوب قيلا ، فقيل له : يا أبا حمزة ، إنما هي : وأقوم ، فقال : إنّ أقوم وأصوب وأهيأ واحد. وروى أبو زيد الأنصارى عن أبى سرار الغنوي أنه كان يقرأ : فحاسوا ، محاء غير معجمة ، فقيل له : إنما هو (فَجاسُوا) بالجيم ، فقال : وجاسوا وحاسوا واحد.
(إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً)(٧)
(سَبْحاً) تصرفا وتقلبا في مهماتك وشواغلك ، ولا تفرغ إلا بالليل ، فعليك بمناجاة الله التي تقتضي فراغ البال وانتفاء الشواغل. وأما القراءة بالخاء. فاستعارة من سبخ الصوف : وهو نفشه ونشر أجزائه ، لانتشار الهم وتفرّق القلب بالشواغل : كلفه قيام الليل ، ثم ذكر الحكمة فيما كلفه منه : وهو أن الليل أعون على المواطأة وأشد للقراءة ، لهدوّ الرجل وخفوت الصوت : وأنه أجمع للقلب وأضم لنشر الهم من النهار ، لأنه وقت تفرق الهموم وتوزع الخواطر والتقلب في حوائج المعاش والمعاد. وقيل : فراغا وسعة لنومك وتصرفك في حوائجك. وقيل : إن فاتك من الليل شيء فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه فيه.
(وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (٩) وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً)(١٠)
(وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ) ودم على ذكره في ليلك ونهارك ، واحرص عليه. وذكر الله يتناول كل ما كان من ذكر طيب : تسبيح ، وتهليل ، وتكبير ، وتمجيد ، وتوحيد ، وصلاة ، وتلاوة قرآن ، ودراسة علم ، وغير ذلك مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغرق به ساعة ليله ونهاره (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ) وانقطع إليه. فإن قلت : كيف قيل (تَبْتِيلاً) مكان تبتلا؟ قلت : لأن معنى تبتل بتل نفسه ، فجيء به على معناه مراعاة لحق الفواصل (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) قرئ مرفوعا على المدح ، ومجرورا على البدل من ربك. وعن ابن عباس : على القسم بإضمار حرف
__________________
(١) متفق عليه من حديث أبى هريرة ، وقد تقدم في الأنبياء.
القسم ، كقولك : الله لأفعلنّ ، وجوابه (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) كما تقول : والله لا أحد في الدار إلا زيد. وقرأ ابن عباس : رب المشارق والمغارب (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً) مسبب على التهليلة ، لأنه هو وحده هو الذي (١) يجب لتوحده بالربوبية أن توكل إليه الأمور. وقيل (وَكِيلاً) : كفيلا بما وعدك من النصر والإظهار. الهجر الجميل : أن يجانبهم بقلبه وهواه ، ويخالفهم مع حسن المخالقة والمداراة والإغضاء وترك المكافأة. وعن أبى الدرداء رضى الله عنه: إنا لنكشر في وجوه قوم ونضحك إليهم ، وإن قلوبنا لتقليهم (٢). وقيل : هو منسوخ بآية السيف.
(وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً)(١٤)
إذا عرف الرجل من صاحبه أنه مستهم بخطب يريد أن يكفاه ، أو بعدوّ يشتهى أن ينتقم له منه وهو مضطلع بذلك مقتدر عليه قال : ذرني وإياه ، أى : لا تحتاج إلى الظفر (٣) بمرادك ومشتهاك ، إلا أن تخلى بيني وبينه بأن تكل أمره إلىّ وتستكفينيه ، فإنّ فىّ ما يفرغ بالك ويجلى همك ، وليس ثم منع حتى يطلب إليه أن يذره وإياه إلا ترك الاستكفاء والتفويض ، كأنه إذا لم يكل أمره إليه ، فكأنه منعه منه ، فإذا وكله إليه فقد أزال المنع وتركه وإياه ، وفيه دليل على الوثوق بأنه يتمكن من الوفاء بأقصى ما تدور حوله أمنية المخاطب وبما يزيد عليه. النعمة ـ بالفتح ـ التنعم ، وبالكسر : الإنعام ، وبالضم : المسرة ، يقال : نعم ، ونعمة عين ، وهم صناديد قريش ، وكانوا أهل تنعم وترفه (إِنَّ لَدَيْنا) ما يضاد تنعمهم من أنكال : وهي القيود الثقال : عن الشعبي ، إذا ارتفعوا استقلت بهم. الواحد : نكل ونكل. ومن جحيم : وهي النار الشديدة الحر والاتقاد. ومن طعام ذى غصة وهو الذي ينشب في الحلوق فلا يساغ يعنى الضريع وشجر الزقوم. ومن عذاب أليم من سائر العذاب فلا ترى موكولا إليه أمرهم موذورا بينه وبينهم ينتقم منهم بمثل ذلك الانتقام. وروى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فصعق (٤). وعن
__________________
(١) قوله «هو الذي» لعله «الذي» بدون : هو. (ع)
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه تعليقا في الأدب : ويذكر عن أبى الدرداء. ووصله البيهقي في الشعب في السادس والخميسين من طريق أبى الأحوص يعنى ولد أحوص بن حكم عن أبى الزهراء قال قال أبو الدرداء. ورواه أبو نعيم في الحلية في ترجمة أبى الدرداء من طريق سفيان عن خلف بن حوشب قال قال أبو الدرداء مثل رواية البيهقي.
(٣) قوله «لا تحتاج إلى الظفر» لعله : في الظفر. (ع)
(٤) أخرجه أحمد في الزهد والطبري من طريق وكيع عن حمزة الزيات عن حمران بن أعين «أن النبي صلى الله ـ
الحسن : أنه أمسى صائما ، فأتى بطعام ، فعرضت له هذه الآية ، فقال : ارفعه ، ووضع عنده الليلة الثانية ، فعرضت له ، فقال : ارفعه ، وكذلك الليلة الثالثة ، فأخبر ثابت البناني ويزيد الضبي ويحيى البكاء ، فجاءوا فلم يزالوا به حتى شرب شربة من سويق (يَوْمَ تَرْجُفُ) منصوب بما في لدينا. والرجفة : الزلزلة والزعزعة الشديدة. والكثيب : الرمل المجتمع من كثب الشيء إذا جمعه ، كأنه فعيل بمعنى مفعول في أصله. ومنه الكثبة من اللبن ، قالت الضائنة : أجز جفالا وأحلب كثبا (١) عجالا ، أى : كانت مثل رمل مجتمع هيل هيلا ، أى : نثر وأسيل.
(إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً)(١٦)
الخطاب لأهل مكة (شاهِداً عَلَيْكُمْ) يشهد عليكم يوم القيامة بكفركم وتكذيبكم. فإن قلت : لم نكر الرسول ثم عرف؟ قلت : لأنه أراد : أرسلنا إلى فرعون بعض الرسل ، فلما أعاده وهو معهود بالذكر أدخل لام التعريف إشارة إلى المذكور بعينه (وَبِيلاً) ثقيلا غليظا ، من قولهم : كلأ وبيل وخم لا يستمرأ لثقله. والوبيل : العصا الضخمة. ومنه الوابل للمطر العظيم.
(فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (١٧) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً)(١٨)
(يَوْماً) مفعول به ، أى : فكيف تقون أنفسكم يوم القيامة وهو له ، إن بقيتم على الكفر. ولم تؤمنوا وتعملوا صالحا. ويجوز أن يكون ظرفا ، أى : فكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا. ويجوز أن ينتصب بكفرتم على تأويل جحدتم ، أى فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة والجزاء : لأن تقوى الله خوف عقابه (يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً) مثل في الشدة يقال في اليوم الشديد : يوم يشيب نواصي الأطفال. والأصل فيه : أنّ الهموم والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان. أسرع فيه الشيب. قال أبو الطيب :
|
والهمّ يخترم الجسيم نحافة |
|
ويشيب ناصية الصّبىّ ويهرم (٢) |
__________________
ـ عليه وسلم بهذا» ورواه ابن عدى من رواية أبى يوسف عن حمزة عن حمدان عن أبى حرب بن أبى الأسود. وقال غيره : أن يوسف يرويه عن حمزة عن حسب عن حمران.
(١) قوله «وأجز جفالا وأحلب كثبا» الجفال : الصوف الكثير. والكثبة من اللبن : قدر حلبة ، والجمع كثب ، كذا في الصحاح. (ع)
(٢) لأبى الطيب ، يقول : ان الهم ينتقص الرجل الجسيم ويقتطعه شيئا فشيئا. ونحف نحافة : هزل هزالا ، فنحافة مفعول مطلق ، لأنها تلاقى الاحترام في المعنى. ويجوز أنها تمييز ، أى : ينتقص الهم العظيم الجسيم من جهة ـ
وقد مرّ بى في بعض الكتب أن رجلا أمسى فاحم الشعر كحنك الغراب ، وأصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة ، فقال : أريت القيامة والجنة والنار في المنام ، ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار ، فمن هول ذلك أصبحت كما ترون. ويجوز أن يوصف اليوم بالطول. وأنّ الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب (السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ) وصف لليوم بالشدّة أيضا. وأنّ السماء على عظمها وإحكامها تنفطر فيه ، فما ظنك بغيرها من الخلائق. وقرئ : منفطر ومتفطر. والمعنى : ذات انفطار. أو على تأويل السماء بالسقف. أو على تأويل السماء شيء منفطر ، والباء في (بِهِ) مثلها في قولك : فطرت العود بالقدوم فانفطر به ، يعنى : أنها تنفطر بشدة ذلك اليوم وهو له كما ينفطر الشيء بما يفطر به. ويجوز أن يراد السماء مثقلة به إثقالا يؤدّى إلى انفطارها لعظمه عليها وخشيتها من وقوعه ، كقوله (ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ). (وَعْدُهُ) من إضافة المصدر إلى المفعول ، والضمير لليوم. ويجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل وهو الله عز وعلا ، ولم يجر له ذكر لسكونه معلوما.
(إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً)(١٩)
(إِنَّ هذِهِ) الآيات الناطقة بالوعيد الشديد (تَذْكِرَةٌ) موعظة (فَمَنْ شاءَ) اتعظ بها. واتخذ سبيلا إلى الله بالتقوى والخشية. ومعنى اتخاذ السبيل إليه : التقرّب والتوسل بالطاعة.
(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(٢٠)
__________________
ـ النحافة الى تنشأ عنه. ويجوز جعلها مفعولا لأجله على مذهب من لم يشترط اتحاد الفعل والمصدر في الفاعل. والناصية : مقدم الرأس ، أى : يشيب رأس الصبى. وخص الناصية ، لأنها التي تقابل الناظر عند التقابل ، ولا شعر الصبى إلا في رأسه ، ويهرم ، أى : يصير الصبى هرما ضعيفا.
(أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ) أقل منهما ، وإنما استعير الأدنى وهو الأقرب للأقل ، لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت : قل ما بينهما من الأحياز ، وإذا بعدت كثر ذلك. وقرئ : ونصفه وثلثه بالنصب على أنك تقوم أقل من الثلثين ، وتقوم النصف والثلث : وهو مطابق لما مرّ في أوّل السورة : من التخيير بين قيام النصف بتمامه وبين قيام الناقص منه ـ وهو الثلث ـ وبين قيام الزائد عليه ـ وهو الأدنى من الثلثين. وقرئ : ونصفه ، وثلثه : بالجرّ ، أى : تقوم أقل من الثلثين وأقل من النصف والثلث ، وهو مطابق للتخيير بين النصف : وهو أدنى من الثلثين. والثلث : وهو أدنى من النصف. والربع : وهو أدنى من الثلث ، وهو الوجه الأخير (وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) ويقوم ذلك جماعة من أصحابك (وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) ولا يقدر على تقدير الليل والنهار ومعرفة مقادير ساعاتهما إلا الله وحده ، وتقديم اسمه عز وجل مبتدأ مبنيا عليه يقدّر : هو الدال على معنى الاختصاص بالتقدير ، والمعنى : أنكم لا تقدرون عليه ، والضمير في (لَنْ تُحْصُوهُ) لمصدر يقدّر ، أى علم أنه لا يصح منكم ضبط الأوقات ولا يتأتى حسابها بالتعديل والتسوية ، إلا أن تأخذوا بالأوسع للاحتياط : وذلك شاق عليكم بالغ منكم (فَتابَ عَلَيْكُمْ) عبارة عن الترخيص في ترك القيام المقدّر ، كقوله (فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَ) والمعنى : أنه رفع التبعة في تركه عنكم ، كما يرفع التبعة عن التائب. وعبر عن الصلاة بالقراءة ، لأنها بعض أركانها ، كما عبر عنها بالقيام والركوع والسجود. يريد : فصلوا ما تيسر عليكم ، ولم يتعذر من صلاة الليل ، وهذا ناسخ للأوّل ، ثم نسخا جميعا بالصلوات الخمس. وقيل هي قراءة القرآن بعينها ، قيل : يقرأ مائة آية. ومن قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن ، وقيل : من قرأ مائة آية كتب من القانتين. وقيل : خمسين آية. وقد بين الحكمة في النسخ. وهي تعذر القيام على المرضى ، والضاربين في الأرض للتجارة ، والمجاهدين في سبيل الله. وقيل : سوّى الله بين المجاهدين والمسافرين لكسب الحلال. وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه : أيما رجل جلب شيأ إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا ، فباعه بسعر يومه : كان عند الله من الشهداء (١). وعن عبد الله بن عمر : ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إلىّ من أن أموت بين شعبتى رحل : أضرب في الأرض أبتغى من فضل الله (٢). و (عَلِمَ)
__________________
(١) أخرجه الثعلبي من رواية فرقد السبخى عن إبراهيم عن ابن مسعود موقوفا. وفرقد ضعيف. ووصله ابن مردويه بذكر علقمة بن إبراهيم وعبد الله ورفعه أيضا. وزاد : ثم قرأ (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ ـ) الآية
(٢) أخرجه الثعلبي من رواية القاسم بن عبد الله عن أبيه عن نافع عن ابن عمر به. وإسناده ضعيف. ورواه ابن معبد في الطاعة والمعصية عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن نافع أن عمر قال «ما خلق الله موتة أموتها إلا أن أموت مجاهدا في سبيل الله أحب إلى من أن أموت ـ إلى آخره» والبيهقي في الشعب في الثالث عشر ـ
استئناف على تقدير السؤال عن وجه النسخ (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) يعنى المفروضة والزكاة الواجبة وقيل : زكاة الفطر ، لأنه لم يكن بمكة زكاة. وإنما وجبت بعد ذلك ، ومن فسرها بالزكاة الواجبة جعل آخر السورة مدنيا (وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً) يجوز أن يريد : سائر الصدقات وأن يريد : أداء الزكاة على أحسن وجه : من إخراج أطيب المال وأعوده على الفقراء ، ومراعاة النية وابتغاء وجه الله ، والصرف إلى المستحق ، وأن يريد : كل شيء يفعل من الخيز مما يتعلق بالنفس والمال (خَيْراً) ثانى مفعولي وجد. وهو فصل. وجاز وإن لم يقع بين معرفتين ، لأنّ أفعل من أشبه في امتناعه من حرف التعريف المعرفة. وقرأ أبو السمال : هو خير وأعظم أجرا ، بالرفع على الابتداء والخبر : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة المزمّل دفع الله عنه العسر في الدنيا والآخرة» (١).
سورة المدثر
مكية ، وهي ست وخمسون آية [نزلت بعد المزمل]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) (٥)
(الْمُدَّثِّرُ) لابس الدثار ، وهو ما فوق الشعار : وهو الثوب الذي يلي الجسد. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام «الأنصار شعار والناس دثار» (٢) وقيل : هي أوّل سورة نزلت. وروى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كنت على جبل حراء فنوديت : يا محمد ، إنك رسول الله ، فنظرت عن يمينى ويساري فلم أر شيأ ، فنظرت فوقى فرأيت شيأ» (٣). وفي
__________________
ـ من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الله ذكر عمر أو غيره قال «ما خلق الله إلى آخره».
(١) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بسندهم إلى أبى رضى الله عنه.
(٢) تقدم في آل عمران.
(٣) متفق عليه من رواية أبى سلمة عنه وأتم منه.
رواية عائشة : «فنظرت فوقى فإذا به قاعد على عرش بين السماء والأرض ـ يعنى الملك الذي ناداه ـ فرعبت ورجعت إلى خديجة فقلت : دثروني دثروني ، فنزل جبريل وقال : «يا أيها المدثر» (١) وعن الزهري : أوّل ما نزل : سورة اقرأ باسم ربك إلى قوله (ما لَمْ يَعْلَمْ) فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يعلو شواهق الجبال ، فأتاه جبريل فقال : إنك نبىّ الله ، فرجع إلى خديجة وقال : دثروني وصبوا علىّ ماء باردا ، فنزل : يا أيها المدثر (٢). وقيل : سمع من قريش ما كرهه فاغتم ، فتغطي بثوبه مفكرا كما يفعل المغموم. فأمر أن لا يدع إنذارهم وإن أسمعوه وآذوه. وعن عكرمة أنه قرأ على لفظ اسم المفعول. من دثره. وقال : دثرت هذا الأمر وعصب بك ، كما قال في المزمّل : قم من مضجعك. أو قم قيام عزم وتصميم (فَأَنْذِرْ) فحذر قومك من عذاب الله إن لم يؤمنوا. والصحيح أنّ المعنى : فافعل الإنذار من غير تخصيص له بأحد (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) واختص ربك بالتكبير : وهو الوصف بالكبرياء ، وأن يقال : الله أكبر. ويروى أنه لما نزل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الله أكبر» فكبرت خديجة وفرحت ، وأيقنت أنه الوحى ، وقد يحمل على تكبير الصلاة ، ودخلت الفاء لمعنى الشرط. كأنه قيل : وما كان فلا تدع تكبيره (وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ) أمر بأن تكون ثيابه طاهرة من النجاسات ، لأنّ طهارة الثياب شرط في الصلاة لا تصح إلا بها ، وهي الأولى والأحب في غير الصلاة ، وقبيح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثا. وقيل : هو أمر بتقصيرها ، ومخالفة العرب في تطويلهم الثياب وجرهم الذيول ، وذلك ما لا يؤمن معه إصابة النجاسات. وقيل : هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الأفعال ويستهجن من العادات. يقال : فلان طاهر الثياب وطاهر الجيب والذيل والأردان إذا وصفوه بالنقاء من المعايب ومدانس الأخلاق. وفلان دنس الثياب للغادر ، وذلك لأنّ الثوب يلابس الإنسان ويشتمل عليه ، فكنى به عنه. ألا ترى إلى قولهم : أعجبنى زيد ثوبه ، كما يقولون : أعجبنى زيد عقله وخلقه ، ويقولون : المجد في ثوبه ، والكرم تحت حلته ، ولأنّ الغالب أنّ من طهر باطنه ونقاه عنى بتطهير الظاهر وتنقيته ، وأبى إلا اجتناب الخبث وإيثار الطهر في كل شيء (وَالرُّجْزَ) قرئ بالكسر والضم ، وهو العذاب ، ومعناه : اهجر ما يؤدى إليه من عبادة الأوثان وغيرها من المآثم. والمعنى : الثبات على هجره ، لأنه كان بريئا منه.
__________________
(١) لم أره عن عائشة. وإنما هو قصة حديث جابر. ولعل الزمخشري قصد بقوله «وفي رواية عائشة لفظة منه وإلا فالجميع من حديث جابر رضى الله عنه قلت : يوجد ما ذكره الزمخشري من رواية النعمان بن راشد عن الزهري عن عروة عن عائشة عند الطبري.
(٢) أخرجه الطبري من رواية محمد بن ثور عن معمر عن الزهري قال «كان أول شيء نزل على النبي صلى الله عليه وسلم اقرأ ـ فذكره وأتم منه. رواه الحاكم من طريق محمد بن سيرين عن الزهري عن عروة عن عائشة رضى الله عنها.
(وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ)(٧)
قرأ الحسن : ولا تمنّ. وتستكثر ، مرفوع منصوب المحل على الحال ، أى : ولا تعط مستكثرا رائيا لما تعطيه كثيرا ، أو طالبا للكثير : نهى عن الاستغزار : وهو أن يهب شيئا وهو يطمع أن يتعوّض من الموهوب له أكثر من الموهوب ، وهذا جائز. ومنه الحديث «المستغزر يثاب من هبته» (١) وفيه وجهان ، أحدهما : أن يكون نهيا خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم : لأنّ الله تعالى اختار له أشرف الآداب وأحسن الأخلاق. والثاني : أن يكون نهى تنزيه لا تحريم له ولأمّته. وقرأ الحسن : تستكثر ، بالسكون. وفيه ثلاثة أوجه ، الإبدال من تمنن. كأنه قيل : ولا تمنن لا تستكثر ، على أنه من المنّ في قوله عز وجل (ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً) لأنّ من شأن المنان بما يعطى أن يستكثره ، أى : يراه كثيرا ويعتدّ به ، وأن يشبه ثرو بعضد ، فيسكن تخفيفا ، وأن يعتبر حال الوقف. وقرأ الأعمش بالنصب بإضمار «أن» كقوله :
ألا أيّهذا الزّاجرى أحضر الوغى (٢)
وتؤيده قراءة ابن مسعود : ولا تمنن أن تستكثر. ويجوز في الرفع أن تحذف «أن» ويبطل عملها ، كما روى : أحضر الوغى بالرفع ، (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) ولوجه الله ، فاستعمل الصبر. وقيل : على أذى المشركين. وقيل : على أداء الفرائض. وعن النخعي : على عطيتك ، كأنه وصله بما قبله ، وجعله صبرا على العطاء من غير استكثار. والوجه أن يكون أمرا بنفس الفعل ، وأن يتناول على العموم كل مصبور عليه ومصبور عنه ، ويراد الصبر على أذى الكفار ، لأنه أحد ما يتناوله العام.
(فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ)(١٠)
والغاء في قوله (فَإِذا نُقِرَ) للتسبيب ، كأنه قال : اصبر على أذاهم ، فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم ، وتلقى فيه عاقبة صبرك عليه. والفاء في (فَذلِكَ) للجزاء. فإن قلت : بم انتصب إذا ، وكيف صح أن يقع (يَوْمَئِذٍ) ظرفا ليوم عسير؟ قلت : انتصب إذا بما دلّ
__________________
(١) تقدم في الروم من قول شريح.
(٢) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ١٥٩ فراجعه إن شئت اه مصححه.
عليه الجزاء ، لأنّ المعنى : فإذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين ، والذي أجاز وقوع (يَوْمَئِذٍ) ظرفا ليوم عسير : أنّ المعنى : فذلك وقت النقر وقوع يوم عسير ، لأنّ يوم القيامة يأتى ويقع حين ينقر في الناقور. واختلف في أنها النفخة الأولى أم الثانية. ويجوز أن يكون يومئذ مبنيا مرفوع المحل ، بدلا من (فَذلِكَ) و (يَوْمٌ عَسِيرٌ) خبر ، كأنه قيل : فيوم النقر يوم عسير. فإن قلت : فما فائدة قوله (غَيْرُ يَسِيرٍ) و (عَسِيرٌ) مغن عنه؟ قلت : لما قال (عَلَى الْكافِرِينَ) فقصر العسر عليهم قال : (غَيْرُ يَسِيرٍ) ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيرا هينا ، ليجمع بين وعيد الكافرين وزيادة غيظهم وبشارة المؤمنين وتسليتهم. ويجوز أن يراد أنه عسير لا يرجى أن يرجع يسيرا ، كما يرجى تيسر العسير من أمور الدنيا.
(ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ)(٢٥)
(وَحِيداً) حال من الله عز وجل على معنيين ، أحدهما. ذرني وحدي معه ، فأنا أجزيك في الانتقام منه عن كل منتقم. والثاني : خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد. أو حال من المخلوق على معنى : خلقته وهو وحيد فريد لا مال له ولا ولد ، كقوله (وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) وقيل : نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي وكان يلقب في قومه بالوحيد ، ولعله لقب بذلك بعد نزول الآية ، فإن كان ملقبا به قبل فهو تهكم به وبلقبه ، وتغيير له عن الغرض الذي كانوا يؤمونه ـ من مدحه ، والثناء عليه بأنه وحيد قومه لرياسته ويساره وتقدّمه في الدنيا ـ إلى وجه الذم والعيب : وهو أنه خلق وحيدا لا مال له ولا ولد ، فآتاه الله ذلك ، فكفر بنعمة الله وأشرك به واستهزأ بدينه (مَمْدُوداً) مبسوطا كثيرا : أو ممدّا بالنماء ، من مدّ الهر ومدّ نهره آخر. قيل : كان له الزرع والضرع والتجارة. وعن ابن عباس : هو ما كان له بين مكة والطائف من صنوف الأموال. وقيل : كان له بستان بالطائف لا ينقطع ثماره صيفا وشتاء. وقيل : كان له ألف مثقال. وقيل : أربعة آلاف. وقيل تسعة آلاف. وقيل : ألف ألف. وعن ابن
جريج : غلة شهر بشهر (وَبَنِينَ شُهُوداً) حضورا معه بمكة لا يفارقونه للتصرف في عمل أو تجارة ، لأنهم مكفيون لوفور نعمة أبيهم واستغنائهم عن التكسب وطلب المعاش بأنفسهم ، فهو مستأنس بهم لا يشتغل قلبه بغيبتهم ، وخوف معاطب السفر عليهم ولا يحزن لفراقهم والاشتياق إليهم. ويجوز أن يكون معناه : أنهم رجال يشهدون معه المجامع والمحافل. أو تسمع شهادتهم فيما يتحاكم فيه. وعن مجاهد : كان له عشرة بنين. وقيل : ثلاثة عشر. وقيل : سبعة كلهم رجال : الوليد بن الوليد ، وخالد ، وعمارة ، وهشام ، والعاص ، وقيس ، وعبد شمس : أسلم منهم ثلاثة : خالد ، وهشام ، وعمارة (وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً) وبسطت له الجاه العريض والرياسة في قومه ، فأتممت عليه نعمتي المال والجاه واجتماعهما : هو الكمال عند أهل الدنيا. ومنه قول الناس : أدام الله تأييدك وتمهيدك ، يريدون : زيادة الجاه والحشمة. وكان الوليد من وجهاء قريش وصناديدهم ، ولذلك لقب الوحيد وريحانة قريش (ثُمَّ يَطْمَعُ) استبعاد واستنكار لطمعه وحرصه (١) ، يعنى أنه لا مزيد على ما أوتى سعة وكثرة. وقيل : إنه كان يقول : إن كان محمد صادقا فما خلقت الجنة إلا لي (كَلَّا) ردع له وقطع لرجائه وطمعه (إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً) تعليل للردع على وجه الاستئناف ، كأن قائلا قال : لم لا يزاد؟ فقيل : إنه عاند آيات المنعم وكفر بذلك نعمته ، والكافر لا يستحق المزيد : ويروى : أنه ما زال بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله حتى هلك (سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً) سأغشيه عقبة شاقة المصعد : وهو مثل لما يلقى من العذاب الشاق الصعد الذي لا يطاق. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : «يكلف أن يصعد عقبة في النار كلما وضع عليها يده ذابت (٢) ، فإذا رفعها عادت ، وإذا وضع رجله ذابت ، فإذا رفعها عادت» وعنه عليه السلام : الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوى فيه كذلك أبدا (٣) ، (إِنَّهُ فَكَّرَ) تعليل الوعيد ، كأن الله تعالى عاجله بالفقر بعد الغنى ، والذل بعد العز في الدنيا بعناده ، ويعاقب في الآخرة بأشدّ العذاب وأفظعه لبلوغه بالعناد غايته وأقصاه في تفكيره ، وتسميته القرآن سحرا. ويجوز أن تكون كلمة الردع متبوعة بقوله (سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً)
__________________
(١) قال محمود : «دخلت ثم استبعادا لطمعه وحرصه على الزيادة ، واستنكارا لذلك فرد الله طمعه خائبا ... الخ» قال أحمد : لأن الكلمة الشنعاء لما خطرت بباله بعد إمعانه النظر : لم يتمالك أن نطق بها من غير تلبث.
(٢) أخرجه البزار والطبرانى في الأوسط والبيهقي في الشعب والطبري وابن أبى حاتم. كلهم من طريق شريك عن عمار الدهني عن عطية عن أبى سعيد مرفوعا. قال البزار : لا نعلمه رفعه إلا شريك. وبه جزم الطبراني. ورواه البزار والبيهقي من رواية ابن عيينة عن عمارة مرفوعا.
(٣) أخرجه الترمذي من طريق أبى لهيعة عن دراج عن أبى الهيثم عن أبى سعيد مرفوعا انتهى. وقد رواه الحاكم والطبري والبيهقي في الشعب من رواية عمرو بن الحارث عن دراج. ورواه ابن مردويه من رواية رشدين ابن سعد عن دراج أيضا.
ردّا لزعمه أن الجنة لم تخلق إلا له ، وإخبارا بأنه من أشدّ أهل النار عذابا ، ويعلل ذلك بعناده ، ويكون قوله (إِنَّهُ فَكَّرَ) بدلا من قوله (إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً) بيانا لكنه عناده. ومعناه فكر ما ذا يقول في القرآن (وَقَدَّرَ) في نفسه ما يقول وهيأه (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) تعجيب من تقديره وإصابته فيه المحز. ورميه الغرض الذي كان تنتحيه قريش. أو ثناء عليه على طريقة الاستهزاء به. أو هي حكاية لما كرروه من قولهم. قتل كيف قدّر تهكما بهم وبإعجابهم بتقديره ، واستعظامهم لقوله. ومعنى قول القائل : قتله الله ما أشجعه. وأخزاه الله ما أشعره : الإشعار بأنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يحسد ويدعو عليه حاسده بذلك. روى أنّ الوليد قال لبنى مخزوم : والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن ، إنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه يعلو وما يعلى ، فقالت قريش : صبأ والله الوليد ، والله لتصبأن قريش كلهم ، فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه ، فقعد إليه حزينا وكلمه بما أحماه فقام فأتاهم فقال : تزعمون أن محمدا مجنون ، فهل رأيتموه يخنق ، وتقولون إنه كاهن ، فهل رأيتموه قط يتكهن ، وتزعمون أنه شاعر ، فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قط ، وتزعمون أنه كذاب ، فهل جربتم عليه شيئا من الكذب ، فقالوا في كل ذلك : اللهم لا ، ثم قالوا : فما هو؟ ففكر فقال : ما هو إلا ساحر. أما رأيتموه يفرّق بين الرجل وأهله وولده ومواليه ، وما الذي يقوله إلا سحر يأثره عن مسيلمة وعن أهل بابل ، فارتج النادي فرحا ، وتفرّقوا معجبين بقوله متعجبين منه (ثُمَّ نَظَرَ) في وجوه الناس (١) ، ثم قطب وجهه (٢) ، ثم زحف مدبرا ، وتشاوس مستكبرا لما خطرت بباله الكلمة الشنعاء ، وهمّ بأن يرمى بها وصف أشكاله التي تشكل بها حتى استنبط ما استنبط ، استهزاء به. وقيل : قدّر ما يقوله ، ثم نظر فيه ، ثم عبس لما ضاقت عليه الحيل ولم يدر ما يقول. وقيل : قطب في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثُمَّ أَدْبَرَ) عن الحق (وَاسْتَكْبَرَ) عنه فقال ما قال. و (ثُمَّ نَظَرَ) عطف على (فَكَّرَ وَقَدَّرَ) والدعاء : اعتراض بينهما. فإن قلت : ما معنى (ثُمَ) الداخلة في تكرير الدعاء؟ قلت ، الدلالة على أن الكرّة الثانية أبلغ من الأولى. ونحوه قوله.
ألا يا أسلمي ثمّ أسلمي ثمّت أسلمي
__________________
(١) قوله «ثم نظر في وجوه الناس ، أى نظر بمؤخر عينه تكبرا أو تغيظا ، كما في الصحاح. (ع)
(٢) قوله «ثم قطب وجهه» في الصحاح : قطب وجهه تقطيبا : عبس. وفيه أيضا : عبس عبوسا كلح ، وبسر بسورا : كلح. يقال : عبس وبسر اه. (ع)
فإن قلت : ما معنى المتوسطة بين الأفعال التي بعدها؟ قلت ، الدلالة على أنه قد تأتى في التأمّل وتمهل ، وكأنّ بين الأفعال المنناسقة تراخ وتباعد. فإن قلت : فلم قيل (فَقالَ إِنْ هذا) بالفاء بعد عطف ما قبله بثم؟ قلت : لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب لم يتمالك أن نطق بها من غير تلبث. فإن قلت : فلم لم يوسط حرف العطف بين الجملتين؟ قلت : لأن الأخرى جرت من الأولى مجرى التوكيد من المؤكد.
(سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ)(٣١)
(سَأُصْلِيهِ سَقَرَ) بدل من (سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً). (لا تُبْقِي) شيئا يلقى فيها إلا أهلكته ، وإذا هلك لم تذره هالكا حتى يعاد. أو لا تبقى على شيء ولا تدعه من الهلاك ، بل كل ما يطرح فيها هالك لا محالة (لَوَّاحَةٌ) من لوح الهجير. قال :
|
تقول ما لاحك يا مسافر |
|
يا ابنة عمّى لاحنى الهواجر (١) |
قيل. تلفح الجلد لفحة فتدعه أشدّ سوادا من الليل. والبشر : أعالى الجلود. وعن الحسن. تلوح للناس ، كقوله (ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ) وقرئ : لواحة ، نصبا على الاختصاص للتهويل (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) أى يلي أمرها ويتسلط على أهلها تسعة عشر ملكا. وقيل : صنفا من الملائكة. وقيل : صفة. وقيل : نقيبا. وقرئ : تسعة عشر ، بسكون العين لتوالى الحركات في ما هو في حكم
__________________
(١) لاحه الحر لوحا : غيره وسوده. والهاجرة : شدة الحر. وأهجر القوم وهجروا بالتشديد وتهجروا : ساروا في الهاجرة ، وفيه النفات ، كأنه خاطب غيرها أولا. وعجبه من استفهامها عن الشيء الظاهر سببه وهو السفر ، بل هي معترفة أنه مسافر كما قالت ، ومن قساوة قلبها عليه ، ثم التفت إليها بجواب سؤالها. وفي ندائها معنى التنبيه والإيقاظ والاستعطاف.
اسم واحد. وقرئ : تسعة أعشر ، جمع عشير ، مثل : يمين وأيمن. جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنس المعذبين من الجن والإنس ، فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة والرقة ، ولا يستروحون إليهم ، ولأنهم أقوم خلق الله بحق الله وبالغضب له ، فتؤمن هوادتهم ، ولأنهم أشد الخلق بأسا وأقواهم بطشا. عن عمرو بن دينار : واحد منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر. وعن النبي صلى الله عليه وسلم. «كأن أعينهم البرق ، وكأن أفواههم الصياصي ، (١) يجرون أشعارهم ، لأحدهم مثل قوّة الثقلين ، يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل فيرمى بهم في النار ويرمى بالجبل عليهم» (٢). وروى أنه لما نزلت (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) قال أبو جهل لقريش. ثكلتكم أمهاتكم ، أسمع ابن أبى كبشة يخبركم أنّ خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم ، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم ، فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحي وكان شديد البطش. أنا أكفيكم سبعة عشر ، فاكفوني أنتم اثنين ، فأنزل الله (وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً) أى ما جعلناهم رجالا من جنسكم يطاقون. فإن قلت : قد جعل افتنان الكافرين بعدة الزبانية سببا لاستيقان أهل الكتاب وزيادة إيمان المؤمنين واستهزاء الكافرين والمنافقين ، (٣) فما وجه صحة ذلك؟ قلت. ما جعل افتتانهم بالعدة سببا لذلك ، وإنما العدة نفسها هي التي جعلت سببا ، وذلك أن المراد بقوله (وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) وما جعلنا عدتهم إلا تسعة عشر ، فوضع (فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) موضع (تِسْعَةَ عَشَرَ) لأن حال هذه العدة الناقصة واحدا من عقد العشرين. أن يفتتن بها من لا يؤمن بالله وبحكمته ويعترض ويستهزئ ، ولا يذعن إذعان المؤمن ، وإن خفى عليه وجه الحكمة ، كأنه قيل. ولقد جعلنا عدتهم عدة من شأنها أن يفتتن بها ، لأجل استيقان المؤمنين وحيرة الكافرين واستيقان
__________________
(١) قوله «الصياصي» هي الحصون ، واحدها صيصية. أفاده الصحاح. (ع)
(٢) لم أجده.
(٣) قال محمود : «إن قلت قد جعل افتتان الكافرين بعدة الزبانية سببا ... الخ» قال أحمد : ما جعل افتتانهم بالعدة سببا لذلك ، وإنما العدة نفسها هي التي جعلت سببا ، لأن المراد : وما جعلنا عدتهم إلا تسعة عشر ، فوضع (فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) موضع ذلك ، لأن حال هذه العدة الناقصة واحدا من العشرين : أن يفتتن بها من لا يؤمن بالله وبحكمته ولا يذعن ، وإن خفى عليه وجه الحكمة كأنه قيل : لقد جعلنا عدتهم عدة من شأنها أن يفتتن بها لأجل استيقان المؤمنين وحيرة الكافرين واستيقان أهل الكتاب. قال أحمد : السائل جعل الفتنة التي هي في تقدير الصفة العدة ، إذ معنى الكلام ذات فتنة سببا فيما بعدها ، والمجيب جعل العدة التي عرضت لها هذه الصفة سببا لا باعتبار عروض الصفة لها. ويجوز أن يكون (لِيَسْتَيْقِنَ) راجعا إلى ما قبل الاستثناء ، كأنه قيل : جعلنا عدتهم سببا لفتنة الكافرين وسببا ليقين المؤمنين ، وهذا الوجه أقرب مما ذكره الزمخشري ، وإنما ألجأه إليه اعتقاد أن الله تعالى ما فتنهم ولكنهم فتنوا أنفسهم ، بناء على قاعدة التبعيض في المشيئة وبئست القاعدة فاحذرها.
أهل الكتاب ، لأن عدتهم تسعة عشر في الكتابين ، فإذا سمعوا بمثلها في القرآن أيقنوا أنه منزل من الله ، وازدياد المؤمنين إيمانا لتصديقهم بذلك كما صدقوا سائر ما أنزل ، ولما رأوا من تسليم أهل الكتاب وتصديقهم أنه كذلك. فإن قلت : لم قال (وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ) والاستيقان وازدياد الإيمان دالا على انتفاء الارتياب؟ قلت. لأنه إذا جمع لهم إثبات اليقين ونفى الشك. كان آكد وأبلغ لوصفهم (١) بسكون النفس وثلج الصدر ، ولأن فيه تعريضا بحال من عداهم ، كأنه قال : ولتخالف حالهم حال الشاكين المرتابين من أهل النفاق والكفر. فإن قلت : كيف ذكر الذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون ، والسورة مكية ، ولم يكن بمكة نفاق ، وإنما نجم بالمدينة؟ قلت : معناه وليقول المنافقون الذين ينجمون في مستقبل الزمان بالمدينة بعد الهجرة (وَالْكافِرُونَ) بمكة (ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً) وليس في ذلك إلا إخبار بما سيكون كسائر الإخبارات بالغيوب ، وذلك لا يخالف كون السورة مكية. ويجوز أن يراد بالمرض : الشك والارتياب ، لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين وبعضهم قاطعين بالكذب. فإن قلت : قد علل جعلهم تسعة عشر بالاستيقان وانتفاء الارتياب وقول المنافقين والكافرين ما قالوا ، فهب أن الاستيقان وانتفاء الارتياب يصح أن يكونا غرضين ، فكيف صح أن يكون قول المنافقين والكافرين غرضا؟ قلت : أفادت اللام معنى العلة والسبب ، ولا يجب في العلة أن تكون غرضا ، ألا ترى إلى قولك : خرجت من البلد لمخافة الشر ، فقد جعلت المخافة علة لخروجك وما هي بغرضك. (مَثَلاً) تمييز لهذا ، أو حال منه ، كقوله (هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً). فإن قلت : لم سموه مثلا؟ قلت : هو استعارة من المثل المضروب. لأنه مما غرب من الكلام وبدع ، استغرابا منهم لهذا العدد واستبداعا له. والمعنى : أى شيء أراد الله بهذا العدد العجيب ، وأى غرض قصد في أن جعل الملائكة تسعة عشر لا عشرين سواء ، ومرادهم إنكاره من أصله ، وأنه ليس من عند الله ، وأنه لو كان من عند الله لما جاء بهذا العدد الناقص. الكاف في (كَذلِكَ) نصب ، وذلك : إشارة إلى ما قبله من معنى الإضلال والهدى ، أى : مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل الكافرين ويهدى المؤمنين ، يعنى : يفعل فعلا حسنا مبنيا على الحكمة والصواب ، فيراه المؤمنون حكمة ويذعنون له لاعتقادهم أن أفعال الله كلها حسنة وحكمة فيزيدهم إيمانا ، وينكره الكافرون ويشكون. فيه فيزيدهم كفرا وضلالا
__________________
(١) قال محمود : «وقوله تعالى (وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) بعد قوله (لِيَسْتَيْقِنَ) ليحصل لهم فائدة الجمع بين إثبات اليقين ... الخ» قال أحمد : أطلق الغرض على الله عز وجل ، مع أنه موهم ولم يرد فيه سماع. وأورده السؤال على قاعدته بعد ذلك كله في أن الله لم يرد من المنافقين والكافرين أقوالهم ، وإنما قالوا على خلاف «ما أراد ، وقد عرفت فساد القاعدة فأرح فكرك من هذا السؤال. فالكل مراد ، وحسبك تتمة الآية (كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ).
(وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ) وما عليه. كل جدد من العدد الخاص من كون بعضها على عقد كامل وبعضها على عدد ناقص ، وما في اختصاص كل جند بعدده من الحكمة (إِلَّا هُوَ) ولا سبيل لأحد إلى معرفة ذلك كما لا يعرف الحكمة في أعداد السماوات والأرضين وأيام السنة والشهور والبروج والكواكب وأعداد النصب والحدود والكفارات والصلوات في الشريعة. أو : وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو ، فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين ، ولكن له في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها وهو يعلمها. وقيل : هو جواب لقول أبى جهل : أما لرب محمد أعوان إلا تسعة عشر ، وما جعلنا أصحاب النار ـ إلى قوله ـ إلا هو : اعتراض. وقوله (وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى) متصل بوصف سقر وهي ضميرها ، أى : وما سقر وصفتها إلا تذكرة (لِلْبَشَرِ) أو ضمير الآيات التي ذكرت فيها.
(كَلاَّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ)(٣٧)
(كَلَّا) إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن تكون لهم ذكرى ، لأنهم لا يتذكرون. أو ردع لمن ينكر أن تكون إحدى الكبر نذيرا. و «دبر» بمعنى أدبر (١) ، كقبل بمعنى أقبل. ومنه صاروا كأمس الدابر. وقيل : هو من دبر الليل النهار إذا خلفه. وقرئ : إذ أدبر (إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ) جواب القسم. أو تعليل لكلا ، والقسم معترض للتوكيد. والكبر : جمع الكبرى ، جعلت ألف التأنيث كتائها (٢) ، فلما جمعت فعلة على فعل : جمعت فعلى عليها ، ونظير ذلك : السوافي في جمع السافياء ، والقواصع في جمع القاصعاء ، كأنها جمع فاعلة ، أى : لإحدى البلايا أو الدواهي الكبر ، ومعنى كونها إحداهنّ : أنها من بينهن واحدة في العظم لا نظيرة لها ، كما تقول : هو أحد الرجال ، وهي إحدى النساء. و (نَذِيراً) تمييز من إحدى ، على معنى : إنها لإحدى الدواهي إنذارا ، كما تقول : هي إحدى النساء عفافا. وقيل : هي حال. وقيل : هو متصل بأوّل السورة ، يعنى : قم نذيرا ، وهو من بدع التفاسير. وفي قراءة أبى : نذير بالرفع
__________________
(١) قوله «ودبر بمعنى أدبر» يعنى في قراءة : والليل إذ أدبر. وعبارة النسفي : والليل إذ أدبر : نافع وحفص وحمزة ويعقوب وخلف وغيرهم إذا دبر. ودبر بمعنى أدبر. وقوله الآتي : وقرئ : إذ أدبر ، يفيد أن قراءة «دبر» هي المشهورة. (ع)
(٢) قوله «جعلت ألف التأنيث كتائها» لعله كتائه. (ع)
خبر بعد خبر «لأن» أو بحذف المبتدإ (أَنْ يَتَقَدَّمَ) في موضع الرفع بالابتداء. ولمن شاء : خبر مقدّم عليه ، كقولك : لمن توضأ أن يصلى ، ومعناه مطلق لمن شاء التقدّم أو التأخر أن يتقدّم أو يتأخر ، والمراد بالتقدّم والتأخر : السبق إلى الخير والتخلف عنه ، وهو كقوله (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) ويجوز أن يكون (لِمَنْ شاءَ) بدلا من (لِلْبَشَرِ) على أنها منذرة للمكلفين الممكنين : الذين إن شاءوا تقدّموا ففازوا ، وإن شاءوا تأخروا فهلكوا.
(كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ)(٤٨)
(رَهِينَةٌ) ليست بتأنيث رهين (١) في قوله (كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ) لتأنيث النفس ، لأنه لو قصدت الصفة لقيل : رهين ، لأنّ فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث ، وإنما هي اسم بمعنى الرهن ، كالشتيمة بمعنى الشتم ، كأنه قيل : كل نفس بما كسبت رهن ، ومنه بيت الحماسة :
|
أبعد الّذى بالنّعف نعف كويكب |
|
رهينة رمس ذى تراب وجندل (٢) |
__________________
(١) قال محمود : «وليست بتأنيث رهين ... الخ» قال أحمد : لأنه فعيل بمعنى مفعول ، يستوي مذكره ومؤنثه ، كقتيل وجديد.
|
(٢) أبعد الذي بالنعف نعف كويكب |
|
رهينة رمس ذى تراب وجندل |
|
أأذكر بالبقيا على من أصابنى |
|
وبقياى أنى جاهد غير مؤتل |
لمسور بن زيادة الحارثي. وقيل : لعبد الرحمن بن زيد ، قتل أبوه زيادة فعرض عليه فيه سبع ديات ، فأبى إلا الثأر. والاستفهام إنكارى. والنعف ـ بالفتح ـ : الجبل والمكان المرتفع. وقيل : ما يستقبلك من الجبل. وكويكب : جبل بعينه. وفي هذا الاندال من التفصيل بعد الإجمال : ما ينبئ عن تفخيم المحل والحال ، أى : أبعد قتل أبى المدفون في ذلك الموضع حال كونه محتبسا في رمس. وقيل : رهينة بالجر ، بدل من الذي ، فهو اسم ملحق بالجوامد بمعنى الرهن. ويقال : رمست الشيء رمسا إذا دفنته في التراب ، فأطلق المصدر وأريد مكانه ، وهو القبر. والجندل : الحجارة ، وكررت همزة الاستفهام في قوله «أأذكر» توكيدا للأولى. لأنها داخلة على هذا الفعل تقديرا أيضا. ويحتمل أنها داخلة على مقدر ، أى : أبعد أبى أفرح بالدية. وروى «أذكر» بالتشديد والبناء للمجهول ، فالهمزة الأولى داخلة عليه ، ولا شاهد فيه حينئذ. والبقيا : الإبقاء على الشيء ، أى : لا أذكر ـ
كأنه قال : رهن رمس. والمعنى : كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك (إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ) فإنهم فكوا عنه رقابهم بما أطابوه من كسبهم ، كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق. وعن على رضى الله عنه أنه فسر أصحاب اليمين بالأطفال ، لأنهم لا أعمال لهم يرتهنون بها. وعن ابن عباس رضى الله عنه : هم الملائكة (فِي جَنَّاتٍ) أى هم في جنات لا يكتنه وصفها (يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ) يسأل بعضهم بعضا عنهم (١). أو يتساءلون غيرهم عنهم ، كقولك : دعوته وتداعيناه. فإن قلت : كيف طابق قوله (ما سَلَكَكُمْ) وهو سؤال للمجرمين : قوله (يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ) وهو سؤال عنهم؟ وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل : يتساءلون المجرمين ما سلككم قلت : ما سلككم ليس ببيان للتساؤل عنهم ، وإنما هو حكاية قول المسئولين عنهم ، لأنّ المسئولين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين ، فيقولون : قلنا لهم ما سلككم (فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) إلا أن الكلام جيء به على الحذف والاختصار ، كما هو نهج التنزيل في غرابة نظمه. الخوض : الشروع في الباطل وما لا ينبغي. فإن قلت : لم يسألونهم وهم عالمون بذلك قلت : توبيخا لهم وتحسيرا ، وليكون حكاية الله ذلك في كتابه تذكرة للسامعين. وقد عضد بعضهم تفسير أصحاب اليمين بالأطفال : أنهم (٢) إنما سألوهم لأنهم ولدان لا يعرفون موجب دخول النار. فإن قلت : أيريدون أنّ كل واحد منهم بمجموع هذه الأربع دخل النار ، أم دخلها بعضهم بهذه وبعضهم بهذه؟ قلت : يحتمل الأمرين جميعا. فإن قلت : لم أخر التكذيب وهو أعظمها؟ قلت : أرادوا أنهم بعد ذلك كله كانوا مكذبين بيوم الدين تعظيما للتكذيب. كقوله (ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) و (الْيَقِينُ) الموت ومقدماته ، أى : لو شفع لهم الشافعون جميعا من الملائكة والتبيين وغيرهم ؛ لم تنفعهم شفاعتهم ، لأنّ الشفاعة لمن ارتضاه الله وهم مسخوط عليهم. وفيه دليل على أنّ الشفاعة تنفع يومئذ ، لأنها تزيد في درجات المرتضين.
__________________
ـ بين الناس بأنى أبقيت على قاتل أبى ، والحال أن إبقائى عليه كوني جاهدا ومصمم العزم على الفتك به غير حالف على ذلك ، لأنى لا أحتاج إلى الحلف في تنفيذ أمورى. أو غير مقصر في الاجتهاد ، لأن الائتلاء يجيء بمعنى الحلف وبمعنى التقصير ،
(١) قال محمود : «يتساءلون يعنى يسأل بعضهم بعضا عنهم ... الخ» قال أحمد : إنما أورد السؤال ذريعة وحيلة لتحميل الآية الدلالة على أن فساق المسلمين تاركي الصلاة مثلا ، يسلكون في النار مخلدين مع الكفار ، فجعل كل واحدة من الخلال الأربع توجب ما توجب الأخرى من الخلود. والصحيح في معنى الآية أنها خاصة بالكفار. ومعنى قولهم (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) : لم نك من أهل الصلاة ، وكذلك إلى آخرها ، لأنهم يكذبون بيوم الدين ، والمكذب لا يصح منه طاعة من هذه الطاعات ، ولو فعلها لم تنفعه وقدرت كالعدم ، وإنما يتأسفون على ترك فعل هو نافع لهم.
(٢) قوله «أنهم» لعله : بأنهم. (ع)
(فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ)(٥٦)
(عَنِ التَّذْكِرَةِ) عن التذكير وهو العظة ، يريد : القرآن أو غيره من المواعظ. و (مُعْرِضِينَ) نصب على الحال ، كقولك : مالك قائما. والمستنفرة : الشديدة النفار كأنها تطلب النفار من نفوسها في جمعها له وحملها عليه (١). وقرئ بالفتح : وهي المنفرة المحمولة على النفار : والقسورة : جماعة الرماة الذين يتصيدونها. وقيل : الأسد. يقال : ليوث قساور وهي فعولة من القسر : وهو القهر والغلبة ، وفي وزنه «الحيدرة» من أسماء الأسد. وعن ابن عباس : ركز الناس وأصواتهم. وعن عكرمة : ظلمة الليل ، شبههم في إعراضهم عن القرآن واستماع الذكر والموعظة وشرادهم عنه ، بحمر جدت في نفارها مما أفزعها. وفي تشبيههم بالحمر : مذمة ظاهرة وتهجين لحالهم بين ، كما في قوله (كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً) وشهادة عليهم بالبله وقلة العقل. ولا ترى مثل نفار حمير الوحش واطرادها في العدو إذا رابها رائب ، ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب في وصف الإبل وشدّة سيرها بالحمر ، وعدوها إذا وردت ماء فأحست عليه بقانص (صُحُفاً مُنَشَّرَةً) قراطيس تنشر وتقرأ كالكتب التي يتكاتب بها. أو كتبا كتبت في السماء ونزلت بها الملائكة ساعة كتبت منشرة على أيديها غضة رطبة لم تطو بعد ، وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لن نتبعك حتى تأتى كل واحد منا بكتب من السماء عنوانها من رب العالمين إلى فلان بن فلان ، نؤمر فيها باتباعك. ونحوه قوله (وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ) وقال : (وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ...) الآية وقيل : قالوا إن كان محمد صادقا فليصبح عند رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار. وقيل : كانوا يقولون : بلغنا أن الرجل من بنى إسرائيل كان يصبح مكتوبا على رأسه ذنبه وكفارته ، فأتنا بمثل ذلك ، وهذا من الصحف المنشرة بمعزل. إلا أن براد بالصحف المنشرة : الكتابات الظاهرة المكشوفة. وقرأ سعيد بن جبير : صحفا منشرة بتخفيفهما ، على أن أنشر الصحف ونشرها : واحد ، كأنزله ونزله. ردعهم بقوله (كَلَّا) عن تلك الإرادة ، وزجرهم عن اقتراح الآيات ، ثم قال (بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ) فلذلك أعرضوا عن التذكرة لا لامتناع إيتاء
__________________
(١) قوله «في جمعها له وحملها عليه» متعلق بكأنها ، لأنه وجه الشبه. (ع)
الصحف ، ثم ردعهم عن إعراضهم عن التذكرة وقال (إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ) يعنى تذكرة بليغة كافية ، مبهم أمرها في الكفاية (فَمَنْ شاءَ) أن يذكره ولا ينساه ويجعله نصب عينه فعل ، فإنّ نفع ذلك راجع إليه. والضمير في (إِنَّهُ) و (ذَكَرَهُ) للتذكرة في قوله (فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) وإنما ذكر لأنها في معنى الذكر أو القرآن (وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) يعنى : إلا أن يقسرهم على الذكر ويلجئهم إليه. لأنهم مطبوع على قلوبهم. معلوم أنهم لا يؤمنون اختيارا (هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) هو حقيق بأن يتقيه عباده ويخافوا عقابه ، فيؤمنوا ويطيعوا ، وحقيق بأن يغفر لهم إذا آمنوا وأطاعوا. وروى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «هو أهل أن يتقى ، وأهل أن يغفر لمن اتقاه» (١) وقرئ : يذكرون. بالياء والتاء مخففا ومشددا. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة المدثر أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد وكذب به بمكة» (٢).
سورة القيامة
مكية ، وآياتها ٤٠ [نزلت بعد القارعة]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ)(٦)
__________________
(١) أخرجه لترمذى والنسائي وابن ماجة والطبراني في الأوسط وابن عدى والحاكم وأحمد وأبو يعلى والبزار كلهم من رواية سهل بن إبراهيم العطفى عن ثابت عن أنس رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية «قال الله تعالى : أنا أهل أن أتقى ـ إلى آخره» قال الترمذي والطبراني وابن عدى : تفرد به سهل. ورواه الحكيم الترمذي في السابع والسبعين بعد المائة ، بلفظ «قال : هو أهل أن يتقى. فمن اتقى فهو أهل أن يغفر له» وله شاهد من رواية عبد الله قال سمعت ثلاثة نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبا هريرة وابن عمر وابن عباس رضى الله عنه يقولون : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى فذكره.
(٢) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب.
إدخال «لا» النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم. قال امرؤ القيس :
|
لا وأبيك أبنة العامرىّ |
|
لا يدّعى القوم أنّى أفرّ (١) |
وقال غوثة بن سلمى :
|
ألا نادت أمامة باحتمال |
|
لتحزننى فلا بك ما أبالى (٢) |
وفائدتها توكيد القسم ، وقالوا إنها صلة مثلها في (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) وفي قوله:
في بئر لا حور سرى وما شعر (٣)
واعترضوا عليه بأنها إنما تزاد في وسط الكلام لا في أوّله ، وأجابوا بأنّ القرآن في حكم سورة واحدة متصل بعضه ببعض ، والاعتراض صحيح ، لأنها لم تقع مزيدة إلا في وسط الكلام ، ولكن الجواب غير سديد. ألا ترى إلى امرئ القيس كيف زادها في مستهل قصيدته. والوجه أن يقال : هي للنفي. والمعنى في ذلك أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له يدلك عليه قوله تعالى (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) فكأنه بإدخال حرف النفي يقول : إنّ إعظامى له بإقسامى به كلا إعظام ، يعنى أنه يستأهل فوق ذلك. وقيل إن «لا» نفى لكلام
__________________
(١) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٦٩٢ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٢)
|
إذا نادت أمامة باحتمال |
|
لتحزننى فلا بك ما أبالى |
|
فسيرى ما بدا لك أو أقيمي |
|
فأيا ما أتيت ففي نقالى |
لغوثة بن سلمى بن ربيعة ، يقول : إذا أظهرت أمامة محبوبتى أمارات الارتحال عنى لتحزننى ، فأطلق النداء على ذلك مجازا. ويروى «ألا» بدل «إذا» ولا زائدة قبل القسم ، لأن المعنى فبحقك وحياتك ما أبالى ولا أحزن ، وحسن زيادتها : أنها في الغالب مسلطة على دعوى الخصم نافية لها ، وفي القسم بمحبوبته على عدم المبالاة ببعدها عنه نوع تهكم بها. وقيل : المعنى فلا يقع ما أبالى على الدعاء ، وهذا إنما يظهر على رواية : فلا بك ما أبالى ، وأصله يكن ، أى : يحصل ، فحذفت النون عند الجزم تخفيفا. وما موصولة. ويروى : فآبك ، أى : أبعدك الله : دعاء أيضا. والتقالى : التباغض ، أى : فسيرى ما دام يظهر لك المسير ، أو أقيمى ، فهما منك سواء ، وأى شيء تفعلينه فهو ناشئ عن تباغض بيني وبينك ، ومع ذلك لا أعتنى بشأنك لأنى مشغول بأهم منك : وهو موت أقاربه ، والتفت إليها بالخطاب ليصدعها بالجواب.
|
(٣) في بئر لا حور سرى وما شعر |
|
بافكه حتى إذا الصبح حشر |
«لا» زائدة بين المضاف والمضاف إليه شذوذا. والحور ـ بالضم ـ : الهلكة جمع حائر أى هالك ، كبزل وبازل ، ونزل ونازل. وقيل : الحور بمعنى الهلاك ، وجمعه : أحور ، أى : سرى في بئر هلاك وما درى بذلك. وقوله «بافكه» يجوز تعلقه بشعر ، ويجوز تعلقه بسرى ، وشبه سبب الهلاك بالبئر على طريق التصريح التحير والضرر بالوقوع في كل ، ولذلك قال : سرى ، وهو يناسب الظلمة والحيرة ، لأنه بمعنى سار ليلا. والافك : الباطل ، واستعار الصبح الحق على طريق التصريحية ، وحشر : أضاء واتضح ، فحينئذ تبين كذبه ، أى : دام على كذبه حتى ظهر الحق
وردّ له قبل القسم ، كأنهم أنكروا البعث فقيل : لا ، أى ليس الأمر على ما ذكرتم ، ثم قيل: أقسم بيوم القيامة. فإن قلت : قوله تعالى (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ) والأبيات التي أنشدتها : المقسم عليه فيها منفي ، فهلا زعمت أنّ «لا» التي قبل القسم زيدت موطئة النفي بعده ومؤكدة له ، وقدرت المقسم عليه المحذوف هاهنا منفيا ، كقولك (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ) ، لا تتركون سدى؟ قلت : لو قصر الأمر على النفي دون الإثبات لكان لهذا القول ماغ ، ولكنه لم يقصر. ألا ترى كيف لقى (لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ) بقوله (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ) وكذلك (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ) بقوله (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) وقرئ : لأقسم ، على أنّ اللام للابتداء. وأقسم خبر مبتدإ محذوف ، معناه : لأنا أقسم. قالوا : ويعضده أنه في الإمام بغير ألف (بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) بالنفس المتقية التي تلوم النفوس فيه أى في يوم القيامة على تقصيرهن في التقوى أو بالتي لا تزال تلوم نفسها وإن اجتهدت في الإحسان. وعن الحسن : إن المؤمن لا تراه إلا لائما نفسه ، وإنّ الكافر يمضى قدما لا يعاتب نفسه (١). وقيل : هي التي تتلوّم يومئذ على ترك الازدياد إن كانت محسنة. وعلى التفريط إن كانت مسيئة. وقيل : هي نفس آدم ، لم تزل تتلوم على فعلها الذي خرجت به من الجنة. وجواب القسم ما دل عليه قوله (أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) وهو لتبعثن. وقرأ قتادة : أن لن نجمع عظامه ، على البناء للمفعول. والمعنى : نجمعها بعد تفرقها ورجوعها رميما ورفاتا مختلطا بالتراب ، وبعد ما سفتها الرياح وطيرتها في أباعد الأرض. وقيل إن عدى ابن أبى ربيعة ختن الأخنس بن شريق (٢) وهما اللذان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيهما : «اللهم اكفني جارى السوء» (٣) قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد حدثني عن يوم القيامة متى يكون وكيف أمره؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أو من به أو يجمع الله العظام ، فنزلت (بَلى) أوجبت ما بعد النفي وهو الجمع ، فكأنه قيل (بَلى) نجمعها. و (قادِرِينَ) حال من الضمير في نجمع ، أى : نجمع العظام قادرين على تأليف جميعها وإعادتها إلى التركيب الأول ، إلى أن نسوى بنانه أى : أصابعه التي هي أطرافه ، وآخر ما يتم به خلقه. أو على أن نسوى بنانه ونضم سلامياته على صغرها ولطافتها بعضها إلى بعض كما كانت أولا من غير نقصان ولا تفاوت ، فكيف بكبار العظام. وقيل : معناه بلى نجمعها ونحن قادرون على أن نسوى أصابع يديه
__________________
(١) قوله : «وأن الكافر يمضى قدما لا يعاتب» في الصحاح مضى قدما ـ بضم الدال ـ : لم يعرج ولم ينثن اه. (ع)
(٢) قوله «ختن الأخنس بن شريق» في الصحاح «الختن» بالتحريك : كل من كان من قبل المرأة مثل الأب والأخ ، وعند العامة : ختن الرجل زوج ابنته. (ع)
(٣) ذكره الثعلبي والبغوي ، والواحدي بغير إسناد.
ورجليه ، أى نجعلها مستوية شيئا واحدا كخف البعير وحافر الحمار لا تفرق بينها ، فلا يمكنه أن يعمل بها شيئا مما يعمل بأصابعه المفرقة ذات المفاصل والأنامل من فنون الأعمال ، والبسط والقبض ، والتأتى لما يريد من الحوائج. وقرئ قادرون ، أى : نحن قادرون ، (بَلْ يُرِيدُ) عطف على (أَيَحْسَبُ) فيجوز أن يكون مثله استفهاما ، وأن يكون إيجابا على أن يضرب عن مستفهم عنه إلى آخر. أو يضرب عن مستفهم عنه إلى موجب (لِيَفْجُرَ أَمامَهُ) ليدوم على فجوره فيما بين يديه من الأوقات وفيما يستقبله من الزمان لا ينزع عنه. وعن سعيد بن جبير رضى الله عنه : يقدم الذنب ويؤخر التوبة. يقول : سوف أتوب ، سوف أتوب : حتى يأتيه الموت على شرّ أحواله وأسوإ أعماله (يَسْئَلُ) سؤال متعنت مستبعد لقيام الساعة في قوله (أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ) ونحوه : ويقولون متى هذا الوعد.
(فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلاَّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ)(١٥)
(بَرِقَ الْبَصَرُ) تحير فزعا ، وأصله من برق الرجل إذا نظر إلى البرق فدهش بصره. وقرئ : برق من البريق ، أى لمع من شدة شخوصه. وقرأ أبو السمال : بلق إذا انفتح وانفرج. يقال : بلق الباب وأبلقته وبلقته : فتحته (وَخَسَفَ الْقَمَرُ) وذهب ضوؤه ، أو ذهب بنفسه. وقرئ : وخسف على البناء للمفعول (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) حيث يطلعهما الله من المغرب. وقيل : وجمعا في ذهاب الضوء (١) وقيل : يجمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران في النار. وقيل يجمعان ثم يقذفان في البحر ، فيكون نار الله الكبرى (الْمَفَرُّ) بالفتح المصدر ، وبالكسر : المكان. ويجوز أن يكون مصدرا كالمرجع. وقرئ بهما (كَلَّا) ردع عن طلب المفرّ (لا وَزَرَ) لا ملجأ ، وكل ما التجأت إليه من جبل أو غيره وتخلصت به فهو وزرك (إِلى رَبِّكَ) خاصة (يَوْمَئِذٍ) مستقرّ العباد ، أى استقرارهم ، يعنى : أنهم لا يقدرون أن يستقرّوا إلى غيره وينصبوا إليه. أو إلى حكمه (٢) ترجع أمور العباد ، لا يحكم فيها غيره ، كقوله (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) أو إلى ربك مستقرّهم ، أى : موضع قرارهم من جنة أو نار ، أى : مفوض ذلك إلى مشيئته ، من شاء أدخله
__________________
(١) قوله «وقيل وجمعا في ذهاب الضوء» لعله : وقيل جمعا. (ع)
(٢) قوله «وينصبوا إليه أو إلى حكمه» في الصحاح «نصب القوم» : ساروا يومهم ، وهو سير لين ، ونصب الرجل ـ بالكسر ـ نصبا : تعب. (ع)
الجنة ومن شاء أدخله النار (بِما قَدَّمَ) من عمل عمله (وَ) بما (أَخَّرَ) منه لم يعمله أو بما قدم من ماله فتصدق به ، أو بما أخره فخلفه. وبما قدم من عمل الخير والشر ، وبما أخر من سنة حسنة أو سيئة فعمل بها بعده. وعن مجاهد : بأوّل عمله وآخره. ونحوه : فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه (بَصِيرَةٌ) حجة بينة وصفت بالبصارة على المجاز ، كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله (فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً) أو عين بصيرة. والمعنى أنه ينبأ بأعماله وإن لم ينبأ ، ففيه ما يجزئ عن الإنباء ، لأنه شاهد عليها بما عملت ، لأنّ جوارحه تنطق بذلك (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) ، (وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ) ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن نفسه ويجادل عنها. وعن الضحاك : ولو أرخى ستوره ، وقال : المعاذير الستور ، واحدها معذار ، فإن صح فلأنه يمنع رؤية المحتجب ، كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب. فإن قلت : أليس قياس المعذرة أن تجمع معاذر لا معاذير؟ قلت : المعاذير ليس بجمع معذرة ، إنما هو اسم جمع لها ، ونحوه : المناكير في المنكر.
(لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ)(٢٥)
الضمير في (بِهِ) للقرآن ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقن الوحى نازع جبريل القراءة ، ولم يصبر إلى أن يتمها ، مسارعة إلى الحفظ وخوفا من أن يتفلت منه ، فأمر بأن يستنصت له ملقيا إليه بقلبه وسمعه ، حتى يقضى إليه وحيه ، ثم يقفيه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه. والمعنى : لا تحرّك لسانك بقراءة الوحى ما دام جبريل صلوات الله عليه يقرأ (لِتَعْجَلَ بِهِ) لتأخذه على عجلة ، ولئلا يتفلت منك. ثم علل النهى عن العجلة بقوله (إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ) في صدرك وإثبات قراءته في لسانك (فَإِذا قَرَأْناهُ) جعل قراءة جبريل قراءته : والقرآن : القراءة (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) فكن مقفيا له فيه ولا تراسله ، وطأ من نفسك أنه لا يبقى غير محفوظ ، فنحن في ضمان تحفيظه (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) إذا أشكل عليك شيء من معانيه ، كأنه كان يعجل في الحفظ والسؤال عن المعنى جميعا ، كما ترى بعض الحراص على العلم ، ونحوه (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) ، (كَلَّا) ردع لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن عادة العجلة وإنكار لها عليه ، وحث على الأناة والتؤدة ، وقد بالغ في ذلك بإتباعه قوله (بَلْ تُحِبُّونَ
الْعاجِلَةَ) كأنه قال : بل أنتم يا بنى آدم لأنكم خلقتم من عجل وطبعتم عليه تعجلون في كل شيء ، ومن ثم تحبون العاجلة (وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ) وقرئ بالياء وهو أبلغ. فإن قلت : كيف اتصل قوله (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ) إلى آخره ، بذكر القيامة؟ قلت : اتصاله به من جهة هذا للتخلص منه ، إلى التوبيخ بحب العاجلة وترك الاهتمام بالآخرة. الوجه : عبارة عن الجملة (١). والناضرة : من نضرة النعيم (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) تنظر إلى ربها خاصة لا تنظر إلى غيره ، وهذا معنى تقديم المفعول. ألا ترى إلى قوله (إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) ، (إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ) ، (إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) ، (وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ) ، (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ، (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) كيف دلّ فيها التقديم على معنى الاختصاص ، ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر ولا تدخل تحت العدد في محشر يجتمع فيه الخلائق كلهم ، فإنّ المؤمنين نظارة ذلك اليوم لأنهم الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظورا (٢) إليه : محال ، فوجب حمله على معنى يصح معه الاختصاص ، والذي يصح معه أن يكون من قول الناس : أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بى ، تريد معنى التوقع والرجاء. ومنه قول القائل :
|
وإذا نظرت إليك من ملك |
|
والبحر دونك زدتني نعما (٣) |
وسمعت سروية مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم ، ويأوون إلى مقائلهم. تقول : عيينتى نويظرة إلى الله وإليكم ، والمعنى : أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم ، كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلا إياه ، والباسر : الشديد العبوس ، والباسل : أشد
__________________
(١) قال محمود : «الوجوه كناية عن الجملة ، وقدم إلى ربها ليفيد الحصر ... الخ» قال أحمد : ما أقصر لسانه عند هذه الآية ، فكم له يدندن ويطبل في جحد الرؤية ويشقق القباء ويكثر ويتعمق ، فلما فغرت هذه الآية فاه :
صنع في مصادمتها بالاستدلال ، على أنه لو كان المراد الرؤية لما انحصرت بتقديم المفعول ، لأنها حينئذ غير منحصرة على تقدير رؤية الله تعالى ، وما يعلم أن المتمتع برؤية جمال وجه الله تعالى لا يصرف عنه طرفه ، ولا يؤثر عليه غيره ، ولا يعدل به عز وعلا منظورا سواه ، وحقيق له أن يحصر رؤيته إلى من ليس كمثله شيء ، ونحن نشاهد العاشق في الدنيا إذا أظفرته برؤية محبوبه لم يصرف عنه لحظه ، ولم يؤثر عليه ، فكيف بالمحب لله عز وجل إذا أحظاه النظر إلى وجهه الكريم ، نسأل الله العظيم أن لا يصرف عنا وجهه ، وأن يعيذنا عن مزالق البدعة ومزلات الشبهة ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(٢) قوله «لو كان منظورا إليه» عدم كونه منظور إليه تعالى مبنى على مذهب المعتزلة ، وهو عدم جواز رؤيته تعالى. ومذهب أهل السنة جوازها. ويجوز أن يكون تقديم المفعول هنا للاهتمام بذكر المنظور إليه ، الذي يقتضى النظر إليه نضرة وجوه الناظرين ، لا للاختصاص. (ع)
(٣) يقول : وإذا رجوت مكارمك زدتني نعما فالنظر إليه كناية عن ذلك. ويجوز أن المعنى : بمجرد نظري إليك تجيبني فوق مسئولى ، ولا تحتاج إلى التصريح بالطلب. ومن ملك : تمييز مقترن بمن. والبحر دونك : جملة اعتراضية أو حالية ، أى : أقل منك في الخيرات والمكارم.
منه ، ولكنه غلب في الشجاع إذا اشتد كلوحه (تَظُنُ) تتوقع أن يفعل بها فعل هو في شدّته وفظاعته (فاقِرَةٌ) داهية تقصم فقار الظهر ، كما توقعت الوجوه الناضرة أن يفعل بها كل خير.
(كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ)(٣٠)
(كَلَّا) ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة ، كأنه قيل : ارتدعوا عن ذلك ، وتنبهوا على ما بين أيديكم من الموت الذي عنده تنقطع العاجلة عنكم ، وتنتقلون إلى الآجلة التي تبقون فيها مخلدين. والضمير في (بَلَغَتِ) للنفس وإن لم يجر لها ذكر ، لأنّ الكلام الذي وقعت فيه يدل عليها ، كما قال حاتم :
|
أماويّ ما يغنى الثّراء عن الفتى |
|
إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر (١) |
وتقول العرب : أرسلت ، يريدون : جاء المطر ، ولا تكاد تسمعهم يذكرون السماء (التَّراقِيَ) العظام المكتنفة لثغرة النحر عن يمين وشمال. ذكرهم صعوبة الموت الذي هو أول مراحل الآخرة حين تبلغ الروح التراقي ودنا زهوقها : وقال حاضر وصاحبها ـ وهو المحتضر ـ بعضهم لبعض (مَنْ راقٍ) أيكم يرقيه مما به؟ وقيل : هو من كلام ملائكة الموت : أيكم يرقى بروحه؟ ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ (وَظَنَ) المحتضر (أَنَّهُ الْفِراقُ) أنّ هذا الذي نزل به هو فراق الدنيا المحبوبة (وَالْتَفَّتِ) ساقه بساقه والتوت عليها عند علز (٢) الموت. وعن قتادة : ماتت رجلاء فلا تحملانه ، وقد كان عليهما جوالا. وقيل : شدّة فراق الدنيا بشدّة إقبال
__________________
|
(١) أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى |
|
إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر |
|
أماوى إن المال غاد ورائح |
|
ويبقى من المال الأحاديث والذكر |
|
وقد علم الأقوام لو أن حاتما |
|
أراد ثراء المال كان له وفر |
لحاتم الطائي ، والهمزة النداء ومأوى : مرخم ، أصله : ماوية ، اسم أمه وهي بنت عفير ، وكانت تلومه. وأصله :نسبة للماء ، لأنها تشبهه في اللين والرقة والصفاء والثراء. والثروة : الغنى. والحشرجة : تردد صوت النفس في الصدر. والضمير النفس وإن لم تذكر ادعاء لشهرتها. روى أنه لما احتضر أبو بكر رضى الله عنه قالت له عائشة لعمرك ما يغنى ... البيت» فقال : لا تقولي هذا يا بنية (وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِ) وهي قراءة منسوبة إليه وكرر نداء ماوية التقريع ، وغاد ورائح : آت وذاهب. وقوله «من المال» أى من آثاره ، ولو كفت «علم» عن العمل في المفعول وعبر عن نفسه بالظاهر ، لأن هذا الكلام تتحدث به نفوس الأقوام ، فاعتبر صدوره منهم. وثراه المال : الغنى به ، أو جمعه. والوفر : الزيادة والمال الكثير.
(٢) قوله «علز الموت» هو كالرعدة تأخذ المريض. (ع)
الآخرة ، على أن الساق مثل في الشدّة. وعن سعيد بن المسيب : هما ساقاه حين تلفان في أكفانه (الْمَساقُ) أى يساق إلى الله وإلى حكمه.
(فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى)(٣٥)
(فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى) يعنى الإنسان في قوله (أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) ألا ترى إلى قوله (أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً) وهو معطوف على (يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ) أى : لا يؤمن بالبعث ، فلا صدق بالرسول والقرآن ، ولا صلى. ويجوز أن يراد : فلا صدق ماله ، بمعنى : فلا زكاه. وقيل : نزلت في أبى جهل (يَتَمَطَّى) يتبختر. وأصله يتمطط ، أى : يتمدد ، لأنّ المتبختر يمدّ خطاه. وقيل : هو من المطا وهو الظهر ، لأنه يلويه. وفي الحديث : «إذا مشت أمتى المطيطاء وخدمتهم فارس والروم فقد جعل بأسهم بينهم» (١) يعنى : كذب برسول الله صلى الله عليه وسلم وتولى عنه وأعرض ، ثم ذهب إلى قومه يتبختر افتخارا بذلك (أَوْلى لَكَ) بمعنى ويل لك ، وهو دعاء عليه بأن يليه ما يكره.
(أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى)(٤٠)
(فَخَلَقَ) فقدر (فَسَوَّى) فعدل (مِنْهُ) من الإنسان (الزَّوْجَيْنِ) الصنفين (أَلَيْسَ ذلِكَ) الذي أنشأ هذا الإنشاء (بِقادِرٍ) على الإعادة. وروى أنّ رسول الله صلى الله عليه
__________________
(١) أخرجه الترمذي وإسحاق وابن أبى شيبة وأبو يعلى. وابن عدى من رواية موسى بن عبيدة عن عبد الله ابن دينار عن ابن عمر. وموسى ضعيف. وروى الترمذي أيضا والبزار عن محمد بن إسماعيل عن أبى معاوية عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن دينار نحوه. قال الترمذي : ليس له أصل. وإنما المعروف حديث موسى بن عبيدة. وقال البزار : لا نعلم أحدا تابع عليه محمد بن إسماعيل وإنما يعرف عن موسى. واختلف فيه على يحيى بن سعيد. فرواه الحاكم من طريق حماد بن سلمة عنه عن عبيد عن خولة بنت قيس. ورواه الطبراني في الأوسط من رواية ابن لهيعة عن عمارة بن خزيمة عن يحيى بن بخنس مولى الزبير عن أبى هريرة. ورواه الأصبهانى في الترغيب من طريق فرج بن فضالة عن يحيى بن بخنس مرسلا.
وسلم كان إذا قرأها قال سبحانك بلى (١).
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة القيامة شهدت له أنا وجبريل يوم القيامة أنه كان مؤمنا بيوم القيامة» (٢).
سورة الإنسان
مدنية ، وآياتها ٣١ [نزلت بعد الرحمن]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً)(١)
هل بمعنى «قد» في الاستفهام خاصة ، والأصل : أهل ، بدليل قوله :
أهل رأونا بسفع القاع ذى الأكم (٣)
فالمعنى : أقد أتى؟ على التقرير والتقريب جميعا ، أى : أتى على الإنسان قبل زمان قريب (حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ) فيه (شَيْئاً مَذْكُوراً) أى كان شيئا منسيا غير مذكور نطفة في الأصلاب والمراد بالإنسان : جنس بنى آدم ، بدليل قوله (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ). (حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) طائفة من الزمن الطويل الممتد. فإن قلت : ما محل (لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً)؟ قلت : محله النصب على الحال من الإنسان ، كأنه قيل : هل أتى عليه حين من الدهر غير مذكور. أو الرفع على الوصف لحين ، كقوله (يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ) وعن بعضهم : أنها تليت عنده فقال : ليتها تمت ، أراد : ليت تلك الحالة تمت ، وهي كونه شيئا غير مذكور ولم يخلق ولم يكلف.
__________________
(١) أبو داود : من رواية موسى بن أبى عائشة عن رجل سمعه عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه الحاكم من رواية إسماعيل بن أمية عن أبى اليسع عن أبى هريرة نحوه «قلت» راويه عن إسماعيل عند الحاكم يزيد بن عياض متروك. ولكن أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي من طريق سفيان بن عيينة عن إسماعيل عن رجل عن أبى هريرة. واختلف فيه على إسماعيل على أوجه أخرى ذكرتها في حاشية الأطراف.
(٢) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه باسنادهم إلى أبى بن كعب.
(٣) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثالث صفحة ٣٤٢ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً)(٢)
(نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ) كبرمة أعشار (١) ، وبرد أكياش : وهي ألفاظ مفردة غير جموع ، ولذلك وقعت صفات للأفراد. ويقال أيضا : نطفة مشج ، قال الشماخ :
|
طوت أحشاء مرتجة لوقت |
|
على مشج سلالته مهين (٢) |
ولا يصحّ أمشاج أن يكون تكسيرا له ، بل هما مثلان في الإفراد ، لوصف المفرد بهما.
ومشجه ومزجه : بمعنى. والمعنى من نطفة قد امتزج فيها الماءان. وعن ابن مسعود : هي عروق النطفة. وعن قتادة : أمشاج ألوان وأطوار ، يريد : أنها تكون نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة (نَبْتَلِيهِ) في موضع الحال ، أى : خلقناه مبتلين له ، بمعنى : مريدين ابتلاءه ، كقولك : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا ، تريد : قاصدا به الصيد غدا. ويجوز أن يراد : ناقلين له من حال إلى حال ، فسمى ذلك ابتلاء على طريق الاستعارة. وعن ابن عباس : نصرفه في بطن أمّه نطفة ثم علقة. وقيل : هو في تقدير التأخير ، يعنى : فجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه ، وهو من التعسف.
(إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)(٣)
شاكرا وكفورا : حالان من الهاء في هديناه (٣) ، أى : مكناه وأقدرناه في حالتيه جميعا. أو دعوناه إلى الإسلام بأدلة العقل والسمع : كان معلوما منه (٤) أنه يؤمن أو يكفر ، لإلزام الحجة. ويجوز أن يكونا حالين من السبيل ، أى : عرفناه السبيل إما سبيلا شاكرا وإما سبيلا كفورا كقوله (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز. وقرأ أبو السمال بفتح الهمزة
__________________
(١) قوله «كبرمة أعشار» في الصحاح «برمة أعشار» إذا انكسرت قطعا قطعا وقلب أعشار : جاء على بناء الجمع ، كما قالوا : رمح أقصاد اه ، ولم يذكر أكباش ولا مادته فيه ، فلينظر في غيره. (ع)
(٢) للشماخ. ورتجت الباب وأرتجته : إذا أغلقته. والرتاج : الباب. ومشج الشيء : مزجه. والمشج ـ كسبب ـ : الممزوج. ومثله : أمشاج ، فهو مفرد على صورة الجمع كأخلاق. وقيل : جمع مشج. والسلالة ـ في الأصل : ما ينسل من بين الأصابع من الطين المائع. والمهين : الحقير ، يصف امرأة قبلت المنى في فرجها وطوت قبلها عليه. ومرتجة صفة للأحشاء : أى مغلقة إلى وقت تمام الحمل. على منى مختلط من منى الرجل ومنيها ، سلالته : أى ما انسل وتدفق منه : مهين : حقير. وفعيل : يوصف به المذكر والمؤنث ، والواحد والمتعدد.
(٣) قال محمود «هما حالان من الهاء في هديناه ... الخ» قال أحمد : هذا من تحريفه المنكر وهو عند أهل السنة على ظاهره.
(٤) قال محمود : «أو يكون معناه إنا دعوناه إلى الايمان كان معلوما منه ... الخ» قال أحمد : واستحسانه لقراءة أبى السمال لتخيله أن في التقسيم إشعارا بغرضه الفاسد ، وليس كذلك ، فان التقسيم يحتمل الجزاء إما شاكرا فمناب ، وإما كفورا فمعاقب ، ويرشد إليه ذكر جزاء الفريقين بعد.
في (إِمَّا) وهي قراءة حسنة. والمعنى : أما شاكرا فبتوفيقنا ، وأما كفورا فبسوء اختياره (١)
(إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً) (٤)
ولما ذكر الفريقين أتبعهما الوعيد والوعد. وقرئ : سلاسل ، غير منون. وسلاسلا ، بالتنوين (٢). وفيه وجهان : أحدهما أن تكون هذه النون بدلا من حرف الإطلاق ، ويجرى الوصل مجرى الوقف. والثاني : أن يكون صاحب القراءة به ممن ضرى برواية الشعر ومرن لسانه على صرف غير المنصرف.
(إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (٥) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٩) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً)(١٠)
(الْأَبْرارَ) جمع برّ أو بارّ ، كرب وأرباب ، وشاهد وأشهاد. وعن الحسن : هم الذين لا يؤذون الذرّ (٣). والكأس : الزجاجة إذا كانت فيها خمر ، وتسمى الخمر نفسها : كأسا (مِزاجُها) ما تمزج به (كافُوراً) ماء كافور ، وهو اسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور (٤) ورائحته
__________________
(١) قوله «فيسوء اختياره» هذا على مذهب المعتزلة أنه تعالى لا يخلق الشر ، أما عند أهل السنة فهو خالق الخير والشر ، كالشكر والكفر. (ع)
(٢) قال محمود : «قرئ بتنوين سلاسل فوجهه أن تكون هذه النون بدلا من ألف الإطلاق ... الخ» قال أحمد : وهذا من الطراز الأول لأن معتقده أن القراءة المستفيضة غير موقوفة على النقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفاصيلها ، وأنها موكولة إلى اجتهاد القراء واختيارهم بمقتضى نظرهم كما مر له ، وطم على ذلك هاهنا فجعل تنوين سلاسل من قبيل الغلط الذي يسبق إليه اللسان في غير موضعه لتمرنه عليه في موضعه ، والحق أن جميع الوجوه المستفيضة منقولة تواترا عنه صلى الله عليه وسلم ، وتنوين هذا على لغة من يصرف في نثر الكلام جميع ما لا ينصرف إلا أفعل ، والقراآت مشتملة على اللغات المختلفة ، وأما قوارير قوارير : فقرئ بترك تنوينهما وهو الأصل ، وتنوين الأول خاصة بدلا من ألف الإطلاق لأنها فاصلة ، وتنوين الثانية كالأولى اتباعا لها ، ولم يقرأ أحد بتنوين الثانية وترك تنوين الأولى ، فانه عكس أن يترك تنوين الفاصلة مع الحاجة إلى المجانسة ، وتنوين غيرها من غير حاجة.
(٣) قوله «لا يؤذون الذر» في الصحاح «الذر» النمل. (ع)
(٤) قال محمود : «كافورا عين في الجنة اسمها كذلك في لون الكافور ورائحته وبرده ... الخ» قال أحمد : هذا ـ
وبرده. و (عَيْناً) بدل منه. وعن قتادة : تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك. وقيل : تخلق فيها رائحة الكافور وبياضه وبرده. فكأنها مزجت بالكافور. و (عَيْناً) على هذين القولين: بدل من محل (مِنْ كَأْسٍ) على تقدير حذف مضاف ، كأنه قيل : يشربون فيها خمرا خمر عين. أو نصب على الاختصاص. فإن قلت : لم وصل فعل الشرب بحرف الابتداء أوّلا ، وبحرف الإلصاق آخرا؟ قلت : لأنّ الكأس مبدأ شربهم وأوّل غايته ، وأما العين فبها يمزجون شرابهم ، فكان المعنى : يشرب عباد الله بها الخمر ، كما تقول : شربت الماء بالعسل (يُفَجِّرُونَها) يجرونها حيث شاءوا من منازلهم (تَفْجِيراً) سهلا لا يمتنع عليهم (يُوفُونَ) جواب من عسى ، يقول : ما لهم يرزقون ذلك ، والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات ، لأنّ من وفي بما أوجبه هو على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليه أو في (مُسْتَطِيراً) فاشيا منتشرا بالغا أقصى المبالغ ، من استطار الحريق ، واستطار الفجر. وهو من طار ، بمنزلة استنفر من نفر (عَلى حُبِّهِ) الضمير للطعام ، أى : مع اشتهائه والحاجة إليه. ونحوه (وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ) ، (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) وعن الفضيل بن عياض : على حب الله (وَأَسِيراً) عن الحسن : كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول : أحسن إليه ، فيكون عنده اليومين والثلاثة ، فيؤثره على نفسه. وعند عامة العلماء : يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام ولا تصرف إليهم الواجبات. وعن قتادة : كان أسيرهم يومئذ المشرك ، وأخوك المسلم أحق أن تطعمه. وعن سعيد بن جبير وعطاء : هو الأسير من أهل القبلة. وعن أبى سعيد الخدري : هو المملوك والمسجون. وسمى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الغريم : أسيرا ، فقال «غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك» (إِنَّما نُطْعِمُكُمْ) على إرادة القول. ويجوز أن يكون قولا باللسان منعا لهم عن المجازاة بمثله أو بالشكر ، لأن إحسانهم مفعول لوجه الله ، فلا معنى لمكافأة الخلق ، وأن يكون قولهم لهم لطفا وتفقيها وتنبيها ، على ما ينبغي أن يكون عليه من أخلص لله. وعن عائشة رضى الله عنها أنها كانت تبعث بالصدقة إلى أهل بيت ، ثم تسأل الرسول ما قالوا؟ فإذا ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصا عند الله. ويجوز أن يكون ذلك بيانا وكشفا عن اعتقادهم وصحة نيتهم وإن لم يقولوا شيئا. وعن مجاهد :
__________________
ـ الجواب على القولين الأولين ، وأما على القولين الآخرين وهو أن العين بدل من الكأس. ومعنى مزاجها بالكافور : إما اشتمالها على أوصافه ، وإما أن يكون الكافور المعهود كما تقدم ، فلا يتم الجواب المذكور ، فيجاب عن السؤال بأنه لما ذكر الشراب أولا باعتبار الوقوع في الوجود ، ذكره ثانيا مطمئنا للالتذاذ به ، وكأنه قال : فيشربون منها فيلتذون بها ، وعليه حمله أبو عبيدة.
أما إنهم ما تكلموا به ، ولكن علمه الله منهم فأثنى عليهم. والشكور والكفور : مصدران كالشكر والكفر (إِنَّا نَخافُ) يحتمل إن إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم ، لا لإرادة مكافأتكم ، وإنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله تعالى على طلب المكافأة بالصدقة. ووصف اليوم بالعبوس. مجاز على طريقين : أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء ، كقولهم : نهارك صائم : روى أن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران ، وأن يشبه في شدته وضرره بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل : والقمطرير : الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه. قال الزجاج : يقال : اقمطرت الناقة : إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها وزمت بأنفها (١) ، فاشتقه من القطر وجعل الميم مزيدة. قال أسد بن ناعصة (٢)
|
واصطليت الحروب في كلّ يوم |
|
باسل الشّرّ قمطرير الصّباح (٣) |
(فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (١١) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (١٣) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً (١٤) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (١٧) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (١٩) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ
__________________
(١) قوله «وجمعت قطريها وزمت بأنفها» القطر : الناحية والجانب. وزق الطائر فرخه : أطعمه بفيه. والزقرة : ترقيص الطفل ، كذا في الصحاح. (ع)
(٢) قوله «قال أسد بن ناعصة» من النعص : وهو التمايل. (ع)
(٣) لأسد بن ناعصة. وصلى النار واصطلاها إذا ذاق شدة حرها وتدفأ بها ، فشبه الحرب بالنار على طريق المكنية ، والاصطلاء تخييل ، والباسل : الشجاع إذا اشتد كلوحه. والقمطرير : الشديد العيوس الذي يجمع ما بين عينيه ، يقال : اقمطرت الناقة ، إذا جمعت قطريها فرفعت ذنبها وزمت بأنفها ، فهو من القطر ، والميم زائدة ، ووصف الشر والصياح بذلك مجاز.
شَراباً طَهُوراً (٢١) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً) (٢٢) (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً) أى : أعطاهم بدل عبوس الفجار وحزنهم نضرة في الوجوه وسرورا في القلوب ، وهذا يدل على أنّ اليوم موصوف بعبوس أهله (بِما صَبَرُوا) بصبرهم على الإيثار. وعن ابن عباس رضى الله عنه : أنّ الحسن والحسين مرضا ، فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس معه ، فقالوا : يا أبا الحسن ، لو نذرت على ولدك (١) ، فنذر علىّ وفاطمة وفضة جارية لهما إن برآ مما بهما : أن يصوموا ثلاثة أيام ، فشفيا وما معهم شيء ، فاستقرض علىّ من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير ، فطحنت فاطمة صاعا واختبزت خمسة أقراص على عددهم ، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد ، مسكين من مساكين المسلمين ، أطعمونى أطعمكم الله من موائد الجنة ، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء ، وأصبحوا صياما ، فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم ، فآثروه ، ووقف عليهم أسير في الثالثة ، ففعلوا مثل ذلك ، فلما أصبحوا أخذ على رضى الله عنه بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع قال : ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم ، وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها. فساءه ذلك ، فنزل جبريل وقال : خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك فأقرأه السورة. فإن قلت : ما معنى ذكر الحرير مع الجنة؟ قلت : المعنى وجزاهم بصبرهم على الإيثار وما يؤدّى إليه من الجوع والعرى بستانا فيه مأكل هنىّ ، وحريرا فيه ملبس بهىّ. يعنى : أن هواءها معتدل ، لا حرّ شمس يحمى ولا شدّة برد تؤذى. وفي الحديث : هواء الجنة سجسج (٢) ، لا حرّ ولا قرّ. وقيل : الزمهرير القمر.
وعن ثعلب : أنه في لغة طيئ. وأنشد :
|
وليلة ظلامها قد اعتكر |
|
قطعتها والزّمهرير ما زهر (٣) |
__________________
(١) أخرجه الثعلبي من رواية القاسم بن بهرام عن ليث بن أبى سليم عن مجاهد عن ابن عباس ومن رواية الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس في قوله تعالى (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ـ) الآية فذكر تمامه. وزاد في أثنائه أشعارا لعلى وفاطمة. قال الحكيم الترمذي في الرابع والأربعين : ومن الأحاديث التي تنكرها القلوب حديث رووه عن مجاهد عن ابن عباس فذكره بشعره. ثم قال : هذا حديث مزوق مفتعل لا يروج إلا على أحمق جاهل. ورواه ابن الجوزي في الموضوعات من طريق أبى عبد الله السمرقندي. عن محمد بن كثير عن الأصبغ بن نباتة. قال : مرض الحسن والحسين. إلى آخره فذكره بشعره وزيادة ألفاظ. ثم قال : وهذا لا نشك في وضعه.
(٢) قوله «هواء الجنة سجسج» تفسيره ما بعده ، كما يفيده الصحاح. (ع)
(٣) أى : ورب ليلة ظلامها قد تراكم واختلط وكثر ، قطعتها وأمضيتها بالسير ، والحال أن الزمهرير ما زهر أى : ما ظهر وأضاء. والزمهرير في لغة طيئ : القمر ، وهذه الحال مؤكدة لاعتكار الظلام.
والمعنى : أن الجنة ضياء فلا يحتاج فيها شمس وقمر. فإن قلت : (وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها) علام عطفت؟ قلت : على الجملة التي قبلها ، لأنها في موضع الحال من المجزيين ، وهذه حال مثلها عنهم لرجوع الضمير منها إليهم في عليهم ، إلا أنها اسم مفرد ، وتلك جملة في حكم مفرد تقديره : غير رائين فيها شمسا ولا زمهريرا ، ودانية عليهم ظلالها ، ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين مجتمعان لهم ، كأنه قيل : وجزاهم جنة جامعين فيها بين البعد عن الحرّ والقرّ ودنوّ الظلال عليهم وقرئ : ودانية ، بالرفع ، على أن ظلالها مبتدأ ، ودانية خبر ، والجملة في موضع الحال ، والمعنى : لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ، والحال أن ظلالها دانية عليهم ، ويجوز أن تجعل (مُتَّكِئِينَ) و (لا يَرَوْنَ) و (دانِيَةً) كلها صفات لجنة. ويجوز أن يكون (وَدانِيَةً) معطوفة على جنة ، أى : وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها ، على أنهم وعدوا جنتين ، كقوله (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ) لأنهم وصفوا بالخوف : (إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا). فإن قلت : فعلام عطف (وَذُلِّلَتْ)؟ قلت : هي ـ إذا رفعت (وَدانِيَةً) ـ : جملة فعلية معطوفة على جملة ابتدائية ، وإذا نصبتها على الحال ، فهي حال من دانية ، أى : تدنو ظلالها عليهم في حال تذليل قطوفها لهم. أو معطوفة عليها على : ودانية عليهم ظلالها ، ومذللة قطوفها ، وإذا نصبت (وَدانِيَةً) على الوصف ، فهي صفة مثلها ، ألا ترى أنك لو قلت : جنة ذللت قطوفها : كان صحيحا ، وتذليل القطوف : أن تجعل ذللا لا تمتنع على قطافها كيف شاءوا. أو تجعل ذليلة لهم خاضعة متقاصرة ، من قولهم : حائط ذليل إذا كان قصيرا (قَوارِيرَا قَوارِيرَا) قرئا غير منونين ، وبتنوين الأول ، وبتنوينهما. وهذا التنوين بدل من ألف الإطلاق ، لأنه فاصلة ، وفي الثاني لإتباعه الأوّل ، ومعنى قوارير من (فِضَّةٍ) أنها مخلوقة من فضة ، وهي مع بياض الفضة وحسنها في صفاء القوارير وشفيفها. فإن قلت : ما معنى كانت؟ قلت : هو من «يكون» في قوله (كُنْ فَيَكُونُ) أى : تكوّنت قوارير ، بتكوين الله تفخيما لتلك الخلقة العجيبة الشأن ، الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين. ومنه كان في قوله : كان مزاجها كافورا. وقرئ : قوارير من فضة ، بالرفع على : هي قوارير (قَدَّرُوها) صفة لقوارير من فضة. ومعنى تقديرهم لها : أنهم قدروها في أنفسهم أن تكون على مقادير وأشكال على حسب شهواتهم ، فجاءت كما قدّروا. وقيل : الضمير للطائفين بها ، دل عليهم قوله (وَيُطافُ عَلَيْهِمْ) على أنهم قدروا شرابها على قدر الري ، وهو ألذ للشارب لكونه على مقدار حاجته لا يفضل عنها ولا يعجز. وعن مجاهد : لا تفيض ولا تغيض. وقرئ : قدّروها ، على البناء للمفعول. ووجهه أن يكون من قدر ، منقولا من قدر. تقول : قدرت الشيء وقدرنيه فلان : إذا جعلك قادرا له. ومعناه : جعلوا قادرين لها كما شاءوا. وأطلق لهم أن يقدروا على حسب ما اشتهوا ، سميت العين زنجبيلا لطعم الزنجبيل فيها ، والعرب تستلذه وتستطيبه.
قال الأعشى :
|
كأنّ القر نفل والزّنجبيل |
|
باتا بفيها وأريا مشورا (١) |
وقال المسيب بن علس (٢)
|
وكأنّ طعم الزّنجبيل به |
|
إذ ذقته وسلافة الخمر (٣) |
و (سَلْسَبِيلاً) لسلاسة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها ، يعنى : أنها في طعم الزنجبيل وليس فيها لذعه ، ولكن نقيض اللذع وهو السلاسة. يقال : شراب سلسل وسلسال وسلسبيل ، وقد زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية. ودلت على غاية السلاسة. قال الزجاج : السلسبيل في اللغة : صفة لما كان في غاية السلاسة. وقرئ : سلسبيل ، على منع الصرف ، لاجتماع العلمية والتأنيث ، وقد عزوا إلى على بن أبى طالب رضى الله عنه أن معناه سل سبيلا إليها ، وهذا غير مستقيم على ظاهره. إلا أن يراد أن جملة قول القائل : سل سبيلا ، جعلت علما للعين ، كما قيل : تأبط شرا ، وذرّى حبا ، وسميت بذلك لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلا بالعمل الصالح ، وهو مع استقامته في العربية تكلف وابتداع ، وعزوه إلى مثل على رضى الله عنه أبدع. وفي شعر بعض المحدثين :
|
سل سبيلا فيها إلى راحة النّفس |
|
براح كأنّها سلسبيل (٤) |
و (عَيْناً) بدل من (زَنْجَبِيلاً) وقيل : تمزج كأسهم بالزنجبيل بعينه. أو يخلق الله طعمه فيها. و (عَيْناً) على هذا القول : مبدلة من (كَأْساً) كأنه قيل : ويسقون فيها كأسا كأس عين. أو منصوبة على الاختصاص. شبهوا في حسنهم وصفاء ألوانهم وانبثاثهم في مجالسهم ومنازلهم باللؤلؤ المنثور
__________________
(١) للأعشى ، شبه رائحة فمها وطعمه بالقرنفل والزنجبيل ، لأن العرب تستطبيهما وتستلذهما ، وشبه طعم ريقها بطعم الأرى : وهو العسل. والمشور : اسم مفعول ، من شاره شورا إذا جناه. والشور : موضع تعسل فيه النحل.
(٢) قوله «المسيب بن علس» العلس في الأصل : القراد الضخم. وبه سمى الرجل ، كذا في الصحاح. (ع)
(٣) للمسيب بن علس ، وإجراء التشبيه هنا في طعم الزنجبيل يفيد أنه في البيت السابق كذلك ، وضمير به للفم وإذ ذقته : أى حين ذقت ريقه ، فهو مجاز ، وسلافة الخمر : أول ما يعصر من العنب ويتخمر ، وتشبه طعم الريق بهما في مطلق الاستلذاذ لا يفيد أن فيه حرافة كما فيهما. وسلافة : عطف على طعم. ويجوز أن ضمير «به» للريق وهو المذوق ، ومعنى كون السلافة به : أنها ممزوجة فيه.
(٤) اطلب طريقا فيها إلى راحة نفسك ، براح : أى بخمر. والسلسبيل والسلسال والسلسل : عين في الجنة سهلة الانحدار في الحلق ، سلسة المساغ. وزيدت الباء مبالغة في الدلالة على السلاسة والسهولة. وشبه الخمر بها لما هو معلوم وثابت بين الناس أن شراب الجنة أعلى الشراب.
وعن المأمون : أنه ليلة زفت إليه بوران بنت الحسن بن سهل وهو على بساط منسوج من ذهب وقد نثرت عليه نساء دار الخلافة اللؤلؤ. فنظر إليه منثورا على ذلك البساط ، فاستحسن المنظر وقال : لله درّ أبى نواس ، وكأنه أبصر هذا حيث يقول :
|
كأنّ صغرى وكبرى من فواقعها |
|
حصباء درّ على أرض من الذّهب (١) |
وقيل : شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه ، لأنه أحسن وأكثر ماء (رَأَيْتَ) ليس له مفعول ظاهر ولا مقدر ليشيع ويعم ، كأنه قيل : وإذا أوجدت الرؤية ، ثم. ومعناه : أن بصر الرائي أينما وقع لم يتعلق إدراكه إلا بنعيم كثير وملك كبير. و (ثَمَ) في موضع النصب على الظرف ، يعنى في الجنة ومن قال : معناه «ما ثم» فقد أخطأ ، لأن «ثم» صلة لما ، ولا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة (كَبِيراً) واسعا وهنيئا. يروى : أن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام ، يرى أقصاه كما يرى أدناه. وقيل لا زوال له. وقيل : إذا أرادوا شيأ كان. وقيل : يسلم عليهم الملائكة ويستأذنون عليهم. قرئ : عاليهم ، بالسكون ، على أنه مبتدأ خبره (٢) (ثِيابُ سُندُسٍ) أى ما يعلوهم من لباسهم ثياب سندس. وعاليهم. بالنصب ، على أنه حال من الضمير في (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ) أو في (حَسِبْتَهُمْ) أى يطوف عليهم ولدان عاليا للمطوف عليهم ثياب. أو حسبتهم لؤلؤا عاليا لهم ثياب. ويجوز أن يراد : رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب. وعاليتهم : بالرفع والنصب على ذلك. وعليهم. وخضر. وإستبرق : بالرفع ، حملا على الثياب بالجر على السندس. وقرئ : وإستبرق ، نصبا في موضع الجر على منع الصرف لأنه أعجمى ، وهو غلط لأنه نكرة يدخله حرف التعريف ، تقول : الإستبرق ، إلا أن يزعم ابن محيصن أنه قد يجعل علما لهذا الضرب من الثياب. وقرئ : وإستبرق ، بوصل الهمزة والفتح : على أنه مسمى باستفعل من البريق ، وليس بصحيح أيضا ، لأنه معرب مشهور تعريبه ، وأنّ أصله : استبره (وَحُلُّوا) عطف على (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ). فإن قلت : ذكر هاهنا أنّ أساورهم من فضة ، وفي موضع آخر أنها من
__________________
(١) لأبى نواس ، يصف الخمر بأن حبابها الذي يعلوها كالقوارير يشبه الدر ، وبأنها تشبه الذهب ، وهو من التشبيه المركب. وحكى أنه لما زفت بوران بنت الحسن بن سهل للمأمون بن الرشيد كان على بساط منسوج بالذهب ونثرت عليه نساء دار الخلافة اللؤلؤ ، فنظر إليه وقال : لله در أبى نواس حيث قال : كأن صغرى ... البيت ، وقد عيب عليه استعمال صغرى وكبرى مجردتين من أل والاضافة ، مع أنهما عن أفعل التفضيل ، وهو إذا جرد وجب تذكيره.
(٢) قال محمود : «قرئ بالسكون على أنه مبتدأ خبره ثياب ... الخ» قال أحمد : في هذا الوجه الآخر نظر ، فانه يجعله داخلا في مضمون الحسبان ، وكيف يكون ذلك وهم لابسون السندس حقيقة ، لا على وجه التشبيه باللؤلؤ ، بخلاف كونهم لؤلؤا ، فانه على طريق التشبيه المقتضى لقرب شبههم باللؤلؤ إلى أن يحسبوا لؤلؤا. ويحتمل أن يصحح هذا الوجه لكن بعد تكلف مستغنى عنه بالأول.
ذهب. قلت : هب أنه قيل : وحلوا أساور من ذهب ومن فضة ، وهذا صحيح لا إشكال فيه ، على أنهم يسوّرون بالجنسين : إما على المعاقبة ، وإما على الجمع ، كما تزاوج نساء الدنيا بين أنواع الحلي وتجمع بينها ، وما أحسن بالمعصم أن يكون فيه سواران : سوار من ذهب ، وسوار من فضة (شَراباً طَهُوراً) ليس برجس كخمر الدنيا ، لأنّ كونها رجسا بالشرع لا بالعقل ، وليست الدار دار تكليف. أو لأنه لم يعصر فتمسه الأيدى الوضرة (١) ، وتدوسه الأقدام الدنسة ، ولم يجعل في الدنان والأباريق التي لم يعن بتنظيفها. أو لأنه لا يئول إلى النجاسة لأنه يرشح عرقا من أبدانهم له ريح كريح المسك. أى : يقال لأهل الجنة (إِنَّ هذا) وهذا إشارة إلى ما تقدّم من عطاء الله لهم : ما جوزيتم به على أعمالكم وشكر به سعيكم ، والشكر مجاز.
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً)(٢٦)
تكرير الضمير بعد إيقاعه اسما لإنّ : تأكيد على تأكيد لمعنى اختصاص الله بالتنزيل ، ليتقرّر في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان هو المنزل لم يكن تنزيله على أى وجه نزل إلا حكمة وصوابا ، كأنه قيل : ما نزّل عليك القرآن تنزيلا مفرقا منجما إلا أنا لا غيرى ، وقد عرفتني حكيما فاعلا لكل ما أفعله بدواعى الحكمة ، ولقد دعتني حكمة بالغة إلى أن أنزل عليك الأمر بالمكافة والمصابرة ، وسأنزل عليك الأمر بالقتال والانتقام بعد حين (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) الصادر عن الحكمة وتعليقه الأمور بالمصالح ، وتأخيره نصرتك على أعدائك من أهل مكة ، ولا تطع منهم أحدا قلة صبر منك على أذاهم وضجرا من تأخر الظفر ، وكانوا مع إفراطهم في العداوة والإيذاء له ولمن معه يدعونه إلى أن يرجع عن أمره ويبذلون له أموالهم وتزويج أكرم بناتهم إن أجابهم. فإن قلت : كانوا كلهم كفرة ، فما معنى القسمة في قوله (آثِماً أَوْ كَفُوراً)؟ قلت : معناه ولا تطع منهم راكبا لما هو إثم داعيا لك إليه. أو فاعلا لما هو كفر داعيا لك إليه ، لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل هو إثم أو كفر ، أو غير إثم ولا كفر ، فنهى أن يساعدهم على الاثنين دون الثالث. وقيل : الآثم عتبة ، والكفور : الوليد ، لأنّ عتبة كان ركابا للمآثم ، متعاطيا لأنواع الفسوق ، وكان الوليد غالبا في الكفر
__________________
(١) قوله «فتمسه الأبدى الوضرة» من الوضر : وهو الدرن والدسم. أفاده الصحاح. (ع)
شديد الشكيمة في العتوّ. فإن قلت : معنى أو : ولا تطع أحدهما ، فهلا جيء بالواو ليكون نهيا عن طاعتهما جميعا؟ قلت : لو قيل : ولا تطعهما ، جاز أن يطيع أحدهما ، وإذا قيل : لا تطع أحدهما ، علم أنّ الناهي عن طاعة أحدهما : عن طاعتهما جميعا أنهى. كما إذا نهى أن يقول لأبويه : أف ، علم أنه منهى عن ضربهما على طريق الأولى (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) ودم على صلاة الفجر والعصر (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ) وبعض الليل فصل له. أو يعنى صلاة المغرب والعشاء ، وأدخل (مِنَ) على الظرف للتبعيض ، كما دخل على المفعول في قوله (لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ). (وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً) وتهجد له هزيعا طويلا (١) من الليل : ثلثيه ، أو نصفه ، أو ثلثه.
(إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً)(٢٨)
(إِنَّ هؤُلاءِ) الكفرة (يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ) يؤثرونها على الآخرة ، كقوله (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا). (وَراءَهُمْ) قدّامهم أو خلف ظهورهم لا يعبئون به (يَوْماً ثَقِيلاً) استعير الثقيل لشدّته وهو له ، من الشيء الثقيل الباهظ لحامله. ونحوه : (ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الأسر : الربط والتوثيق. ومنه : أسر الرجل إذا أوثق بالقدّ وهو الإسار. وفرس مأسور الخلق. وترس مأسور بالعقب (٢). والمعنى : شددنا توصيل عظامهم بعضها ببعض ، وتوثيق مفاصلهم بالأعصاب. ومثله قولهم : جارية معصوبة الخلق ومجدولته (وَإِذا شِئْنا) أهلكناهم و (بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ) في شدّة الأسر ، يعنى : النشأة الأخرى. وقيل: معناه : بدلنا غيرهم ممن يطيع. وحقه أن يجيء بإن ، لا بإذا ، كقوله (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ) ، (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ).
(إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) (٣١)
__________________
(١) قوله «وتهجد له هزيعا طويلا» في الصحاح : مضى هزيع من الليل ، أى : طائفة. (ع)
(٢) قوله «وترس مأسور بالعقب» في الصحاح : العقب ـ بالتحريك ـ : العصب : الذي تعمل منه الأوتار ، الواحدة عقبة ، تقول منه : عقبت السهم والقدح والقوس : إذا لويت شيئا منه عليه. (ع)
(هذِهِ) إشارة إلى السورة أو إلى الآيات القريبة (فَمَنْ شاءَ) فمن اختار الخير لنفسه وحسن العاقبة واتخاذ السبيل إلى الله عبارة عن التقرب إليه والتوسل بالطاعة (وَما تَشاؤُنَ) الطاعة (١) (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) بقسرهم عليها (٢) (إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً) بأحوالهم وما يكون منهم (حَكِيماً) حيث خلقهم مع علمه بهم. وقرئ : تشاؤن ، بالتاء. فإن قلت : ما محل (أَنْ يَشاءَ اللهُ)؟ قلت النصب على الظرف ، وأصله : إلا وقت مشيئة الله ، وكذلك قراءة ابن مسعود : إلا ما يشاء الله. لأنّ (ما) مع الفعل كأن معه (يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ) هم المؤمنون ونصب (الظَّالِمِينَ) بفعل يفسره. أعدّ لهم ، نحو : أوعد وكافأ ، وما أشبه ذلك. قرأ ابن مسعود : وللظالمين ، على : وأعدّ للظالمين وقرأ ابن الزبير : والظالمون على الابتداء ، وغيرها أولى لذهاب الطباق بين الجملة المعطوفة والمعطوف عليها فيها ، مع مخالفتها للمصحف.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة هل أتى كان جزاؤه على الله جنة وحريرا» (٣).
__________________
(١) قال محمود : «معناه وما تشاؤن الطاعة إلا أن يشاء الله ... الخ» قال أحمد : وهذا من تحريفاته للنصوص وتسوره على خزائن الكتاب العزيز ، كدأب الشطار واللصوص ، فلنقطع يد حجته التي أعدها ، وذلك حكم هذه السرقة وحدها ، فنقول : الله تعالى نفى وأثبت على سبيل الحصر الذي لا حصر ولا نصر أوضح منه. ألا ترى أن كلمة التوحيد اقتصر بها على النفي والإثبات ، لأن هذا النظم أعلق شيء بالحصر وأدله عليه ، فنفى الله تعالى أن يفعل العبد شيئا له فيه اختيار ومشيئة ، إلا أن يكون الله تعالى قد شاء ذلك الفعل ، فمقتضاه ما لم يشأ الله وقوعه من العبد لا يقع من العبد ، وما شاء منه وقوعه وقع ، وهو رديف : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وانظر إدخاله القسر في تعطيل الآية لا تأويلها كيف ناقض به ، فان معنى الآية عنده : أن مشيئة العبد الفعل لا تكون إلا إذا قسره الله عليها ، والقسر مناف للمشيئة ، فصار الحاصل أن مشيئة العبد لا توجد إلا إذا انتفت ، فإذا لا مشيئة للعبد البتة ولا اختيار ، وما هو إلا فر من إثبات قدرة للعبد غير مؤثرة ومشيئة غير خالقة ، ليتم له إثبات قدرة ومشيئة مؤثرين ، فوقع في سلب القدرة والمشيئة أصلا ورأسا ، وحيث لزم الحيد عن الاعتزال : انحرف بالكلية إلى الطرف الأقصى متحيزا إلى الجبر ، فيا بعد ما توجه بسوء نظره. والله الموفق.
(٢) قوله «إلا أن يشاء الله أن بقسرهم عليها» إرادته تعالى تستلزم وجود المراد ، ولكن لا تستلزم كون العبد مقسورا ومجبورا على الفعل إلا عند المعتزلة. وأما أهل السنة فقد أثبتوا للعبد للكسب ، مع كون الله هو الخالق لفعل عندهم ، وتفصيل ذلك في التوحيد. (ع)
(٣) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بأسانيدهم إلى أبى بن كعب.
سورة المرسلات
مكية ، [إلا آية ٤٨ فمدنية] وآياتها ٥٠ [نزلت بعد الهمزة]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً)(٦)
أقسم سبحانه بطوائف من الملائكة ، أرسلهنّ بأوامره فعصفن في مضيهن كما تعصف الرياح ، تخففا في امتثال أمره ، وبطوائف منهم نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي. أو نشرن الشرائع في الأرض. أو نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل بما أوحين ، ففرّقن بين الحق والباطل ، فألقين ذكرا إلى الأنبياء (عُذْراً) للمحقين (أَوْ نُذْراً) للمبطلين. أو أقسم برياح عذاب أرسلهن. فعصفن ، وبرياح رحمة نشرن السحاب في الجوّ ففرّقن بينه ، كقوله : (وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً) أو بسحائب نشرن الموات ، ففرّقن بين هن يشكر لله تعالى وبين من يكفر ، كقوله (لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) فألقين ذكرا إمّا عذرا للذين يعتذرون إلى الله بتوبتهم واستغفارهم إذا رأوا نعمة الله في الغيث ويشكرونها ، وإما إنذارا الذين يغفلون الشكر لله وينسبون ذلك إلى الأنواء ، وجعلن ملقيات للذكر لكونهن سببا في حصوله إذا شكرت النعمة فيهن أو كفرت. فإن قلت : ما معنى عرفا؟ قلت : متتابعة كشعر العرف (١). يقال : جاءوا عرفا واحدا ، وهم عليه كعرف الضبع : إذا تألبوا عليه ، ويكون بمعنى العرف الذي هو نقيض النكر ، وانتصابه على أنه مفعول له ، أى : أرسلن للإحسان والمعروف ، والأول على الحال. وقرئ : عرفا على التثقيل ، نحو نكر في نكر. فإن قلت : قد فسرت المرسلات بملائكة العذاب ، فكيف يكون إرسالهم معروفا؟ قلت : إن لم يكن معروفا للكفار فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله لهم منهم. فإن قلت : ما العذر والنذر ، وبما انتصبا؟ قلت : هما مصدران من أعذر إذا محا الإساءة ، ومن أنذر إذا خوّف على
__________________
(١) قوله «كشعر العرف» في الصحاح «العرف» : عرف الفرس. وقوله تعالى (وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً) يقال : هو مستعار من عرف الفرس ، أى : يتتابعون كعرف الفرس. وفيه «تألبوا» : تجمعوا. (ع)
فعل ، كالكفر والشكر ، ويجوز أن يكون جمع عذير ، بمعنى المعذرة ، وجمع نذير بمعنى الإنذار. أو بمعنى العاذر والمنذر. وأما انتصابهما فعلى البدل من ذكرا على الوجهين الأوّلين. أو على المفعول له. وأما على الوجه الثالث فعلى الحال بمعنى عاذرين أو منذرين. وقرئا : مخففين ومثقلين.
(إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)(١٥)
إن الذي توعدونه من مجيء يوم القيامة لكائن نازل لا ريب فيه ، وهو جواب القسم.
وعن بعضهم : أن المعنى : ورب المرسلات (طُمِسَتْ) محيت ومحقت. وقيل : ذهب بنورها ومحق ذواتها ، موافق لقوله (انْتَثَرَتْ) و (انْكَدَرَتْ) ويجوز أن يمحق نورها ثم تنتثر ممحوقة النور (فُرِجَتْ) فتحت فكانت أبوابا. قال الفارجى : باب الأمير المبهم (نُسِفَتْ) كالحب إذا نسف بالمنسف. ونحوه (وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا) ، (وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً) وقيل : أخذت بسرعة من أماكنها ، من انتسفت الشيء إذا اختطفته. وقرئت : طمست : وفرجت ونسفت مشدّدة. قرئ : أقتت. ووقتت ، بالتشديد والتخفيف فيهما. والأصل : الواو. ومعنى توقيت الرسل : تبيين وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم. والتأجيل : من الأجل ، كالتوقيت : من الوقت (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ) تعظيم لليوم ، وتعجيب من هوله (لِيَوْمِ الْفَصْلِ) بيان ليوم التأجيل ، وهو اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق. والوجه أن يكون معنى وقتت : بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره : وهو يوم القيامة. وأجلت : أخرت. فإن قلت : كيف وقع النكرة مبتدأ في قوله (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)؟ قلت : هو في أصله مصدر منصوب سادّ مسدّ فعله ، ولكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه. ونحوه (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) ويجوز : ويلا ، بالنصب ، ولكنه لم يقرأ به. يقال : ويلا له ويلا كيلا.
(أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)(١٩)
قرأ قتادة : نهلك ، بفتح النون ، من هلكه بمعنى أهلكه. قال العجاج :
ومهمه هالك من تعرّجا (١)
(ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ) بالرفع على الاستئناف ، وهو وعيد لأهل مكة. يريد : ثم نفعل بأمثالهم من الآخرين مثل ما فعلنا بالأولين ، ونسلك بهم سبيلهم لأنهم كذبوا مثل تكذيبهم. ويقويها قراءة ابن مسعود. ثم سنتبعهم. وقرئ بالجزم للعطف على نهلك. ومعناه : أنه أهلك الأولين من قوم نوح وعاد وثمود ، ثم أتبعهم الآخرين من قوم شعيب ولوط وموسى (كَذلِكَ) مثل ذلك الفعل الشنيع (نَفْعَلُ) بكل من أجرم إنذارا وتحذيرا من عاقبة الجرم وسوء أثره.
(أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)(٢٤)
(إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ) إلى مقدار من الوقت معلوم قد علمه الله وحكم به : وهو تسعة الأشهر ، أو ما دونها ، أو ما فوقها (فَقَدَرْنا) فقدّرنا ذلك تقديرا (فَنِعْمَ الْقادِرُونَ) فنعم المقدّرون له نحن. أو فقدرنا على ذلك فنعم القادرون عليه نحن ، والأوّل أولى لقراءة من قرأ : فقدّرنا بالتشديد ، ولقوله (مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ).
(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)(٢٨)
الكفات : من كفت الشيء إذا ضمه وجمعه : وهو اسم ما يكفت ، كقولهم : الضمام والجماع لما يضم ويجمع ، يقال : هذا الباب جماع الأبواب ، وبه انتصب (أَحْياءً وَأَمْواتاً) كأنه قيل : كافتة أحياء وأمواتا. أو بفعل مضمر يدل عليه وهو تكفت. والمعنى : تكفت أحياء على ظهرها ، وأمواتا في بطنها. وقد استدل بعض أصحاب الشافعي رحمه الله على قطع النباش بأنّ الله تعالى جعل الأرض كفاتا للأموات ، فكان بطنها حرزا لهم ، فالنباش سارق من الحرز. فإن قلت : لم قيل أحياء وأمواتا على التنكير ، وهي كفات الأحياء والأموات جميعا؟ قلت :
__________________
|
(١)ومهمه هالك من تعرجا |
|
لا يرتجى الخريت منها مخرجا |
العجاج. والمهمه : المفازة القفرة. ويقال : أهلكه وهلكه. ومنه : هالك من تعرج. وعرج وتعرج : إذا نزل في المكان. والخريت : الدليل العارف بالطرق الضيقة ، ولو مثل خرت الابرة ، أى : لا يرجو الدليل مخرجا منها إذا ولجها ، فما بال غيره ، وهو مع ذلك قطعه بالسير.
هو من تنكير التفخيم ، كأنه قيل : تكفت أحياء لا يعدون وأمواتا لا يحصرون ، على أنّ أحياء الإنس وأمواتهم ليسوا بجميع الأحياء والأموات. ويجوز أن يكون المعنى : تكفتكم أحياء وأمواتا ، فينتصبا على الحال من الضمير ، لأنه قد علم أنها كفات الإنس. فإن قلت : فالتنكه في (رَواسِيَ شامِخاتٍ) و (ماءً فُراتاً)؟ قلت : يحتمل إفادة التبعيض ، لأنّ في السماء جبالا قال الله تعالى (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ) وفيها ماء فرات أيضا ، بل هي معدنه ومصبه ، وأن يكون للتفخيم.
(انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ (٣١) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) (٣٧)
أى يقال لهم : انطلقوا إلى ما كذبتم به من العذاب ، وانطلقوا الثاني تكرير. وقرئ : انطلقوا على لفظ الماضي إخبارا بعد الأمر عن عملهم بموجبه ، لأنهم مضطرون إليه لا يستطيعون امتناعا منه (إِلى ظِلٍ) يعنى دخان جهنم ، كقوله : وظل من يحموم (ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ) بتشعب لعظمه ثلاث شعب ، وهكذا الدخان العظيم تراه يتفرق ذوائب. وقيل : يخرج لسان من النار فيحيط بالكفار كالسرادق ، ويتشعب من دخانها ثلاث شعب ، فتظلهم حتى يفرغ من حسابهم ، والمؤمنون في ظل العرش (لا ظَلِيلٍ) تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين (وَلا يُغْنِي) في محل الجر ، أى : وغير مغن عنهم من حرّ اللهب شيئا (بِشَرَرٍ) وقرئ : بشرار (كَالْقَصْرِ) أى كل شررة كالقصر من القصور في عظمها. وقيل : هو الغليظ من الشجر ، الواحدة قصرة ، نحو : جمرة وجمر. وقرئ : كالقصر ، بفتحتين : وهي أعناق الإبل ، أو أعناق النخل ، نحو شجرة وشجر. وقرأ ابن مسعود : كالقصر بمعنى القصور ، كرهن ورهن. وقرأ سعيد ابن جبير : كالقصر في جمع قصرة ، كحاجة وحوج (جِمالَتٌ) جمع جمال. أو جمالة جمع جمل ، شبهت بالقصور ، ثم بالجمال لبيان التشبيه. ألا تراهم يشبهون الإبل بالأفدان والمجادل (١). وقرئ : جمالات ، بالضم : وهي قلوس الجسور. وقيل : قلوس سفن البحر ، الواحدة جمالة.
__________________
(١) قوله «بالأفدان والمجادل» جمع فدن وجمع مجدل ، وكلاهما بمعنى القصر ، كذا في الصحاح. وفيه أيضا «الجسر» بالفتح : الفطيم من الإبل. وفيه «القلس» : حبل ضخم من قلوس السفن. (ع)
وقرئ : جمالة ، بالكسر ، بمعنى : جمال : وجمالة بالضم : وهي القلس. وقيل (صُفْرٌ) لإرادة الجنس. وقيل (صُفْرٌ) : سود تضرب إلى الصفرة. وفي شعر عمران بن حطان الخارجي :
|
دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم |
|
بمثل الجمال الصّفر نزّاعة الشّوى (١) |
وقال أبو العلاء :
|
حمراء ساطعة الذّوائب في الدّجى |
|
ترمى بكلّ شرارة كطراف (٢) |
فشبهها بالطراف وهو بيت الأدم في العظم والحمرة ، وكأنه قصد بخبثه : أن يزيد على تشبيه القرآن ولتبجحه بما سوّل له من توهم الزيادة جاء في صدر بيته بقوله «حمراء» توطئة لها ومناداة عليها ، وتنبيها للسامعين على مكانها ، ولقد عمى : جمع الله له عمى الدارين عن قوله عز وعلا ، كأنه جمالات صفر ، فإنه بمنزلة قوله : كبيت أحمر ، وعلى أن في التشبيه بالقصر وهو الحصن تشبيها من جهتين : من جهة العظم ، ومن جهة الطول في الهواء. وفي التشبيه بالجمالات وهي القلوس : تشبيه من ثلاث جهات : من جهة العظم والطول والصفرة ، فأبعد الله إغرابه في طرافه وما نفخ شدقيه من استطرافه.
قرئ بنصب اليوم ، ونصبه الأعمش ، أى : هذا الذي قص عليكم واقع يومئذ ، ويوم القيامة طويل ذو مواطن ومواقيت : ينطقون في وقت ولا ينطقون في وقت ، ولذلك ورد الأمران في القرآن. أو جعل نطقهم كلا نطق ، لأنه لا ينفع ولا يسمع (فَيَعْتَذِرُونَ) عطف
__________________
(١) لعمرو بن حطان يصف جهنم. وشبهها في اختطافها للكفار بلهيبها وكلاليبها بعاقل يصح منه الدعاء على سبيل المكتبة ، فالدعاء والرمي : تخييل ، والصوت ترشيح. ويجوز أنها تفعل ذلك حقيقة ، كقولها (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) وقال ابن عباس : تدعو الناس بأسمائهم بلسان فصيح وتقول : إلىّ إلىّ ، تلتقطهم كما يلقط الطير الحب ، ثم قال : ورمتهم بشرر مثل الجبال الصفر. والمراد التي يرهق سوادها صفرة. ونزاعة للشوى : فاعل. والشوى : اسم جمع شواة ، وهي الشواية : البقية القليلة من اللحم ونحوه ، وتصغر شواية على شوية لزيادة التحقير. ويحتمل أن «شوية» تصغير شيء ، قلبت ياؤه واوا وقلبت همزته ياء وألحق التاء المثناة. وقيل الشوى : الأطراف والجلد. وقيل : كل ما ليس مقتلا للإنسان ، يعنى أنها تنزع جلود أهلها وأطرافهم ، لكن يبدلون غيرها ، والألف في قافية البيت للإطلاق.
|
(٢) الموقدى نار القرى الأصال |
|
والاسحار بالأهضام والاشعاف |
|
حمراء ساطعة الذوائب في الدجى |
|
ترمى بكل شرارة كطراف |
لأبى العلاء المعرى يصف قوما بالكرم ، والموقدى حذفت نوته بالاضافة لمفعوله. والآصال : جمع أصيل ، نصب على الظرفية ، أى : يوقدن النار في الآصال العشاء. وفي الأسحار لتعجيل الغذاء. والأهضام : المواضع المطمئنة. والأشعاف : أعالى الجبل ، حمراء : حال من النار. وذوائبها : أطراف لهبها في الدجى ، أى : الظلم ، ترمى : جملة حالية. وشبه الشرارة بالطراف : وهو بيت من أدم في العظم والحمرة ، وإذا كانت الشرارة كذلك فكيف النار كلها؟
على (يُؤْذَنُ) منخرط في سلك النفي. والمعنى : ولا يكون لهم إذن واعتذار متعقب له ، من غير أن يجعل الاعتذار مسببا عن الإذن. ولو نصب لكان مسببا عنه لا محالة.
(هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)(٤٥)
(جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ) كلام موضح لقوله (هذا يَوْمُ الْفَصْلِ) لأنه إذا كان يوم الفصل بين السعداء والأشقياء وبين الأنبياء وأممهم. فلا بدّ من جمع الأولين والآخرين ، حتى يقع ذلك الفصل بينهم (فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ) تقريع لهم على كيدهم لدين الله وذويه ، وتسجيل عليهم بالعجز والاستكانة (كُلُوا وَاشْرَبُوا) في موضع الحال من ضمير المتقين ، في الظرف الذي هو في ظلال ، أى : هم مستقرّون في ظلال ، مقولا لهم ذلك.
(كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)(٥٠)
و (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا) حال من المكذبين ، أى الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم كلوا وتمتعوا فإن قلت : كيف يصح أن يقال لهم ذلك في الآخرة؟ قلت : يقال لهم ذلك في الآخرة إيذانا بأنهم كانوا في الدنيا أحقاء بأن يقال لهم ، وكانوا من أهله تذكيرا بحالهم السمجة وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم والملك الخالد. وفي طريقته قوله :
|
إخوتى لا تبعدوا أبدا |
|
وبلى والله قد بعدوا (١) |
يريد : كنتم أحقاء في حياتكم بأن يدعى لكم بذلك ، وعلل ذلك بكونهم مجرمين دلالة على أن كل مجرم ماله إلا الأكل والتمتع أياما قلائل ، ثم البقاء في الهلاك أبدا. ويجوز أن يكون (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا) كلاما مستأنفا خطابا للمكذبين في الدنيا (ارْكَعُوا) اخشعوا لله وتواضعوا له بقبول
__________________
(١) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثاني صفحة ٤٠٥ فراجعه إن شئت اه مصححه.
وحيه واتباع دينه. واطرحوا هذا الاستكبار والنخوة ، لا يخشعون ولا يقبلون ذلك ، ويصرون على استكبارهم. وقيل : ما كان على العرب أشدّ من الركوع والسجود : وقيل : نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة ، فقالوا : لا نجي (١) فإنها مسبة (٢) علينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود (بَعْدَهُ) بعد القرآن ، يعنى أنّ القرآن من بين الكتب المنزلة آية مبصرة ومعجزة باهرة ، فحين لم يؤمنوا به فبأى كتاب بعده (يُؤْمِنُونَ) وقرئ : تؤمنون ، بالتاء. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة والمرسلات كتب له أنه ليس من المشركين» (٣)
سورة عمّ يتساءلون
مكية ، وتسمى سورة النبإ ، وهي أربعون ، أو إحدى وأربعون آية
[نزلت بعد المعارج]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ)(٣)
(عَمَ) أصله عما ، على أنه حرف جر دخل على ما الاستفهامية ، وهو في قراءة عكرمة وعيسى بن عمر. قال حسان رضى الله عنه :
|
على ما قام يشتمني لئيم |
|
كخنزير تمرّغ في رماد (٤) |
__________________
(١) قوله «فقالوا لا نجى» نجبى من التجبية : وهي الانحناء اه. (ع)
(٢) هكذا ذكره الثعلبي. وأخرجه أبو داود وأحمد وابن أبى شيبة والطبراني من رواية الحسن عن عثمان بن أبى العاص به وأتم منه.
(٣) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه عن أبى بن كعب.
|
(٤)على ما قام يشتمني لئيم |
|
كخنزير تمرغ في رماد |
|
وتلقاه على ما كان فيه |
|
من الهفوات أو نوك الفؤاد |
|
جبين الغى لا يغبى عليه |
|
ويغبى بعد عن سيل الرشاد |
لحسان بن المنذر. وقيل : ابن ثابت ، يهجو أحد بنى عائذ بن عمرو بن مخزوم. وما استفهام إنكارى وكان حقها ـ
والاستعمال الكثير على الحذف ، والأصل : قليل. ومعنى هذا الاستفهام : تفخيم الشأن ، كأنه قال : عن أى شأن يتساءلون. ونحوه ما في قولك : زيد ما زيد (١)؟ جعلته لانقطاع قرينه وعدم نظيره كأنه شيء خفى عليك جنسه فأنت تسأل عن جنسه وتفحص عن جوهره ، كما تقول : ما الغول وما العنقاء؟ تريد : أى شيء هو من الأشياء هذا أصله ، ثم جرد للعبارة عن التفخيم (٢) ، حتى وقع في كلام من لا تخفى عليه خافية (يَتَساءَلُونَ) يسأل بعضهم بعضا. أو يتساءلون غيرهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. نحو : يتداعونهم ويتراءونهم. والضمير لأهل مكة : كانوا يتساءلون فيما بينهم عن البعث ، ويتساءلون غيرهم عنه على طريق الاستهزاء (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ) بيان للشأن المفخم. وعن ابن كثير أنه قرأ : عمه ، بهاء السكت ، ولا يخلو : إما أن يجرى الوصل مجرى الوقف وإما أن يقف ويبتدئ (يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ) على أن يضمر (يَتَساءَلُونَ) لأنّ ما بعده يفسره ، كشيء يبهم ثم يفسر. فإن قلت : قد زعمت أنّ الضمير في يتساءلون للكفار ، فما تصنع بقوله (هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ)؟ قلت : كان فيهم من يقطع القول بإنكار البعث ، ومنهم من يشك. وقيل : الضمير للمسلمين والكافرين جميعا ، وكانوا جميعا يسألون عنه. أما المسلم فليزداد خشية واستعدادا ، وأما الكافر فليزداد استهزاء. وقيل : المتساءل عنه القرآن. وقيل : نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم. وقرئ : يسّاءلون بالإدغام ، وستعلمون بالتاء.
(كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ)(٥)
(كَلَّا) ردع للمتسائلين هزؤا. و (سَيَعْلَمُونَ) وعيد لهم بأنهم سوف يعلمون أنّ ما يتساءلون عنه ويضحكون منه حق ، لأنه واقع لا ريب فيه. وتكرير الردع مع الوعيد تشديد في ذلك. ومعنى (ثُمَ) الإشعار بأنّ الوعيد الثاني أبلغ من الأوّل وأشد.
__________________
ـ حذف الألف لدخول حرف الجر عليها ، وثبوتها قليل ، أى : على أى شيء يسبني لئيم مثل الخنزير المتمرغ في الرماد لذله. ويروى : في دمان كرماد وزنا ومعنى. أو بمعنى الدمنة وهي الكناسة المختلطة بالبعر ، ولعل ابن ثابت غيره وإلا فقصيدة ابن المنذر دالية لا نونية. والنوك : الحمق والهوج. والفؤاد : القلب والعقل ، أى : وتلقاه مع ما ثبت فيه من الخلل لا يخفى عليه الغى المبين ، أى : يرتكب طريقه ولا يعرف سبل الرشاد. ومعنى البعدية : تفاوت ما بين الخبرين. وغبا عليه الشيء ـ كرضى ـ : خفى عليه. وغبي هو عن الشيء ـ كرضى أيضا ـ : عجز عن معرفته. وفي قوله «لا يغبى ... الخ» طباق الإيجاب والسلب.
(١) قال محمود : «معنى هذا الاستفهام تفخيم الشأن ، كأنه قيل : عن أى شيء يتساءلون ونحوه ما في قولك ... الخ» قال أحمد : وقد أكثرت أم زرع من هذا التفخيم في قولها : وأبو زرع ما أبو زرع ، إلى آخر حديثها.
(٢) قال محمود : «هذا أصله ، ثم جرد الدلالة على التفخيم ... الخ» قال أحمد. لان بعضهم يشك في البعث ، وبعضهم يبت النفي ، ومن ثم قيل الضمير للمسلمين والكافرين ، فسؤال المسلمين ليزدادوا خشية ، وإنما سؤال الكفار لزيادة الاستهزاء والكفر.
(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً)(١٦)
فإن قلت : كيف اتصل به قوله (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً) (١) قلت : لما أنكروا البعث قيل لهم : ألم يخلق من يضاف إليه البعث هذه الخلائق العجيبة الدالة على كمال القدرة ، فما وجه إنكار قدرته على البعث ، وما هو إلا اختراع كهذه الاختراعات. أو قيل لهم : ألم يفعل هذه الأفعال المتكاثرة. والحكيم لا يفعل فعلا عبثا ، وما تنكرونه من البعث والجزاء مؤدّ إلى أنه عابث في كل ما فعل (مِهاداً) فراشا. وقرئ : مهدا. ومعناه : أنها لهم كالمهد للصبي : وهو ما يمهد له فينوّم عليه ، تسمية للممهود بالمصدر ، كضرب الأمير. أو وصفت بالمصدر. أو بمعنى : ذات مهد ، أى : أرسيناها بالجبال كما يرسى البيت بالأوتاد (سُباتاً) موتا. والمسبوت : الميت ، من السبت وهو القطع ، لأنه مقطوع عن الحركة. والنوم : أحد التوفيين ، وهو على بناء الأدواء. ولما جعل النوم موتا ، جعل اليقظة معاشا ، أى : حياة في قوله (وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً) أى : وقت معاش تستيقظون فيه وتتقلبون في حوائجكم ومكاسبكم. وقيل : السبات الراحة (لِباساً) يستركم عن العيون إذا أردتم هربا من عدوّ ، أو بياتا له. أو إخفاء مالا تحبون الاطلاع عليه من كثير من الأمور.
|
وكم لظلام اللّيل عندك من يد |
|
تخبّر أنّ المانويّة تكذب (٢) |
__________________
(١) قال محمود : «فان قلت : كيف اتصال قوله (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً) بما قبله ... الخ» قال أحمد : جوابه الأول سديد ، وأما الثاني فغير مستقيم ، فانه مقرع على المذهب الأعوج في وجوب مراعاة الصلاح والأصلح ، واعتقاد أن الجزاء واجب على الله تعالى عقلا ثوابا وعقابا بمقتضى إيجاب الحكمة. وقد فرغ من إبطال هذه القاعدة
|
(٢) وكم لظلام الليل عندك من يد |
|
تخبر أن المانوية تكذب |
|
ووقاك ردى الأعداء تسرى إليهم |
|
وزارك فيه ذو الدلال المحجب |
لأبى الطيب. وكم خبرية للتكثير. واليد : النعمة. وتخبر : تدل مجازا مرسلا. والمانوية طائفة تنسب الخير للنور والشر للظلام ، فكذبهم في البيت الأول ، واستدل على ذلك ، وبنى اليد في الثاني. والدلال : تمنع المحجوب مع رضاه. وتسرى : حال ، والمحجب : نعت ذى الدلال ، وإيضاح مسألة المانوية. أنه لم يخالف في أن الله واحد ـ
(سَبْعاً) سبع سماوات (شِداداً) جمع شديدة ، يعنى : محكمة قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الأزمان (وَهَّاجاً) متلألئا وقادا ، يعنى : الشمس : وتوهجت النار : إذا تلمظت (١) فتوهجت بضوئها وحرها. المعصرات : السحائب إذا أعصرت ، أى : شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر ، كقولك : أجز الزرع ، إذا حان له أن يجز. ومنه : أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض. وقرأ عكرمة : بالمعصرات ، وفيه وجهان : أن تراد الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب ، وأن تراد السحائب ، لأنه إذا كان الإنزال منها فهو بها ، كما تقول : أعطى من يده درهما ، وأعطى بيده. وعن مجاهد : المعصرات الرياح ذوات الأعاصير. وعن الحسن وقتادة : هي السماوات. وتأويله : أن الماء ينزل من السماء إلى السحاب ، فكأنّ السماوات يعصرن ، أى : يحملن على العصر ويمكنّ منه. فإن قلت : فما وجه من قرأ (مِنَ الْمُعْصِراتِ) وفسرها بالرياح ذوات الأعاصير ، والمطر لا ينزل من الرياح؟ قلت : الرياح هي التي تنشئ السحاب وتدرّ أخلافه (٢) ، فصحّ أن تجعل مبدأ للإنزال ؛ وقد جاء أنّ الله تعالى يبعث الرياح فتحمل الماء من السماء إلى السحاب ، فإن صحّ ذلك فالإنزال منها ظاهر. فإن قلت : ذكر ابن كيسان (٣) أنه جعل المعصرات بمعنى المغيثات ، والعاصر هو المغيث لا المعصر. يقال : عصره فاعتصر. قلت : وجهه أن يريد اللاتي أعصرن ، أى حان لها أن تعصر ، أى : تغيث (ثَجَّاجاً) منصبا بكثرة. يقال : ثجه وثج نفسه وفي الحديث : «أفضل الحج : العجّ والثجّ» (٤) أى رفع الصوت بالتلبية ، وصب دماء الهدى. وكان ابن عباس مثجا يسبل غربا ، يعنى يثج الكلام ثجا في خطبته. وقرأ الأعرج : ثجاجا. ومثاجج الماء : مصابه ، والماء ينثجج في الوادي (حَبًّا وَنَباتاً) يريد ما يتقوّت من الحنطة والشعير وما يعتلف من التبن والحشيش ، كما قال (كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ) ، (وَالْحَبُّ
__________________
ـ إلا الثنوية. قالوا : تجد في العالم خيرا كثيرا وشرا كثيرا ، والواحد لا يكون خيرا شريرا ، فلكل من الخير والشر فاعل مستقل ، فالمانوية والديصانية عن الثنوية قالوا : فاعل الخير هو النور ، وفاعل الشر هو الظلمة ، واعتقموا أنهما جسمان قديمان حساسان سميعان بصيران. والمجوس من الثنوية أيضا قالوا : إن فاعل الخير هو : يزوان. وفاعل الشر هو : أهرمن ، يعنون به الشيطان ، وكل ذلك ظاهر البطلان.
(١) قوله «وتوهجت النار إذا تلمظت» في الصحاح «توهجت النار» توقدت. وتوهج الجوهر : تلألأ ، فقوله : فتوهجت ... الخ : يعنى جمعت بين التلألؤ بضوئها ، والتوقد بحرها ، فتدير. (ع)
(٢) قوله «وتدر أخلافه» واحدها خلف : وهو ثدي الناقة ، كما يفيده الصحاح. (ع)
(٣) قوله «فان قلت ذكر ابن كيسان» لعله «ذكر عن ابن كيسان». (ع)
(٤) أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر بمعناه. وضعفه إبراهيم بن يزيد الخرزي. وأخرجه هو وابن ماجة من روآية محمد بن المنكدر ، عن عبد الرحمن ابن يربوع عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه مرفوعا نحوه. وقال لم يسمع ابن المنكدر عن عبد الرحمن بن يربوع.
ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ). (أَلْفافاً) ملتفة ولا واحد له ، كالأوزاع والأخياف (١). وقيل : الواحد لف. وقال صاحب الإقليد : أنشدنى الحسن بن على الطوسي :
|
جنّة لفّ وعيش مغدق |
|
وندامى كلّهم بيض زهر (٢) |
وزعم ابن قتيبة أنه لفاء ولف ، ثم ألفاف : وما أظنه واجدا له نظيرا من نحو خضر وأخضار وحمر وأحمار ، ولو قيل : هو جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد ، لكان قولا وجيها.
(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً)(٢٠)
(كانَ مِيقاتاً) كان في تقدير الله وحكمه حدّا توقت به الدنيا وتنتهي عنده ، أو حدا للخلائق ينتهون إليه (يَوْمَ يُنْفَخُ) بدل من يوم الفصل ، أو عطف بيان (فَتَأْتُونَ أَفْواجاً) من القبور إلى الموقف أمما كل أمّة مع إمامهم. وقيل : جماعات مختلفة. وعن معاذ رضى الله عنه أنه سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا معاذ ، سألت عن أمر عظيم من الأمور ، ثم أرسل عينيه وقال : تحشر عشرة أصناف من أمّتى : بعضهم على صورة القردة ، وبعضهم على صورة الخنازير ، وبعضهم منكسون : أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها ، وبعضهم عميا ، وبعضهم صما بكما ، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم : يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع ، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم ، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار ، وبعضهم أشدّ نتنا من الجيف ، وبعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم ، فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس. وأما الذين على صورة الخنازير : فأهل السحت. وأما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا ، وأما العمى فالذين يجورون في الحكم ، وأما الصمّ البكم فالمعجبون بأعمالهم ، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم
__________________
(١) قوله كالأوزاع والأضياف» في الصحاح «أوزاع من الناس» أى : جماعات. والأوزاع : بطن من همدان. وفيه «الناس أضياف» أى : مختلفون. وإخوة أضياف ، إذا كانت أمهم واحدة ، والآباء شتى. (ع)
(٢) للحسن بن على الطوسي. واللف ـ بالكسر : ـ الملتف أريد به الملتفة لتكاثف أشجارها وأوراقها. والمغدق الكثير الواسع. والبيض : مجاز عن الأخبار. ويجوز أنه على ظاهره. ورجل أزهر : مشرق الوجه ، فالزهر : المشرقو الوجوه ، كأحمر وحمر ، يعنى : أن ندماءه خبار حسان الخصال. أو بيض حسان الوجوه. والمطرد في جمع أفعل وفعلاء على فعل : سكون العين. ويجوز في الشعر ضمها فيما صحت عينه ولامه ولم يضعف كما هنا ، وكما في قوله : وأنكرتنى ذوات الأعين النجل على أنه يجوز للشاعر تحريك الساكن بحركة ما قبله للوزن ، ويجوز تحريكه بحركة ما بعده إذا سكن للوقف ، فيكون بفتح الهاء ، كغرفة وغرف.
أعمالهم ، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران ، وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان ، وأما الذين هم أشدّ نتنا من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله في أموالهم ، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء» (١) وقرئ : وفتحت ، بالتشديد والتخفيف. والمعنى : كثرة أبوابها المفتحة لنزول الملائكة ، كأنها ليست إلا أبوابا مفتحة ، كقوله (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً) كأن كلها عيون تتفجر. وقيل : الأبواب الطرق والمسالك ، أى. تكشط فينفتح مكانها وتصير طرقا لا يسدّها شيء (فَكانَتْ سَراباً) كقوله (فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا) يعنى أنها تصير شيئا كلا شيء ، لتفرّق أجزائها وانبثات جواهرها.
(إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً)(٣٠)
المرصاد : الحدّ الذي يكون فيه الرصد. والمعنى : أن جهنم هي حدّ الطاغين الذي يرصدون فيه للعذاب وهي مآبهم. أو هي مرصاد لأهل الجنة ترصدهم الملائكة الذين يستقبلونهم عندها ، لأن مجازهم عليها ، وهي مآب للطاغين. وعن الحسن وقتادة نحوه ، قالا : طريقا وممرّا لأهل الجنة. وقرأ ابن يعمر : أنّ جهنم ، بفتح الهمزة على تعليل قيام الساعة بأنّ جهنم كانت مرصادا للطاغين ، كأنه قيل : كان ذلك لإقامة الجزاء. قرئ : لابثين ولبثين ، واللبث أقوى ، لأنّ اللابث من وجد منه اللبث ، ولا يقال «لبث» إلا لمن شأنه اللبث ، كالذي يجثم بالمكان لا يكاد ينفك منه (أَحْقاباً) حقبا (٢) بعد حقب ، كلما مضى حقب تبعه آخر إلى غير نهاية ، ولا يكاد يستعمل الحقب والحقبة إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها ، والاشتقاق يشهد لذلك. ألا ترى إلى
__________________
(١) أخرجه الثعلبي وابن مردويه من رواية محمد بن زهير عن محمد بن الهندي عن حنظلة الدوسي عن أبيه عن البراء بن عازب عنه بطوله.
(٢) قوله «أحقابا» في الصحاح «الحقب» بالضم : ثمانون سنة. والحقبة ـ بالكسر ـ : واحدة الحقب ، وهي السنون. والحقب : الدهر ، والأحقاب : الدهور. (ع)
حقيبة الراكب ، والحقب الذي وراء التصدير (١) وقيل : الحقب ثمانون سنة ، ويجوز أن يراد : لابثين فيها أحقابا غير ذائقين فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا ، ثم يبدلون بعد الأحقاب غير الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب. وفيه وجه آخر : وهو أن يكون من «حقب عامنا» إذا قل مطره وخيره ، وحقب فلان : إذا أخطأه الرزق ، فهو حقب ، وجمعه أحقاب ، فينتصب حالا عنهم ، يعنى لابثين فيها حقيبين (٢) جحدين. وقوله (لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً) تفسير له والاستثناء منقطع ، يعنى : لا يذوقون فيها بردا وروحا ينفس عنهم حرّ النار ، ولا شرابا يسكن من عطشهم ، ولكن يذوقون فيها حميما وغساقا وقيل «البرد» النوم ، وأنشد :
|
فلو شئت حرّمت النّساء سواكم |
|
وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا (٣) |
وعن بعض للعرب : منع البرد البرد (٤). وقرئ : غساقا ، بالتخفيف والتشديد : وهو ما يغسق ، أى : يسيل من صديدهم (وِفاقاً) وصف بالمصدر. أو ذا وفاق. وقرأ أبو حيوة :وفاقا ، فعال من وفقه كذا (كِذَّاباً) تكذيبا ، وفعال في باب فعل كله فاش في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره ، وسمعنى بعضهم أفسر آية فقال لقد فسرتها فسارا ما سمع بمثله. وقرئ بالتخفيف ، وهو مصدر كذب ، بدليل قوله :
|
فصدقتها وكذبتها |
|
والمرء ينفعه كذابه (٥) |
وهو مثل قوله (أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً) يعنى : وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذابا. أو تنصبه بكذبوا ، لأنه يتضمن معنى كذبوا ، لأنّ كل مكذب بالحق كاذب ، وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه : وكذبوا بآياتنا ، فكاذبوا مكاذبة. أو كذبوا بها مكاذبين ، لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة. أو لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل من يغالب في أمر ، فيبلغ فيه أقصى جهده. وقرئ : كذابا ، وهو جمع كاذب ، أى : كذبوا
__________________
(١) قوله «والحقب الذي وراء التصدير» في الصحاح «التصدير» : الحزام ، وهو في صدر البعير ، والحقب عند الثيل. وفيه «الثيل» : وعاء قضيب البعير. (ع)
(٢) قوله «لابثين فيها حقيبين» لعله حقبين من حقب بالكسر كجحدين من جحد : إذا كان ضيقا قليل الخير فيهما ، أفاده الصحاح. (ع)
(٣) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٢٩٤ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٤) قوله «منع البرد البرد» أى : منع البرد النوم. (ع)
(٥) الكذاب ـ ككتاب ـ : مصدر مضاف لفاعله. وصدقتها وكذبتها ـ بتخفيفها ـ بمعنى : قلت لها قولا صادقا تارة ، وقولا كاذبا تارة أخرى. أو قلت لها : أنت صادقة تارة ، وأنت كاذبة تارة. والضمير لنفسه أو صاحبته مثلا. وعلل ذلك بأن الكذب قد ينفع.
بآياتنا كاذبين ، وقد يكون الكذاب بمعنى الواحد البليغ في الكذب ، يقال : رجل كذاب ، كقولك : حسان ، وبخال ، فيجعل صفة لمصدر كذبوا ، أى : تكذيبا كذابا مفرطا كذبه ، وقرأ أبو السمال : وكل شيء أحصيناه ، بالرفع على الابتداء (كِتاباً) مصدر في موضع إحصاء وأحصينا في معنى كتبنا ، لالتقاء الإحصاء ، والكتبة في معنى الضبط والتحصيل. أو يكون حالا في معنى : مكتوبا في اللوح وفي صحف الحفظة. والمعنى : إحصاء معاصيهم ، كقوله : (أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ) وهو اعتراض. وقوله (فَذُوقُوا) مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات ، وهي آية في غاية الشدّة ، وناهيك بلن نزيدكم ، وبدلالته على أن ترك الزيادة كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة. وبمجيئها على طريقة الالتفات شاهدا على أنّ الغضب قد تبالغ ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : «هذه الآية أشدّ ما في القرآن على أهل النار» (١).
(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً)(٣٦)
(مَفازاً) فوزا وظفرا بالبغية. أو موضع فوز. وقيل : نجاة مما فيه أولئك. أو موضع نجاة. وفسر المفاز بما بعده. والحدائق : البساتين فيها أنواع الشجر المثمر. والأعناب : الكروم. والكواعب : اللاتي فلكت ثدييهن (٢) ، وهن النواهد. والأتراب. اللدات : والدهاق : المترعة. وأدهق الحوض : ملأه حتى قال قطني. وقرئ : ولا كذابا ، بالتشديد والتخفيف ، أى : لا يكذب بعضهم بعضا. ولا يكذبه. أولا يكاذبه. وعن على رضى الله عنه أنه قرأ بتخفيف الاثنين (جَزاءً) مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً) كأنه قال : جازى المتقين بمفاز. و (عَطاءً) نصب بجزاء نصب المفعول به. أى : جزاهم عطاء. و (حِساباً) صفة بمعنى : كافيا. من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال حسبي. وقيل. على حسب أعمالهم. وقرأ ابن قطيب : حسابا ، بالتشديد ، على أنّ الحساب بمعنى المحسب ، كالدرّاك بمعنى المدرك.
(رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧)
__________________
(١) أخرجه ابن أبى حاتم والثعلبي من رواية جسر بن فرقد السبخى عن الحسن سألت أبا برزة الأسلمي فذكره وجسر ضعيف. ورواه الطبراني والبيهقي في الشعب موقوفا.
(٢) قوله «فلكت ثديهن» في الصحاح : «فلك ثدي الجارية تفليكا» وتفلك : استدار. (ع)
يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً)(٣٩)
قرئ : رب السماوات. والرحمن : بالرفع ، على : هو رب السماوات الرحمن. أو رب السماوات مبتدأ ، والرحمن صفة ، ولا يملكون : خبر. أو هما خبران. وبالجر على البدل من ربك ، وبجر الأوّل ورفع الثاني على أنه مبتدأ خبره (لا يَمْلِكُونَ). أو هو الرحمن لا يملكون. والضمير في (لا يَمْلِكُونَ) لأهل السماوات والأرض ، أى : ليس في أيديهم مما يخاطب به الله ويأمر به في أمر الثواب والعقاب خطاب واحد يتصرفون فيه تصرف الملاك ، فيزيدون فيه أو ينقصون منه. أو لا يملكون أن يخاطبوه بشيء من نقص العذاب أو زيادة في الثواب ، إلا أن يهب لهم ذلك ويأذن لهم فيه. و (يَوْمَ يَقُومُ) متعلق بلا يملكون ، أو بلا يتكلمون. والمعنى : إنّ الذين هم أفضل الخلائق (١) وأشرفهم وأكثرهم طاعة وأقربهم منه وهم الروح والملائكة لا يملكون التكلم بين يديه ، فما ظنك بمن عداهم من أهل السماوات والأرض؟ والروح : أعظم خلقا من الملائكة وأشرف منهم وأقرب من رب العالمين. وقيل : هو ملك عظيم ما خلق الله بعد العرض خلقا أعظم منه. وقيل : ليسوا بالملائكة ، وهم يأكلون. وقيل : جبريل. هما شريطتان : أن يكون المتكلم مأذونا له في الكلام. وأن يتكلم بالصواب فلا يشفع لغير مرتضى (٢) ، لقوله تعالى (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى).
(إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُتُراباً)(٤٠)
(الْمَرْءُ) هو الكافر لقوله تعالى (إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً) والكافر : ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم ، ويعنى (ما قَدَّمَتْ يَداهُ) من الشر ، كقوله (وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) ، (وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ) ،
__________________
(١) قوله «إن الذين هم أفضل الخلائق» تفضيلهم على البشر مذهب المعتزلة ، ومذهب أهل السنة تفضيل البشر عليهم : والظاهر أن الروح كالملك في هذا الخلاف ، فتدبر. (ع)
(٢) قال محمود : «وقف الشفاعة على شرطين ... الخ» قال أحمد : يعرض بأن الشفاعة لا تحل على مرتكبي الكبائر من الموحدين ، وقد صرح بذلك في مواضع تقدمت له ، ويتلقى ذلك من أنها مخصوصة بالمرتضين ، وذوو الكبائر ليسوا مرتضين. ومن ثم أخطأ فان الله عز وجل ما خصهم بالايمان والتوحيد وتوفاهم عليه ، إلا وقد ارتضاهم لذلك ، بدليل قوله تعالى (وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) فجعل الشكر بمعنى الايمان المقابل للكفر ، مرضيا لله تعالى ، وصاحبه مرتضى.
أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) و «ما» يجوز أن تكون استفهامية منصوبة بقدّمت ، أى ينظر أى شيء قدّمت يداه ، وموصولة منصوبة بينظر ، يقال : نظرته بمعنى نظرت إليه ، والراجع من الصلة محذوف ، وقيل : المرء عام ، وخصص منه الكافر. وعن قتادة : هو المؤمن (يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً) في الدنيا فلم أخلق ولم أكلف. أو ليتني كنت ترابا في هذا اليوم فلم أبعث. وقيل يحشر الله الحيوان غير المكلف حتى يقتص للجماء من القرناء ، ثم يردّه ترابا ، فيودّ الكافر حاله. وقيل : الكافر إبليس ، يرى آدم وولده وثوابهم ، فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين قال (خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ).
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة عم يتساءلون سقاه الله برد الشراب يوم القيامة ؛ (١).
سورة النازعات
مكية ، وهي خمس أو ست وأربعون آية [نزلت بعد النبإ]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ)(١٤)
أقسم سبحانه بطوائف الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد ، وبالطوائف التي تنشطها
__________________
(١) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه باسنادهم إلى أبى بن كعب.
أى تخرجها. من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها ، وبالطوائف التي تسبح في مضيها ، أى : تسرع فتسبق إلى ما أمروا به ، فتدبر أمرا من أمور العباد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم كما رسم لهم (غَرْقاً) إغراقا في النزع ، أى : تنزعها من أقاصى الأجساد من أناملها وأظفارها. أو أقسم بخيل الغزاة التي تنزغ في أعنتها نزعا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها ، لأنها عراب. والتي تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب من قولك «ثور ناشط» إذا خرج من بلد إلى بلد ، والتي تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الغلبة والظفر ، وإسناد التدبير إليها ، لأنها من أسبابه. أو أقسم بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب. وإغراقها في النزع : أن تقطع الفلك كله حتى تنحط في أقصى الغرب ، والتي تخرج من برج إلى برج ، والتي تسبح في الفلك من السيارة فتسبق فتدبر أمرا من علم الحساب. وقيل النازعات أيدى الغزاة ، أو أنفسهم تنزع القسىّ بإغراق السهام ، والتي تنشط الأوهاق (١) والمقسم عليه محذوف ، وهو «لتبعثن» لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة. و (يَوْمَ تَرْجُفُ) منصوب بهذا المضمر. و (الرَّاجِفَةُ) الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال ، وهي النفخة الأولى : وصفت بما يحدث بحدوثها (تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) أى الواقعة التي تردف الأولى ، وهي النفخة الثانية. ويجوز أن تكون الرادفة من قوله تعالى (قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) أى القيامة التي يستعجلها الكفرة استبعادا لها ، وهي رادفة لهم لاقترابها. وقيل (الرَّاجِفَةُ) الأرض والجبال ، من قوله (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ) والرادفة : السماء والكواكب ، لأنها تنشق وتنتثر كواكبها على أثر ذلك. فإن قلت : ما محل تتبعها؟ قلت : الحال ، أى : ترجف تابعتها الرادفة. فإن قلت : كيف جعلت (يَوْمَ تَرْجُفُ) ظرفا للمضمر الذي هو لتبعثن ، ولا يبعثون عند النفخة الأولى؟ قلت : المعنى : لتبعثنّ في الوقت الواسع الذي يقع فيه النفختان ، وهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع ، وهو وقت النفخة الأخرى. ودلّ على ذلك أنّ قوله (تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) جعل حالا عن الراجفة. ويجوز أن ينتصب (يَوْمَ تَرْجُفُ) بما دلّ عليه (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ) أى يوم ترجف وجفت القلوب (واجِفَةٌ) شديدة الاضطراب ، والوجيب والوجيف : أخوان (خاشِعَةٌ) ذليلة. فإن قلت : كيف جاز الابتداء بالنكرة؟ قلت : (قُلُوبٌ) مرفوعة بالابتداء ، و (واجِفَةٌ) صفتها ، و (أَبْصارُها خاشِعَةٌ) خبرها فهو كقوله : (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ). فإن قلت : كيف صح إضافة الأبصار إلى القلوب؟ قلت : معناه أبصار أصحابها بدليل قوله (يَقُولُونَ). (فِي الْحافِرَةِ) في الحالة الأولى ، يعنون : الحياة بعد الموت. فإن قلت : ما حقيقة هذه الكلمة؟ قلت : يقال : رجع فلان في حافرته ، أى : في
__________________
(١) قوله «تنشط الأوهاق» هي حبال المواشي ، أفاده الصحاح. (ع)
طريقه التي جاء فيها فحفرها ، أى : أثر فيها بمشيه فيها : جعل أثر قدميه حفرا ، كما قيل : حفرت أسنانه حفرا : إذا أثر الآكال في أسناخها (١). والخط المحفور في الصخر. وقيل : حافرة ، كما قيل : عيشة راضية ، أى : منسوبة إلى الحفر والرضا ، أو كقولهم : نهارك صائم ، ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه : رجع إلى حافرته ، أى طريقته وحالته الأولى. قال :
|
أحافرة على صلع وشيب |
|
معاذ الله من سفه وعار (٢) |
يريد : أرجوعا إلى حافرة. وقيل : النقد عند الحافرة ، يريدون عند الحالة الأولى : وهي الصفقة. وقرأ أبو حيوة : في الحفرة. والحفرة بمعنى : المحفورة. يقال : حفرت أسنانه فحفرت حفرا ، وهي حفرة ، وهذه القراءة دليل على أن الحافرة في أصل الكلمة بمعنى المحفورة. يقال: نخر العظم فهو نخر وناخر ، كقولك طمع فهو طمع وطامع ، وفعل أبلغ من فاعل ، وقد قرئ بهما : وهو البالي الأجوف الذي تمر فيه الريح فيسمع له نخير. و (إِذاً) منصوب بمحذوف ، تقديره : أئذا كنا عظاما نرد ونبعث (كَرَّةٌ خاسِرَةٌ) منسوبة إلى الخسران ، أو خاسر أصحابها. والمعنى : أنها إن صحت فنحن إذا خاسرون لتكذيبنا بها ، وهذا استهزاء منهم. فإن قلت : بم تعلق قوله (فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ)؟ قلت : بمحذوف ، معناه : لا تستصعبوها ، فإنما هي زجرة واحدة ، يعنى : لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله عز وجل ، فإنها سهلة هينة في قدرته ، ما هي إلا صيحة واحدة (٣) ، يريد النفخة الثانية (فَإِذا هُمْ) أحياء على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتا في جوفها ، من قولهم : زجر البعير ، إذا صاح عليه. والساهرة : الأرض البيضاء المستوية ، سميت بذلك لأنّ السراب يجرى فيها ، من قولهم : عين ساهرة جارية الماء ، وفي ضدها : نائمة. قال الأشعث بن قيس :
__________________
(١) قوله «أثر الآكال في أسناخلها» في الصحاح «أسناخ الأسنان» : أصولها. (ع)
(٢) أنشده ابن الأعرابى. والهمزة للإنكار. والحافرة في الأصل : الطريق المحفور بالسير ، فتسميته حافرة مجاز عقلى. أو على معنى النسب ، أى : ذات حفر ، ثم استعملت في كل حال كنت فيه ، ثم رجعت إليه. وهي نصب بمحذوف ، أى : أأرجع حافرة ، أى في طريقتي الأولى من الشباب والصبا. أو على نزع الخافض ، أى : أأرجع إليها. والصلع : انحسار شعر الجبهة ، ويغلب في الهرم. ومعاذ : مصدر نصب بمحذوف. والسفه : الجهل والطيش.
(٣) قال محمود : «إن قلت : كيف اتصل بما قبله؟ وأجاب أنهم أنكروا الاعادة ... الخ» قال أحمد : وما أحسن تسهيل أمر الاعادة بقوله (زَجْرَةٌ) عوضا من صيحة ، لأن الزجرة أخف من الصيحة ، وبقوله (واحِدَةٌ) أى غير محتاجة إلى مثنوية ، وهو يحقق لك ما أجبت به من السؤال الوارد عند قوله تعالى (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ) حيث قيل : كيف وحدها وهما نفختان ، فجدد به عهدا.
|
وساهرة يضحى السّراب مجلّلا |
|
لأقطارها قد جبتها متلثّما (١) |
أو لأنّ سالكها لا ينام خوف الهلكة. وعن قتادة : فإذا هم في جهنم.
(هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩) فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى)(٢٦)
(اذْهَبْ) على إرادة القول. وفي قراءة عبد الله : أن اذهب ، لأنّ في النداء معنى القول. هل لك في كذا ، وهل لك إلى كذا ، كما تقول : هل ترغب فيه ، وهل ترغب إليه (إِلى أَنْ تَزَكَّى) إلى أن تتطهر من الشرك ، وقرأ أهل المدينة : تزكى ، بالإدغام (وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ) وأرشدك إلى معرفة الله أنبهك عليه فتعرفه (فَتَخْشى) لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة. قال الله تعالى (إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) أى العلماء به ، وذكر الخشية لأنها ملاك الأمر ، من خشي الله : أتى منه كل خير. ومن أمن : اجترأ على كل شرّ. ومنه قوله عليه السلام «من خاف أدلج ، ومن أدلج بلغ المنزل» (٢) بدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض ، كما يقول الرجل لضيفه : هل لك أن تنزل بنا ، وأردفه الكلام الرقيق ليستدعيه بالتلطف في القول ، ويستنزله بالمداراة من عتوه ، كما أمر بذلك في قوله (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً). (الْآيَةَ الْكُبْرى) قلب العصاحية لأنها كانت المقدمة والأصل ، والأخرى كالتبع لها ، لأنه كان يتقيها بيده ، فقيل
__________________
(١) للأشعث بن قيس ، والساهرة : الأرض البيضاء ، لأن السراب يجرى فيها فتشبه العين الساهرة ، لظهور بياضها وجريان مائها ، بخلاف الناعسة. أو وصفت بالسهر ، لأن السائر فيها ساهر لا ينام خوف الهلكة ، فهو مجاز عقلى. مجللا : خير «يضحى» أى : ساترا لأقطارها وجوانبها. يقول : رب مفازة يسترها النهار بسراب يشبه جل الفرس ، ويطلق النهار على السراب ، وعلى فرخ الحبارى ، وتصح إرادة كل منهما. قد أتيتها لا بسا اللثام خوف الحر والريح.
(٢) أخرجه الحاكم والبيهقي في الشعب وأبو نعيم في الحلية من رواية الثوري عن أبى عقيل عن الطفيل بن أبى عن أبيه بهذا. قال أبو نعيم تفرد به وكيع. قاله في ترجمته وهو ضعيف برواية الحاكم من طريق عبد الله بن الوليد عن الثوري ورواه الترمذي والحاكم والعقيل عن رواية يزيد بن سنان سمعت بكر بن فيروز. سمعت أبا هريرة ـ فذكره.
له : أدخل يدك في جيبك. أو أرادهما جميعا ، إلا أنه جعلهما واحدة ، لأن الثانية كأنها من جملة الأولى لكونها تابعة لها (فَكَذَّبَ) بموسى والآية الكبرى ، وسماهما ساحرا وسحرا (وَعَصى) الله تعالى بعد ما علم صحة الأمر ، وأنّ الطاعة قد وجبت عليه (ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى) أى لما رأى الثعبان أدبر مرعوبا (١) ، يسعى : يسرع في مشيته. قال الحسن. كان رجلا طياشا خفيفا. أو تولى عن موسى يسعى ويجتهد في مكايدته ، وأريد : ثم أقبل يسعى ، كما تقول : أقبل فلان يفعل كذا ، بمعنى : أنشأ يفعل ، فوضع (أَدْبَرَ) موضع : أقبل ، لئلا يوصف بالإقبال (فَحَشَرَ) فجمع السحرة ، كقوله (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ). (فَنادى) في المقام الذي اجتمعوا فيه معه. أو أمر مناديا فنادى في الناس بذلك. وقيل قام فيهم خطيبا فقال تلك العظيمة. وعن ابن عباس : كلمته الأولى : (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي) والآخرة : (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى). (نَكالَ) هو مصدر مؤكد ، كوعد الله ، وصبغة الله ، كأنه قيل : نكل الله به نكال الآخرة والأولى والنكال بمعنى التنكيل ، كالسلام بمعنى التسليم. يعنى الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة (٢) ، وعن ابن عباس : نكال كلمتيه الآخرة ، وهي قوله : (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى) والأولى وهي قوله (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي) وقيل : كان بين الكلمتين أربعون سنة. وقيل عشرون.
(أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ)(٣٣)
الخطاب لمنكري البعث ، يعنى (أَأَنْتُمْ) أصعب (خَلْقاً) وإنشاء (أَمِ السَّماءُ) ثم بين كيف خلقها فقال (بَناها) ثم بين البناء فقال (رَفَعَ سَمْكَها) أى جعل مقدار ذهابها في سمت العلو مديدا رفيعا مسيرة خمسمائة عام (فَسَوَّاها) فعدلها مستوية ملساء ، ليس فيها تفاوت ولا فطور. أو فتممها بما علم أنها تتم به وأصلحها ، من قولك : سوى فلان أمر فلان. غطش الليل وأغطشه الله ، كقولك : ظلم وأظلمه. ويقال أيضا : أغطش الليل ، كما يقال أظلم (وَأَخْرَجَ
__________________
(١) قال محمود : «أى لما رأى الثعبان ولى هاربا مذعورا ... الخ» قال أحمد : وهذا الوجه الأخير حسن لطيف جدا ، وهو على هذا من أفعال المقاربة.
(٢) قال محمود : «وقوله (نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى) يعنى الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة ... الخ» قال أحمد : فعلى الأول يكون قريبا من إضافة الموصوف إلى الصفة ، لأن الآخرة والأولى صفتان للكلمتين ، وعلى الثاني لا يكون كذلك.
ضُحاها) وأبرز ضوء شمسها ، يدل عليه قوله تعالى (وَالشَّمْسِ وَضُحاها) يريد وضوئها. وقولهم : وقت الضحى ، للوقت الذي تشرق فيه الشمس ويقوم سلطانها ، وأضيف الليل والشمس إلى السماء ، لأن الليل ظلها والشمس هي السراج المثقب في جوّها (١) (ماءَها) عيونها المتفجرة بالماء (وَمَرْعاها) ورعيها ، وهو في الأصل موضع الرعي. ونصب الأرض والجبال بإضمار «دحا» و «أرسى» وهو الإضمار على شريطة التفسير. وقرأهما الحسن مرفوعين على الابتداء. فإن قلت : هلا أدخل حرف العطف على أخرج (٢)؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما : أن يكون معنى (دَحاها) بسطها ومهدها للسكنى ، ثم فسر التمهيد بما لا بدّ منه في تأتى سكناها ، من تسوية أمر المأكل والمشرب ، وإمكان القرار عليها ، والسكون بإخراج الماء والمرعى ، وإرساء الجبال وإثباتها أوتادا لها حتى تستقر ويستقر عليها. والثاني : أن يكون (أَخْرَجَ) حالا بإضمار «قد» كقوله : (أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) وأراد بمرعاها : ما يأكل الناس والأنعام. واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله (يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) وقرئ : نرتع ، من الرعي ، ولهذا قيل : دلّ الله سبحانه بذكر الماء والمرعى على عامة ما يرتفق به ويتمتع مما يخرج من الأرض حتى الملح ، لأنه من الماء (مَتاعاً لَكُمْ) فعل ذلك تمتيعا لكم (وَلِأَنْعامِكُمْ) لأن منفعة ذلك التمهيد واصلة إليهم وإلى أنعامهم.
(فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى)(٣٦)
(الطَّامَّةُ) الداهية التي تطم على الدواهي ، أى : تعلو وتغلب. وفي أمثالهم : جرى الوادي فطمّ على القرى ، وهي القيامة لطمومها على كل هائلة. وقيل : هي النفخة الثانية. وقيل : الساعة التي تساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ) بدل من إذا جاءت ، يعنى : إذا رأى أعماله مدونة في كتابه تذكرها وكان قد نسيها ، كقوله (أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ). و (ما) في (ما سَعى) موصولة ، أو مصدرية (وَبُرِّزَتِ) أظهرت وقرأ أبو نهيك : وبرزت
__________________
(١) قوله «هي السراج المثقب في جوها» في الصحاح «ثقبت النار» : إذا اتقدت. وأثقبتها أنا. (ع)
(٢) قال محمود : «فان قلت هلا أدخل العاطف على أخرج ... الخ» قال أحمد : والأول أحسن ، وهو مناسب لقوله (السَّماءُ بَناها) ، لأنه لما قال (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ) تم الكلام ، لكن مجملا ، ثم بين التفاوت ففسر كيف خلقها فقال. (بَناها) ، بغير عاطف : ثم فسر البناء فقال (رَفَعَ سَمْكَها) ، بغير عاطف أيضا
(لِمَنْ يَرى) للرائين جميعا ، أى : لكل أحد ، يعنى : أنها تظهر إظهارا بينا مكشوفا (١) ، يراها أهل الساهرة كلهم ، كقوله : قد بين الصبح لذي عينين ، يريد : لكل من له بصر ، وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد. وقرأ ابن مسعود : لمن رأى. وقرأ عكرمة : لمن ترى. والضمير للجحيم ، كقوله (إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) وقيل : لمن ترى يا محمد.
(فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى)(٣٩)
(فَأَمَّا) جواب (فَإِذا) أى : فإذا جاءت الطامّة فإنّ الأمر كذلك. والمعنى : فإنّ الجحيم مأواه ، كما تقول للرجل : غض الطرف ، تريد : طرفك ، وليس الألف واللام بدلا من الإضافة ، ولكن لما علم أنّ الطاغي هو صاحب المأوى ، وأنه لا يغض الرجل طرف غيره : تركت الإضافة ، ودخول حرف التعريف في المأوى والطرف للتعريف ، لأنهما معروفان ، و (هِيَ) فصل أو مبتدأ.
(وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى)(٤١)
(وَنَهَى النَّفْسَ) الأمارة بالسوء (عَنِ الْهَوى) المردي وهو اتباع الشهوات وزجرها عنه وضبطها بالصبر والتوطين على إيثار الخير. وقيل : الآيتان نزلتا في أبى عزير بن عمير ومصعب بن عمير ، وقد قتل مصعب أخاه أبا عزير يوم أحد ، ووقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه حتى نفذت المشاقص (٢) في جوفه (٣).
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها)(٤٦)
(أَيَّانَ مُرْساها) متى إرساؤها ، أى إقامتها ، أرادوا : متى يقيمها الله ويثبتها ويكوّنها؟
__________________
(١) قال محمود : «يعنى أظهرت إظهارا بينا مكشوفا ... الخ» قال أحمد : وفائدة هذا النظم الاشعار بأنه أمر ظاهر لا يتوقف إدراكه إلا على البصر خاصة ، أى : لا شيء يحجبه ولا بعد يمنع رؤيته ، ولا قرب مفرط ، إلى غير ذلك من موانع الرؤية.
(٢) قوله «حتى نفذت المشاقص» جمع مشقص : وهو السهم الطويل العريض. أفاده الصحاح. (ع)
(٣) لم أجده.
وقيل أيان منتهاها ومستقرّها (١) ، كما أنّ مرسى السفنية مستقرّها ، حيث تنتهي إليه (فِيمَ أَنْتَ) في أى شيء أنت (٢) من أن تذكر وقتها لهم وتعلمهم به ، يعنى : ما أنت من ذكرها لهم وتبيين وقتها في شيء. وعن عائشة رضى الله عنها ، لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الساعة يسأل عنها حتى نزلت (٣) ، فهو على هذا تعجب (٤) من كثرة ذكره لها ، كأنه قيل : في أى شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها. والمعنى : أنهم يسألونك عنها ، فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها ، ثم قال (إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها)أى منتهى علمها لم يؤت علمها أحدا من خلقه. وقيل : (فِيمَ) إنكار لسؤالهم (٥) ، أى : فيم هذا السؤال ، ثم قيل : أنت عن ذكراها ، أى : إرسالك وأنت خاتم الأنبياء وآخر الرسل المبعوث في نسم الساعة (٦) ذكر من ذكرها وعلامة من علاماتها ، فكفاهم بذلك دليلا على دنوّها ومشارفتها ووجوب الاستعداد لها ، ولا معنى لسؤالهم عنها (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها) أى : لم تبعث لتعلمهم بوقت الساعة الذي لا فائدة لهم في علمه ، وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يكون من إنذارك لطفا له في الخشية منها. وقرئ : منذر بالتنوين ، وهو الأصل ، والإضافة تخفيف ، وكلاهما يصلح للحال والاستقبال ، فإذا أريد الماضي فليس إلا الإضافة ، كقولك : هو منذر زيد أمس ، أى : كأنهم لم يلبثوا في الدنيا ، وقيل : في القبور (إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها). فإن قلت : كيف صحت إضافة الضحى إلى العشية؟ قلت : لما بينهما من الملابسة لاجتماعهما في نهار واحد. فإن قلت : فهلا قيل : إلا عشية أو ضحى وما فائدة الإضافة؟ قلت : الدلالة على أن مدّة لبثهم كأنها لم تبلغ يوما كاملا ، ولكن
__________________
(١) قال محمود : «مرساها أى مستقرها ... الخ» قال أحمد : وفيه إشعار بثقل اليوم ، كقوله (وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً) ألا تراهم لا يستعملون الارساء إلا فيما ثقل كمرسى السفينة وإرساء الجبال.
(٢) قال محمود : «ومعنى (فِيمَ أَنْتَ) أى : في أى شيء أنت من أن تذكر وقتها ... الخ» قال أحمد : وفي هذا الوجه نظر ، فان الآية الأخرى ترده ، وهي قوله (يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها) أى : أنك لا تحتفى بالسؤال عنها ولا تهتم بذلك ، وهم يسئلونك كما يسئل الحفي عن الشيء ، أى : الكثير السؤال عنه ، فالوجه الأول أصوب.
(٣) أخرجه إسحاق في مسنده وابن مردويه من طريقه أخبرنا ابن عتبة عن الزهري عن عروة عنها بهذا. ورواه الطبري عن يعقوب عن إبراهيم عن ابن عتبة مثله. قال الحاكم بعد أن أخرجه من طريق ابن عتبة : لم يخرجاه لأن ابن عتبة كان يرسله. وقال ابن أبى حاتم عن أبى زرعة : الصحيح مرسل. وأخرجه عبد الرازق عن ابن عتبة مرسلا وقال الدارقطني أسنده ابن عتبة مرة وأرسله أخرى.
(٤) قوله «فهو على هذا تعجب» لعله : تعجيب. (ع)
(٥) قال محمود : «وقيل (فِيمَ) إنكار لسؤالهم ، أى : فيم هذا السؤال ... الخ» قال أحمد : فعلى هذا ينبغي أن يوقف على قوله (فِيمَ) ليفصل بين الكلامين.
(٦) قوله «في نسم الساعة» في الصحاح «نسم الريح» : أولها حين تقبل بلين قيل أن تشتد. ومن الحديث «بعثت في نسم الساعة» أى : حين ابتدأت وأقبلت أوائلها. (ع)
ساعة منه عشيته أو ضحاه ، فلما ترك اليوم أضافه إلى عشيته ، فهو كقوله (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ).
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة والنازعات كان ممن حبسه الله في القبر والقيامة حتى يدخل الجنة قدر صلاة المكتوبة (١)».
سورة عبس
مكية ، وآياتها ٤٢ وقيل ٤١ [نزلت بعد النجم]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى)(١٠)
أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أمّ مكتوم (٢) ـ وأمّ مكتوم أمّ أبيه ، واسمه عبد الله بن شريح ابن مالك بن ربيعة الفهري من بنى عامر بن لؤي ـ وعنده صناديد قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو جهل بن هشام. والعباس بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ، والوليد بن المغيرة : يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم (٣). فقال : يا رسول الله ، أقرئنى وعلمني مما
__________________
(١) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.
(٢) ذكر الزمخشري سبب نزول الآية ، وهو أن ابن أم مكتوم الأعمى ... الخ» قال أحمد : وإنما أخذ الاختصاص من تصدير الجملة بضمير المخاطب وجعله مبتدأ مخبرا عنه وهو كثيرا ما يتلقى الاختصاص من ذلك ، ولقد غلط في تفسير الآية ، وما كان له أن يبلغ ذلك.
(٣) ذكره الثعلبي بلا إسناد ، وأخرجه ابن أبى حاتم من رواية العوفى عن ابن عباس نحوه دون قوله «صناديد قريش» ودون سياق نسب ابن أم مكتوم. وكذا أخرجه الطبري من رواية سعيد عن قتادة. قال : ذكر لنا فذكره. وبهذا الاسناد أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه بعد ذلك على المدينة مرتين يصلى بأهلها. ورواه الترمذي ـ
علمك الله ، وكرر ذلك وهو لا يعلم تشاغله بالقوم ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه ، وعبس وأعرض عنه ، فنزلت ؛ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمه ويقول إذا رآه : مرحبا بمن عاتبني فيه ربى ، ويقول له : هل لك من حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرتين ، وقال أنس : رأيته يوم القادسية وعليه درع وله راية سوداء (١). وقرئ : عبس ، بالتشديد للمبالغة ؛ ونحوه : كلح في كلح (أَنْ جاءَهُ) منصوب بتولي ، أو بعبس ، على اختلاف المذهبين. ومعناه : عبس ، لأن جاءه الأعمى. أو أعرض لذلك. وقرئ : آ أن جاءه بهمزتين وبألف بينهما ، ووقف على (عَبَسَ وَتَوَلَّى) ثم ابتدئ ، على معنى : ألأن جاءه الأعمى فعل ذلك إنكارا عليه. وروى أنه ما عبس بعدها في وجه فقير قط ، ولا تصدى لغنى. وفي الإخبار عما فرط منه ، ثم الإقبال عليه بالخطاب : دليل على زيادة الإنكار ، كمن يشكو إلى الناس جانبا جنى عليه ، تم يقبل على الجاني إذا حمى في الشكاية مواجها له بالتوبيخ وإلزام الحجة. وفي ذكر الأعمى نحو من ذلك ، كأنه يقول : قد استحق عنده العبوس والإعراض لأنه أعمى ، وكان يجب أن يزيده لعماه تعطفا وترؤفا وتقريبا وترحيبا ، ولقد تأدّب الناس بأدب الله في هذا تأدبا حسنا ، فقد روى عن سفيان الثوري رحمه الله أنّ الفقراء كانوا في مجلسه أمراء (وَما يُدْرِيكَ) وأى شيء يجعلك داريا بحال هذا الأعمى؟ (لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) أى يتطهر بما يتلقن من الشرائع من بعض أوضار الإثم (أَوْ يَذَّكَّرُ) أو يتعظ (فَتَنْفَعَهُ) ذكراك ، أى : موعظتك ، وتكون له لطفا في بعض الطاعات. والمعنى : أنك لا تدرى ما هو مترقب منه ، من تزكّ أو تذكر ، ولو دريت لما فرط ذلك منك. وقيل : الضمير في (لَعَلَّهُ) للكافر. يعنى أنك طمعت في أن يتزكى بالإسلام ، أو يتذكر فتقرّبه الذكرى إلى قبول الحق ، وما يدريك أن ما طمعت فيه كائن. وقرئ : فتنفعه ، بالرفع عطفا على يذكر. وبالنصب جوابا للعلّ ، كقوله (فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى) ، (تَصَدَّى) تتعرض بالإقبال عليه ، والمصاداة. المعارضة ، وقرئ : تصدى ، بالتشديد ، بإدغام
__________________
ـ والحاكم من حديث عائشة رضى الله عنها نحوه «تنبيه» النسب الذي ساقه في غاية التخليط ، يظهر لمن له أدنى إلمام بالأخبار والأنساب. قال ابن سعد : أما أهل المدينة فيقولون اسمه عبد الله. وأما أهل العراق وهشام الكلبي فيقولون اسمه عمرو ثم أجمعوا على نسبه. فقالوا : ابن قيس بن زياد بن الأصم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص ابن عامر بن لؤي. وأمه عاتكة هي أم مكتوم بنت عبد الله بن عامر بن مخزوم. وقال ابن سعد : أخبرنا يزيد بن هارون. أخبرنا جويبر عن الضحاك. قال «كان النبي صلى الله عليه وسلم تصدى لرجل من قريش يدعوه إلى الإسلام فأقبل عبد الله بن أم مكتوم الأعمى ، فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعرض عنه ويعبس في وجهه ، ويقبل على الآخر. فعاتب الله رسوله فقال (عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى) ـ الآيات فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكرمه واستخلفه على المدينة مرتين».
(١) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة. أخبرنى أنس بهذا وكذا رواه أبو يعلى والطبري من رواية قتادة عن أنس رضى الله عنه.
التاء في الصاد. وقرأ أبو جعفر : تصدى ، بضم التاء ، أى : تعرّض. ومعناه : يدعوك داع إلى التصدي له : من الحرص والتهالك على إسلامه ، وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ) ، (يَسْعى) يسرع في طلب الخير (وَهُوَ يَخْشى) الله أو يخشى الكفار ، وأذاهم في إتيانك. وقيل : جاء وليس معه قائد ، فهو يخشى الكبوة (تَلَهَّى) تتشاغل ، من لهى عنه. والتهى. وتلهى. وقرأ طلحة بن مصرف : تتلهى. وقرأ أبو جعفر : تلهى ، أى : يلهيك شأن الصناديد. فإن قلت : قوله (فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) ، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) كأن فيه اختصاصا. قلت ، نعم ، ومعناه : إنكار التصدي والتلهي عليه ، أى : مثلك خصوصا لا ينبغي له أن يتصدى للغنىّ ويتلهى عن الفقير.
(كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ)(١٦)
(كَلَّا) ردع عن المعاتب عليه ، وعن معاودة مثله (إِنَّها تَذْكِرَةٌ) أى موعظة يجب الاتعاظ والعمل بموجبها (فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ) أى كان حافظا له غير ناس ، وذكر الضمير لأنّ التذكرة في معنى الذكر والوعظ (فِي صُحُفٍ) صفة لتذكرة ، يعنى : أنها مثبتة في صحف منتسخة من اللوح (مُكَرَّمَةٍ) عند الله (مَرْفُوعَةٍ) في السماء. أو مرفوعة المقدار (مُطَهَّرَةٍ) منزهة عن أيدى الشياطين ، لا يمسها إلا أيدى ملائكة مطهرين (سَفَرَةٍ) (١) كتبة ينتسخون الكتب من اللوح (بَرَرَةٍ) أتقياء. وقيل : هي صحف الأنبياء ، كقوله (إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى) وقيل السفرة : القرّاء. وقيل : أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ)(٢٣)
(قُتِلَ الْإِنْسانُ) دعاء عليه ، وهي من أشنع دعواتهم (٢) ، لأنّ القتل قصارى شدائد
__________________
(١) قوله «سفرة» في الصحاح : واحدهم سافر ، ككافر وكفرة. (ع)
(٢) قال محمود : «دعاء عليه وهو من أشنع دعائهم ... الخ» قال أحمد : ما رأيت كاليوم قط عبدا ينازع ربه ، الله تعالى يقول (ثُمَّ شَقَقْنَا) فيضيف فعله إلى ذاته حقيقة ، كما أضاف بقية أفعاله من عند قوله (مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ) وعلم جرا. والزمخشري يجعل الاضافة مجازية من باب إسناد الفعل إلى سببه ، فيجعل إضافة الفعل إلى الله تعالى
الدنيا وفظائعها. و (ما أَكْفَرَهُ) تعجب (١) من إفراطه في كفران نعمة الله ، ولا ترى أسلوبا أغلظ منه. ولا أخشن مسا ، ولا أدل على سخط ، ولا أبعد شوطا في المذمة ، مع تقارب طرفيه ، ولا أجمع للأئمة على قصر متنه ثم أخذ في وصف حاله من ابتداء حدوثه ، إلى أن انتهى وما هو مغمور فيه من أصول النعم وفروعها ، وما هو غارز فيه رأسه من الكفران والغمط (٢) وقلة الالتفات إلى ما يتقلب فيه وإلى ما يجب عليه من القيام بالشكر (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) من أى شيء حقير (٣) مهين خلقه ، ثم بين ذلك الشيء بقوله (مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) فهيأه لما يصلح له ويختص به. ونحوه (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً). نصب السبيل بإضمار «يسر» وفسره بيسر والمعنى : ثم سهل سبيله وهو مخرجه من بطن أمّه. أو السبيل الذي يختار سلوكه من طريقى الخير والشر بإقداره وتمكينه ، كقوله (إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ) وعن ابن عباس رضى الله عنهما : بين له سبيل الخير والشر (فَأَقْبَرَهُ) فجعله ذا قبر يوارى فيه تكرمة له ، ولم يجعله مطروحا على وجه الأرض جزرا للسباع والطير كسائر الحيوان. يقال : قبر الميت إذا دفنه. وأقبره الميت. إذا أمره أن يقبره ومكنه منه. ومنه قول من قال للحجاج : أقبرنا صالحا (أَنْشَرَهُ) أنشأه النشأة الأخرى. وقرئ : نشره (كَلَّا) ردع للإنسان عما هو عليه (لَمَّا يَقْضِ) لم يقض بعد ، مع تطاول الزمان وامتداده من لدن آدم إلى هذه الغاية (ما أَمَرَهُ) الله حتى يخرج عن جميع أوامره ، يعنى : أنّ إنسانا لم يخل من تقصير قط.
(فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ) (٣٢)
__________________
ـ من باب إضافة الشق إلى الحراث ، لأنه السبب. قتل القدري ما أكفره على قول ، وما أضله على آخر ، وإذا جعل شق الأرض مضافا إلى الحراث حقيقة ، وإلى الله مجازا ، فما يمنعه أن يجعل الحراث هو الذي صبب الماء وأنبت الحب ، والعقب والقضب : حقيقة ، وهل هما إلا واحد.
(١) قوله «تعجب من إفراطه» لعله : تعجيب. (ع)
(٢) قوله «من الكفران والغمط» بطر النعمة وتحقيرها. أفاده الصحاح. (ع)
(٣) قوله «من أى شيء خلقه من أى شيء حقير» لعله : أى من شيء ... الخ». (ع)
ولما عدد النعم في نفسه : أتبعه ذكر النعم فيما يحتاج إليه ، فقال (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ) إلى مطعمه الذي يعيش به كيف دبرنا أمره (أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ) يعنى الغيث. قرئ بالكسر على الاستئناف ، وبالفتح على البدل من الطعام. وقرأ الحسين بن على رضى الله عنهما. أنى صببنا ، بالإمالة على معنى : فلينظر الإنسان كيف صببنا الماء. وشققنا : من شق الأرض بالنبات ويجوز أن يكون من شقها بالكراب على (١) البقر ، وأسند الشك إلى نفسه إسناد الفعل إلى السبب. والحب : كل ما حصد من نحو الحنطة والشعير وغيرهما. والقضب : الرطبة (٢). والمقضاب : أرضه ، سمى بمصدر قضبه إذا قطعه ، لأنه يقضب مرّة بعد مرّة (وَحَدائِقَ غُلْباً) يحتمل أن يجعل كل حديقة غلباء ، فيريد تكاثفها وكثرة أشجارها وعظمها ، كما تقول : حديقة ضخمة ، وأن يجعل شجرها غلبا ، أى : عظاما غلاظا. والأصل في الوصف بالغلب : الرقاب ، فاستعير. قال عمرو بن معد يكرب :
|
يمشى بها غلب الرّقاب كأنّهم |
|
بزل كسين من الكحيل جلالا (٣) |
والأب : المرعى ، لأنه يؤبّ أى يؤم وينتجع. والأبّ والأمّ : أخوان. قال :
|
جذمنا قيس ونجد دارنا |
|
ولنا الأبّ به والمكرع (٤) |
وعن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه سئل عن الأب فقال : أىّ سماء تظلني ، وأىّ أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به (٥). وعن عمر رضى الله عنه : أنه قرأ هذه الآية فقال :
__________________
(١) قوله «من شقها بالكراب» في الصحاح : كربت الأرض ، إذا قلبتها للحرث. (ع)
(٢) قوله «والقضب الرطبة» في الصحاح «القضبة ، والقضب» الرطبة. وفيه أيضا «الرطبة» بالفتح : القضب اه وفيه دور. وقال بعض الفضلاء «القضب» : هو المسمى في مصر بالبرسيم الحجازي. (ع)
(٣) لعمرو بن معديكرب. ويقال : أسد أغلب ، أى : غليظ العنق ، والغلب : جمعه ، ثم استعير لكل غليظ والبزل : جمع بازل للمذكر والمؤنث من الإبل إذا انفطر نأيه ، وذلك في السنة التاسعة : والكحيل : القطران. والجلال : جمع جل : يصف مفازة تمشى فيها أسود غلاظ الأعناق ، كأنها فتيات من الإبل دهنت بالقطران حتى صار عليها كالجلال ، فكسين : استعارة مصرحة ، والجلال : ترشيح. ويروى : كأنهم ، باستعارة ضمير العقلاء لغيرهم.
(٤) الجذم ـ بالكسر وقد يفتح : الأصل الذي يقتطع منه غيره. والأب والأم ـ بالفتح والتشديد ـ بمعنى المرعى ، لأنه يؤب ويؤم ، أى : يقصد. والمكرع : المنهل. يقول : نحن من قبيلة قيس ونجد هي ديارنا ، ولنا به أى في نجد المرعى والمروي. وفيه تمدح بالشرف والشجاعة على غيره.
(٥) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن. حدثنا محمد بن يزيد عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر رضى الله عنه سئل عنه فذكره ورواه ابن أبى شيبة وعبد بن حميد من هذا الوجه. وهذا منقطع. ورواه يحيى الحماني وابن عبد البر في العلم من طريقه من رواية إبراهيم النخعي عن أبى معمر عن أبى بكر فذكره.
كل هذا قد عرفنا ، فما الأب؟ ثم رفض عصا كانت بيده (١) وقال : هذا لعمر الله التكلف ، وما عليك يا ابن أمّ عمر أن لا تدرى ما الأب ، ثم قال : اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب ، وما لا فدعوه. فإن قلت : فهذا يشبه النهى عن تتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته. قلت : لم يذهب إلى ذلك ، ولكن القوم كانت أكبر همتهم عاكفة على العمل ، وكان التشاغل بشيء من العلم لا يعمل به تكلفا عندهم ، فأراد أنّ الآية مسوقة في الامتنان على الإنسان بمطعمه واستدعاء شكره ، وقد علم من فحوى الآية أنّ الأب بعض ما أنبته الله للإنسان متاعا له أو لإنعامه ، فعليك بما هو أهم من النهوض بالشكر لله ـ على ما تبين لك ولم يشكل ـ مما عدّد من نعمه ، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأب ومعرفة النبات الخاص الذي هو اسم له ، واكتف بالمعرفة الجملية إلى أن يتبين لك في غير هذا الوقت ، ثم وصى الناس بأن يجروا على هذا السنن فيما أشبه ذلك من مشكلات القرآن.
(مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢) فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ)(٤١)
يقال : صخّ لحديثه ، مثل : أصاخ له ، فوصفت النفخة بالصاخة مجازا ، لأنّ الناس يصخون لها (يَفِرُّ) منهم لاشتغاله بما هو مدفوع إليه ، ولعلمه أنهم لا يغنون عنه شيئا ، وبدأ بالأخ ، ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه ، ثم بالصاحبة والبنين لأنهم أقرب وأحب ، كأنه قال : يفرّ من أخيه ، بل من أبويه ، بل من صاحبته وبنيه. وقيل : يفرّ منهم حذرا من مطالبتهم بالتبعات. يقول الأخ : لم تواسنى بمالك. والأبوان : قصرت في برنا. والصاحبة : أطعمتنى الحرام وفعلت وصنعت. والبنون : لم تعلمنا ولم ترشدنا ، وقيل : أوّل من يفرّ من أخيه : هابيل ، ومن أبويه : إبراهيم ومن صاحبته : نوح ولوط ، ومن ابنه : نوح (يُغْنِيهِ) يكفيه في الاهتمام به. وقرئ : يعنيه أى يهمه (مُسْفِرَةٌ) مضيئة متهللة ، من أسفر الصبح : إذا أضاء. وعن ابن عباس رضى الله
__________________
(١) أخرجه الطبري والطبراني في مسند الشاميين من طريق ابن وهب عن يونس وعمرو بن الحارث. ورواه الحاكم والبيهقي في الشعب في التاسع عشر من طريق صالح بن كيسان : وابن مردويه من رواية شعيب كلهم عن الزهري «أن إنسانا أخبره أنه سمع عمر فذكره. وله طريق أخرى من رواية حميد عن أنس أخرجها الحاكم. وروى الحاكم أيضا من وجه آخر عن عمر رضى الله عنه أنه سأل ابن عباس رضى الله عنهما عن الآية فقال : هو نبت الأرض مما تأكله الدواب والأنعام. ولا يأكله الناس.
عنهما : من قيام الليل ، لما روى في الحديث «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار (١) ، وعن الضحاك : من آثار الوضوء. وقيل : من طول ما اغبرت في سبيل الله (غَبَرَةٌ) غبار يعلوها (قَتَرَةٌ) سواد كالدخان ، ولا ترى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه ، كما ترى من وجوه الزنوج إذا اغبرت ، وكأن الله عز وجل يجمع إلى سواد وجوههم الغبرة ، كما جمعوا الفجور إلى الكفر.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة عبس وتولى جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر (٢)».
سورة التكوير
مكية ، وآياتها ٢٩ [نزلت بعد المسد]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ)(١٤)
في التكوير وجهان : أن يكون من كوّرت العمامة إذا لففتها ، أى : يلف ضوءها لفا فيذهب
__________________
(١) تقدم في سورة الفتح.
(٢) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه باسنادهم إلى أبى بن كعب.
انبساطه وانتشاره في الآفاق ، وهو عبارة عن إزالتها والذهاب بها ، لأنها ما دامت باقية كان ضياؤها منبسطا غير ملفوف. أو يكون لفها عبارة عن رفعها وسترها ، لأنّ الثواب إذا أريد رفعه لف وطوى ، ونحوه قوله (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ) وأن يكون من طعنه فجوّره وكوّره : إذا ألقاه ، أى : تلقى وتطرح عن فلكها ، كما وصفت النجوم بالانكدار. فإن قلت : ارتفاع الشمس على الابتداء أو الفاعلية؟ قلت : بل على الفاعلية رافعها فعل مضمر يفسره كوّرت ، لأنّ «إذا» يطلب الفعل لما فيه من معنى الشرط (انْكَدَرَتْ) انقضت. قال :
أبصر خربان فضاء فانكدر (١)
ويروى في الشمس والنجوم : أنها تطرح في جهنم ليراها من عبدها ، كما قال (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ). (سُيِّرَتْ) أى على وجه الأرض وأبعدت. أو سيرت في الجوّ تسيير السحاب كقوله (وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ). والعشار في جمع عشراء ، كالنفاس في جمع نفساء : وهي التي أتى على حملها عشرة أشهر ، ثم هو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة ، وهي أنفس ما تكون عند أهلها وأعزها عليهم (عُطِّلَتْ) تركت مسيبة مهملة. وقيل : عطلها أهلها عن الحلب والصر ، لاشتغالهم بأنفسهم. وقرئ : عطلت ، بالتخفيف (حُشِرَتْ) جمعت من كل ناحية. قال قتادة : يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص. وقيل : إذا قضى بينها ردّت ترابا فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبنى آدم وإعجاب بصورته ، كالطاوس ونحوه. وعن ابن عباس رضى الله عنهما : حشرها موتها. يقال: إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم حشرتهم السنة. وقرئ : حشرت ، بالتشديد (سُجِّرَتْ) قرئ بالتخفيف والتشديد ، من سجر التنور : إذا ملأه بالحطب ، أى : ملئت وفجر بعضها إلى بعض حتى تعود مجرا واحدا. وقيل : ملئت نيرانا تضطرم لتعذيب أهل النار. وعن الحسن : يذهب ماؤها فلا تبقى فيها قطرة (زُوِّجَتْ) قرنت كل نفس بشكلها. وقيل : قرنت الأرواح
__________________
|
(١) إذا الكرام ابتدروا الباع بدر |
|
تقضى البازي إذا البازي كسر |
|
«انى جناحيه من الطود فمر |
|
أبصر خربان فضاء فانكدر |
العجاج يمدح عمر بن عبيد الله التميمي. والباع بالمهملة : قدر مد اليدين ، والمراد به الكرم مجازا. وبدر : أسرع وغلب الكرام ، وتقضى : نصب به ، وأصله : تقضض ، أبدل الثاني حرف علة وكسر الأول ، أى : أمال جناحيه وداناهما من الجبل العظيم ، ومر : سار على وجه الجبل. وخربان ـ جمع خرب ـ : طائر يقال له الحبارى ، وهو مضاف لفضاء ، فانكدر : أى انقض وسقط عليها فيأكلها. ويروى صدر هذا الرجز :
|
لقد سما ابن معمر حين اعتمر |
|
مغزى بعيدا من بعيد وضبر |
تقضى البازي ... الخ. واعتمر : أى زار. والمغزى : مكان الغزو. وضبره ضبرا : جمعه جمعا. يقول : ارتفع قدره حين غزا موضعا بعيدا من الشام ، وجمع لذلك جيشا عظيما ، وأسرع كاسراع البازي إلى الحبارى : بالغ في وصف البازي تصويرا لحال المشبه ، ومبالغة في مدحه.
بالأجساد. وقيل بكتبها وأعمالها. وعن الحسن : هو كقوله (وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً) وقيل : نفوس المؤمنين بالحور ، ونفوس الكافرين بالشياطين. وأد يئد مقلوب من آد يئود : إذا أثقل. قال الله تعالى (وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما) لأنه إثقال بالتراب : كان الرجل إذا ولدت له بنت فأراد أن يستحييها : ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية ، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية فيقول لأمها : طيبيها وزينيها ، حتى أذهب بها إلى أحمائها ، وقد حفر لها بئرا في الصحراء ، فيبلغ بها البئر فيقول لها : انظري فيها ، ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها ، حتى تستوي البئر بالأرض. وقيل : كانت الحامل إذا أقربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة ، فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة ، وإن ولدت ابنا حبسته. فإن قلت : ما حملهم على وأد البنات؟ قلت : الخوف من لحوق العار بهم من أجلهنّ. أو الخوف من الإملاق ، كما قال الله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) وكانوا يقولون : إن الملائكة بنات الله ، فألحقوا البنات به ، فهو أحق بهنّ. وصعصعة بن ناجية ممن منع الوأد ، فبه افتخر الفرزدق في قوله :
|
ومنّا الّذى منع الوائدات |
|
فأحيا الوئيد فلم توأد (١) |
فإن قلت : فما معنى سؤال الموؤدة عن ذنبها الذي قتلت به ، وهلا سئل الوائد عن موجب قتله لها؟ قلت : سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها نحو التبكيت في قوله تعالى لعيسى (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ...) إلى قوله ... (سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍ) وقرئ : سألت ، أى : خاصمت عن نفسها ، وسألت الله أو قاتلها ، وإنما قيل (قُتِلَتْ) بناء على أن الكلام إخبار عنها ، ولو حكى ما خوطبت به حين سئلت. فقيل : قتلت. أو كلامها حين سئلت لقيل : قتلت. وقرأ ابن عباس رضى الله عنهما : قتلت ، على الحكاية. وقرئ : قتلت ، بالتشديد. وفيه دليل بين على أن أطفال المشركين لا يعذبون ، وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بالذنب ، وإذا بكت الله الكافر ببراءة الموؤدة من الذنب : فما أقبح به ، وهو الذي لا يظلم مثقال ذرّة أن يكرّ
__________________
(١) للفرزدق ، يفتخر يجده صعصعة : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وقال : يا رسول الله ، عملت أعمالا في الجاهلية فهل لي فيها من أجر؟ فقال : وما عملت؟ قال : قد أحييت ثلاثا وستين من الموؤدة أشترى الواحدة منهن بناقتين عشراويتين وجمل ، فقال صلى الله عليه وسلم : هذا من باب البر ولك أجره إذ من الله عليك بالإسلام. ويقال : وأد بنته إذا دفنها وهي حية ، وكانت كندة تفعل ذلك خوف العار والفقر. ويروى : فأحيا الوئيد وهي أوقع. والوئيد يقال للمفرد والجمع مذكرا أو مؤنثا. ويروى : وجدي ، أى : هو الذي منع الجماعات الدافنات بناتهن حيات وفداهن من الموت ، فكأنه أحياهن ، فأطلق الوئيد على المشرفات على الموت مجازا ، والأحياء ترشيح.
عليها بعد هذا التبكيت فيفعل بها ما تنسى عنده فعل المبكت من العذاب الشديد السرمد. وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه سئل عن ذلك ، فاحتجّ بهذه الآية (نُشِرَتْ) قرئ بالتخفيف والتشديد ، يريد : صحف الأعمال تطوى صحيفة الإنسان عند موته ، ثم تنشر إذا حوسب. عن قتادة : صحيفتك يا ابن آدم تطوى على عملك ، ثم تنشر يوم القيامة ، فلينظر رجل ما يملى في صحيفته. وعن عمر رضى الله عنه أنه كان إذا قرأها قال : إليك يساق الأمر يا ابن آدم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «يحشر الناس عراة حفاة» فقالت أمّ سلمة : كيف بالنساء؟ فقال : شغل الناس يا أمّ سلمة» قالت : وما شغلهم؟ قال : نشر الصحف فيها مثاقيل الذرّ ومثاقيل الخردل (١) ويجوز أن يراد : نشرت بين أصحابها ، أى فرقت بينهم. وعن مرثد بن وداعة : إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش ، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية ، وتقع صحيفة الكافر في يده في سموم وحميم أى مكتوب فيها ذلك ، وهي صحف غير صحف الأعمال (كُشِطَتْ) كشفت وأزيلت ، كما يكشط الإهاب عن الذبيحة ، والغطاء عن الشيء. وقرأ ابن مسعود : قشطت. واعتقاب الكاف والقاف كثير. يقال : لبكت الثريد ولبقته ، والكافور والقافور (سُعِّرَتْ) أو قدت إيقادا شديدا. وقرئ : سعرت بالتشديد للمبالغة. قيل : سعرها عضب الله تعالى وخطايا بنى آدم (أُزْلِفَتْ) أدنيت من المتقين ، كقوله تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) قيل : هذه اثنتا عشرة خصلة. ست منها في الدنيا ، وست في الآخرة. و (عَلِمَتْ) : هو عامل النصب في (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) وفيما عطف عليه. فإن قلت : كل نفس تعلم ما أحضرت ، كقوله (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً) لا نفس واحدة. فما معنى قوله (عَلِمَتْ نَفْسٌ)؟ قلت : هو من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط فيما بعكس عنه. ومنه قوله عز وجل : (رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ) ومعناه : معنى كم وأبلغ منه. وقول القائل :
قد أترك القرن مصفرّا أنامله (٢)
وتقول لبعض قوّاد العساكر : كم عندك من الفرسان؟ فيقول : رب فارس عندي. أولا تعدم عندي فارسا ، وعنده المقانب (٣) ، وقصده بذلك التمادي في تكثير فرسانه ، ولكنه أراد
__________________
(١) أخرجه الثعلبي من طريق محمد بن أبى موسى عن عطاء بن يسار عن أم سلمة بهذا. وأصله في الصحيحين عن عائشة ، وأخرجه الحاكم من حديث سودة.
(٢) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٢٠٢ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٣) قوله «وعنده المقانب في الصحاح «المقنب» : ما بين لثلاثين إلى الأربعين من الخيل. (ع)
إظهار براءته من التزيد ، وأنه ممن يقلل كثير ما عنده ، فضلا أن يتزيد ، فجاء بلفظ التقليل ، ففهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين. وعن ابن مسعود رضى الله عنه أنّ قارئا قرأها عنده ، فلما بلغ (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) قال : وانقطاع ظهرياه.
(فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ)(١٨)
(بِالْخُنَّسِ) الرواجع ، بينا ترى النجم في آخر البرج إذ كرّ راجعا إلى أوله. و (الْجَوارِ) السيارة. و (الْكُنَّسِ) (١) الغيب من كنس الوحشي : إذا دخل كناسه. قيل : هي الدراري
__________________
(١) تعرض الزمخشري في تفسيره العامل الخ. قال أحمد : هذا الجواب لا يستمر ، لأجل ظهور الفعل الثاني في قوله (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ) ولما أعضل الجواب عن هذا السؤال في سورة التكوير : التزم الشيخ أبو عمرو بن الحاجب إجازة التعطف على عاملين ، واتخذ هذه الآية وزره ومعضده في مخالفة سيبويه ، ورد على الزمخشري جوابه في سورة والشمس وضحاها ، لأنه لم يطرد له هاهنا ، وكان على رده يستحسن تيقظ فطنته في استنباطه ، ونحن والله الموفق نلتزم مذهب سيبويه في امتناع العطف على عاملين في جعل الواو الثانية عاطفة ، ويجرى جواب الزمخشري هاهنا وينفصل عن هذه الآية فتقول : قوله (وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ) هذه الواو الأولى ابتداء قسم ، والواو في قوله (وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ) عاطفة فيطرد ما قال الزمخشري. فان قيل : فقد خالفتم سيبويه ، فانه لا يرى الواو المتعقبة للقسم ابتداء قسم بل عاطفة ، وقد جعلتم الواو الأولى وهي متعقبة للقسم ابتداء قسم؟ قلنا : إنما تكلم سيبويه في الواو المتعقبة للقسم بالواو وأما الآية فالقسم الأول فيها بالباء والفعل ، فجعلنا الواو بعد ذلك قسما وتبعا ، وهو أبلغ ، كأنه أقسم قسمين بشيئين مختلفين. فان قبل : أجل. إنما تكلم سيبويه على الواو المتعقبة للقسم بالواو ، فما الفرق بين المتعقبة للقسم بالواو والمتعقبة للقسم بالباء؟ وما هما إلا سواء ، فان كل واحد منهما آلة له ، والتاء تدل على الباء فحكمهما واحد؟ قلنا : ليستا سواء فان القسم منى صدر بالواو ولم يله واو أخرى ، فجعلها قسما آخر فيه تكرار منكره ، إذ الآلة واحدة ، ولا كذلك إذا اختلفت الآلة ، فان عاملة التكرار مأمونة إذا ، ألا ترى أنه لو صدر القسم بالواو ، ثم تلاه قسم بالباء ، لتحتم جعلهما قسمين مستقلين ، فكذلك لو حولف هذا الترتيب. وأيضا ، فإنه إن كان المانع لسيبويه من جعل الواو الثانية قسما مستقلا مجيء الجواب واحدا ، واحتياج الواو الأولى إلى محذوف ، فالعطف يغنى عن تقدير محذوف ، فيتعين ، فلا يلزم اطراد الباء لأنها أصل القسم لا سيما مع التصريح بفعل القسم ثم تأكيده بزيادة لا ، فان في مجموع ذلك ما يغنى عن إفراده بجواب مذكور ، ولا كذلك الواو فإنها ضعيفة المكنة في باب القسم بالنسبة إلى الباء ، فلا يلزم من حذف جواب تمكنت الدلالة عليه حذف جواب دونه في الوضوح ، وأختم الكلام على هذا السؤال بنكتة بديعة فأقول : إنما خصصت إيراد السؤال بالواو الثانية في قوله (وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ) دون الثالثة لأنه غير متوجه عليها. ألا تراك لو جعلتها عاطفة لم يلزمك العطف على عاملين ، لأنك نجعلها نائبة عن الباء وتجعل إذا فيها منصوبة بالفعل مباشرة إذا لم يتقدم في جملة الفعل ظرف تعطف عليه إذا ، فتصير بمثابة قولك : مررت بزيد وعمرو اليوم ، فاليوم منصوب بالفعل مباشرة ، وفهم من المثال أن مرورك بزيد مطلق غير مقيد بظرف ، وإنما المقيد باليوم مرورك بعمرو خاصة لكن يطابق الآية ، فان الظرف فيها وإن عمل فيه الفعل مباشرة فهو مقيد القسم بالليل ، لا للقسم بالخنس.
الخمسة : بهرام (١) ، وزحل ، وعطارد ، والزهرة ، والمشترى : تجرى مع الشمس والقمر ، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس ، فخنوسها رجوعها : وكنوسها : اختفاؤها تحت ضوء الشمس. وقيل : هي جميع الكواكب ، تخنس بالنهار فتغيب عن العيون ، وتكنس بالليل : أى تطلع في أماكنها ، كالوحش في كنسها. عسعس الليل وسعسع : إذا أدبر. قال العجاج:
|
حتّى إذا الصّبح لها تنفّسا |
|
وانجاب عنها ليلها وعسعسا (٢) |
وقيل : عسعس : إذا أقبل ظلامه. فإن قلت : ما معنى تنفس الصبح؟ قلت : إذا أقبل الصبح : أقبل بإقباله روح ونسيم ، فجعل ذلك نفسا له على المجاز. وقيل : تنفس الصبح.
(إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ)(٢١)
(إِنَّهُ) الضمير للقرآن (لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) هو جبريل صلوات الله عليه (٣) ذِي قُوَّةٍ)
__________________
(١) قوله «بهرام» : ليس بعربي ، والمراد به : المريخ. (ع)
(٢) العجاج. وتنفس الصبح : اتساع ضوئه ، أو إقباله بضوء ونسيم. وضمير «لها» الشمس ، وقيل : للمفازة. وانجاب : انقطع وانفصل عنها ظلام الليل. وعسعس : ولى مدبرا وزال ظلامه ، فهو توكيد لما قبله. ويجوز أن الضمير لبقرة وحشية مثلا.
(٣) قال محمود : «المراد بالرسول الكريم : جبريل عليه السلام. وقوله (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ) ليدل على عظم منزلته ومكانته ، وثم إشارة إلى الظرف المذكور يعنى عند ذى العرش الخ» قال أحمد : ما كان جبريل صلوات الله عليه يرضى منه هذا التفسير المنطوى على التقصير في حق البشير النذير عليه أفضل الصلاة والسلام ، ولقد اتبع الزمخشري هواه في تمهيد أصول مذهبه الفاسد ، فأخطأ على الأصل والفرع جميعا ، ونحن فبين ذلك بحول الله وقوته فنقول : أولا اختلف أهل التفسير ، فذهب منهم الجم الغفير إلى أن المراد بالرسول الكريم هاهنا إلى آخر النعوت :
محمد صلى الله عليه وسلم. فإن يكن كذلك والله أعلم فذلك فضل الله المعتاد على نبيه ، وإن كان المراد جبريل عليه السلام فقد اختلف الناس في المفاضلة بين الملائكة والرسل ، والمشهور عن أبى الحسن : تفضيل الرسل. ومذهب المعتزلة : تفضيل الملائكة ، إلا أن المختلفين أجمعوا على أنه لا يسوغ تفضيل أحد القبيلين الجليلين بما يتضمن تنقيص معين من الملائكة ومعين من الرسل ، لأن التفضيل وإن كان ثابتا إلا أن في التعيين إيذاء للمفضول ، وعليه حمل الحذاق قوله صلى الله عليه وسلم «لا تفضلوني على يونس بن متى» أى لا تعينوا مفضولا على التخصيص ، لأن التفضيل على لتعميم ثابت بإجماع المسلمين ، أى تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم على النبيين أجمعين ، وكان جدي رحمه الله يوضح ذلك بمثال فيقول : لو قلت بحضرة جماعة من الفقهاء : فلان أفضل أهل عصره ، لكان في الجماعة احتمال لهذا التفضيل وإن لزم اندراجهم في المفضولين ، ولو عينت واحدا منهم وقلت : فلان أفضل منك وأتقى لله ، لأسرع به الأذى إلى بعضك. وإذا تقرر لك أنه لا يلزم من اعتقاد التفضيل على التعميم جواز إطلاق التفضيل على التخصيص ، علمت أن الزمخشري أخطأ على أصله لأنه بتقدير أن تكون الملائكة أفضل كما يعتقد ، لا يجوز أن يقال أحد من الملائكة على التخصيص أنه أفضل من أحد الأنبياء على التخصيص ، لا سيما في سيد ولد آدم عليه أفضل الصلاة والسلام ،
كقوله تعالى (شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ) لما كانت حال المكانة على حسب حال الممكن ، قال : (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ) ليدل على عظم منزلته ومكانته (ثَمَ) إشارة إلى الظرف المذكور ، أعنى : عند ذى العرش ، على أنه عند الله مطاع في ملائكته المقرّبين يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه. وقرئ : ثم ، تعظيما للأمانة ، وبيانا لأنها أفضل صفاته المعدودة.
(وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ)(٢٢)
(وَما صاحِبُكُمْ) يعنى : محمدا صلى الله عليه وسلم (بِمَجْنُونٍ) كما تبهته الكفرة (١) ، وناهيك بهذا دليلا على جلالة مكان جبريل عليه السلام وفضله على الملائكة ، ومباينة منزلته (٢) أفضل الإنس محمد صلى الله عليه وسلم : إذا وازنت بين الذكرين حين قرن بينهما ، وقايست بين قوله (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) وبين قوله (وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ).
__________________
ـ ثم يعود الكلام على الآية بعد تسليم أن المراد جبريل ، وبعد أن نكله في تعيينه النبي صلى الله عليه وسلم وعده مفضولا إلى الله فنقول : لم يذكر فيها نعت إلا والنبي صلى الله عليه وسلم مثله ، أولها : رسول كريم ، فقد قال في حقه صلى الله عليه وسلم في آخر سورة الحاقة (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) وقد قيل أيضا : إن المراد جبريل ، إلا أنه يأباه قوله (وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ) وقد وافق الزمخشري على ذلك فيما تقدم ، فهذا أول النعوت وأعظمها. وأما قوله (ذِي قُوَّةٍ) فليس محل الخلاف ، إذ لا نزاع في أن لجبريل عليه السلام فضل القوة الجسمية ومن يقتلع المدائن بريشة من جناحه ، لا مراء في فضل قوته على قوة البشر. وقد قيل هذا في تفسير قوله (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى) وقوله (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَ) فقد ثبت طاعة الملائكة أيضا لنبينا صلى الله عليه وسلم ، ورد أن جبريل عليه السلام قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله يقرئك السلام ، وقد أمر ملك الجبال أن يطيعك عند ما آذته قريش فسلم عليه الملك وقال : إن أمرتنى أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت ، فصبر النبي صلى الله عليه وسلم واحتسب. وأعظم من ذلك وأشرف : مقامه المحمود في الشفاعة الكبرى يوم لا يتقدمه أحد ، إذ يقول الله تعالى له : ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع. وأما أمين فقد قال وهو الصادق المصدوق : والله إنى لأمين في الأرض أمين في السماء ، وحسبك قوله : وما هو على الغيب بظنين. إن قرأته بالظاء فمعناه أنه صلى الله عليه وسلم أمين على الغيب غير متهم ، وإن قرأته بالضاد رجع إلى الكرم ، فكيف يذهب إلى التفضيل بالنعوت المشتركة بين الفاضل والمفضول سواء ، وما لي مباحثة في أصل المسألة ، ولكن الرد عليه في خطئه على كل قول يتعين ، وإلا فالمسئلة في غير هذا الكتاب. فنسأل الله أن يثبتنا على الايمان به وبملائكته وكتبه ورسله ، وعلى القول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، وأن يعمر قلوبنا بحبهم ، وأن يجعل توسلنا إليه بهم ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) قوله «كما تبهته الكفرة» أى تتهمه بما ليس فيه. (ع)
(٢) قوله «ومباينة منزلته ... الخ» يعنى ارتفاع منزلته على منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو مبنى على مذهب المعتزلة من تفضيل الملك على البشر. ومذهب أهل السنة : تفضيل رؤساء البشر. وإنما ذكر جبريل بتلك الصفات واقتصر على نفى الجنون عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن جبريل مجهول لهم ، بخلاف محمد صلى الله عليه وسلم فاقه صاحبهم ، ولذا اقتصر على نفى ما بهتوه به. (ع)
(وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) (٢٥)
(وَلَقَدْ رَآهُ) ولقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل (بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) بمطلع الشمس الأعلى (وَما هُوَ) وما محمد على ما يخبر به من الغيب من رؤية جبريل والوحى إليه وغير ذلك (بِضَنِينٍ) بمتهم من الظنة وهي التهمة. وقرئ : بضنين ، من الضنّ وهو البخل أى : لا يبخل بالوحي فيزوى بعضه غير مبلغه ، أو يسأل تعليمه فلا يعلمه ، وهو في مصحف عبد الله بالظاء ، وفي مصحف أبىّ بالضاد. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما. وإتقان الفصل بين الضاد والظاء : واجب. ومعرفة مخرجيهما مما لا بد منه للقارئ ، فإنّ أكثر العجم لا يفرّقون بين الحرفين ، وإن فرقوا ففرقا غير صواب ، وبينهما بون بعيد ، فإن مخرج الضاد من أصل حافة اللسان وما يليها من الأضراس من يمين اللسان أو يساره ، وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه أضبط يعمل بكلتا يديه ، وكان يخرج الضاد من جانبي لسانه ، وهي أحد الأحرف الشجرية أخت الجيم والشين ، وأما الظاء فمخرجها من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا ، وهي أحد الأحرف الذولقية أخت الذال والثاء. ولو استوى الحرفان لما ثبتت في هذه الكلمة قراءتان اثنتان واختلاف بين جبلين من جبال العلم والقراءة ، ولما اختلف المعنى والاشتقاق والتركيب فإن قلت : فإن وضع المصلى أحد الحرفين مكان صاحبه. قلت : هو كواضع الذال مكان الجيم ، والثاء مكان الشين ، لأن التفاوت بين الضاد والظاء كالتفاوت بين أخواتهما (وَما هُوَ) وما القرآن (بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) أى بقول بعض المسترقة للسمع ، وبوحيهم إلى أوليائهم من الكينة.
(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ)(٢٩)
(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) استضلال لهم كما يقال لتارك الجادّة اعتسافا أو ذهابا في بنيات الطريق (١) : أين تذهب ، مثلت حالهم بحاله في تركهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ) بدل من العالمين وإنما أبدلوا منهم لأنّ الذين شاءوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر ، فكأنه لم يوعظ به غيرهم وإن كانوا موعظين جميعا (وَما تَشاؤُنَ) الاستقامة يا من
__________________
(١) قوله «في بنيات الطريق» في الصحاح «بقيات الطريق» : هي الطرق الصحار تتشعب من الجادة. (ع)
يشاؤها إلا بتوفيق الله (١) ولطفه. أو : وما تشاؤنها أنتم يا من لا يشاؤها إلا بقسر الله وإلجائه.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة إذا الشمس كورت أعاذه الله أن يفضحه حين تنشر صحيفته» (٢).
سورة الانفطار
مكية ، وآياتها ١٩ [نزلت بعد النازعات]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ)(٥)
(انْفَطَرَتْ) انشقت (فُجِّرَتْ) فتح بعضها إلى بعض ، فاختلط العذب بالمالح ، وزال البرزخ الذي بينهما ، وصارت البحار بحرا واحدا. وروى أنّ الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار ، فتصير مستوية ، وهو معنى التسجير عند الحسن ، وقرئ : فجرت ، بالتخفيف. وقرأ مجاهد : فجرت على البناء للفاعل والتخفيف ، بمعنى : بغت لزوال البرزخ نظرا إلى قوله تعالى (لا يَبْغِيانِ) لأنّ البغي والفجور أخوان. بعثر وبحثر بمعنى ، وهما مركبان من البعث والبحث
__________________
(١) قوله «يا من يشاؤها إلا بتوفيق الله» تأويل المشيئة بذلك مبنى على أن فعل العبد بخلق العبد وإرادته. لا بخلق الله تعالى ولا بإرادته : وهو مذهب المعتزلة. ومذهب أهل السنة : أنه يخلق الله تعالى وإرادته كظاهر الآيات. وقوله بقسر الله ، أى بجبره العبد على الفعل ، لكن الجبر ينافي الاختيار المصحح للتكليف واستحقاق الثواب والعقاب ، ويمكن أنه أراد بقسر الله إرادته المستلزمة لوجود المراد ، كما سبق له في الكتاب غير مرة التعبير بارادة القسر ، لكن استلزام الارادة للمراد لا يستلزم قسر العبد وجبره عند أهل السنة ، وإن كان الله هو الخالق لفعل العبد ، لأنهم أثبتوا العبد الكسب ، خلافا للمعتزلة. وتفصيل المقام في علم التوحيد. (ع)
(٢) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه باسنادهم إلى أبى بن كعب.
مع راء مضمومة إليهما. والمعنى : يحثت وأخرج موتاها. وقيل : لبراءة المبعثرة ، لأنها بعثرت أسرار المنافقين.
(يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ)(٨)
فإن قلت : ما معنى قوله : (ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) وكيف طابق الوصف بالكرم إنكار الاغترار به (١) ، وإنما يغتر بالكريم ، كما يروى عن على رضى الله عنه أنه صاح بغلام له كرّات فلم يلبه ، فنظر فإذا هو بالباب ، فقال له : مالك لم تجبني؟ قال : لثقتي بحلمك وأمنى من عقوبتك ، فاستحسن جوابه وأعتقه (٢). وقالوا : من كرم الرجل سوء أدب غلمانه. قلت : معناه أنّ حق الإنسان أن لا يغتر بتكرم الله عليه ، حيث خلقه حيا لينفعه ، وبتفضله عليه بذلك حتى يطمع بعد ما مكنه وكلفه فعصى وكفر النعمة المتفضل بها أن يتفضل عليه بالثواب وطرح العقاب ، اغترارا بالتفضل الأوّل ، فإنه منكر خارج من حد الحكمة ، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تلاها. «غرّه جهله» (٣) وقال عمر رضى الله عنه : غرّه حمقه وجهله. وقال الحسن : غره والله شيطانه الخبيث ، أى : زين له المعاصي وقال له : افعل ما شئت ، فربك الكريم الذي تفضل عليك بما تفضل به أوّلا وهو متفضل عليك آخرا ، حتى ورطه. وقيل للفضيل ابن عياض : إن أقامك الله يوم القيامة وقال لك : (ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) ما ذا تقول؟ قال أقول : غرتني ستورك المرخاة. وهذا على سبيل الاعتراف بالخطإ في الاغترار بالستر ، وليس باعتذار كما يظنه الطماع ، ويطن به قصاص الحشوية ويروون عن أئمتهم : إنما قال (بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) دون سائر صفاته ، ليلقن عبده الجواب حتى يقول : غرّنى كرم الكريم. وقرأ سعيد بن جبير : ما أغرّك ، إما على التعجب ، وإما على الاستفهام ، من قولك : غرّ الرجل فهو غارّ : إذا غفل ،
__________________
(١) قال محمود : «إن قلت : قوله ما غرك بربك الكريم ما معناه وكيف يطابق الوصف بالكرم ... الخ»؟ قال أحمد : حجة الزمخشري هاهنا فارغة ، فان الآية إنما وردت في الكفار ، بدليل قوله (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) ونحن نوافقه على خلودهم وانقطاع معاذيرهم ، لا على أن تخليدهم واجب على الله تعالى بمقتضى الحكمة ، فان الله لا يجب عليه شيء. ويجوز عقلا أن يثيب الكافر ويخلده في الجنة ، وبالعكس في المؤمن ، ولو لا ورود السمع باثابة المؤمنين وعذاب الكافرين فيتعين المصير إليه ، لكان ما ذكرناه في الجواز والاحتمال ، فان الله عز وجل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
(٢) لم أجده.
(٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن عن كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن صالح بن سمار قال بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية فذكره.
من قولك : بيتهم العدوّ وهم غارّون. وأغرّه غيره : جعله غارا (فَسَوَّاكَ) فجعلك سويا سالم الأعضاء (فَعَدَلَكَ) فصيرك معتدلا متناسب الخلق من غير تفاوت فيه ، فلم يجعل إحدى اليدين أطول ، ولا إحدى العينين أوسع ، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود ، ولا بعض الشعر فاحما وبعضه أشقر. أو جعلك معتدل الخلق تمشى قائما لا كالبهائم. وقرئ : فعدلك بالتخفيف. وفيه وجهان ، أحدهما : أن يكون بمعنى المشدّد ، أى : عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت. والثاني (فَعَدَلَكَ) فصرفك. يقال : عدله عن الطريق يعنى : فعدلك عن خلقة غيرك وخلقك خلقة حسنة مفارقة لسائر الخلق. أو فعدلك إلى بعض الأشكال والهيئات. (ما) في (ما شاءَ) مزيدة ، أى : ركبك في أىّ صورة اقتضتها مشيئته وحكمته من الصور المختلقة في الحسن والقبح والطول والقصر والذكورة والأنوثة ، والشبه ببعض الأقارب وخلاف الشبه. فإن قلت : هلا عطفت هذه الجملة كما عطف ما قبلها؟ قلت : لأنها بيان لعدلك. فإن قلت : بم يتعلق الجار؟ قلت : يجوز أن يتعلق بركبك. على معنى : وضعك في بعض الصور ومكنك فيه ، وبمحذوف : أى ركبك حاصلا في بعض الصور ، ومحله النصب على الحال إن علق بمحذوف ويجوز أن يتعلق بعدلك ، ويكون في «أى» معنى التعجب (١) ، أى فعدلك في صورة عجيبة ، ثم قال : ما شاء ركبك. أى. ركبك ما شاء من التراكيب ، يعنى تركيبا حسنا.
(كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ)(١٢)
(كَلَّا) ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله والتسلق به ، وهو موجب الشكر والطاعة ، إلى عكسهما الذي هو الكفر والمعصية ، ثم قال (بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) أصلا وهو الجزاء.
أو دين الإسلام. فلا تصدّقون ثوابا ولا عقابا وهو شر من الطمع المنكر (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ) تحقيق لما يكذبون به من الجزاء ، يعنى أنكم تكذبون بالجزاء والكاتبون يكتبون عليكم أعمالكم لتجازوا بها. وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم : تعظيم لأمر الجزاء ، وأنه عند الله من جلائل الأمور ، ولو لا ذلك لما وكل بضبط ما يحاسب عليه ، ويجازى به الملائكة الكرام الحفظة الكتبة. وفيه إنذار وتهويل وتشوير للعصاة (٢) ولطف للمؤمنين. وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال : ما أشدّها من آية على الغافلين.
__________________
(١) قوله «معنى التعجب» لعله : التعجيب. (ع)
(٢) قوله «وتشوير العصاة» أى إخجال اه كذا بهامش وفي الصحاح «الشوار» الفرع. ومنه قيل : شور به أى كأنه أبدى عورته. (ع)
(إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ)(١٦)
(وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ) كقوله (وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها) ويجوز أن يراد : يصلون النار يوم الدين وما يغيبون عنها قبل ذلك ، يعنى : في قبورهم. وقيل : أخبر الله في هذه السورة أنّ لابن آدم ثلاث حالات : حال الحياة التي يحفظ فيها عمله ، وحال الآخرة التي يجازى فيها ، وحال البرزخ وهو قوله (وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ).
(وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ)(١٩)
يعنى أن أمر يوم الدين بحيث لا ندرك دراية دار كنهه في الهول والشدّة وكيفما تصورته فهو فوق ذلك وعلى أضعافه ، والتكرير لزيادة التهويل ، ثم أجمل القول في وصفه فقال (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً) أى لا تستطيع دفعا عنها ولانفعالها بوجه ولا أمر إلا لله وحده. من رفع فغلى البدل من يوم الدين ، أو على : هو يوم لا تملك. ومن نصب فبإضمار يدانون ، لأنّ الدين يدل عليه. أو بإضمار اذكر. ويجوز أن يفتح لإضافته إلى غير متمكن وهو في محل الرفع. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ إذا السماء انفطرت كتب الله له بعدد كل قطرة من السماء حسنة وبعدد كل قبر حسنة» (١).
__________________
(١) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بسندهم إلى أبى بن كعب.
سورة المطففين
مكية ، وآياتها ٣٦ [نزلت بعد العنكبوت ، وهي آخر سورة نزلت بمكة]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ)(٦)
التطفيف : البخس في الكيل والوزن ، لأنّ ما يبخس شيء طفيف حقير. وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلا ، فنزلت ، فأحسنوا الكيل (١) وقيل : قدمها وبها رجل يعرف بأبى جهينة ومعه صاعان : يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر (٢). وقيل : كان أهل المدينة تجارا يطففون ، وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة ، فنزلت فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها (٣) عليهم. وقال : «خمس بخمس» : قيل : يا رسول الله ، وما خمس بخمس؟ قال «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم ، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر ، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت ، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر (٤)» وعن على رضى الله عنه : أنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له : أقم الوزن بالقسط ، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت. كأنه أمره بالتسوية أولا ليعتادها ويفصل الواجب من النفل. وعن ابن عباس : إنكم معشر الأعاجم وليتم أمرين : بهما هلك من كان قبلكم : المكيال والميزان ، وخص الأعاجم لأنهم يجمعون الكيل والوزن جميعا وكانا مفرّقين في الحرمين : كان أهل مكة يزنون
__________________
(١) أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم من رواية يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما.
(٢) نقله الثعلبي عن السدى.
(٣) لم أجده.
(٤) أخرجه الحاكم من رواية عبد الله بن بريدة عن أبيه رفعه «ما نقض قوم العهد ... الحديث» وفيه بشر ابن المهاجر. وفيه مقال ، ومن طريق عطاء بن أبى رباح عن عبد الله بن عمرو مرفوعا نحوه.
وأهل المدينة يكيلون. وعن ابن عمر أنه كان يمر بالبائع فيقول له : اتق الله وأوف الكيل ، فإنّ المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن حتى إن العرق ليلجمهم. وعن عكرمة : أشهد أنّ كل كيال ووزان في النار ، فقيل له : انّ ابنك كيال أو وزان ، فقال : أشهد أنه في النار. وعن أبىّ رضى الله عنه : لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤس المكاييل وألسن الموازين. لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم (١) ويتحامل فيه عليهم : أبدل «على» مكان «من» للدلالة على ذلك. ويجوز أن يتعلق «على» بيستوفون ، ويقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية ، أى : يستوفون على الناس خاصة ، فأما أنفسهم فيستوفون لها : وقال الفراء «من» و «على» يعتقبان في هذا الموضع ، لأنه حق عليه ، فإذا قال : اكتلت عليك ، فكأنه قال : أخذت ما عليك ، وإذا قال : اكتلت منك ، فكقوله : استوفيت منك. والضمير في (كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ) ضمير منصوب راجع إلى الناس. وفيه وجهان : أن يراد : كالوا لهم أو وزنوا لهم ، فحذف الجار وأوصل الفعل ، كما قال ،
|
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا |
|
ولقد نهيتك عن نبات الأوبر (٢) |
والحريص يصيدك لا الجواد ، بمعنى : جنيت لك ، ويصيد لك. وأن يكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، والمضاف هو المكيل أو الموزون ، ولا يصح أن يكون ضميرا مرفوعا للمطففين ، لأنّ الكلام يخرج به إلى نظم فاسد ، وذلك أنّ المعنى : إذا أخذوا من الناس استوفوا ، وإذا أعطوهم أخسروا ، وإن جعلت الضمير للمطففين انقلب إلى قولك : إذا أخذوا من الناس استوفوا ، وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا ، وهو كلام متنافر
__________________
(١) قال محمود : «لما كان اكتيالهم على الناس اكتيالا يضرهم ... الخ» قال أحمد : لا منافرة فيه ، ولا يجعل هذا القائل الضمير دالا على مباشرة ولا إشعار أيضا فيه بذلك ، إنما يكون نظم الكلام على هذا الوجه : إذا كان الكيل من جهة غيرهم استوفوه ، وإذا كان الكيل من جهتهم خاصة أخسروه ، سواء باشروه أولا ، وهذا أنظم كلام وأحسنه والله أعلم ، والذي يدلك على أن الضمير لا يعطى مباشرة الفعل أن لك أن تقول : الأمراء هم الذين يقيمون الحدود لا السوقة ، ولست تعنى أنهم يباشرون ذلك بأنفسهم ، وإنما معناه أن فعل ذلك من جهتهم خاصة.
(٢) «جنى لا يتعدى إلا لواحد والثاني باللام ، فالأصل : جنيت لك ، فحذف الجار وأوصل الضمير. أو ضمنه معنى : أبحتك ، فعداه لهما. والأكمؤ : جمع كمأ ، كأفلس وفلس ، وهو واحد الكمأة ، وهي لنوع كبير من نبات يسمى شحمة الأرض ، سمى كمأة لاشتهاره بها. والعساقل : جمع عسقول كعصفور ، وكان حقه : عساقيل ، فحذفت الياء الوزن. وقيل : إنه جمع عسقل ، وهو نوع صغير منها جيد أبيض ، ونبات أوبر : نوع ردىء منها أسود مزغب ، كأن عليه وبر. وقيل : هو جنس آخر يشبه القلقاس أو اللفت. ونبات أوبر : جمع ابن أوبر ، لأنه علم لما لا يعقل. وأل فيه زائدة. وقال المبرد : هو اسم جنس ، قال فيه معرفة ، والبيت من باب التمثيل مثال؟؟؟ من أغرى على الطيب ، فعدل إلى الخبيث ، ثم يرجع يتندم على عاتبته.
لأنّ الحديث واقع في الفعل لا في المباشر ، والتعلق في إيطاله بخط المصحف ، وأنّ الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه : ركيك ، لأنّ خط المصحف لم يراع في كثير منه حدّ المصطلح عليه في علم الخط ، على أنى رأيت في الكتب المخطوطة بأيدى الأئمة المتقنين هذه الألف مرفوضة لكونها غير ثابتة في اللفظ والمعنى جميعا ، لأن الواو وحدها معطية معنى الجمع ، وإنما كتبت هذه الألف تفرقة بين واو الجمع وغيرها في نحو قولك : هم لم يدعوا ، وهو يدعو ، فمن لم يثبتها قال : المعنى كاف في التفرقة بينهما. وعن عيسى بن عمر وحمزة : أنهما كانا يرتكبان ذلك ، أى يجعلان الضميرين للمطففين ، ويقفان عند الواوين وقيفة يبينان بها ما أرادا. فإن قلت : هلا قيل : أو اتزنوا ، كما قيل (أَوْ وَزَنُوهُمْ)؟ قلت : كأن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل دون الموازين لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة ، لأنهم يدعدعون (١) ويحتالون في الملء ، وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين جميعا (يُخْسِرُونَ) ينقصون. يقال : خسر الميزان (٢) وأخسره (أَلا يَظُنُ) إنكار وتعجيب عظيم من حالهم في الاجتراء على التطفيف ، كأنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون تخمينا (أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) ومحاسبون على مقدار الذرّة والخردلة. وعن قتادة : أوف يا ابن آدم كما تحب أن يوفى لك ، واعدل كما تحب أن يعدل لك. وعن الفضيل : بخس الميزان سواد الوجه يوم القيامة. وعن عبد الملك بن مروان : أن أعرابيا قال له : قد سمعت ما قال الله في المطففين : أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به ، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن. وفي هذا الإنكار والتعجيب وكلمة الظن ، ووصف اليوم بالعظم ، وقيام الناس فيه لله خاضعين ، ووصفه ذاته برب العالمين : بيان بليغ لعظم الذنب وتفاقم الإثم في التطفيف وفيما كان في مثل حاله من الحيف وترك القيام بالقسط ، والعمل على السوية والعدل في كل أخذ وإعطاء ، بل في كل قول وعمل. وقيل : الظنّ بمعنى اليقين ، والوجه ما ذكر ، ونصب (يَوْمَ يَقُومُ) بمبعوثون. وقرئ بالجر بدلا من (لِيَوْمٍ عَظِيمٍ) وعن ابن عمر أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ قوله (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) بكى نحيبا وامتنع من قراءة ما بعده.
(كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ)(٩)
__________________
(١) قوله «يدعدعون ويحتالون» في الصحاح الدعدعة تحريك المكيال ونحوه ليسعه الشيء. ودعدعت الشيء : ملأته. (ع)
(٢) قوله «يقال خسر الميزان» عبارة الصحاح : خسرت الشيء وأخسرته : نقصته. (ع)
(كَلَّا) ردعهم عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن ذكر البعث والحساب ، ونبههم على أنه مما يجب أن يتاب عنه ويندم عليه ، ثم أتبعه وعيد الفجار على العموم. وكتاب الفجار : ما يكتب من أعمالهم. فإن قلت : قد أخبر الله عن كتاب الفجار بأنه في سجين ، وفسر سجينا بكتاب مرقوم ، فكأنه قيل : إن كتابهم في كتاب مرقوم ، فما معناه : قلت : (سِجِّينٍ) كتاب جامع هو ديوان الشر : دوّن الله فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفرة والفسقة من الجن والانس ، وهو كتاب مرقوم مسطور بين الكتابة. أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه ، فالمعنى أن ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان ، وسمى سجينا : فعيلا من السجن ، وهو الحبس والتضييق ، لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم ، أو لأنه مطروح ـ كما روى تحت الأرض السابعة في مكان وحش مظلم ، وهو مسكن إبليس وذرّيته استهانة به وإذالة (١) ، وليشهده الشياطين المدحورون ، كما يشهد ديوان الخير الملائكة المقرّبون. فإن قلت : فما سجين ، أصفة هو أم اسم؟ قلت : بل هو اسم علم منقول من وصف كحاتم ، وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف
(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ)(١٧)
(الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ) مما وصف به للذم لا للبيان ، كقولك فعل ذلك فلان الفاسق الخبيث (كَلَّا) ردع للمعتدى الأثيم عن قوله (رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ) ركبها كما يركب الصدأ وغلب عليها : وهو أن يصر على الكبائر ويسوّف التوبة حتى يطبع على قلبه ، فلا يقبل الخير ولا يميل إليه. وعن الحسن : الذنب بعد الذنب حتى يسودّ القلب. يقال : ران عليه الذنب وغان عليه ، رينا وغينا ، والغين : الغيم ، ويقال : ران فيه النوم رسخ فيه ، ورانت به الخمر : ذهبت به. وقرئ بإدغام اللام في الراء وبالإظهار ، والإدغام أجود ، وأميلت الألف وفخمت (كَلَّا) ردع عن
__________________
(١) قوله «استهانة به وإذالة» أى : إهانة. كما في الصحاح. (ع)
الكسب الرائن على قلوبهم. وكونهم محجوبين عنه : تمثيل (١) للاستخفاف بهم (٢) وإهانتهم ، لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين لديهم ، ولا يحجب عنهم إلا الأدنياء المهانون عندهم. قال :
|
إذا اعتروا باب ذى عبية رجبوا |
|
والنّاس من بين مرجوب ومحجوب (٣) |
عن ابن عباس وقتادة وابن أبى مليكة : محجوبين عن رحمته. وعن ابن كيسان : عن كرامته :
(كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ)(٢١)
(كَلَّا) ردع عن التكذيب. وكتاب الأبرار : ما كتب من أعمالهم. وعليون : علم لديوان الخير الذي دوّن فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين ، منقول من جمع «علىّ» فعيل من العلو كسجين من السجن ، سمى بذلك إمّا لأنه سبب الارتفاع إلى أعالى الدرجات في الجنة ، وإمّا لأنه مرفوع في السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون ، تكريما له وتعظيما. روى «إن الملائكة لتصعد بعمل العبد فيستقلونه ، فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من سلطانه أوحى إليهم إنكم الحفظة على عبدى وأنا الرقيب على ما في قلبه ، وأنه أخلص عمله فاجعلوه في عليين ، فقد غفرت له ، وإنها لتصعد بعمل العبد فيزكونه ، فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله أوحى إليهم : أنتم الحفظة على
__________________
(١) قال محمود : «كونهم محجوبين عنه تمثيل ... الخ» قال أحمد : هذا عند أهل السنة على ظاهره من أدلة الرؤية ، فان الله تعالى لما خص الفجار بالحجاب دل على أن المؤمنين الأبرار مرفوع عنهم الحجاب ، ولا معنى لرفع الحجاب إلا الإدراك بالعين ، وإلا فالحجاب على الله تعالى بغير هذا التفسير محال ، هذا هو الحق وما بعد الحق إلا الضلال ، وما أرى من جحد الرؤية المدلول عليها بقواطع الكتاب والسنة يحظي بها. والله المسئول في العصمة.
(٢) قوله «تمثيل للاستخفاف بهم» مبنى على مذهب المعتزلة : وهو عدم جواز الرؤية عليه تعالى. وذهب أهل السنة إلى جوازها. وفي النسفي : قال الزجاج : في الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم ، وإلا لا يكون التخصيص مفيدا ، وقال الحسن بن الفصل : كما حجبهم في الدنيا عن توحيده ، حجبهم في العقبى عن رؤيته. وقال مالك بن أنس : لما حجب أعداءه فلم يروه ، تجلى لأوليائه حتى رأوه. وكذا في الخازن. وفيه أيضا : قال الشافعي : في الآية دلالة على أن أولياء الله يرون الله جل جلاله.
(٣) غزوا : قصدوا. وروى : اعتروا ، أى : نزلوا به وأصابوه. والعبية : الكبر والفخر. قال صلى الله عليه وسلم «إن الله تعالى قد أذهب عنكم عبية الجاهلية بالآباء» الناس رجلان : مؤمن تقى وكافر شقى». ورجبة الرجل : عظمته. يقول إنهم يلجون أبواب العظماء لا تمنعهم الحجاب ، بخلاف غيرهم فإنهم تارة وتارة.
عبدى وأنا الرقيب على ما في قلبه. وإنه لم يخلص لي عمله فاجعلوه في سجين (١)»
(إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ)(٢٨)
(الْأَرائِكِ) الأسرة في الحجال (٢) (يَنْظُرُونَ) إلى ما شاءوا مدّ أعينهم إليه من مناظر الجنة ، وإلى ما أولاهم الله من النعمة والكرامة ، وإلى أعدائهم يعذبون في النار ، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك (نَضْرَةَ النَّعِيمِ) بهجة التنعم وماءه ورونقه ، كما ترى في وجوه الأغنياء وأهل الترفه. وقرئ : تعرف ، على البناء للمفعول. ونضرة النعيم ـ بالرفع. الرحيق الشراب الخالص الذي لا غش فيه (مَخْتُومٍ) تختم أوانيه من الأكواب والأباريق بمسك مكان الطينة. وقيل (خِتامُهُ مِسْكٌ) مقطعه رائحة مسك إذا شرب. وقيل : يمزج بالكافور ، ويختم مزاجه بالمسك. وقرئ : خاتمه ، بفتح التاء وكسرها ، أى : ما يختم به ويقطع (فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ) فليرتغب المرتغبون (تَسْنِيمٍ) علم لعين بعينها : سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه : إمّا لأنها أرفع شراب في الجنة وإمّا لأنها تأتيهم من فوق ، على ما روى أنها تجرى في الهواء متسنمة فتنصب في أوانيهم. و (عَيْناً) نصب على المدح. وقال الزجاج : نصب على الحال. وقيل : هي للمقربين ، يشربونها صرفا. وتمزج لسائر أهل الجنة.
(إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ)(٣٣)
هم مشركو مكة : أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم : كانوا يضحكون
__________________
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد : أخبرنا أبو بكر ابن أبى مريم عن حمزة بن حبيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فذكره.
(٢) قوله «الأسرة في الحجال» في الصحاح : الحجلة ـ بالتحريك ـ : واحدة حجال العروس : وهي بيت يزين بالثياب والأسرة والستور. (ع)
من عمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين ويستهزؤن بهم. وقيل : جاء على ابن أبى طالب رضى الله عنه في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ، ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا : رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه ، فنزلت قبل أن يصل علىّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (يَتَغامَزُونَ) يغمز بعضهم بعضا ، ويشيرون بأعينهم (فَكِهِينَ) ملتذين بذكرهم والسخرية منهم ، أى : ينسبون المسلمين إلى الضلال (وَما أُرْسِلُوا) على المسلمين (حافِظِينَ) موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم ، ويهيمنون على أعمالهم ، ويشهدون برشدهم وضلالهم ، وهداتهكم بهم. أو هو من جملة قول الكفار ، وإنهم إذا رأوا المسلمين قالوا : إنّ هؤلاء لضالون ، وإنهم لم يرسلوا عليهم حافظين إنكارا لصدّهم إياهم عن الشرك ، ودعائهم إلى الإسلام ، وجدّهم في ذلك.
(فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ)(٣٦)
(عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ) حال من (يَضْحَكُونَ) أى : يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والكبر. ومن ألوان العذاب بعد النعيم والترفه : وهم على الأرائك آمنون. وقيل : يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم : اخرجوا إليها ، فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم ، يفعل ذلك بهم مرارا ، فيضحك المؤمنون منهم. ثوّبه وأثابه : بمعنى ، إذا جازاه. قال أوس :
|
سأجزيك أو يجزيك عنّى مثوّب |
|
وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي (١) |
وقرئ بإدغام اللام في التاء.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة المطففين سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة (٢)».
__________________
(١) لأوس بن حجر. ويقال : ثوبه وأثابه : إذا جازاه. فالمثوب المجازى أى : سأجزيك يا فرسي بنفسي ، أو يجزيك بدلا عنى مجاز غيرى. أو مجازاة ناشئة عنى ، وكافيك من الناس أن يثنوا عليك ويحمدوك ، فعليك : نائب الفاعل. ويجوز أن يكون المثوب المنادى للحرب مشيرا بطرف ثوبه ، ليرى من بعيد فيغاث.
(٢) أخرجه ابن مردويه والثعلبي والواحدي سندهم إلى أبى بن كعب.
سورة الانشقاق
مكية ، وآياتها ٢٥ [نزلت بعد الانفطار]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ)(٥)
حذف جواب إذا ليذهب المقدّر كل مذهب. أو اكتفاء بما علم في مثلها من سورتي التكوير والانفطار. وقيل : جوابها ما دلّ عليه (فَمُلاقِيهِ) أى إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كدحه. ومعناه : إذا انشقت بالغمام ، كقوله تعالى (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ) وعن على رضى الله عنه : تنشق من المجرّة. أذن له : استمع له (١). ومنه قوله عليه السلام : «ما أذن الله لشيء كاذنه لنبي يتغنى بالقرآن (٢). وقول جحاف بن حكيم :
أذنت لكم لمّا سمعت هريركم (٣)
والمعنى : أنها فعلت في انقيادها لله حين أراد انشقاقها فعل المطواع الذي إذا ورد عليه الأمر من جهة المطاع أنصت له وأذعن ولم يأب ولم يمتنع ، كقوله (أَتَيْنا طائِعِينَ). (وَحُقَّتْ) من قولك هو محقوق بكذا وحقيق به ، يعنى : وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع. ومعناه الإيذان بأنّ القادر الذات (٤) يجب أن يتأتى له كل مقدور ويحق ذلك (مُدَّتْ) من مدّ الشيء فامتدّ :
__________________
(١) قال محمود : «معنى أذنت استمعت ... الخ» قال أحمد : نغص تفسير الآية بقوله : القادر بالذات وما باله لا يقول : القادر الذي عمت قدرته الكائنات ، حتى لا يكون إلا بقدرته : حقيق أن يسمع له ويطاع ، فيثبت لله صفة الكمال ، ويوحده حق توحيده : وهو خير من سلب صفة الكمال عن الله تعالى وإشراك مخلوقاته به ـ جل ربنا وعز ـ
(٢) متفق عليه ، وقد تقدم في سورة إبراهيم.
|
(٣) أذنت لكم لما سمعت هريركم |
|
فأسمعتمونى بالخنا والفواحش |
لجحاف بن حكيم. وأذنت : أصخت وأصغيت بأذنى لكلامكم حين سمعت صوتكم ، وضمن أسمعتمونى معنى : أعلتمونى ، فعداه بالباء. ويجوز أنها زائدة. والخنا : الزنا وتوابعه مما يتعلق بالنساء ، والفواحش : أعم من ذلك
(٤) قوله «الإيذان بأن القادر بالذات» هذا التعبير مبنى على مذهب المعتزلة من أنه تعالى قادر بذاته لا بقدرة زائدة على ذاته ، عالم بذاته لا بعلم زائد على ذاته. ومذهب أهل السنة : أنه قادر بقدوة زائدة : هل ذاته ، عالم بعلم زائد على ذاته وهكذا ، كما في الحوادث
وهو أن تزال جبالها وآكامها وكل أمت فيها ، حتى تمتدّ وتنبسط ويستوي ظهرها ، كما قال تعالى (قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) وعن ابن عباس رضى الله عنهما : مدّت مدّ الأديم العكاظي ، لأن الأديم إذا مدّ زال كل انثناء فيه وأمت واستوى أو من مدّه بمعنى أمدّه ، أى : زيدت سعة وبسطة (وَأَلْقَتْ ما فِيها) ورمت بما في جوفها مما دفن فيها من الموتى والكنوز (وَتَخَلَّتْ) وخلت غاية الخلو حتى لم يبق شيء في باطنها ، كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو ، كما يقال : تكرم الكريم ، وترحم الرحيم : إذا بلغا جهدهما في الكرم والرحمة ، وتكلفا فوق ما في طبعهما (وَأَذِنَتْ لِرَبِّها) في إلقاء ما في بطنها وتخليها.
(يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ)(١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً)(١٥)
الكدح : جهد النفس في العمل والكدّ فيه حتى يؤثر فيها ، من كدح جلده : إذا خدشه. ومعنى (كادِحٌ إِلى رَبِّكَ) جاهد إلى لقاء ربك ، وهو الموت وما بعده من الحال الممثلة باللقاء (فَمُلاقِيهِ) فملاق له لا مجالة لا مفرّ لك منه ، وقيل : الضمير في ملاقيه للكدح (يَسِيراً) سهلا هينا لا يناقش فيه ولا يعترض بما يسوءه ويشق عليه ، كما يناقش أصحاب الشمال. وعن عائشة رضى الله عنها : هو أن يعرّف ذنوبه ، ثم يتجاوز عنه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «من يحاسب يعذب» فقيل يا رسول الله : فسوف يحاسب حسابا يسيرا. قال «ذلكم العرض ، من نوقش في الحساب عذب» (١) (إِلى أَهْلِهِ) إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين. أو إلى فريق المؤمنين. أو إلى أهله في الجنة من الحور العين (وَراءَ ظَهْرِهِ) قيل : تغل يمناه إلى عنقه ، وتجعل شماله وراء ظهره ، فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره. وقيل تخلع يده اليسرى من وراء ظهره. (يَدْعُوا ثُبُوراً) يقول : يا ثبوراه. والثبور : الهلاك. وقرئ : ويصلى سعيرا ، كقوله (وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) ويصلى : بضم الياء والتخفيف ، كقوله (وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ). (فِي أَهْلِهِ) فيما بين ظهرانيهم : أو معهم ، على أنهم كانوا جميعا مسرورين ، يعنى أنه كان في الدنيا مترفا بطرا مستبشرا كعادة
__________________
(١) متفق عليه من حديث عائشة.
الفجار الذين لا يهمهم أمر الآخرة ولا يفكرون في العواقب ، ولم يكن كئيبا حزينا متفكرا كعادة الصلحاء والمتقين وحكاية الله عنهم (إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ). (ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ) لن يرجع إلى الله تعالى تكذيبا بالمعاد. يقال : لا يحور ولا يحول ، أى : لا يرجع ولا يتغير. قال لبيد :
يحور رمادا بعد إذ هو ساطع (١)
وعن ابن عباس : ما كنت أدرى ما معنى يحور حتى سمعت أعرابية تقول لبنية لها : حورى ، أى : ارجعي (بَلى) إيجاب لما بعد النفي في (لَنْ يَحُورَ) أى : بلى ليحورنّ (إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً) وبأعماله لا ينساها ولا تخفى عليه ، فلا بدّ أن يرجعه ويجازيه عليها. وقيل : نزلت الآيتان في أبى سلمة بن عبد الأشدّ وأخيه الأسود بن عبد الأشد.
(فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ)(١٩)
الشفق : الحمرة التي ترى في المغرب بعد سقوط الشمس ، وبسقوطه يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العتمة عند عامة العلماء ، إلا ما يروى عن أبى حنيفة رضى الله عنه في إحدى الروايتين : أنه البياض. وروى أسد بن عمرو : أنه رجع عنه ، سمى لرقته. ومنه الشفقة على الإنسان : رقة القلب عليه (وَما وَسَقَ) وما جمع وضم ، يقال : وسقه فاتسق واستوسق. قال :
مستوسقات لو يجدن سائقا (٢)
ونظيره في وقوع افتعل واستفعل مطاوعين : اتسع واستوسع. ومعناه : وما جمعه وستره وآوى إليه من الدواب وغيرها (إِذَا اتَّسَقَ) إذا اجتمع واستوى ليلة أربع عشرة. قرئ : لتركبن ، على خطاب الإنسان في (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ) ولتركبن ، بالضم على خطاب الجنس ، لان النداء للجنس ، ولتركبن بالكسر على خطاب النفس ، وليركبن بالياء على : ليركبن
__________________
(١) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الرابع صفحة ١٣ فراجعه إن شئت اه مصححه.
|
(٢) إن لنا قلائصا حقائقا |
|
مستوسقات لو يجدن سائقا |
القلائص : جمع قلوص وهي الفتية من الإبل. والحقائق : جمع حقة ، التي استحقت الحمل عليها ، أو استحقت ضراب الفحل. ويقال : وسقه فاتسق واستوسق ، أى : جمع عليه الأحمال فتحمل ، أو جمعه فاجتمع ومستوسقات : محملات أو مجتمعات ، وأو بمعنى إلى ، أى : واقفات إلى أن يجدن من يسوقهن فيسرن. ويروى : لو يجدن. وفيه معنى التمني. ويجوز أن جوابه مقدر ، أى : لأسرعن :
الإنسان. والطبق : ما طابق غيره. يقال : ما هذا بطبق لذا ، أى : لا يطابقه. ومنه قيل للغطاء الطبق. وإطباق الثرى : ما تطابق منه ، ثم قيل للحال المطابقة لغيرها : طبق. ومنه قوله عز وعلا (طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) أى حالا بعد حال : كل واحدة مطابقة لأختها في الشدّة والهول : ويجوز أن يكون جمع طبقة وهي المرتبة ، من قولهم : هو على طبقات. ومنه: طبق الظهر لفقاره الواحدة : طبقة ، على معنى : لتركبن أحوالا بعد أحوال هي طبقات في الشدّة بعضها أرفع من بعض. وهي الموت وما بعده من مواطن القيامة وأهوالها. فإن قلت : ما محل عن طبق؟ قلت : النصب على أنه صفة لطبقا ، أى : طبقا مجاوزا لطبق. أو حال من الضمير في لتركبن ، أى : لتركبن طبقا مجاوزين لطبق. أو مجاوزا. أو مجاوزة ، على حسب القراءة : وعن مكحول : كل عشرين عاما تجدون أمرا لم تكونوا عليه.
(فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)(٢٥)
(لا يَسْجُدُونَ) لا يستكينون ولا يخضعون. وقيل. قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) فسجد هو ومن معه من المؤمنين وقريش تصفق فوق رؤسهم وتصفر (١) ، فنزلت. وبه احتج ابو حنيفة رضى الله عنه على وجوب السجدة. وعن ابن عباس ليس في المفصل سجدة. وعن أبى هريرة رضى الله عنه : أنه سجد فيها وقال : والله ما سجدت فيها إلا بعد أن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد (٢) فيها. وعن أنس : صليت خلف أبى بكر وعمر وعثمان فسجدوا. وعن الحسن : هي غير واجبة (الَّذِينَ كَفَرُوا) إشارة إلى المذكورين (بِما يُوعُونَ) بما يجمعون في صدورهم ويضمرون من الكفر والحسد والبغي والبغضاء. أو بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) استثناء منقطع.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة انشقت أعاذه الله أن يعطيه كتابه وراء ظهره» (٣).
__________________
(١) لم أجده.
(٢) متفق عليه بمعناه.
(٣) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بإسنادهم إلى أبى بن كعب.
سورة البروج
مكية ، وآياتها ٢٢ [نزلت بعد الشمس]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ)(٣)
هي البروج الاثنا عشر ، وهي قصور السماء على التشبيه. وقيل : (الْبُرُوجِ) النجوم التي هي منازل القمر. وقيل : عظام الكواكب. سميت بروجا لظهورها. وقيل : أبواب السماء (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ) يوم القيامة (وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) يعنى وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد : من يشهد فيه من الخلائق كلهم ، وبالمشهود : ما في ذلك اليوم من عجائبه. وطريق تنكيرهما : إما ما ذكرته في قوله (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) كأنه قيل : وما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود. وإما الإبهام في الوصف ، كأنه قيل : وشاهد مشهود لا يكتنه وصفهما. وقد اضطربت أقاويل المفسرين فيهما ، فقيل : الشاهد والمشهود : محمد صلى الله عليه وسلم ، ويوم القيامة. وقيل : عيسى. وأمّته. لقوله (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ) وقيل : أمّة محمد ، وسائر الأمم : وقيل : يوم التروية ، ويوم عرفة. وقيل : يوم عرفة ، ويوم الجمعة. وقيل. الحجر الأسود ، والحجيج. وقيل : الأيام والليالي ، وبنو آدم. وعن الحسن : ما من يوم إلا وينادى : إنى يوم جديد وإنى على ما يعمل فىّ شهيد ، فاغتمنى ، فلو غابت شمسي لم تدركني إلى يوم القيامة : وقيل : الحفظة وبنو آدم. وقيل : الأنبياء ومحمد عليه السلام.
(قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)(٨)
(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)(٩)
فإن قلت : أين جواب القسم؟ قلت : محذوف يدل عليه قوله (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ) كأنه قيل : أقسم بهذه الأشياء أنهم ملعونون ، يعنى كفار قريش كما لعن أصحاب الأخدود ، وذلك
أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة ، وتذكيرهم بما جرى على من تقدّمهم : من التعذيب على الإيمان. وإلحاق أنواع الأذى ، وصبرهم وثباتهم ، حتى يأنسوا بهم ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم ، ويعلموا أن كفارهم عند الله بمنزلة أولئك المعذبين المحرقين بالنار ، ملعونون أحقاء بأن يقال فيهم : قتلت قريش ، كما قيل : قتل أصحاب الأخدود وقتل : دعاء عليهم ، كقوله (قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ) وقرئ : قتل ، بالتشديد. والأخدود : الخدّ في الأرض وهو الشق ، ونحوهما بناء ومعنى : الخق والأخقوق. ومنه فساخت قوائمه في أخاقيق جرذان (١). روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : كان لبعض الملوك ساحر ، فلما كبر ضمّ إليه غلاما ليعلمه السحر ، وكان في طريق الغلام راهب : فسمع منه ، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس. فأخذ حجرا فقال : اللهم إن كان الراهب أحبّ إليك من الساحر فاقتلها ، فقتلها ، فكان الغلام بعد ذلك يبرئ الأكمه والأبرص ، ويشفى من الأدواء ، وعمى جليس للملك فأبرأه فأبصره الملك فسأله فقال : من ردّ عليك بصرك؟ فقال : ربى ، فغضب فعذبه. فدل على الغلام فعذبه ، فدل على الراهب ، فلم يرجع الراهب عن دينه ، فقدّ بالمنشار وأبى الغلام فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته ، فدعا فرجب بالقوم ، فطاحوا ونجا ، فذهب به إلى قرقور (٢) فلججوا به ليغرقوه ، فدعا فانكفأت بهم السفينة ، فغرقوا ونجا ، فقال للملك : لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي وتقول : بسم الله رب الغلام ، ثم ترميني به. فرماه فوقع في صدغه فوضع يده عليه ومات ، فقال الناس : آمنا برب الغلام ، فقيل للملك. نزل بك ما كنت تحذر ، فأمر بأخاديد في أفواه السكك وأو قدت فيها النيران فمن لم يرجع منهم طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها صبى فتقاعست (٣) أن تقع فيها ، فقال الصبى : يا أماه ، اصبري فإنك على الحق ، فاقتحمت. وقيل : قال لها قعى ولا تنافقى. وقيل : قال لها ما هي إلا غميضة فصبرت (٤). وعن على رضى الله عنه : أنهم حين اختلفوا في أحكام المجوس قال : هم أهل كتاب وكانوا متمسكين بكتابهم ، وكانت الخمر قد أحلت لهم ، فتناولها بعض ملوكهم فسكر ، فوقع على أخته فلما صحا ندم وطلب المخرج ، فقالت له : المخرج أن تخطب الناس فتقول : يا أيها الناس ، إنّ الله أحل نكاح الأخوات ، ثم تخطبهم بعد ذلك فتقول : إن الله حرّمه ، فخطب فلم يقبلوا منه
__________________
(١) قوله «جرذان» في الصحاح «الجرذ» : ضرب من الفأر والجمع : الجرذان. (ع)
(٢) قوله «قرقور» في الصحاح «القرقور» : السفينة الطويلة. (ع)
(٣) قوله «فتقاعست» في الصحاح «تقاعس» : إذا تأخر عن الأمر ولم يتقدم. (ع)
(٤) أخرجه مسلم. والترمذي والنسائي وابن حبان والطبري والطبراني وأحمد وإسحاق وأبو يعلى والبزار كلهم من رواية ابن أبى ليلى من طرق وأقربها إلى لفظ الكتاب سياق الطبري. تفرد به ثابت البناني عن عبد الرحمن.
فقالت له : ابسط فيهم السوط ، فلم يقبلوا ، فقالت له : ابسط فيهم السيف ، فلم يقبلوا ، فأمرته بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أبى فيها ، فهم الذين أرادهم الله بقوله (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ) (١) وقيل : وقع إلى نجران رجل ممن كان على دين عيسى عليه السلام ، فدعاهم فأجابوه فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنود من حمير ، فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا ، فأحرق منهم اثنى عشر ألفا في الأخاديد. وقيل : سبعين ألفا (٢) ، وذكر أنّ طول الأخدود : أربعون ذراعا وعرضه اثنا عشر ذراعا (٣). وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوّذ من جهد البلاء (٤) (النَّارِ) بدل اشتمال من الأخدود (ذاتِ الْوَقُودِ) وصف لها بأنها نار عظيمة لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس ، وقرئ : الوقود ، بالضم (إِذْ) ظرف لقتل ، أى لعنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين حولها. ومعنى (عَلَيْها) على ما يدنو منها من حافات الأخدود ، كقوله :
وبات على النّار النّدى والمحلّق (٥)
وكما تقول : مرت عليه ، تريد : مستعليا لمكان يدنو منه ، ومعنى شهادتهم على إحراق المؤمنين : أنهم وكلوا بذلك وجعلوا شهودا يشهد بعضهم لبعض عند الملك أنّ أحدا منهم لم يفرط فيما أمر به وفوض إليه من التعذيب. ويجوز أن يراد : أنهم شهود على ما يفعلون بالمؤمنين ، يؤدّون شهادتهم يوم القيامة (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ). (وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ) وما عابوا منهم وما أنكروا إلا الإيمان ، كقوله :
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم (٦)
قال ابن الرقيات :
|
ما نقموا من بنى أميّة إلّا |
|
أنّهم يحلمون إن غضبوا (٧) |
__________________
(١) أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وأبو يعلى. والطبري والطبراني. وأحمد وإسحاق والبزار كلهم من رواية عبد الرحمن بن حميد والطبري من رواية جعفر بن أبى المغيرة عن عبد الرحمن بن أيزى قال «لما هزم المسلمون أهل الاسفيذيان انصرفوا فجاءهم يعنى عمر رضى الله عنه. فاجتمعوا فقالوا. أى شيء يجرى على المجوس من الأحكام؟ نهم ليسوا أهل كتاب. وليسوا من مشركي العرب. فقال : هم أهل الكتاب. فذكره. وسياق الطبري أتم منه
(٢) أخرجه ابن إسحاق في السيرة ، حدثني يزيد بن أبى زياد عن محمد بن كعب. فذره مطولا.
(٣) نقله الثعلبي عن الكلبي.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة عن أبى أسامة عن عوف عن الحسن بهذا.
(٥) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثالث صفحة ٥٣ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٦) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثاني صفحة ١٤٢ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٧) لقيس الرقيات. ونقموا كرهوا : وحلم ـ كظرف ـ : صفح. يقول : إنهم جعلوا أحسن الأشياء وهو ـ
وقرأ أبو حيوة : نقموا ، بالكسر ، والفصيح : هو الفتح. وذكر الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به ويعبد ، وهو كونه عزيزا غالبا قادرا يخشى عقابه حميدا منعما. يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه (لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) فكل من فيهما تحق عليه عبادته والخشوع له تقديرا ، لأن (ما نَقَمُوا مِنْهُمْ) هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل منهمك في الغىّ ، وإن الناقمين أهل لانتقام الله منهم بعذاب لا يعدله عذاب (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) وعيد لهم ، يعنى أنه علم ما فعلوا ، وهو مجازيهم عليه.
(إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ)(١١)
ويجوز أن يريد بالذين فتنوا : أصحاب الأخدود خاصة ، وبالذين آمنوا : المطروحين في الأخدود. ومعنى فتنوهم : عذبوهم بالنار وأحرقوهم (فَلَهُمْ) في الآخرة (عَذابُ جَهَنَّمَ) بكفرهم (وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ) وهي نار أخرى عظيمة تتسع كما يتسع الحريق بإحراقهم المؤمنين. أو لهم عذاب جهنم في الآخرة ، ولهم عذاب الحريق في الدنيا ، لما روى أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم. ويجوز أن يريد : الذين فتنوا المؤمنين ، أى : بلوهم بالأذى على العموم ، والمؤمنين : المفتونين ، وأن للفاتنين عذابين في الآخرة : لكفرهم ، ولفتنتهم.
(إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ)(١٦)
البطش : الأخذ بالعنف ، فإذا وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم : وهو بطشه بالجبابرة والظلمة ، وأخذهم بالعذاب والانتقام (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ) أى يبدئ البطش ويعيده ، يعنى : يبطش بهم في الدنيا وفي الآخرة. أو دل باقتداره على الإبداء والاعادة على شدة بطشه. وأوعد الكفرة بأنه يعيدهم كما أبدأهم ليبطش بهم إذ لم يشكروا نعمة الإبداء وكذبوا بالاعادة.
__________________
ـ الحلم عند الغضب قبيحا. ويجوز أن فاعل الفعلين ضمير بنى أمية. ويجوز أن الأول لهم ، والثاني : الناقمين. وفيه استتباع المدح بما يشبه الذم للمبالغة في المدح ، حيث جعل الحلم عند الغضب ذما ، مع أنه غاية في المدح. ويروى ما نقم الناس ، وعليها فالصواب إسقاط «بين» لأجل الوزن.
وقرئ : يبدأ (الْوَدُودُ) الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود : من إعطائهم ما أرادوا. وقرئ : ذى العرش ، صفة لربك. وقرئ : المجيد ، بالجر صفة للعرش. ومجد الله : عظمته. ومجد العرش : علوه وعظمته (فَعَّالٌ) خبر مبتدأ محذوف. وإنما قيل : فعال ، لأنّ ما يريد ويفعل في غاية الكثرة (١).
(هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ)(٢٢)
(فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ) بدل من الجنود. وأراد بفرعون إياه وآله ، كما في قوله (مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ) والمعنى : قد عرفت تكذيب تلك الجنود الرسل وما نزل بهم لتكذيبهم (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا) من قومك (فِي تَكْذِيبٍ) أىّ : تكذيب واستيجاب للعذاب ، والله عالم بأحوالهم وقادر عليهم وهم لا يعجزونه. والاحاطة بهم من ورائهم : مثل لأنهم لا يفوتونه ، كما لا يفوت فائت الشيء المحيط به. ومعنى الاضراب : أن أمرهم أعجب من أمر أولئك ، لأنهم سمعوا بقصصهم وبما جرى عليهم ، ورأوا آثار هلاكهم ولم يعتبروا ، وكذبوا أشد من تكذيبهم (بَلْ هُوَ) أى بل هذا الذي كذبوا به (قُرْآنٌ مَجِيدٌ) شريف عالى الطبقة في الكتب وفي نظمه وإعجازه. وقرئ : قرآن مجيد ، بالاضافة ، أى : قرآن رب مجيد. وقرأ يحيى بن يعمر : في لوح. واللوح : الهواء (٢) ، يعنى : اللوح فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح (مَحْفُوظٍ) من وصول الشياطين إليه. وقرئ : محفوظ ، بالرفع صفة القرآن.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة البروج أعطاه الله بعدد كل يوم جمعة وكل يوم عرفة يكون في الدنيا عشر حسنات (٣)».
__________________
(١) قال محمود : «إنما يقال فعال لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة» قال أحمد : ما قدر الله حق قدره ، هلا قال : إنه لا فاعل إلا هو ، وهل المخالف لذلك إلا مشرك ، وكم أراد الله تعالى على معتقد القدرية من فعل فلم يفعله ، وهب أنا طرحنا النظر في مقتضى مبالغة الصيغة ، أليس قد دل بقوله (لِما يُرِيدُ) على عموم فعله في جميع مراده ، فما رده إلى الخصوص إلا نكوص عن النصوص.
(٢) قوله «واللوح الهواء» في الصحاح «اللوح» بالضم : الهواء بين السماء والأرض. (ع)
(٣) أخرجه الواحدي والثعلبي وابن مردويه باسنادهم إلى بن كعب.
سورة الطارق
مكية ، وآياتها ١٧ [نزلت بعد البلد]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ)(٣)
(النَّجْمُ الثَّاقِبُ) المضيء ، كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه ، كما قيل : درّىء ، لأنه يدرؤه ، أى : يدفعه. ووصف بالطارق ، لأنه يبدو بالليل ، كما يقال للآتى ليلا : طارق : أو لأنه يطرق الجنى ، أى يصكه. والمراد : جنس النجوم ، أو جنس الشهب التي يرجم بها. فإن قلت : ما يشبه قوله (وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ : النَّجْمُ الثَّاقِبُ) إلا ترجمة كلمة بأخرى ، فبين لي أى فائدة تحته؟ قلت : أراد الله عز من قائل : أن يقسم بالنجم الثاقب تعظيما له ، لما عرف فيه من عجيب القدرة ولطيف الحكمة ، وأن ينبه على ذلك فجاء بما هو صفة مشتركة بينه وبين غيره ، وهو الطارق ، ثم قال : (وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ؟) ثم فسره بقوله (النَّجْمُ الثَّاقِبُ) كل هذا إظهار لفخامة شأنه ، كما قال (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) روى أنّ أبا طالب كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانحط نجم ، فامتلأ ما ثم نورا. فجزع أبو طالب وقال : أى شيء هذا؟ فقال عليه السلام : هذا نجم رمى به ، وهو آية من آيات الله ، فعجب أبو طالب (١) ، فنزلت.
(إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ)(٤)
فإن قلت : ما جواب القسم؟ قلت (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ) لأنّ «إن» لا تخلو فيمن قرأ لما مشددة ، بمعنى : إلا أن تكون نافية. وفيمن قرأها مخففة على أن «ما» صلة تكون مخففة من الثقيلة ، وأيتهما كانت فهي مما يتلقى به القسم ، حافظ مهيمن عليها رقيب ، وهو الله عز وجل (وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً) ، (وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً) وقيل : ملك يحفظ عملها ويحصى عليها ما تكسب من خير وشر. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم : «وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل الذباب. ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين (٢)».
__________________
(١) هكذا ذكره الثعلبي والواحدي بغير إسناد.
(٢) أخرجه الطبراني من رواية عفير بن معدان عن سليم بن عامر عن أبى أمامة به وأتم منه. وعفير ضعيف.
(فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ)(٧)
فإن قلت : ما وجه اتصال قوله (فَلْيَنْظُرِ) بما قبله؟ قلت : وجه اتصاله به أنه لما ذكر أن على كل نفس حافظا ، أتبعه توصية الإنسان بالنظر في أوّل أمره ونشأته الأولى ، حتى يعلم أنّ من أنشأه قادر على إعادته وجزائه ، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء ، ولا يملى على حافظه إلا ما يسره في عاقبته ، و (مِمَّ خُلِقَ) استفهام جوابه (خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ) والدفق : صبّ فيه دفع. ومعنى دافق : النسبة إلى الدفق الذي هو مصدر دفق ، كاللابن والتامر. أو الاسناد المجازى. والدفق في الحقيقة لصاحبه ، ولم يقل ماءين لامتزاجهما في الرحم ، واتحادهما حين ابتدئ في خلقه (مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ) من بين صلب الرجل وترائب المرأة : وهي عظام الصدر حيث تكون القلادة. وقرئ : الصلب ـ بفتحتين ، والصلب بضمتين. وفيه أربع لغات : صلب ، وصلب ،
|
وصلب وصالب. قال العجاج : |
|
في صلب مثل العنان المؤدم (١) |
وقيل : العظم والعصب من الرجل ، واللحم والدم من المرأة.
(إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ) (١٠)
(إِنَّهُ) الضمير للخالق ، لدلالة خلق عليه. ومعناه : إنّ ذلك الذي خلق الإنسان ابتداء من نطفة (عَلى رَجْعِهِ) على إعادته خصوصا (لَقادِرٌ) لبين القدرة لا يلتاث (٢) عليه ولا يعجز عنه. كقوله : إننى لفقير (٣) (يَوْمَ تُبْلَى) منصوب برجعه ، ومن جعل الضمير في (رَجْعِهِ) للماء
__________________
|
(١) ريا العظام فخمة المخدم |
|
في صلب مثل العنان المؤدم |
العجاج. والريا : تأنيث الريان ، أى : لينة العظام ، سمينة محل الخدام وهو الخلخال. والمخدم ـ بالتشديد ـ على اسم المفعول. والصلب ـ بضمتين ، وبفتحتين ، وبضم فسكون ـ : عظام الظهر ، والمراد هنا : الخصر. وفي بمعنى مع ، أى : وصفت بهذه الصفات ، مع أن لها خصرا رقيقا لينا ، مثل العنان المؤدم ، على اسم المفعول ، أى : المؤلف بالفتل ، يقال : أدم بينهما ـ بقصر الهمزة وبمدها ـ : بمعنى ألف وأصلح. أو المجعول له أدمة. أو لين الأدمة ـ بفتحتين ، وهي الجلدة المدبوغة المصلحة ، من أدمه بالمد : جعل له أدمة. والفخمة بالضم : الضخامة واسترخاء الرجلين. والفخمة ـ بالفتح ـ : وصف منه.
(٢) قوله «لا يلتاث عليه» في الصحاح «التاث في عمله» : أى أبطأ. (ع)
(٣) قوله «كقوله إننى لفقير» أى الشاعر ، حيث قال :
|
لئن كان يهدى برد أنيابها العلى |
|
لأفقر منى إننى لفقير (ع) |
وقد تقدم شرح هذا الشاهد بهذا الجزء صفحة ٢٣ فراجعه إن شئت اه مصححه.
وفسره برجعه إلى مخرجه من الصلب والترائب أو الإحليل. أو إلى الحالة الاولى نصب الظرف بمضمر (السَّرائِرُ) ما أسرّ في القلوب من العقائد والنيات وغيرها ، وما أخفى من الأعمال. وبلاؤها. تعرّفها وتصفحها ، والتمييز بين ما طاب منها وما خبث. وعن الحسن أنه سمع رجلا ينشد :
|
سيبقى لها في مضمر القلب والحشا |
|
سريرة ودّ يوم تبلى السّرائر (١) |
فقال : ما أغفله عما في (وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ)؟ (فَما لَهُ) فما للإنسان (مِنْ قُوَّةٍ) من منعة في نفسه يمتنع بها (وَلا ناصِرٍ) ولا مانع يمنعه.
(وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ)(١٤)
سمى المطر رجعا ، كما سمى أوبا. قال :
|
ربّاء شمّاء لا يأوى لقلتها |
|
إلّا السّحاب وإلّا الأوب والسّبل (٢) |
تسمية بمصدرى : رجع ، وآب ، وذلك أنّ العرب كانوا يزعمون أنّ السحاب يحمل الماء من بحار الأرض ، ثم يرجعه إلى الأرض. أو أرادوا التفاؤل فسموه رجعا. وأوبا ، ليرجع ويؤب. وقيل : لأنّ الله يرجعه وقتا فوقتا. قالت الخنساء : كالرجع في المدجنة السارية. والصدع : ما يتصدّع عنه الأرض من النبات (إِنَّهُ) الضمير للقرآن (فَصْلٌ) فاصل بين
__________________
|
(١) إذا رمت عنها سلوة قال شافع |
|
من الحب ميعاد السلو المقابر |
|
سيقى لها في مضمر القلب والحشا |
|
سريرة ود يوم تبلى السرائر |
لمجنون بنى عامر صاحب ليلى العامرية. وسلا عنه سلوة وسلوا : صد عنه وأعرض ، وشبه بعث الحب إياه وحمله على دوام المودة بقول القائل على طريق التصريحية ، وتسمية الحب شافعا : ترشيح. ومن بيانية. ويحتمل أنها تجريدية دلالة على أن الحب بلغ نهاية اللذة حتى حمل على دوام المودة فانتزع منه غيره وأسند له الفعل. ويجوز أنها تبعيضية دالة على أن بعضه يكفى في الشفاعة. وقوله «المقابر» أى دخولها ، كناية عن الموت. والمراد : التأبيد ، بدليل ما بعده. ومضمر القلب : المضمر في القلب. أو مضمر هو القلب. وتبلى : مبنى للفاعل ، أى : تفنى. ويحتمل بناءه للمفعول ، أى : تختبر. والحشا ـ بالفتح ـ : عطف على القلب أعم منه ، دلالة على أن الحب في غير قلبه أيضا.
(٢) للمنتخل الهذلي يرثى ابنه. وقيل : يصف رجلا بأنه رباء ، أى طلاع من ربأ وارتبأ : إذا طلع لينظر إلى أمر. ومنه الربيئة ، وإضافته إلى شماء من إضافة الوصف لمفعوله : وهي القلعة المرتفعة من الشمم وهو الارتفاع. وقلة الجبل وقنته : رأسه وأعلاه. والأوب : النحل ، لأنه يذهب ويؤوب إلى بيته. أو المطر ، لأن أصله من بحار الأرض على زعم العرب ، ثم يؤوب إليها. والسبيل ـ بالتحريك ـ : المطر من أسبلت الستر إذا أرسلته وأرخيته ، وعلى أن الأوب بمعنى النحل لا مناسبة بينه قرينية ، وعلى أنه بمعنى المطر ، فالسبل مرادف له.
الحق والباطل ، كما قيل له فرقان (وَما هُوَ بِالْهَزْلِ) يعنى أنه جدّ كله لا هوادة فيه. ومن حقه ـ وقد وصفه الله بذلك ـ أن يكون مهيبا في الصدور ، معظما في القلوب ، يترفع به قارئه وسامعه وأن يلم بهزل أو يتفكه بمزاح ، وأن يلقى ذهنه إلى أنّ جبار السماوات يخاطبه فيأمره وينهاه ، ويعده وبوعده ، حتى إن لم يستفزه الخوف ولم تتبالغ فيه الخشية ، فأدنى أمره أن يكون جادّا غير هازل ، فقد نعى الله ذلك على المشركين في قوله (وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سامِدُونَ) ، (وَالْغَوْا فِيهِ).
(إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً) (١٧)
(إِنَّهُمْ) يعنى أهل مكة يعملون المكايد في إبطال أمر الله وإطفاء نور الحق ، وأنا أقابلهم بكيدى : من استدراجى لهم وانتظاري بهم الميقات الذي وقته للانتصار منهم (فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ) يعنى لا تدع بهلاكهم ولا تستعجل به (أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً) أى إمهالا يسيرا ، وكرّر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين منه والتصبير. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة الطارق أعطاه الله بعدد كل نجم في السماء عشر حسنات» (١).
سورة الأعلى
مكية ، وآياتها ١٩ [نزلت بعد التكوير]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى)(٥)
تسبيح اسمه عز وعلا : تنزيهه عما لا يصح فيه من المعاني التي هي إلحاد في أسمائه ، كالجبر
__________________
(١) أخرجه الواحدي والثعلبي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.
والتشبيه ونحو ذلك ، مثل أن يفسر الأعلى بمعنى العلو الذي هو القهر والاقتدار ، لا بمعنى العلوّ في المكان والاستواء على العرش حقيقة ، وأن يصان عن الابتذال والذكر ، لا على وجه الخشوع والتعظيم. ويجوز أن يكون (الْأَعْلَى) صفة للرب ، والاسم ، وقرأ على رضى الله عنه : سبحان ربى الأعلى. وفي الحديث لما نزلت : فسبح باسم ربك العظيم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اجعلوها في ركوعكم» فلما نزل سبح اسم ربك الأعلى قال : «اجعلوها في سجودكم» (١) وكانوا يقولون في الركوع : اللهم لك ركعت ، وفي السجود : اللهم لك سجدت (خَلَقَ فَسَوَّى) أى خلق كل شيء فسوّى خلقه تسوية ، ولم يأت به متفاوتا غير ملتئم ، ولكن على إحكام واتساق ، ودلالة على أنه صادر عن عالم ، وأنه صنعة حكيم (قَدَّرَ فَهَدى) قدّر لكل حيوان ما يصلحه ، فهداه إليه وعرّفه وجه الانتفاع به. يحكى أنّ الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت ، وقد ألهمها الله أنّ مسح العين بورق الرازيانج الغض يرد إليها بصرها ، فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام فتطوى تلك المسافة على طولها وعلى عماها حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها ، فتحك بها عينيها وترجع باصرة بإذن الله. وهدايات الله للإنسان إلى مالا يحدّ من مصالحه وما لا يحصر من حوائجه في أغذيته وأدويته ، وفي أبواب دنياه ودينه ، وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض : باب واسع ، وشوط بطين (٢) ، لا يحيط به وصف واصف ، فسبحان ربى الأعلى. وقرئ : قدر ، بالتخفيف (أَحْوى) صفة لغثاء ، أى (أَخْرَجَ الْمَرْعى) أنبته (فَجَعَلَهُ) بعد خضرته ورفيفه (غُثاءً أَحْوى) دربنا (٣) أسود. ويجوز أن يكون (أَحْوى) حالا من المرعى ، أى : أخرجه أحوى أسود من شدّة الخضرة والري ، فجعله غثاء بعد حوّيه.
(سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاَّ ما شاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى)(٧)
بشره الله بإعطاء آية بينة ، وهي : أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحى وهو أمى لا يكتب ولا يقرأ ، فيحفظه ولا ينساه (إِلَّا ما شاءَ اللهُ) فذهب به عن حفظه برفع حكمه وتلاوته ، كقوله (أَوْ نُنْسِها) وقيل : كان يعجل بالقراءة إذا لقنه جبريل ، فقيل : لا تعجل ، فإنّ جبريل مأمور بأن يقرأه عليك قراءة مكررة إلى أن تحفظه ، ثم لا تنساه إلا ما شاء الله ، ثم تذكره بعد النسيان. أو قال : إلا ما شاء الله ، يعنى : القلة والندرة ، كما روى أنه أسقط آية في
__________________
(١) أخرجه أبو داود وابن ماجة وابن حبان وأحمد من رواية إياس بن عامر عن عقبة بن عامر به.
(٢) قوله «وشوط بطين» أى بعيد أفاده الصحاح. (ع)
(٣) الدرين : حطام المرعى إذا قدم ، كذا في الصحاح. (ع)
قراءته في الصلاة ، فحسب أبى أنها نسخت ، فسأله فقال : نسيتها (١). أو قال : إلا ما شاء الله ، الغرض نفى النسيان رأسا كما يقول الرجل لصاحبه أنت سهيمي فيما أملك إلا فيما شاء الله ولا يقصد استثناء شيء وهو من استعمال القلة في معنى النفي. وقيل : قوله (فَلا تَنْسى) على النهى ، والألف مزيدة للفاصلة ، كقوله (السَّبِيلَا) يعنى : فلا تغفل قراءته وتكريره فتنساه ، إلا ما شاء الله أن ينسيكه برفع تلاوته للمصلحة (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ) يعنى أنك تجهر بالقراءة مع قراءة جبريل عليه السلام مخافة التفلت ، والله يعلم جهرك معه وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر ، فلا تفعل ، فأنا أكفيك ما تخافه. أو يعلم ما أسررتم وما أعلنتم من أقوالكم وأفعالكم ، وما ظهر وبطن من أحوالكم ، وما هو مصلحة لكم في دينكم ومفسدة فيه ، فينسى من الوحى ما يشاء ، ويترك محفوظا ما يشاء.
(وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى)(١٣)
(وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى) معطوف على (سَنُقْرِئُكَ) وقوله (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى) اعتراض ومعناه : ونوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل ، يعنى : حفظ الوحى(٢). وقيل للشريعة السمحة التي هي أيسر الشرائع وأسهلها مأخذا. وقيل : نوفقك لعمل الجنة. فإن قلت : كان الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بالذكرى نفعت أو لم تنفع ، فما معنى اشتراط النفع؟ قلت : هو على وجهين ، أحدهما : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استفرغ مجهوده في تذكيرهم ، وما كانوا يزيدون على زيادة الذكرى إلا عتوّا وطغيانا ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتلظى حسرة وتلهفا ، ويزداد جدا في تذكيرهم وحرصا عليه ، فقيل له (وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ) ، (أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ) ، (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى) وذلك بعد إلزام الحجة بتكرير التذكير. والثاني : أن يكون ظاهره شرطا ، ومعناه ذمّا للمذكرين ، وإخبارا عن حالهم ، واستبعادا لتأثير الذكرى فيهم ، وتسجيلا عليهم بالطبع على قلوبهم ، كما تقول للواعظ : عظ المكاسين إن سمعوا منك. قاصدا بهذا الشرط استبعاد ذلك ، وأنه لن يكون (سَيَذَّكَّرُ) فيقبل التذكرة
__________________
(١) أخرجه ابن أبى شيبة والنسائي والبخاري في جزء القراءة. والطبري من رواية زر عن سعيد بن عبد الرحمن ابن أبزى عن أبيه قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر فقرأ آية فذكر الحديث» وأخرجه أبو بشر الدولابي من هذا الوجه فقال : عن سعيد عن أبيه عن أبى بن كعب ... فذكره.
(٢) قوله «يعنى حفظ الوحي» لعله : يعنى في حفظ الوحي. (ع)
وينتفع بها (مَنْ يَخْشى) الله وسوء العاقبة ، فينظر ويفكر حتى يقوده النظر إلى اتباع الحق: فأمّا هؤلاء فغير خاشين ولا ناظرين ، فلا تأمل أن يقبلوا منك (وَيَتَجَنَّبُهَا) ويتجنب الذكرى ويتحاماها (الْأَشْقَى) الكافر ، لأنه أشقى من الفاسق. أو الذي هو أشقى الكفرة لتوغله في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل : نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة (النَّارَ الْكُبْرى) السفلى من أطباق النار (١) وقيل (الْكُبْرى) نار جهنم. والصغرى : نار الدنيا. وقيل (ثُمَ) لأنّ الترجح بين الحياة والموت أفظع من الصلى ، فهو متراخ عنه في مراتب الشدّة : والمعنى : لا يموت فيستريح ، ولا يحيى حياة تنفعه.
(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى)(١٧)
(تَزَكَّى) تطهر من الشرك والمعاصي. أو تطهر للصلاة. أو تكثر من التقوى ، من الزكاء وهو النماء. أو تفعل من الزكاة ، كتصدق من الصدقة (فَصَلَّى) أى الصلوات الخمس ، نحو قوله (وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ) وعن ابن مسعود : رحم الله امرأ تصدق وصلى. وعن على رضى الله عنه أنه التصدق بصدقة الفطر وقال : لا أبالى أن لا أجد في كتابي غيرها (٢) ، لقوله (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) أى أعطى زكاة الفطر ، فتوجه إلى المصلى ، فصلى صلاة العيد ، وذكر اسم ربه فكبر تكبيرة الافتتاح. وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح ، وعلى أنها ليست من الصلاة لأن الصلاة معطوفة عليها ، وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه عز وجل. وعن ابن عباس رضى الله عنه : ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه فصلى له. وعن الضحاك : وذكر اسم ربه في طريق المصلى فصلى صلاة العيد (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا) فلا تفعلون ما تفلحون به. وقرئ :
__________________
(١) قال محمود : «الأشقى : الكافر ، لأنه أشقى من الفاسق. والبار الكبرى : السفلى من أطباق النار» قال أحمد : يشير إلى خلود الفاسق مع الكافر في أسافل النار ، والفاسق أعلى منه ، كما تقدم له التصريح بذلك كثيرا.
(٢) قال محمود : «وعن على أنه قال هو التصدق بصدقة الفطر وقال لا أبالى أن لا أجد في كتابي غيرها ... الخ» قال أحمد : في تلقى هذين الحكمين الأخيرين من الآية تكلف : أما الأول ، فلأن العطف وإن اقتضى المغايرة فيقال بموجبها : فنحن إن قلنا إن تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة ، فالجزء مغاير للكل ، فلا غرو أن يعطف عليه ، والمغايرة مع الجزئية ثابتة والحالة هذه. وأما الثاني ، فلأن الاسم معرف بالاضافة ، وتعريف الاضافة عهدى عند محققي الفن ، حتى إن القائل إذا قال : جاءني غلام زيد ، ولزيد غلامان ، فإنما تفهم من قوله معينا منهم بسابق عهد بينك وبينه ، هذا مهيع تعريف الاضافة ، والمعهود في افتتاح الصلاة : ما استمر النبي صلى الله عليه وسلم على العمل به قولا وفعلا : وهو التكبير المعروف ، ولو تنزلنا على أنه في الآية مطلق ، فالحصر في قوله : تحريمها التكبير قيد إطلاقه.
يؤثرون ، على الغيبة. ويعضد الأولى قراءة ابن مسعود : بل أنتم تؤثرون (خَيْرٌ وَأَبْقى) أفضل في نفسها وأنعم وأدوم. وعن عمر رضى الله عنه : ما الدنيا في الآخرة إلا كنفجة أرنب (١).
(إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى)(١٩)
(هذا) إشارة إلى قوله (قَدْ أَفْلَحَ) إلى (أَبْقى) يعنى أنّ معنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف. وقيل : إلى ما في السورة كلها. وروى عن أبى ذر رضى الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : كم أنزل الله من كتاب؟ فقال : مائة وأربعة كتب ، منها على آدم : عشر صحف ، وعلى شيث : خمسون صحيفة ، وعلى أخنوخ وهو إدريس : ثلاثون صحيفة ، وعلى إبراهيم : عشر صحائف والتوراة ، والإنجيل ، والزبور ، والفرقان (٢). وقيل إنّ في صحف إبراهيم ينبغي للعاقل أن يكون حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبلا على شأنه. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة الأعلى أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل حرف أنزله الله على إبراهيم وموسى ومحمد (٣) وكان إذا قرأها قال : سبحان ربى الأعلى (٤) وكان على وابن عباس يقولان ذلك ، وكان يحبها (٥) وقال : أول من قال «سبحان ربى الأعلى» ميكائيل (٦).
سورة الغاشية
مكية ، وآياتها ٢٦ [نزلت بعد الذاريات]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ)(١)
(الْغاشِيَةِ) الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتلبسهم أهوالها. يعنى القيامة ، من قوله
__________________
(١) قوله «إلا كنفجة أرنب» في الصحاح «نفجت الأرنب» إذا ثارت. (ع)
(٢) هو مختصر من حديث طويل أخرجه ابن حبان والحاكم. وقد تقدمت الاشارة اليه في الحج «تنبيه» وقع فيه «على آدم عشر صحائف» والذي عند المذكورين على موسى قبل التوراة عشر صحائف.
(٣) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.
(٤) أخرجه أبو داود والحاكم من طريق سعد بن جبير عن ابن عباس بهذا.
(٥) أخرجه البزار عن يوسف بن موسى : ووكيع عن إسرائيل عن ثور بن ابى فاختة عن أبيه عن على بهذا ورواه الواحدي من طريق أحمد بن حنبل ووكيع.
(٦) ذكره الثعلبي عن على بغير إسناد.
(يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ) وقيل : النار ، من قوله (وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ) ، (وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ يَوْمَئِذٍ) يوم إذ غشيت (خاشِعَةٌ) ذليلة (عامِلَةٌ ناصِبَةٌ) تعمل في النار عملا تتعب فيه ، وهو جرها السلاسل والأغلال (١) ، وخوضها في النار كما تخوض الإبل في الوحل ، وارتقاؤها دائبة في صعود من نار ، وهبوطها في حدور منها. وقيل : عملت في الدنيا أعمال السوء والتذت بها وتنعمت ، فهي في نصب منها في الآخرة. وقيل : عملت ونصبت في أعمال لا تجدى عليها في الآخرة. من قوله (وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ) ، (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) وقيل : هم أصحاب الصوامع. ومعناه : أنها خشعت لله وعملت ونصبت في أعمالها من الصوم الدائب ، (٢) والتهجد الواصب. وقرئ : عاملة ناصبة على الشتم. قرئ : تصلى بفتح التاء. وتصلى بضمها. وتصلى بالتشديد. وقيل : المصلى عند العرب : أن يحفروا حفيرا فيجمعوا فيه جمرا كثيرا ، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه ، فأما ما يشوى فوق الجمر أو على المقلى أو في التنور ، فلا يسمى مصليا (آنِيَةٍ) متناهية في الحرّ ، كقوله (وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ). الضريع. يبيس الشبرق ، وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطبا (٣) ، فإذا يبس تحامته الإبل وهو سم قاتل. قال أبو ذؤيب :
|
رعى الشيرق الرّيّان حتّى إذا ذوى |
|
وعاد ضريعا بان عنه النّحائص (٤) |
وقال :
|
وحبسن في هزم الضّريع فكلّها |
|
حدباء دامية اليدين حرود (٥) |
__________________
(١) قال محمود : «ذليلة تعمل في النار عملا تنصب منه وهو جرها السلاسل ... الخ» قال أحمد : الوجه الأول متعين لأن الظرف المذكور وهو قوله (يَوْمَئِذٍ) مقطوع عن الجملة المضاف إليها ، تقديرها : يوم إذ عشيت ، وذلك في الآخرة بلا إشكال ، وهو ظرف لجميع الصفات المخبر بها ، أعنى : خاشعة عاملة ناصبة ، فكيف يتناول أعمال الدنيا.
(٢) قوله «من الصوم الدائب ، الدائب والواصب كلاهما بمعنى الدائم. (ع)
(٣) قال محمود : «الضريع : يبيس الشبرق ، وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطبا ... الخ» قال أحمد : فعلى الوجه الأول يكون صفة مخصصة لازمة. ذكرت شارحة لحقيقة الضريع. وعلى الثاني : تكون صفة مخصصة.
(٤) أى : رعى البعير الشبرق الريان ، أى : الشوك الرطب. وذوى يذوى ذويا : ذبل ذبولا. وذوى كرضى أنكرها الجوهري ، وأثبتها أبو عبيدة ، أى : حتى إذا جف وصار ضريعا يابسا يتفتت بان عنه ، أى : بعد عنه النحائص : جمع نحوص وهي الناقة الحائل ، لعلها أنه لا يسمن ولا يغنى من جوع.
(٥) لقيس بن عيزارة ، وهزمه ـ بالزاي ـ : صدعه «ومنه : الهزم ، أى : المنكسر. وناقة هزماء : بدا عظم وركيها من الهزال. وأما الهرم بالراء فهو الحمض ، وبعير عارم : يرعى الحمض. والضريع : نبت سيئ ـ
فإن قلت : كيف قيل (لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ) وفي الحاقة (وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ)؟ قلت : العذاب ألوان ، والمعذبون طبقات ، فمنهم. أكلة الزقوم. ومنهم أكلة الغسلين ، ومنهم أكلة الضريع : (لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ). (لا يُسْمِنُ) مرفوع المحل أو مجروره على وصف طعام. أو ضريع ، يعنى : أنّ طعامهم من شيء ليس من مطاعم الإنس ، وإنما هو شوك والشوك مما ترعاه الإبل وتتولع به. وهذا نوع منه تنفر عنه ولا تقربه. ومنفعتا الغذاء منتفيتان عنه : وهما إماطة الجوع ، وإفادة القوّة والسمن في البدن. أو أريد : أن لا طعام لهم أصلا ، لأن الضريع ليس بطعام للبهائم فضلا عن الإنس ، لأن الطعام ما أشبع أو أسمن ، وهو منهما بمعزل. كما تقول ليس لفلان ظل إلا الشمس ، تريد : نفى الظل على التوكيد. وقيل : قالت كفار قريش : إن الضريع لتسمن عليه إبلنا فنزلت (لا يُسْمِنُ) فلا يخلو إما أن يتكذبوا ويتعنتوا بذلك وهو الظاهر ، فيردّ قولهم بنفي السمن والشبع ، وإما أن يصدقوا فيكون المعنى : أن طعامهم من ضريع ليس من جنس ضريعكم ، إنما هو من ضريع غير مسمن ولا مغن من جوع.
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ)(١٦)
(ناعِمَةٌ) ذات بهجة وحسن ، كقوله (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) أو متنعمة (لِسَعْيِها راضِيَةٌ) رضيت بعملها لما رأت ما أدّاهم إليه من الكرامة والثواب (عالِيَةٍ) من علو المكان أو المقدار (لا تَسْمَعُ) يا مخاطب. أو الوجوه (لاغِيَةً) أى لغوا ، أو كلمة ذات لغو. أو نفسا تلغو ، لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة وحمد الله على ما رزقهم من النعيم الدائم. وقرئ : لا تسمع : على البناء للمفعول بالتاء والياء (١) (فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ) يريد عيونا في غاية الكثرة ،
__________________
ـ ذو شوك. والحدب : الانحناء. والحدباء : المنحنية. وحرد حردا : يبس وشح ، يقول : حبست النوق في مرعى غث متفتت ، فكلها منحنية الظهور أو الأرجل من الهزال ، دامية اليدين من الشوك ، قليلة اللبن.
(١) قوله «على البناء للمفعول بالتاء والياء» أى : ولاغية : بالرفع فيهما. (ع)
كقوله (عَلِمَتْ نَفْسٌ). (مَرْفُوعَةٌ) من رفعة المقدار أو السمك ، ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوّله ربه من الملك والنعيم. وقيل : مخبوءة لهم ، من رفع الشيء إذا خبأه (مَوْضُوعَةٌ) كلما أرادوها وجدوها موضوعة بين أيديهم عتيدة حاضرة ، لا يحتاجون إلى أن يدعوا بها. أو موضوعة على حافات العيون معدّة للشرب. ويجوز أن يراد : موضوعة عن حد الكبار ، أوساط بين الصغر والكبر ، كقوله (قَدَّرُوها تَقْدِيراً). (مَصْفُوفَةٌ) بعضها إلى جنب بعض. مساند ومطارح ، (١) أينما أراد أن يجلس على مسورة واستند إلى أخرى (وَزَرابِيُ) وبسط عراض فاخرة. وقيل : هي الطنافس التي لها خمل رقيق. جمع زربية (مَبْثُوثَةٌ) مبسوطة. أو مفرقة في المجالس.
(أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ)(٢٦)
(أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ) نظر اعتبار (كَيْفَ خُلِقَتْ) خلقا عجيبا ، دالا على تقدير مقدر ، شاهدا بتدبير مدبر ، حيث خلقها للنهوض بالأثقال وجرها إلى البلاد الشاحطة (٢) فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر ، ثم تنهض بما حملت ، وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمّتها : لا تعاز ضعيفا ولا تمانع صغيرا ، وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار. وعن بعض الحكماء. أنه حدث عن البعير وبديع خلقه ، وقد نشأ في بلاد لا إبل بها ، ففكر ثم قال : يوشك أن تكون طوال الأعناق ، وحين أراد بها أن تكون سفائن البر صبرها على احتمال العطش ، حتى إن أظماءها (٣) لترتفع إلى العشر فصاعدا ، وجعلها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز مما لا يرعاه سائر البهائم. وعن سعيد بن جبير قال : لقيت شريحا القاضي فقلت : أين تريد؟ قال :
__________________
(١) قوله «مسائد ومطارح» عبارة النسفي. وسائدة وقوله. على مسوره عبارة النسفي. على موسدة. (ع)
(٢) «قوله إلى البلاد الشاحطة» أى البعيدة. أفاده الصحاح. (ع)
(٣) قوله «حتى إن أظماءها» في الصحاح. «الظمء» ما بين الوردين : وهو حبس الإبل عن الماء إلى غاية الورد ، والجمع : الأظماء. (ع)
أريد الكناسة : قلت : وما تصنع بها؟ قال : أنظر إلى الإبل كيف خلقت. فإن قلت : كيف حسن ذكر الإبل مع السماء والجبال والأرض ولا مناسبة؟ قلت : قد انتظم هذه الأشياء نظر العرب في أوديتهم وبواديهم ، فانتظمها الذكر على حسب ما انتظمها نظرهم ، ولم يدع من زعم أن الإبل السحاب إلى قوله ، إلا طلب المناسبة ، ولعله لم يرد أن الإبل من أسماء السحاب ، كالغمام والمزن والرباب والغيم والغين ، وغير ذلك ، وإنما رأى السحاب مشبها بالإبل كثيرا في أشعارهم ، فجوز أن يراد بها السحاب على طريق التشبيه والمجاز (كَيْفَ رُفِعَتْ) رفعا بعيد المدى بالإمساك وبغير عمد. و (كَيْفَ نُصِبَتْ) نصبا ثابتا ، فهي راسخة لا تميل ولا تزول. و (كَيْفَ سُطِحَتْ) سطحا بتمهيد وتوطئة ، فهي مهاد للمتقلب عليها. وقرأ على بن أبى طالب رضى الله عنه : خلقت ، ورفعت ، ونصبت ، وسطحت : على البناء للفاعل وتاء الضمير ، والتقدير : فعلتها. فحذف المفعول. وعن هرون الرشيد أنه قرأ : سطحت بالتشديد ، والمعنى : أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة الخالق ، حتى لا ينكروا اقتداره على البعث فيسمعوا إنذار الرسول صلى الله عليه وسلم ويؤمنوا به ويستعدوا للقائه. أى : لا ينظرون ، فذكرهم ولا تلح عليهم ، ولا يهمنك أنهم لا ينظرون ولا يذكرون (إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ) كقوله (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ). (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) بمتسلط ، كقوله (وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) وقيل : هو في لغة تميم مفتوح الطاء ، على أن «سيطر» متعد عندهم. وقولهم : تسيطر ، يدل عليه (إِلَّا مَنْ تَوَلَّى) استثناء منقطع ، أى : لست بمستول عليهم ، ولكن من تولى (وَكَفَرَ) منهم ، فإن لله الولاية والقهر. فهو يعذبه (الْعَذابَ الْأَكْبَرَ) الذي هو عذاب جهنم. وقيل. هو استثناء من قوله (فَذَكِّرْ) أى : فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى ، فاستحق العذاب الأكبر وما بينهما اعتراض. وقرئ : إلا من تولى ، على التنبيه. وفي قراءة ابن مسعود: فإنه يعذبه : وقرأ أبو جعفر المدني : إيابهم ، بالتشديد. ووجهه أن يكون «فيعالا» مصدر «أيب» فيعل من الإياب. أو أن يكون أصله أوابا : فعالا من أوّب ، ثم قيل : إيوابا كديوان في دوّان ، ثم فعل به ما فعل بأصل : سيد وميت. فإن قلت. ما معنى تقديم الظرف؟ قلت : معناه التشديد في الوعيد ، (١) وأن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام ، وأن حسابهم ليس بواجب إلا عليه ، وهو الذي يحاسب على النقير والقطمير. ومعنى الوجوب : الوجوب في الحكمة. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة الغاشية حاسبه الله حسابا يسيرا» (٢).
__________________
(١) قال محمود : «إن قلت : ما معنى تقديم الظرف؟ وأجاب بأن معناه التشديد في الوعيد ... الخ» قال أحمد : ومعنى (ثُمَ) الدلالة على أن الحساب أشد من الإياب ، لأنه موجب العذاب وبادرته.
(٢) أخرجه الواحدي والثعلبي وابن مردويه بالإسناد إلى أبى بن كعب.
سورة الفجر
مكية ، وآياتها ٣٠ وقيل ٢٩ [نزلت بعد الليل]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ)(٥)
أقسم بالفجر كما أقسم بالصبح في قوله (وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ) ، (وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ). وقيل : بصلاة الفجر. أراد بالليالي العشر : عشر ذى الحجة. فإن قلت : فما بالها منكرة من بين ما أقسم به؟ قلت : لأنها ليال مخصوصة من بين جنس الليالي : العشر بعض منها. أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها. فإن قلت : فهلا عرفت بلام العهد ، لأنها ليال معلومة معهودة؟ قلت : لو فعل ذلك لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير ، ولأن الأحسن أن تكون اللامات متجانسة ، ليكون الكلام أبعد من الألغاز والتعمية. وبالشفع والوتر : إما الأشياء كلها شفعها ووترها ، وإما شفع هذه الليالي ووترها. ويجوز أن يكون شفعها يوم النحر ، ووترها يوم عرفة ، لأنه تاسع أيامها وذاك عاشرها ، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسرهما بذلك (١). وقد أكثروا في الشفع والوتر حتى كادوا يستوعبون أجناس ما يقعان فيه ، وذلك قليل الطائل ، جدير بالتلهى عنه ، وبعد ما أقسم بالليالي المخصوصة أقسم بالليل على العموم (إِذا يَسْرِ) إذا يمضى ، كقوله (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ) ، (وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ). وقرئ : والوتر بفتح الواو ، وهما لغتان كالحبر والحبر في العدد ، وفي الترة : الكسر وحده (٢). وقرئ : الوتر بفتح الواو وكسر التاء : رواها يونس عن أبى عمرو ، وقرئ : والفجر ، والوتر ، ويسر : بالتنوين ، وهو التنوين الذي يقع بدلا من حرف الإطلاق. وعن ابن عباس : وليال عشر ، بالإضافة. يريد : وليال أيام عشر. وياء (يَسْرِ) تحذف في الدرج ، اكتفاء عنها بالكسرة. وأما في الوقف فتحذف مع
__________________
(١) قلت : التعليل من كلام الزمخشري. وأصله عند النسائي وأحمد والبزار والحاكم والبيهقي في الشعب الثالث والعشرين من رواية خير بن نعيم عن أبى الزبير عن جابر. قال : لا نعلمه إلا بهذا الاسناد.
(٢) قوله «وفي الترة الكسر وحده» في الصحاح «الموتور» الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه ، تقول : وتره وترا وترة ، وكذلك : وتره حقه ، أى : نقصه. (ع)
الكسرة. وقيل : معنى «يسرى» يسرى فيه (هَلْ فِي ذلِكَ) أى فيما أقسمت به من هذه الأشياء (قَسَمٌ) أى مقسم به (لِذِي حِجْرٍ) يريد : هل يحق عنده أن تعظم بالإقسام بها. أو : هل في إقسامى بها لذي حجر ، أى : هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه. والحجر : العقل ، لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي ، كما سمى عقلا ونهية ، لأنه يعقل وينهى. وحصاة : من الإحصاء وهو الضبط. وقال الفراء : يقال : إنه لذو حجر ، إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها ، والمقسم عليه محذوف وهو «ليعذبن» يدل عليه قوله (أَلَمْ تَرَ) إلى قوله (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ)
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ)(١٤)
قيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عاد ، كما يقال لبنى هاشم : هاشم. ثم قيل للأوّلين منهم عاد الأولى وإرم ، تسمية لهم باسم جدّهم ، ولمن بعدهم : عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات :
|
مجدا تليدا بناه أوّله |
|
أدرك عادا وقبلها إرما (١) |
فإرم في قوله (بِعادٍ إِرَمَ) عطف بيان لعاد ، وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة. وقيل (إِرَمَ) بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها ويدل عليه قراءة ابن الزبير : بعاد إرم ، على الإضافة. وتقديره : بعاد أهل إرم ، كقوله (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضا للتعريف والتأنيث. وقرأ الحسن : بعاد أرم ، مفتوحتين. وقرئ : بعاد إرم ، بسكون الراء على التخفيف ، كما قرئ : بورقكم. وقرى : بعاد إرم ذات العماد ، بإضافة إرم إلى ذات العماد ، والإرم : العلم ، يعنى : بعاد أهل أعلام ذات العماد. و (ذاتِ الْعِمادِ) اسم المدينة. وقرئ : بعاد إرمّ ذات العماد ، أى جعل الله ذات العماد رميما بدلا من فعل ربك ، وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة ، فالمعنى : أنهم كانوا بدويين أهل عمد ، أو طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة. ومنه قولهم : رجل معمد وعمدان : إذا كان طويلا. وقيل : ذات البناء الرفيع ، وإن كانت صفة
__________________
(١) لابن الرقيات ، يصف رجلا بأنه حاز مجدا تليدا. أى : قديما. وشبهه بالحصن المبنى على طريق المكنية وبناه تخييل ، أى شرعه وجدده أوله ، أى : آباؤه الأولون : أدرك هذا المجد من جدود الممدوح عادا وإرما قبله أى : قبل عاد ، لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ، فعقب عاد هذا : هم عاد الأولى ، ومن بعدهم : عاد الثانية.
للبلدة فالمعنى : أنها ذات أساطين. وروى أنه كان لعاد ابنان : شداد وشديد ؛ فملكا وقهرا ، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد ، فملك الدنيا ودانت له ملوكها ، فسمع بذكر الجنة فقال : أبنى مثلها ، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة ، وكان عمره تسعمائة سنة : وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة ، وأساطينها من الزبرجد والياقوت. وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة ، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته ، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة : أنه خرج في طلب إبل له ، فوقع عليها ، فحمل ما قدر عليه مما ثم ، وبلغ خبره معاوية فاستحضره ، فقص عليه ، فبعث إلى كعب فسأله فقال : هي إرم ذات العماد (١) ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال ، يخرج في طلب إبل له ، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال : هذا والله ذلك الرجل (لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها) مثل عاد (فِي الْبِلادِ) عظم أجرام وقوّة ، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع ، وكان يأتى الصخرة العظيمة فيحملها فيلقيها على الحي فيهلكهم ، أو لم يخلق مثل مدينة شدّاد في جميع بلاد الدنيا. وقرأ ابن الزبير : لم يخلق مثلها ، أى : لم يخلق الله مثلها (جابُوا الصَّخْرَ) قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتا ، كقوله (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً) قيل : أول من نحت الجبال والصخور والرخام : ثمود ، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة. قيل له : ذو الأوتاد ، لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا ، أو لتعذيبه بالأوتاد ، كما فعل بماشطة بنته وبآسية (الَّذِينَ طَغَوْا) أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم. ويجوز أن يكون مرفوعا على : هم الذين طغوا. أو مجرورا على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون. يقال : صب عليه السوط وغشاه وقنعه ، وذكر السوط : إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعدّلهم في الآخرة ، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. وعن عمر بن عبيد : كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال : إن عند الله أسواطا كثيرة ، فأخذهم بسوط منها. المرصاد : المكان الذي يترتب فيه الرصد «مفعال» من رصده ، كالميقات من وقته. وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه. وعن بعض العرب أنه قيل له : أين ربك؟ فقال : بالمرصاد. وعن عمرو بن عبيد رحمه الله أنه قرأ هذه السورة عند بعض الظلمة حتى بلغ هذه الآية فقال : إنّ ربك لبالمرصاد يا فلان ، عرّض له في هذا النداء بأنه بعض من توعد بذلك من الجبابرة ، فلله درّه أىّ أسد
__________________
(١) أخرجه الثعلبي من طريق عثمان الدارمي عن عبد الله بن أبى صالح عن أبى لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له شردت فذكره مطولا. قلت : آثار الوضع عليه لائحه.
فرّاس كان بين ثوبيه ، يدق الظلمة بإنكاره ، ويقصع أهل الأهواء (١) والبدع باحتجاجه.
(فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ)(١٦)
فإن قلت : بم اتصل قوله (٢) (فَأَمَّا الْإِنْسانُ)؟ قلت : بقوله (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ) كأنه قيل : إن الله لا يريد من الإنسان إلا الطاعة والسعى للعاقبة ، وهو مرصد بالعقوبة للعاصي ، فأما الإنسان فلا يريد ذلك ولا يهمه إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها. فإن قلت : فكيف توازن قوله ، فأما الإنسان ، (إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ) وقوله (وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ) (٣) وحق التوازن أن يتقابل الواقعان بعد أما وأما ، تقول : أما الإنسان فكفور ، وأما الملك فشكور. أما إذا أحسنت إلى زيد فهو محسن إليك ، وأما إذا أسأت إليه فهو مسيء إليك؟ قلت : هما متوازنان من حيث إنّ التقدير : وأما هو إذا ما ابتلاه ربه ، وذلك أن قوله (فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) خبر المبتدأ الذي هو الإنسان ، ودخول الفاء لما في «أما» من معنى الشرط ، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في تقدير التأخير ، كأنه قيل : فأما الإنسان فقائل ربى أكرمن وقت الابتلاء ، فوجب أن يكون (فَيَقُولُ) الثاني خبرا لمبتدإ واجب تقديره. فإن قلت : كيف سمى كلا الأمرين من بسط الرزق وتقديره ابتلاء؟ قلت : لأنّ كل واحد منهما اختبار للعبد ، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر؟ وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع؟ فالحكمة فيهما واحدة. ونحوه قوله تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً). فإن قلت : هلا قال : فأهانه وقدر عليه رزقه ، كما قال فأكرمه ونعمه؟ قلت : لأن البسط إكرام من الله لعبده بإنعامه عليه متفضلا من غير سابقة (٤) ، وأما التقدير فليس بإهانة له ، لأنّ الإخلال بالتفضل لا يكون إهانة ، ولكن تركا للكرامة ، وقد يكون المولى مكرما لعبده ومهينا له ، وغير مكرم ولا مهين ، وإذا أهدى لك زيد هدية قلت : أكرمنى بالهدية ، ولا تقول : أهاننى
__________________
(١) قوله «ويقصع أهل الأهواء» في الصحاح «قصعت الرجل» صغرته وحقرته. (ع)
(٢) قال محمود : «إن قلت : كيف اتصل قوله (فَأَمَّا الْإِنْسانُ) بما قبله ... الخ» قال أحمد : قوله لا يريد من الإنسان إلا الطاعة ولا يأمره إلا بها : فاسد الصدر ، مبنى على أصله الفاسد ، سليم العجز.
(٣) قال محمود : «فان قلت كيف توازن قوله (فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ) وقوله (وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ) قال أحمد : يريد أنه صدر ما بعد أما الأولى بالاسم ، وما بعد أما الثانية بالفعل. ومقصود السائل أن يكونا مصدرين : إما باسمين أو بفعلين.
(٤) قال محمود : «فان قلت هلا قال فأهانه وقدر عليه رزقه ، كما قال فأكرمه ونعمه؟ وأجاب بأن البسط إكرام من الله تعالى العبد من غير سابقة» قال أحمد : «قيد زائد تفريعا على أصله الفاسد ، والحق أن كل نعمة من الله كذلك.
ولا أكرمنى إذا لم يهد لك. فإن قلت : فقد قال (فَأَكْرَمَهُ) فصحح إكرامه وأثبته ، ثم أنكر قوله (رَبِّي أَكْرَمَنِ) وذمّه عليه ، كما أنكر قوله (أَهانَنِ) وذمّه عليه. قلت : فيه جوابان ، أحدهما : أنه إنما أنكر قوله ربى أكرمن وذمّه عليه ، لأنه قال على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته ، وهو قصده إلى أنّ الله أعطاه ما أعطاه إكراما له مستحقا مستوجبا على عادة افتخارهم وجلالة أقدارهم عندهم ، كقوله (إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) (١) وإنما أعطاه الله على وجه التفضل من غير استيجاب منه له ولا سابقة مما لا يعتدّ الله إلا به ، وهو التقوى دون الأنساب والأحساب التي كانوا يفتخرون بها ويرون استحقاق الكرامة من أجلها. والثاني : أن ينساق الإنكار والذّمّ إلى قوله (رَبِّي أَهانَنِ) يعنى أنه إذا تفضل عليه بالخير وأكرم به اعترف بتفضل الله وإكرامه ، وإذا لم يتفضل عليه سمى ترك التفضل هوانا وليس بهوان ، ويعضد هذا الوجه ذكر الإكرام في قوله (فَأَكْرَمَهُ) (٢) وقرئ : فقدر بالتخفيف والتشديد. وأكرمن ، وأهانن : بسكون النون في الوقف ، فيمن ترك الياء في الدرج مكتفيا منها بالكسرة.
(كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا)(٢٠)
(كَلَّا) ردع للإنسان عن قوله. ثم قال : بل هناك شرّ من القول (٣). وهو : أنّ الله يكرمهم بكثرة المال ، فلا يؤدّون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم بالتفقد والمبرّة ، وحض أهله
__________________
(١) قال محمود : «فان قلت : فقد قال فأكرمه فصحح إكرامه وأثبته ، ثم أنكر قوله ربى أكرمن وذمه عليه كما أنكر قوله ربى أهانن وذمه عليه ، وأجاب بأمرين ، أحدهما أن المنكر عليه اعتقاده أن إكرام الله تعالى له عن استحقاق لمكان نسبه وحسبه وجلالة قدره ، كما كانوا يعتقدون الاستحقاق بذلك على الله ، كما قال : إنما أوتيته على علم» قال أحمد : والقدري لا يبعد عن ذلك ، لأنه يرى أن النعيم الأعظم في الآخرة حق العبد على الله واجب له عليه ليس بتفضل ولا ممنون.
(٢) قال محمود : «الثاني أن سياق الإنكار والذم إلى قوله (رَبِّي أَهانَنِ) بمعنى أنه إذا تفضل عليه بالخير اعترف بتفضل الله تعالى ، وإذا لم يتفضل عليه سمى ترك التفضل هو انا وليس بهوان ، ويعضد هذا الوجه ذكر الإكرام في قوله فأكرمه» قال أحمد : كأنه يجعل قوله (فَأَكْرَمَهُ) توطئة لذمه على قوله (أَهانَنِ) لا أنه مذموم معه.
(٣) قال محمود : «إنما أضرب عن الأول للاشعار بأن هنا ما هو أشر من القول الأول ... الخ» قال أحمد : وفي هذه الآية إشعار بابطال الجواب الثاني من جوابي الزمخشري ، فانه جعل قوله (أَكْرَمَنِ) غير مذموم ، ودلت هذه الآية على أن المعنى أن للمكرم بالبسط بالرزق حالتين ، إحداهما : اعتقاده أن إكرام الله له عن استحقاق ، الثانية أشد من الأولى : وهي أن لا يعترف بالإكرام أصلا ، لأنه يفعل أفعال جاحدى النعمة ، فلا يؤدى حق الله الواجب عليه في المال من إطعام اليتيم والمسكين.
على طعام المسكين ويأكلونه أكل الأنعام ، ويحبونه فيشحون به وقرئ : يكرمون ، وما بعده بالياء والتاء. وقرئ : تحاضون ، أى : يحض بعضكم بعضا : وفي قراءة ابن مسعود : ولا تحاضون بضم التاء ، من المحاضة (أَكْلاً لَمًّا) ذا لمّ وهو الجمع بين الحلال والحرام. قال الحطيئة :
|
إذا كان لمّا يتبع الذّمّ ربّه |
|
فلا قدّس الرّحمن تلك الطّواحنا (١) |
يعنى : أنهم يجمعون في أكلهم بين نصيبهم من الميراث ونصيب غيرهم. وقيل : كانوا لا يورّثون النساء ولا الصبيان ، ويأكلون تراثهم مع تراثهم. وقيل : يأكلون ما جمعه الميت من الظلمة ، وهو عالم بذلك فيلم في الأكل بين حلاله وحرامه. ويجوز أن يذمّ الوارث الذي ظفر بالمال سهلا مهلا ، من غير أن يعرق فيه جبينه ، فيسرف في إنقاقه ، ويأكله أكلا واسعا جامعا بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه ، كما يفعل الورّاث البطالون (حُبًّا جَمًّا) كثيرا شديدا مع الحرص والشره ومنع الحقوق.
(كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ)(٢٦)
(كَلَّا) ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم. ثم أتى بالوعيد وذكر تحسرهم على ما فرّطوا فيه حين لا تنفع الحسرة ، ويومئذ بدل من (إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ) وعامل النصب فيهما يتذكر (دَكًّا دَكًّا) دكا بعد دك. كقوله : حسبته بابا بابا ، أى : كرّر عليها الدك حتى عادت هباء منبثا. فإن قلت : ما معنى إسناد المجيء إلى الله ، والحركة والانتقال إنما يجوزان على من كان في جهة قلت : هو تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبين آثار قهره وسلطانه : مثلت حاله في ذلك محال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلها ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم (صَفًّا صَفًّا) ينزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف محدقين بالجن والإنس (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ) كقوله (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ) وروى أنها لما
__________________
(١) للحطيئة. واللم : الجمع بين الحلال والحرام من غير فرق. وروى «ربه» بدل «أهله» والطواحن : الأضراس. وتسمى : الأرحاء جمع وحى ، يقول : إذا كان الأكل جمعا ، أى : ذا جمع بين الخبيث والطيب يتبع صاحبه الذم ، فلا طهر الله تلك الأضراس التي تطحن ذلك المأكول ، والدعاء عليها : دعاء على صاحبها.
نزلت تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف في وجهه حتى اشتدّ على أصحابه ، فأخبروا عليا رضى الله عنه ، فجاء فاحتضنه من خلفه وقبله بين عاتقيه ، ثم قال : يا نبىّ الله ، بأبى أنت وأمى ما الذي حدث اليوم ، وما الذي غيّرك؟ فتلا عليه الآية. فقال على : كيف يجاء بها؟ قال : يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام ، فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع (١). أى يتذكر ما فرّط فيه ، أو يتعظ (وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى) ومن أين له منفعة الذكرى ، لا بد من تقدير حذف المضاف ، وإلا فبين : يوم يتذكر ، وبين (وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى) تناف وتناقض (قَدَّمْتُ لِحَياتِي) هذه ، وهي حياة الآخرة ، أو وقت حياتي في الدنيا ، كقولك : جئته لعشر ليال خلون من رجب ، وهذا أبين دليل على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقا بقصدهم وإرادتهم ، وأنهم لم يكونوا محجوبين عن الطاعات مجبرين على المعاصي ، كمذهب أهل الأهواء (٢) والبدع ، وإلا فما معنى التحسر؟ قرئ : بالفتح ، يعذب ويوثق. وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أبى عمرو أنه رجع إليها في آخر عمره. والضمير للإنسان الموصوف. وقيل هو أبىّ بن خلف أى لا يعذب أحد مثل عذابه ، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه ، لتناهيه في كفره وعناده ، أو لا يحمل عذاب الإنسان أحد ، كقوله (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) وقرئ بالكسر ، والضمير لله تعالى ، أى : لا يتولى عذاب الله أحد ، لأنّ الأمر لله وحده في ذلك اليوم. أو للإنسان ، أى : لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه.
(يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي)(٣٠)
(يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ) على إرادة القول ، أى : يقول الله للمؤمن (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ) إمّا أن يكلمه إكراما له كما كلم موسى صلوات الله عليه ، أو على لسان ملك. و (الْمُطْمَئِنَّةُ) الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن ، وهي النفس المؤمنة أو المطمئنة إلى الحق التي سكنها ثلج اليقين فلا يخالجها شك ، ويشهد للتفسير الأوّل : قراءة أبىّ بن كعب: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة. فإن قلت : متى يقال لها ذلك؟ قلت : إمّا عند الموت. وإمّا عند البعث ، وإمّا عند دخول الجنة. على معنى : ارجعي إلى موعد ربك (راضِيَةً) بما أوتيت (مَرْضِيَّةً) عند الله (فَادْخُلِي فِي عِبادِي) في جملة عبادي الصالحين ، وانتظمى في سلكهم (وَادْخُلِي جَنَّتِي) معهم ، وقيل : النفس الروح.
__________________
(١) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي من طريق عطية عن أبى سعيد به وأتم منه.
(٢) قوله «كمذهب أهل الأهواء» إن كان المراد بهم أهل السنة لقولهم بأن الله هو الخالقى لفعل العبد فهم يثبتون له الاختيار فيه لأنهم يثبتون له الكسب فيه وإن كان المراد بهم من قال بالجبر المحض وهم القائلون بأن العبد لا دخل له في فعله أصلا ، بل هو كالريشة المعلقة في الهواء ، فكلامه مسلم لظهور بطلان مذهبهم. (ع)
ومعناه : فادخلي في أجساد عبادي. وقرأ ابن عباس : فادخلي في عبدى. وقرأ ابن مسعود : في جسد عبدى. وقرأ أبى : ائتى ربك راضية مرضية. ادخلى في عبدى ، وقيل : نزلت في حمزة ابن عبد المطلب. وقيل : في خبيب بن عدى الذي صلبه أهل مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة ، فقال : اللهم إن كان لي عندك خير فحوّل وجهى نحو قبلتك ، فحوّل الله وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يحوّله. والظاهر العموم.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة الفجر في الليالي العشر غفر له ومن قرأها في سائر الأيام كانت له نورا يوم القيامة» (١).
سورة البلد
مكية ، وآياتها ٢٠ [نزلت بعد ق]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ) (٧)
أقسم سبحانه بالبلد الحرام وما بعده على أن الإنسان خلق مغمورا في مكابدة المشاق والشدائد ، واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ) يعنى : ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد الحرام كما يستحل الصيد في غير الحرم. عن شرحبيل : يحرّمون أن يقتلوا بها صيدا ويعضدوا بها شجرة ، ويستحلون إخراجك وقتلك وفيه تثبيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة ، وتعجيب من حالهم في عداوته. أو سلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالقسم
__________________
(١) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه باسنادهم إلى أبى رضى الله عنه.
ببلده ، على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد ، واعترض بأن وعده فتح مكة تتميما للتسلية والتنفيس عنه. فقال : وأنت حل بهذا البلد ، يعنى : وأنت حل به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر. وذلك أنّ الله فتح عليه مكة وأحلها له ، وما فتحت على أحد قبله ولا أحلت له فأحل ما شاء وحرّم ما شاء. قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة. ومقيس بن صبابة وغيرهما ، وحرّم دار أبى سفيان (١) ، ثم قال : إنّ الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة ، لم تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحد بعدي ، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار ، فلا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد. فقال العباس : يا رسول الله ، إلا الإذخر فإنه لقيوننا (٢) وقبورنا وبيوتنا ، فقال صلى الله عليه وسلم : «إلا الإذخر (٣)». فإن قلت : أين نظير قوله (وَأَنْتَ حِلٌ) في معنى الاستقبال؟ قلت : قوله عز وجل (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) ومثله واسع في كلام العباد ، تقول لمن تعده الإكرام والحباء : أنت مكرم محبو ، وهو في كلام الله أوسع ، لأنّ الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة. وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال ، وأن تفسيره بالحال محال : أن السورة بالاتفاق مكية ، وأين الهجرة عن وقت نزولها ، فما بال الفتح؟ فإن قلت : ما المراد بوالد وما ولد؟ قلت : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن ولده ، أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه وحرم أبيه ابراهيم ومنشأ أبيه إسماعيل ، وبمن ولده وبه. فإن قلت : لم نكر؟ قلت : للإبهام المستقل بالمدح والتعجب. فإن قلت : هلا قيل ومن ولد؟ قلت : فيه ما في قوله (وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) أى بأى شيء وضعت ، يعنى موضوعا عجيب الشأن. وقيل : هما آدم وولده. وقيل : كل والد وولد. والكبد : أصله من قولك : كبد الرجل كبدا ، فهو أكبد : إذا وجعت كبده وانتفخت ، فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة. ومنه اشتقت المكابدة ، كما قيل : كبته بمعنى أهلكه. وأصله : كبده ، إذا أصاب كبده. قال لبيد :
|
يا عين هلّا بكيت أربد إذ |
|
قمنا وقام الخصوم في كبد (٤) |
__________________
(١) تقدم. وقتل ابن خطل : متفق عليه ، وقتل مقيس بن صبابة عند أبى داود والنسائي من رواية مصعب ابن سعد عن أبيه وقتل غيرهما تقدم أيضا. ومنهم الحويرث بن نفيل. رواه الواقدي في المغازي. والمراد بقوله «حرم دار أبى سفيان قوله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح : من دخل دار أبى سفيان فهو آمن» وقد رواه إسحاق وغيره
(٢) قوله «فانه لقيوننا» القيون : جمع قين ، وهو الحداد. كذا في الصحاح. (ع)
(٣) متفق عليه من حديث أبى سلمة عن أبى هريرة وله طرق وألفاظ.
(٤) للبيد برثى أخاه أريد. وكبد كبدا كتعب : وجعت كبده وانتفخت ، فاتسع فيه حتى صار كتعب في المعنى أيضا. يقول : يا عين هلا بكيت أخى وقت قيامنا للحرب وقيام الخصوم معنا فيه. والعاملان تنازعا قوله (فِي كَبَدٍ) ونزل عينه منزلة من يعقل ، فخاطبها. وهلا : حرف تحضيض.
أى : في شدة الأمر وصعوبة الخطب.
والضمير في (أَيَحْسَبُ) لبعض صناديد قريش الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكابد منهم ما يكابد. والمعنى : أيظن هذا الصنديد القوى في قومه المتضعف للمؤمنين : أن لن تقوم قيامة ، ولن يقدر على الانتقام منه وعلى مكافأته بما هو عليه ، ثم ذكر ما يقوله في ذلك اليوم ، وأنه يقول (أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً) يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ، ويدعونها معالى ومفاخر (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ) حين كان ينفق ما ينفق رئاء الناس وافتخارا بينهم ، يعنى : أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا. ويجوز أن يكون الضمير للإنسان ، على أن يكون المعنى : أقسم بهذا البلد الشريف ، ومن شرفه أنك حل به مما يقترفه أهله من المآثم متحرج بريء ، فهو حقيق بأن أعظمه بقسمي به (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ) أى في مرض : وهو مرض القلب وفساد الباطن ، يريد : الذين علم الله منهم حين خلقهم أنهم لا يؤمنون ولا يعملون الصالحات. وقيل : الذي يحسب أن لن يقدر عليه أحد : هو أبو الأشد ، وكان قويا يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه ويقول : من أزالنى عنه فله كذا ، فلا ينزع إلا قطعا ويبقى موضع قدميه. وقيل : الوليد بن المغيرة (لُبَداً) قرى بالضم والكسر : جمع لبدة ولبدة ، وهو ما تلبد يريد الكثرة : وقرئ : لبدا بضمتين : جمع لبود. ولبدا : بالتشديد جمع لا بد.
(أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ)(١٦)
(أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ) يبصر بهما المرئيات (وَلِساناً) يترجم به عن ضمائره (وَشَفَتَيْنِ) يطبقهما على فيه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) أى طريقى الخير والشر. وقيل : الثديين (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) يعنى : فلم يشكر تلك الأيادى والنعم بالأعمال الصالحة : من فك الرقاب وإطعام اليتامى والمساكين ، ثم بالإيمان
الذي هو أصل كل طاعة ، وأساس كل خير ، بل غمط النعم (١) وكفر بالمنعم. والمعنى : أن الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق المرضى النافع عند الله ، لا أن يهلك مالا لبدا في الرياء والفخار ، فيكون مثله (كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ...) الآية. فإن قلت : قلما تقع «إلا» الداخلة على الماضي إلا مكررة ، ونحو قوله :
فأىّ أمر سيّئ لأفعله
لا يكاد يقع ، فما لها لم تكرر في الكلام الأفصح؟ قلت : هي متكررة في المعنى ، لأن معنى (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) فلا فك رقبة ، ولا أطعم مسكينا. ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك. وقال الزجاج قوله : (ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) يدل على معنى : (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) ، ولا آمن. والاقتحام : الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة. والقحمة : الشدة ، وجعل الصالحة : عقبة ، وعملها : اقتحاما لها ، لما في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس. وعن الحسن : عقبة والله شديدة. مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوّه الشيطان. وفك الرقة : تخليصها من رق أو غيره. وفي الحديث : أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : دلني على عمل يدخلني الجنة. فقال : تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال : أو ليسا سواء؟ قال : لا ، إعتاقها أن تنفرد بعتقها. وفكها : أن تعين في تخليصها من قود أو غرم (٢). والعتق والصدقة : من أفاضل الأعمال. وعن أبى حنيفة رضى الله عنه : أن العتق أفضل من الصدقة. وعند صاحبيه : الصدقة أفضل ، والآية أدل على قول أبى حنيفة ، لتقديم العتق على الصدقة. وعن الشعبي في رجل عنده فضل نفقة : أيضعه في ذى قرابة ، أو يعتق رقبة؟ قال : الرقبة أفضل ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من فك رقبة فك الله بكل عضو منها عضوا منه من النار (٣). قرئ : فك رقبة ، أو إطعام على : هي فك رقبة ، أو إطعام. وقرئ : فك رقبة ، أو أطعم ، على الإبدال من اقتحم العقبة. وقوله (وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ) اعتراض ، ومعناه : أنك لم تدركنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله. والمسغبة ، والمقربة ، والمتربة : مفعلات من سغب : إذا جاع. وقرب في النسب ، يقال : فلان ذو قرابتي. وذو مقربتى. وترب : إذا افتقر ، ومعناه. التصق بالتراب. وأما أترب فاستغنى ، أى : صار
__________________
(١) قوله «بل غمط النعم» أى : استحقرها. (ع)
(٢) أخرجه ابن حبان والحاكم وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة والبخاري في الأدب المفرد ، والبيهقي في الشعب ، والثعلبي وابن مردويه والواحدي من رواية عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب وليس عند أحد منهم قوله «من قود أو غرم» وكأنه من كلام الزمخشري.
(٣) أخرجه الحاكم من حديث عقبة بن عامر بلفظ «من أعتق رقبة».
ذا مال كالتراب في الكثرة ، كما قيل : أثرى. وعن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (ذا مَتْرَبَةٍ) الذي مأواه المزابل (١) ، ووصف اليوم بذي مسعبة نحو ما يقول النحويون في قولهم : هم ناصب : ذو نصب. وقرأ الحسن : ذا مسغبة نصبه بإطعام. ومعناه : أو إطعام في يوم من الأيام ذا مسغبة.
(ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ)(٢٠)
(ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) جاء بثم لتراخى الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة ، لا في الوقت ، لأنّ الإيمان هو السابق المقدّم على غيره ، ولا يثبت عمل صالح إلا به. والمرحمة : الرحمة ، أى : أوصى بعضهم بعضا بالصبر على الإيمان والثبات عليه. أو بالصبر عن المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلى بها المؤمن ، وبأن يكونوا متراحمين متعاطفين. أو بما يؤدى إلى رحمة الله. الميمنة والمشأمة : اليمين والشمال. أو اليمن والشؤم ، أى : الميامين على أنفسهم والمشائيم عليهنّ. قرئ : موصدة ، بالواو والهمزة ، من وصدت الباب وآصدته : إذا أطبقته وأغلقته. وعن أبى بكر بن عياش : لنا إمام يهمز مؤصدة ، فأشتهى أن أسدّ أذنى إذا سمعته.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ لا أقسم بهذا البلد أعطاه الله الأمان من غضبه يوم القيامة» (٢).
__________________
(١) أخرجه ابن مردويه من رواية مجاهد عن عبد الله بن عمر بهذا. وعند الحاكم عن ابن عباس : قال «هو الذي لا يقيه من التراب شيء» موقوف.
(٢) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.
سورة الشمس
مكية ، وآياتها ١٥ [نزلت بعد القدر]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها)(١٠)
ضحاها : ضوؤها إذا أشرقت وقام سلطانها ، ولذلك قيل : وقت الضحى ، وكأن وجهه شمس الضحى. وقيل : الضحوة ارتفاع النهار. والضحى فوق ذلك. والضحاء بالفتح والمد : إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف (إِذا تَلاها) طالعا عند غروبها آخذا من نورها ، وذلك في النصف الأوّل من الشهر. وقيل : إذا استدار فتلاها في الضياء والنور (إِذا جَلَّاها) عند انتفاخ النهار (١) وانبساطه ، لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء. وقيل : الضمير للظلمة ، أو للدنيا ، أو للأرض ، وإن لم يجر لها ذكر ، كقولهم : أصبحت باردة : يريدون الغداة ، وأرسلت : يريدون السماء إذا يغشاها ، فتغيب وتظلم الآفاق ، فإن قلت : الأمر في نصب «إذا» معضل ، لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفة فتنصب بها وتجر ، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك : مررت أمس بزيد ، واليوم عمرو. وإما أن تجعلهن للقسم ، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه. قلت : الجواب فيه أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحا كليا ، فكان لها شأن خلاف شأن الباء ، حيث أبرز معها الفعل وأضمر ، فكانت الواو قائمة مقام الفعل والباء سادّة مسدهما معا ، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو ، فحققن أن يكون عوامل على الفعل (٢) والجار جميعا ، كما تقول : ضرب زيد عمرا ،
__________________
(١) قوله «عند انتفاخ النهار» في الصحاح : انتفخ النهار ، أى : علا. (ع)
(٢) قوله «عوامل على الفعل» لعله : عمل الفعل. (ع)
وبكر خالدا ، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما. جعلت «ما» مصدرية في قوله (وَما بَناها وَما طَحاها وَما سَوَّاها) وليس بالوجه لقوله (فَأَلْهَمَها) وما يؤدى إليه من فساد النظم. والوجه أن تكون موصولة ، وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية ، كأنه قيل : والسماء ، والقادر العظيم الذي بناها ، ونفس ، والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها ، وفي كلامهم : سبحان ما سخركن لنا. فإن قلت : لم نكرت النفس؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما : أن يريد نفسا خاصة من بين النفوس وهي نفس آدم ، كأنه قال : وواحدة من النفوس. والثاني : أن يريد كل نفس وينكر للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله (عَلِمَتْ نَفْسٌ). ومعنى إلهام الفجور والتقوى : إفهامهما وإعقالهما ، وأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح ، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما (١) بدليل قوله (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) فجعله فاعل التزكية (٢)
__________________
(١) قال محمود : «معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما ، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح ، وتمكينه ... الخ» قال أحمد : بين في هذا الكلام نوعين من الباطل ، أحدهما في قوله : معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما ، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح ، والذي يكنه في هذه الكلمات اعتقاد أن الحسن والقبح مدركان بالعقل. ألا ترى إلى قوله : إعقالهما ، أى خلق العقل الموصل إلى معرفة حسن الحسن وقبح القبيح ، وإنما اغتنم في هذا فرصة إشعار الإلهام بذلك ، فانه ربما يظن أن إطلاقه على العلم المستفاد من السمع بعيد ، والذي يقطع دابر هذه النزغة أنا وإن قلنا إن الحسن والقبح لا يدركان إلا بالسمع لأنهما راجعان إلى الأحكام الشرعية التي ليست عندنا بصفات الأفعال ، فانا لا نلغى حظ العقل من إدراك الأحكام الشرعية ، بل لا بد في علم كل حكم شرعي من المقدمتين : عقلية ، وهي الموصلة إلى العقيدة. وسمعية مفرعة عليها ، وهي الدالة على خصوص الحكم. على أن تعلقه بظاهر لو سلم ظهوره في قاعدة قطعية بمعزل عن الصواب. النزغة الثانية : وهي التي كشف القناع في إبرازها أن التزكية وقسيمها ليس مخلوقين لله تعالى ، بل لشركائه المعتزلة ، وإنما نعارضه في الظاهر من فحوى الآية ، على أنه لم يذكر وجها في الرد على من قال : إن الضمير لله تعالى ، وإنما اقتصر على الدعوى مقرونة بسفاهته على أهل السنة ، فنقول : لا مراء في احتمال عود الضمير إلى الله تعالى وإلى ذى النفس ، لكن عوده إلى الله تعالى أولى لوجهين ، أحدهما : أن الجمل سيقت سياقة واحدة من قوله (وَالسَّماءِ وَما بَناها) وهلم جرا ، والضمائر فيما تقدم هذين الفعلين عائدة إلى الله تعالى بالاتفاق ، ولم يجر لغير الله تعالى ذكر. وإن قيل بعود الضمير إلى غيره : فإنما يتمحل لجوازه بدلالة الكلام ضمنا واستلزاما ، لا ذكرا ونطقا ، وما جرى ذكره أولى أن يعود الضمير عليه. الثاني : أن الفعل المستعمل في الآية التي استدل بها في قوله (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) «تفعل» ، ولا شك أن «تفعل» مطاوع «فعل» فهذا بأن يدل لنا ، أولى من أن يدل له ، لأن الكلام عندنا نحن : قد أفلح من زكاه الله فتزكى ، وعنده الفاعل في الاثنين واحد ، أضاف إليه الفعلين المختلفين ، ويحتاج في تصحيح الكلام إلى تعديد اعتبار وجهه ، ونحن عنه في غنية ، على أنا لا نأبى أن تضاف التزكية والتدسية إلى العبد ، على طريقة أنه الفاعل ، كما يضاف إليه الصلاة والصيام وغير ذلك من أفعال الطاعات ، لأن له عندنا اختيارا وقدرة مقارنة ، وإن منعنا البرهان العقلي الدال على وحدانية الله تعالى ونفى الشريك أن نجعل قدرة العبد مؤثرة خالقة ، فهذا جوابنا على الآية تنزلا ، وإلا فلم يذكر وجها من الرد ، فيلزمنا الجواب عنه ، وأما جوابنا عن سفاهته على أهل السنة ، فالسكوت ، والله الموفق.
(٢) قوله «فجعله فاعل التزكية» مبنى على مذهب المعتزلة : من أن العبد هو الفاعل لأفعاله الاختيارية. وذهب أهل السنة إلى أن الفاعل لها في الحقيقة هو الله تعالى ، كما تقرر في علم التوحيد. (ع)
والتدسية ومتوليهما والتزكية : الإنماء والإعلاء بالتقوى. والتدسية : النقص والإخفاء بالفجور. وأصل دسى : دسس ، كما قيل في تقضض : تقضى. وسئل ابن عباس عنه فقال : أتقرأ (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) ، (وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً). وأما قول من زعم أنّ الضمير في زكى ودسى لله تعالى ، وأنّ تأنيث الراجع إلى من ، لأنه في معنى النفس : فمن تعكيس القدرية الذين يورّكون (١) على الله قدرا هو بريء منه ومتعال عنه ، ويحيون لياليهم في تمحل فاحشة ينسبونها إليه. فإن قلت : فأين جواب القسم؟ قلت : هو محذوف تقديره : ليدمدمنّ الله عليهم ، أى : على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحا. وأما (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) فكلام تابع لقوله (فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) على سبيل الاستطراد ، وليس من جواب القسم في شيء.
(كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها)(١٥)
الباء في (بِطَغْواها) مثلها في : كتبت بالقلم. والطغوى من الطغيان : فصلوا بين الاسم والصفة في فعلى من بنات الياء ، بأن قلبوا الياء واوا في الاسم ، وتركوا القلب في الصفة ، فقالوا :امرأة خزيي وصديى ، يعنى : فعلت التكذيب بطغيانها ، كما تقول : ظلمني بجرأته على الله. وقيل : كذبت بما أوعدت به من عذابها ذى الطغوىّ كقوله ، (فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ) ، وقرأ الحسن : بطغواها ، بضم الطاء كالحسنى والرجعى في المصادر (إِذِ انْبَعَثَ) منصوب بكذبت. أو بالطغوى. و (أَشْقاها) قدار بن سالف. ويجوز أن يكونوا جماعة ، والتوحيد لتسويتك في أفعل التفضيل إذا أضفته بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، وكان يجوز أن يقال : أشقوها ، كما تقول : أفاضلهم. والضمير في (لَهُمْ) يجوز أن يكون للأشقين والتفضيل في الشقاوة ، لأنّ من تولى الفقر وباشره كانت شقاوته أظهر وأبلغ. و (ناقَةَ اللهِ) نصب على التحذير ، كقولك الأسد الأسد ، والصبى الصبى ، بإضمار : ذروا أو احذروا عقرها (وَسُقْياها) فلا تزووها عنها ، ولا
__________________
(١) قوله «الذين يوركون على الله قدرا» في الصحاح : ورك فلان ذنبه على غيره ، إذا قرفه به اه ، أى : اتهمه. ومراده بالقدرية : أهل السنة ، حيث قالوا : كل ما وقع في الكون هو بقضائه تعالى وقدره خيرا كان أو شرا ، ويخلقه تعالى وإرادته ، قبيحا كان أو حسنا ، من أفعال العباد أو من غيرها ، كما تقرر في التوحيد. (ع)
تستأثروا بها عليها (فَكَذَّبُوهُ) فيما حذرهم منه من نزول العذاب إن فعلوا (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ) فأطلق عليهم العذاب ، وهو من تكرير قولهم : ناقة مدمومة : إذا ألبسها الشجم (بِذَنْبِهِمْ) بسبب ذنبهم. وفيه إنذار عظيم بعاقبة الذنب ، فعلى كل مذنب أن يعتبر ويحذر (فَسَوَّاها) الضمير للدمدمة ، أى : فسوّاها ببنهم لم يفلت منها صغيرهم ولا كبيرهم (وَلا يَخافُ عُقْباها) أى عاقبتها وتبعتها ، كما يخاف كل معاقب من الملوك فيبقى بعض الإبقاء. ويجوز أن يكون الضمير لثمود على معنى : فسواها بالأرض. أو في الهلاك ، ولا يخاف عقبى هلاكها. وفي مصاحف أهل المدينة والشأم : فلا يخاف. وفي قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ولم يخف. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة الشمس ، فكأنما تصدق بكل شيء طلعت عليه الشمس والقمر» (١).
سورة الليل
مكية ، وآياتها ٢١ «نزلت بعد الأعلى»
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)
المغشى : إما الشمس من قوله (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها) وإما النهار من قوله (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ) وإما كل شيء يواريه بظلامه من قوله (إِذا وَقَبَ). (تَجَلَّى) ظهر بزوال ظلمة الليل. أو تبين وتكشف بطلوع الشمس (وَما خَلَقَ) والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد. وقبل : هما آدم عليه السلام وحواء. وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم : والذكر والأنثى. وقرأ ابن مسعود : والذي خلق الذكر والأنثى.
__________________
(١) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.
وعن الكسائي : وما خلق الذكر والأنثى بالجر على أنه بدل من محل (ما خَلَقَ) بمعنى : وما خلقه الله ، أى : ومخلوق الله الذكر والأنثى. وجاز إضمار اسم الله لأنه معلوم لانفراده بالخلق. إذ لا خالق سواه. وقيل : إنّ الله لم يخلق خلقا من ذوى الأرواح ليس بذكر ولا أنثى. والخنثى ، وإن أشكل أمره عندنا فهو عند الله غير مشكل ، معلوم بالذكورة أو الأنوثة ، فلو حلف بالطلاق أنه لم يلق يومه ذكرا ولا أنثى ، ولقد لقى خنثى مشكلا : كان حانثا ، لأنه في الحقيقة إمّا ذكرا أو أنثى ، وإن كان مشكلا عندنا (لَشَتَّى) جمع شتيت ، أى : إنّ مساعيكم أشتات مختلفة ، وبيان اختلافها فيما فصل على أثره.
(فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى)(٧)
(أَعْطى) يعنى حقوق ماله (وَاتَّقى) الله فلم يعصه (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى) بالخصلة الحسنى : وهي الإيمان. أو بالملة الحسنى : وهي ملة الإسلام ، أو بالمثوبة الحسنى : وهي الجنة (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى) فسنهيؤه لها من يسر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها. ومنه قوله عليه السلام : «كل ميسر لما خلق (١) له» والمعنى : فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه وأهونها (٢) ، من قوله (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ).
(وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى)(١١)
(وَاسْتَغْنى) وزهد فيما عند الله كأنه مستغن عنه فلم يتقه. أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة ، لأنه في مقابلة (وَاتَّقى). (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) فسنخذله ونمنعه الألطاف ، حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشدّه ، من قوله (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ) أو سمى طريقة الخير باليسرى ، لأنّ عاقبتها اليسر ، وطريقة الشر العسرى ، لأن عاقبتها العسر. أو أراد بهما طريقى الجنة والنار ، أى : فسنهديهما في الآخرة للطريقين. وقيل : نزلتا في أبى بكر رضى الله عنه ، وفي أبى سفيان بن حرب (وَما يُغْنِي عَنْهُ) استفهام في معنى الإنكار ، أو نفى (تَرَدَّى) تفعل من الردى وهو الهلاك ، يريد : الموت. أو تردّى في الحفرة إذا قبر. أو تردى في قعر جهنم.
__________________
(١) متفق عليه من حديث عمران بن حصين ، ومن حديث على رضى الله عنه.
(٢) قال محمود : «التيسير لليسرى خلق الألطاف ... الخ» قال أحمد : ألا يطيل لسانه هاهنا على أهل السنة ولكن قصره الحق فتراه يؤول الكلام بل يعطله ، لأنه يحمله مالا يحتمله ، وعلى كلامه في أمثالها روعة السارق الخائف.
(إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى)(١٣)
(إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى) إن الإرشاد إلى الحق واجب علينا بنصب الدلائل (١) وبيان الشرائع (وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى) أى ثواب الدّارين للمهتدى ، كقوله (وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ).
(فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى)(٢١)
وقرأ أبو الزبير : تتلظى. فإن قلت : كيف قال (لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى ...... وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) وقد علم أن كل شقىّ يصلاها (٢) ، وكل تقىّ يجنبها ، لا يختص بالصلى أشقى الأشقياء ، ولا بالنجاة
__________________
(١) قوله «له واجب علينا بنصب الدلائل» وجوب شيء على الله تعالى : مذهب المعتزلة. ولا يجب عليه شيء عند أهل السنة ، ولكن شأن الكريم تأكيد الوعد. (ع)
(٢) قال محمود : «فان قلت : كيف قال لا يصلاها إلا الأشقى وسيجنبها الأتقى ، وقد علم أن كل شقى يصلاها ... الخ» قال أحمد : لا شك أن السائل بنى سؤاله على التمسك بمفهوم الآية لورودها بصيغة التخصيص ، فحاصل جواب الزمخشري أن التخصيص هاهنا لفائدة أخرى غير النفي عما عدا المخصص ، وتلك الفائدة المقابلة ، وحيث تمحض لك السؤال والجواب ، فهو يلاحظ نظر الشافعي رحمه الله في قوله تعالى (قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ) فانه لم يقل بمفهوم حصرها ، وحملها على أن الحصر لفائدة المقابلة بالرد لأحكام الجاهلية ، لا لنفى ما عدا المحصور. على أن الزمخشري إنما ضيق عليه الخناق في هذه الآية حتى التزم ورود السؤال المذكور ، التفاته إلى قاعدته الفاسدة وحذره أن تنقض ، ويأبى الله إلا نقضها ورفضها ، وإذا نزلت الآية على قواعد أهل السنة وضع لك ما قلته ، فنقول : المصلى في اللغة أن يحفروا حفيرا فيجمعوا فيه جمرا كثيرا ، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه بين أطباقه ، فأما ما يشوى فوق الجمر أو على المقلى أو على التنور فليس بمصلى ، وهذا التفسير بعينه نص عليه الزمخشري ونقطة عن أهل اللغة في سورة الغاشية أيضا ، وأنا وقفت عليه في كتبهم ، فإذا عرفت معنى التصلية لغة وأنها أشد أنواع الإحراق بالنار ، وفي علمك أن الناس عند أهل السنة ثلاثة أصناف : مؤمن صالح فائز ، ومؤمن عاص ، وكافر ، وأن المؤمن الفائز يمر على النار فيطفئ نوره لهبها ولا يؤلم بمسها البتة ، وإنما يردها تحلة القسم ، والعاصي إن شاء الله تعذيبه ومجازاته فإنما يعذب على وجه النار في الطبقة الأولى باتفاق ، حتى أن منهم من تبلغ النار إلى كعبه : وأشدهم من تبلغ النار إلى موضع سجوده فيحسه ، ولا يعذب أحد من المؤمنين بين أطباقها ألبتة بوعد الله تعالى ، والكافر هو المعذب بين أطباقها : تبين لك أن النار لا يصلاها أى يعذب بين أطباقها ـ كما علمت تفسيره في اللغة ـ إلا الكافر : وهو الأشقى ، لأن المؤمن العاصي
أتقى الأتقياء ، وإن زعمت أنه نكر النار فأراد نارا بعينها مخصوصة بالأشقى ، فما تصنع بقوله (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) فقد علم أن أفسق المسلمين (١) يجنب تلك النار المخصوصة ، لا الأتقى منهم خاصة؟ قلت : الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين ، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل : الأشقى ، وجعل مختصا بالصلى ، كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل : الأتقى ، وجعل مختصا بالنجاة ، كأن الجنة لم تخلق إلا له. وقيل : هما أبو جهل أو أمية بن خلف ، وأبو بكر رضى الله عنه (يَتَزَكَّى) من الزكاء. أى : يطلب أن يكون عند الله زاكيا ، لا يريد به رياء ولا سمعة. أو يتفعل من الزكاة. فإن قلت : ما محل يتزكى؟ قلت : هو على وجهين : إن جعلته بدلا من (يُؤْتِي) فلا محل له ؛ لأنه داخل في حكم الصلة ، والصلات لا محل لها وإن جعلته حالا من الضمير في (يُؤْتِي) فمحله النصب (ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ) مستثنى من غير جنسه وهو النعمة أى : ما لأحد عنده نعمة إلا ابتغاء وجه ربه ، كقولك : ما في الدار أحد إلا حمارا وقرأ يحيى بن وثاب ، إلا ابتغاء وجه ربه بالرفع : على لغة من يقول : ما في الدار أحد إلا حمار وأنشد في اللغتين قول بشر بن أبى حازم :
|
أضحت خلاء قفارا لا أنيس بها |
|
إلا الجآذر والظّلمان تختلف (٢) |
وقول القائل :
|
وبلدة ليس بها أنيس |
|
إلّا اليعافير وإلّا العيس (٣) |
__________________
ـ لا يبلغ مبلغه في الشقاء ، وأن المؤمن الفائز وهو الأتقى بالنسبة إلى المؤمن العاصي بجنب النار بالكلية ، لأن وروده تحلة القسم لا يصل إليه مسها ولا ألمها ، وأن المؤمن العاصي الذي ليس بالأتقى ولا بالأشقى لا يصلاها ولا يجنبها بالكلية ، لأن وروده تحلة القسم بل يعذب فيها لا بالصلى ، فهذا أحسن ما حملت الآية عليه ، لكن إنما ينزل على جادة السنة. وأما الزمخشري فينحرف عنها ، فلا جرم أنه في عهدة الجواب يفكر ويقدر. والله أعلم.
(١) قوله «فقد علم أن أفسق المسلمين» لعله : وقد. (ع)
|
(٢) أضحت خلايا قفارا لا أنيس بها |
|
إلا الجاذر والظلمان تختلف |
|
رقفت فيها قلوصي كى تجاوبنى |
|
أو بخبر الرسم عنهم أية انصرفوا |
لبشر بن أبى خازم. وخلايا : جمع خلية أى خالية ، والجآذر والظلمان. استثناء منقطع ، لأنها لا تدخل في الأنيس. ورويا بالنصب على الاستثناء ، وبالرفع على الابدال من الضمير المستكن في الخير ، كما هو لغة عند تميم. والجآذر : أولاد بقر الوحش. وروى : الجوازئ ، رهى الظباء التي اجتزأت بأكل الربيع عن شرب الماء. والظلمان : أولاد النعام. أو النعام نفسه. والقلوص. الفتية من الإبل المكتنزة اللحم ، والضمير فيها عائد للديار. وضمير «تجاوبنى» لها أيضا. والرسم : آثار الديار. وأية : اسم استفهام منصوب بما بعده على الظرفية ، لقطعه عن الاضافة ، أى : صرفهم عزمهم ونيتهم. وشبه الرسم بعاقل على طريق المكنية فأسند له الاخبار تخييلا ، وكذلك الدار ومجاوبتها.
|
(٣) قد ندع المنزل يا لميس |
|
يعيش فيه السبع الجروس |
|
وبلدة ليس بها أنيس |
|
إلا اليعافير وإلا العيس |
ويجوز أن يكون (ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ) مفعولا له على المعنى ، لأنّ معنى الكلام : لا يؤتى ماله إلا ابتغاء وجه ربه ، لا لمكافأة نعمة (وَلَسَوْفَ يَرْضى) موعد بالثواب الذي يرضيه ويقرّ عينه. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة والليل ، أعطاه الله حتى يرضى ، وعافاه من العسر ويسر له اليسر» (١).
سورة الضحى
مكية ، وآياتها ١١ «نزلت بعد الفجر»
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى)(٣)
المراد بالضحى : وقت الضحى ، وهو صدر النهار حتى ترتفع الشمس وتلقى شعاعها. وقيل :
إنما خص وقت الضحى بالقسم ، لأنها الساعة التي كلم فيها موسى عليه السلام ، وألقى فيها السحرة سجدا ، لقوله (وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) وقيل : أريد بالضحى : النهار ، بيانه قوله (أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى) في مقابلة (بَياتاً). (سَجى) سكن وركد ظلامه. وقيل : ليلة ساجية ساكنة الريح. وقيل معناه : سكون الناس والأصوات فيه. وسجا البحر : سكنت أمواجه. وطرف ساج : ساكن فاتر (ما وَدَّعَكَ) جواب القسم. ومعناه : ما قطعك قطع المودع. وقرئ بالتخفيف ، يعنى : ما تركك. قال :
__________________
ـ لعامر بن الحرث المشهور بجران العود. ولميس : امرأة. والجروس : كثير الصوت ، وبلدة ـ بالجر برب المقدرة بعد الواو ، أى : قد نترك المنزل خاليا من أهله بقتلنا إياهم ، أو لارتحالنا عنهم. واليعافير ـ بالرفع ـ : بدل من أنيس على لغة تميم في الاستثناء المنقطع بعد النفي ، وإلا الثانية توكيد للأولى. واليعافير ـ جمع يعفور ـ : دابة قدر السخلة على لون الرماد. وقيل : غزال كذلك. وقيل : ولد البقرة الوحشية. والعيس : البيض من الظباء أو الإبل : جمع أعيس أو عيساء. والعيساء أيضا : أنثى الجراد ، يخالط بياضها شقرة.
(١) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.
|
وثمّ ودعنا آل عمرو وعامر |
|
فرائس أطراف المثقّفة السّمر (١) |
والتوديع : مبالغة في الودع ، لأنّ من ودّعك مفارقا فقد بالغ في تركك. روى أنّ الوحى قد تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما. فقال المشركون : إنّ محمدا ودعه ربه وقلاه (٢). وقيل : إنّ أم جميل امرأة أبى لهب قالت له : يا محمد ، ما أرى شيطانك إلا قد تركك (٣) ، فنزلت. حذف الضمير من (قَلى) كحذفه من (الذَّاكِراتِ) في قوله (وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ) يريد : والذاكراته ونحوه : (فَآوى ... فَهَدى ... فَأَغْنى) وهو اختصار لفظي لظهور المحذوف.
(وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى)(٥)
فإن قلت : كيف اتصل قوله (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) بما قبله؟ قلت : لما كان في ضمن نفى التوديع والقلى : أنّ الله مواصلك بالوحي إليك (٤) ، وأنك حبيب الله ولا ترى كرامة أعظم من ذلك ولا نعمة أجل منه : أخبره أن حاله في الآخرة أعظم من ذلك وأجل ، وهو السبق والتقدّم على جميع أنبياء الله ورسله ، وشهادة أمته على سائر الأمم ، ورفع درجات المؤمنين وإعلاء مراتبهم بشفاعته ، وغير ذلك من الكرامات السنية (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) موعد شامل لما أعطاه في الدنيا من الفلج والظفر (٥) بأعدائه يوم بدر ويوم فتح
__________________
(١) ثم إشارة لمكان الحرب أو زمانها ، واختلف في «دع» بمعنى اترك ، هل ينصرف فيأتى منه الماضي والمصدر ، واسم الفاعل والمفعول. قال الجوهري : أميت ماضيه وغيره ، وربما جاء في الضرورة اه ، وهو المشهور ، ولكن حيث جاء في القرآن (ما وَدَّعَكَ) بالتخفيف. وفي الحديث «لينتهين قوم عن ودعهم الجماعات» أى تركهم. وجاء اسم المفعول وغيره في الشعر ، فيجوز القول بقلة الاستعمال لا بالاماتة ، كما قاله بعض المتقدمين. والفرائس : مفعول ثان ، وهو جمع فريسة : وهي صيد الأسد المفترس. والمثقفة : المقومة بالثقاف ، وهو آلة تقويم الرماح. والسمرة : لون بين البياض والأدمة. وشبه الرماح بالأسود على طريق المكنية ، والفرائس تخييل ، والأقرب تشبيه آل عمر وآل عامر بالفرائس تشبيها بليغا لذكر الأطراف ، إلا أن يقال : إنها تجريد للمكنية ، لأنها تلائم الرماح.
(٢) أخرجه ابن مردويه من رواية العوفى عن ابن عباس في قوله (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) قال أبطأ عليه جبريل ـ الحديث».
(٣) متفق عليه من حديث جندب بن عبد الله البجلي بلفظ «فجاءت امرأة فقالت يا محمد إنى لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك. فأنزل الله (وَالضُّحى) وفي المستدرك من حديث زيد بن أرقم «أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث أياما لا ينزل عليه. فأتته امرأة أبى لهب فقالت : يا محمد ـ فذكره نحوه.
(٤) قال محمود : «إن قلت : كيف اتصل بما قبله؟ وأجاب بأنه لما كان في ضمن التوديع وأقلى أن الله مواصلك بالوحي إليك ... الخ» قال أحمد : وإخراج أهل الكبائر من النار بشفاعته مضاف إلى ذلك.
(٥) قوله «من الفلج والظفر» الفلج : أى الظهور والفوز والقهر ، كما بقيده الصحاح. (ع)
مكة ، ودخول الناس في الدين أفواجا ، والغلبة على قريظة والنضير وإجلائهم ، وبث عساكره وسراياه في بلاد العرب ، وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن وهدم بأيديهم من ممالك الجبابرة وأنهبهم من كنوز الأكاسرة ، وما قذف في قلوب أهل الشرق والغرب من الرعب وتهيب الإسلام (١) ، وفشوّ الدعوة واستيلاء المسلمين ، ولما ادّخر له من الثواب الذي لا يعلم كنهه إلا الله. قال ابن عباس رضى الله عنهما : له في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك. فإن قلت : ما هذه اللام الداخلة على سوف؟ قلت: هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة ، والمبتدأ محذوف. تقديره : ولأنت سوف يعطيك ، كما ذكرنا في : لا أقسم ، أن المعنى : لأنا أقسم ، وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام قسم أو ابتداء ، فلام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التأكيد ، فبقى أن تكون لام ابتداء ، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة من المبتدإ والخبر ، فلا بد من تقدير مبتدإ وخبر ، وأن يكون أصله : ولأنت سوف يعطيك. فإن قلت : ما معنى الجمع بين حرفى التوكيد والتأخير؟ قلت : معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر ، لما في التأخير من المصلحة.
(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى)(٨)
عدّد عليه نعمه وأياديه ، وأنه لم يخله متها من أول تربيه وابتداء نشئه ، ترشيحا لما أراد به ، ليقيس المترقب من فضل الله على ما سلف منه ، لئلا يتوقع إلا الحسنى وزيادة الخير والكرامة : ولا يضيق صدره ولا يقل صبره. و (أَلَمْ يَجِدْكَ) من الوجود الذي بمعنى العلم : والمنصوبان مفعولا وجد. والمعنى : ألم تكن يتيما ، وذلك أنّ أباه مات وهو جنين قد أتت عليه ستة أشهر وماتت أمّه ، وهو ابن ثمان سنين ، فكفله عمه أبو طالب ، وعطفه الله عليه فأحسن تربيته (٢). ومن بدع التفاسير : أنه من قولهم «درّة يتيمة» وأن المعنى : ألم يجدك واحدا في قريش عديم
__________________
(١) قوله «وتهيب الإسلام» أى : تخوف ، كما في الصحاح ، أى : تخوف الناس من أهل الإسلام. (ع)
(٢) لم أجد هذا. وقال السهيلي في الروض : أكثر العلماء على أنه عليه الصلاة والسلام توفى أبوه وهو في المهد ، كما ذكره الدولابى وغيره. وقال ابن سعد : لا يثبت أنه مات أبوه وهو حمل. ورواه الحاكم من طريق ابن إسحاق: حدثني مطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده أنه ذكر ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال «توفى أبوه وأمه حلى به» وبذلك جزم ابن إسحاق. وأما سنه عند ما ماتت أمه. فجزم ابن إسحاق أنها ماتت وهو ابن ست سنين. وقال ابن حبيب : وهو ابن ثمان سنين. وأما كفالة عمه له فذكرها ابن إسحاق وغيره.
النظير فآواك. وقرئ : فأوى ، وهو على معنيين : إما من أواه بمعنى آواه. سمع بعض الرعاة يقول : أين آوى هذه الموقسة (١) وإما من أوى له : إذا رحمه (ضَالًّا) معناه الضلال عن علم الشرائع وما طريقه السمع ، كقوله (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ). وقيل : ضل في صباه في بعض شعاب مكة ، فردّه أبو جهل إلى عبد المطلب. وقيل : أضلته حليمة عند باب مكة حين فطمته وجاءت به لتردّه على عبد المطلب. وقيل : ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب ، فهداك : فعرفك القرآن والشرائع. أو فأزال ضلالك عن جدك وعمك. ومن قال : كان على أمر قومه أربعين سنة ، فإن أراد أنه كان على خلوهم عن العلوم السعية ، لنعم ، وإن أراد أنه كان على دينهم وكفرهم ، فمعاذ الله ، والأنبياء يجب أن يكونوا معصومين قبل النبوّة وبعدها من الكبائر والصغائر الشائنة ، فما بال الكفر والجهل بالصانع (ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ) وكفى بالنبي نقيصة عند الكفار أن يسبق له كفر (عائِلاً) فقيرا. وقرئ : عيلا ، كما قرئ : سيحات. وعديما (فَأَغْنى) فأغناك بمال خديجة. أو بما أفاء عليك من الغنائم. قال عليه السلام : «جعل رزقي تحت ظل رمحي (٢)» وقيل : قنعك وأغنى قلبك.
(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)(١١)
(فَلا تَقْهَرْ) فلا تغلبه على ماله وحقه لضعفه. وفي قراءة ابن مسعود : فلا تكبر : وهو أن يعبس في وجهه. وفلان ذو كهرورة : عابس الوجه. ومنه الحديث : فبأبى وأمى هو ، ما كهرنى (٣). النهر ، والنهم : الزجر. عن النبي صلى الله عليه وسلم (٤) «إذا رددت السائل ثلاثا فلم يرجع ،
__________________
(١) قوله «يقول أين آوى هذه الموقسة» الموقسة : الإبل الجربي ، من الوقس : وهو ابتداء الجرب اه من هامش ، والذي في الصحاح : يقال وقسه وقسا ، أى : قرفه ، وإن بالبعير لوقسا : إذا قارفه شيء من الجرب ، فهو موقوس. (ع)
(٢) هذا طرف من حديث. وأخرجه البخاري تعليقا وأحمد وأبو داود وابن أبى شيبة وعبد بن حميد. وأبو يعلى والطبراني والبيهقي في الشعب من حديث. عبد الله بن عمر. وفي النسائي عن أبى هريرة أخرجه البزار من رواية صدقة ابن عبد الله عن الأوزاعى عن يحيى عن أبى سلمة عن أبى هريرة. وقال : لم يتابع صدقة على هذا. وغيره يرويه عن الأوزاعى مرسلا. وله طريق أخرى في ترجمة أحمد بن محمود في تاريخ أصبهان لأبى نعيم بسنده إلى أنس.
وإسناده ساتط.
(٣) أخرجه مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمى في أثناء حديث.
(٤) أخرجه الدارقطني في الافراد من رواية الوليد بن الفضل عن عبد الله بن أبى حسين عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس به لكن قال «تزبره ـ بدل ـ وتنهره» والوليد اتهمه ابن حبان بالوضع لكن تابعه طلحة ابن عمرو عن عطاء أخرجه الثعلبي من طريق عقبة بن مجالد عن حبان بن على عن طلحة وهذا إسناد ضعيف.
فلا عليك أن تزبره» (١) وقيل : أما إنه ليس بالسائل المستجدي ، ولكن طالب العلم : إذا جاء فلا تنهره. التحديث بنعمة الله : شكرها وإشاعتها. يريد : ما ذكره من نعمة الإيواء والهداية والإغناء وما عدا ذلك. وعن مجاهد : بالقرآن ، فحدث : أقرئه ، وبلغ ما أرسلت به. وعن عبد الله بن غالب أنه كان إذا أصبح يقول : رزقني الله البارحة خيرا : قرأت كذا وصليت كذا ، فإذا قيل له : يا أبا فراس مثلك يقول مثل هذا؟ قال : يقول الله تعالى (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) وأنتم تقولون : لا تحدث بنعمة الله. وإنما يجوز مثل هذا إذا قصد به اللطف ، وأن يقتدى به غيره ، وأمن على نفسه الفتنة. والستر أفضل. ولو لم يكن فيه إلا التشبه بأهل الرياء والسمعة : لكفى به. وفي قراءة على رضى الله عنه : فخبر. والمعنى : أنك كنت يتيما ، وضالا ، وعائلا ، فآواك الله ، وهداك : وأغناك ، فمهما يكن من شيء وعلى ما خيلت فلا تنس نعمة الله عليك في هذه الثلاث. واقتد بالله ، فتعطف على اليتيم وآوه ، فقد ذقت اليتم وهو انه ، ورأيت كيف فعل الله بك ، وترحم على السائل وتفقده بمعروفك ولا تزجره عن بابك ، كما رحمك ربك فأغناك بعد الفقر ، وحدّث بنعمة الله كلها ، ويدخل تحته هدايته الضلال ، وتعليمه الشرائع والقرآن ، مقتديا بالله في أن هداه من الضلال.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة والضحى جعله الله فيمن يرضى لمحمد أن يشفع له وعشر حسنات يكتبها الله له بعدد كل يتيم وسائل» (٢).
__________________
ـ وأخرجه ابن مردويه من رواية أحمد بن أبى طيبة عن حيان فقال : عن أبى هريرة ـ بدل ابن عباس. وله طريق أخرى. أخرجها عبد الغنى بن سعيد في إيضاح الاشكال من رواية وهب بن زمعة عن هشام بن وهب أبى البختري القاضي. وهو كذاب.
(١) قوله «فلا عليك أن تزبره» تزبره : أى تزجره وتمنعه. أفاده الصحاح. (ع)
(٢) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.
سورة الشرح
مكية ، وآياتها ٨ «نزلت بعد الضحى»
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ)(٤)
استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار ، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه ، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك ، ولذلك عطف عليه : وضعنا : اعتبارا للمعنى. ومعنى : شرحنا صدرك : فسحناه حتى وسع عموم النبوّة ودعوة الثقلين جميعا. أو حتى احتمل المكاره التي يتعرض (١) لك بها كفار قومك وغيرهم : أو فسحناه بما أودعناه من العلوم والحكم ، وأزلنا عنه الضيق والحرج الذي يكون مع العمى والجهل. وعن الحسن : مليء حكمة وعلما. وعن أبى جعفر المنصور أنه قرأ : ألم نشرح لك ، بفتح الحاء. وقالوا : لعله بين الحاء وأشبعها في مخرجها ، فظنّ السامع أنه فتحها ، والوزر الذي أنقض ظهره ـ أى حمله على النقيض وهو صوت الانتقاض والانفكاك لثقله ـ مثل لما كان يثقل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغمه من فرطاته قبل النبوّة. أو من جهله بالأحكام والشرائع. أو من تهالكه على إسلام أولى العناد من قومه وتلهفه. ووضعه عنه : أن غفر له ، أو علم الشرائع ، أو مهد عذره بعد ما بلغ وبلغ. وقرأ أنس : وحللنا ، وحططنا. وقرأ ابن مسعود : وحللنا عنك وقرك. ورفع ذكره : أن قرن بذكر الله في كلمة الشهادة والأذان والإقامة والتشهد والخطب ، وفي غير موضع من القرآن (وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) ، (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ) ، (وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) وفي تسميته رسول الله ونبى الله ، ومنه ذكره في كتب الأولين ، والأخذ على الأنبياء وأممهم أن يؤمنوا به. فإن قلت : أى فائدة في زيادة لك ، والمعنى مستقل بدونه (٢)؟ قلت : في زيادة لك ما في طريقة
__________________
(١) قوله «المكاره التي يتعرض لك» لعله تعرض بصيغة الماضي. (ع)
(٢) قال محمود : «إن قلت ما قائدة لك مع أن الاضافة تغنى عنها ... الخ»؟ قال أحمد : وقد تقدم عند الكلام على نظيرها في قوله : «قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمرى» قريب من هذا المعنى ، والله أعلم.
الإبهام والإيضاح ، كأنه قيل : ألم نشرح لك ، ففهم أن ثم مشروحا ، ثم قيل : صدرك ، فأوضح ما علم مبهما ، وكذلك (لَكَ ذِكْرَكَ) و (عَنْكَ وِزْرَكَ).
(فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)(٦)
فإن قلت : كيف تعلق قوله (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) بما قبله؟ قلت : كان المشركون يعيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالفقر والضيقة ، حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم ، فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم قال : (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) كأنه قال : خوّلناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله ، فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسرا. فإن قلت : (إِنَّ مَعَ) للصحبة ، فما معنى اصطحاب اليسر والعسر؟ قلت : أراد أن الله يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب ، فقرّب اليسر المترقب حتى جعله كالمقارن للعسر ، زيادة في التسلية وتقوية القلوب. فإن قلت : ما معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهما : لن يغلب عسر يسرين (١) وقد روى مرفوعا أنه خرج صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يضحك ويقول «لن يغلب عسر يسرين» (٢)؟ قلت : هذا عمل على الظاهر ، وبناء على قوّة الرجاء ، وأن موعد الله لا يحمل إلا على أو في ما يحتمله اللفظ وأبلغه ، والقول في أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريرا للأولى كما كرر قوله (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب ، وكما يكرر المفرد في قولك : جاءني زيد زيد ، وأن تكون الأولى عدة بأنّ العسر مردوف بيسر لا محالة ، والثانية عدة مستأنفة بأنّ العسر متبوع بيسر ، فهما يسران على تقدير الاستئناف ، وإنما كان العسر واحدا لأنه لا يخلو ، إما أن يكون تعريفه للعهد وهو العسر الذي كانوا فيه ، فهو هو ، لأنّ حكمه حكم زيد في قولك : إن مع زيد مالا ، إن مع زيد مالا. وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد فهو هو أيضا. وأما اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس ، فإذا كان الكلام الثاني متأنفا غير مكرر فقد تناول بعضا غير البعض الأوّل بغير إشكال. فإن قلت : فما المراد باليسرين؟ قلت : يجوز أن يراد بهما
__________________
(١) حديث ابن عباس : لم أجده. قلت : ذكره الفراء عن الكلبي عن ابن صالح عنه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن الحسن به مرسلا. ومن طريقه أخرجه الحاكم والبيهقي في الشعب. ورواه الطبري من طريق أبى ثور عن معمر. وله طريق أخرى أخرجها ابن مردويه من رواية عطية عن جابر موصولا. وإسناده ضعيف. وفي الباب عن عمر رضى الله عنه ذكره مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن أبيه «أن عمر بن الخطاب بلغه أن أبا عبيدة حضر بالشام فذكر القصة. وقال في الكتاب إليه : ولن يغلب عسر يسرين» ومن طريقه رواه الحاكم. وهذا أصح طرقه.
ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تيسر لهم في أيام الخلفاء (١) ، وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة ، كقوله تعالى (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) وهما حسنى الظفر وحسنى الثواب. فإن قلت ؛ فما معنى هذا التنكير؟ قلت : التفخيم ، كأنه قيل إن مع العسر يسرا عظيما وأىّ يسر ، وهو في مصحف ابن مسعود مرة واحدة. فإن قلت : فإذا ثبت في قراءته غير مكرر ، فلم قال : والذي نفسي بيده ، لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه ، إنه لن يغلب عسر يسرين (٢)؟ قلت : كأنه قصد باليسرين : ما في قوله (يُسْراً) من معنى التفخيم ، فتأوله بيسر الدارين ، وذلك يسران في الحقيقة.
(فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ)(٨)
فإن قلت : فكيف تعلق قوله (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) بما قبله؟ قلت : لما عدد عليه نعمه السالفة ووعده الآنفة ، بعثه على الشكر والاجتهاد في العبادة والنصب فيها ، وأن يواصل بين بعضها وبعض ، ويتابع ويحرص على أن لا يخلى وقتا من أوقاته منها. فإذا فرغ من عبادة ذنبها بأخرى. وعن ابن عباس : فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء. وعن الحسن : فإذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة. وعن مجاهد : فإذا فرغت من دنياك فانصب في صلاتك. وعن الشعبي : أنه رأى رجلا يشيل حجرا فقال : ليس بهذا أمر الفارغ ، وقعود الرجل فارغا من غير شغل أو اشتغاله بما لا يعنيه في دينه أو دنياه : من سفه الرأى وسخافة العقل واستيلاء الغفلة ، ولقد قال عمر رضى الله عنه : إنى لأكره أن أرى أحدكم فارغا سهلا لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة (٣). وقرأ أبو السمال : فرغت ـ بكسر الراء ـ وليست بفصيحة. ومن البدع : ما روى عن بعض الرافضة أنه قرأ فانصب بكسر الصاد ، أى فانصب عليا للإمامة ، ولو صح هذا للرافضى لصح الناصبي أن يقرأ هكذا ، ويجعله أمرا بالنصب (٤) الذي هو بغض علىّ وعداوته (وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) واجعل رغبتك إليه خصوصا ، ولا تسأل إلا فضله متوكلا عليه. وقرئ : فرغب أى : رغب الناس إلى طلب ما عنده.
عن النبي صلى الله عليه وسلم : «من قرأ ألم نشرح ، فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عنى» (٥)
__________________
(١) قوله «وما تيسر لهم في أيام الخلفاء» لعله : وما يتيسر ، بصيغة المضارع. (ع)
(٢) حديث ابن مسعود : أخرجه عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن ميمون أبى حمزة عن ابراهيم عن ابن مسعود قال : «لو كان العسر في جحر ضب لتبعه اليسر حتى يستخرجه : لن يغلب عسر يسرين».
(٣) لم أجده ، وقد روى أحمد وابن المبارك والبيهقي كلهم في الزهد وابن أبى شيبة من طريق المسيب بن رافع قال قال عبد الله بن مسعود «إنى لأمقت الرجل أراه فارغا ليس في شيء من عمل دنيا ولا آخرة».
(٤) قوله «بالنصب» في الصحاح : نصبت لفلان نصبا : إذا عاديته. (ع)
(٥) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بأسانيدهم إلى أبى بن كعب. ورواه سليم الزهري في البر عنه مرسلا.
سورة التين
مكية ، وآياتها ٨ [نزلت بعد البروج]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) (٨)
أقسم بهما لأنهما عجيبان من بين أصناف الأشجار المثمرة ، وروى أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه : «كلوا ، فلو قلت إنّ فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه ، لأنّ فاكهة الجنة بلا عجم ، فكلوها. فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس» (١) ومرّ معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيبا واستاك به وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة (٢)» وسمعته يقول «هي سواكي وسواك الأنبياء قبلي» وعن ابن عباس رضى الله عنه : هو تينكم هذا وزيتونكم. وقيل : جبلان من الأرض المقدّسة يقال لهما بالسريانية : طور تينا وطور زيتا ، لأنهما منبتا التين والزيتون. وقيل «التين» جبال ما بين حلوان وهمدان. و «الزيتون» جبال الشام ، لأنها منابتهما ، كأنه قيل : ومنابت التين والزيتون. وأضيف الطور : وهو الجبل ، إلى سينين : وهي البقعة. ونحو سينون : يبرون ، في جواز الإعراب بالواو والياء ، والإقرار على الياء ، وتحريك النون بحركات الإعراب. وللبلد : مكة حماها الله. والأمين : من أمن الرجل أمانة فهو أمين. وقيل : أمان ، كما قيل : كرام في كريم. وأمانته : أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول ، من أمنه لأنه مأمون الغوائل ،
__________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الطب. والثعلبي من حديث أبى ذر. وفي إسناده من لا يعرف.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط والثعلبي من حديث معاذ بن جبل ، وإسناده واه.
كما وصف بالأمن في قوله تعالى (حَرَماً آمِناً) بمعنى : ذى أمن. ومعى القسم بهذه الأشياء. الإبانة عن شرف البقاع المباركة وما ظهر فيها من الخير والبركة بسكنى الأنبياء والصالحين ، فمنبت التين والزيتون مهاجر إبراهيم ومولد عيسى ومنشؤه. والطور : المكان الذي نودي منه موسى. ومكة : مكان البيت الذي هو هدى للعالمين ، ومولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبعثه (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية لأعضائه. ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية : أن رددناه أسفل من سفل خلقا وتركيبا ، يعنى : أقبح من قبح صورة وأشوهه خلقة ، وهم أصحاب النار أو أسفل من سفل من أهل الدركات. أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل : حيث نكسناه في خلقه ، فقوّس ظهره بعد اعتداله ، وابيض شعره بعد سواده ، وتشنن (١) جلده وكان بضا ، وكلّ سمعه وبصره وكانا حديدين ، وتغير كل شيء منه : فمشيه دليف (٢) ، وصوته خفات ، وقوته ضعف ، وشهامته خرف (٣) وقرأ عبد الله : أسفل السافلين. فإن قلت : فكيف الاستثناء على المذهبين؟ قلت : هو على الأول متصل ظاهر الاتصال ، وعلى الثاني منقطع. يعنى : ولكن الذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم غير منقطع على طاعتهم وصبرهم على ابتلاء الله بالشيخوخة والهرم ، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة على تخاذل نهوضهم. فإن قلت : (فَما يُكَذِّبُكَ) من المخاطب به؟ قلت : هو خطاب للإنسان على طريقة الالتفات ، أى : فما يجعلك كاذبا بسبب الدين وإنكاره بعد هذا الدليل ، يعنى أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء ، لأنّ كل مكذب بالحق فهو كاذب ، فأىّ شيء يضطرك إلى أن تكون كاذبا بسبب تكذيب الجزاء. والباء مثلها في قوله تعالى (الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) والمعنى : أنّ خلق الإنسان من نطفة ، وتقويمه بشرا سويا وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي ، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر : لا ترى دليلا أوضح منه على قدرة الخالق ، وأن من قدر من الإنسان على هذا كله : لم يعجز عن إعادته ، فما سبب تكذيبك أيها الإنسان بالجزاء بعد هذا الدليل القاطع. وقيل : الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم (أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) وعيد للكفار ، وأنه يحكم عليهم بما هم
__________________
(١) قوله «وتشنن جلده» في الصحاح التشنن : التشيخ واليبس في جلد الإنسان ، والضاضة : رقة الجلد ورخوصته. (ع)
(٢) قوله «فمشبه دليف» أى مشى رويد متقارب الخطو. (ع)
(٣) قوله «وشهامته خوف» لعله : خوف. (ع)
أهله. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان إذا قرأها قال : «بلى وأنا على ذلك من الشاهدين» (١). عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة والتين أعطاه الله خصلتين : العافية واليقين ما دام في دار الدنيا ، وإذا مات أعطاه الله من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة» (٢).
سورة العلق
مكية ، وآياتها ١٩ [وهي أول ما نزل من القرآن]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ)(٥)
عن ابن عباس ومجاهد : هي أول سورة نزلت «وأكثر المفسرين على أن الفاتحة أول ما نزل ثم سورة القلم. محل (بِاسْمِ رَبِّكَ) النصب على الحال ، أى : اقرأ مفتتحا باسم ربك قل بسم الله ، ثم اقرأ. فإن قلت : كيف قال (خَلَقَ) فلم يذكر له مفعولا ، ثم قال (خَلَقَ الْإِنْسانَ)؟ قلت : هو على وجهين : إما أن لا يقدر له مفعول وأن يراد أنه الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه. وإما أن يقدر ويراد خلق كل شيء ، فيتناول كل مخلوق ، لأنه مطلق ، فليس بعض المخلوقات أولى بتقديره من بعض. وقوله : (خَلَقَ الْإِنْسانَ) تخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله الخلق ، لأن التنزيل إليه وهو أشرف ما على الأرض. ويجوز أن يراد : الذي خلق الإنسان ، كما قال (الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ) فقيل : (الَّذِي خَلَقَ) مبهما ، ثم فسره بقوله (خَلَقَ الْإِنْسانَ) تفخيما لخلق الإنسان. ودلالة على عجيب فطرته. فإن قلت : لم قال (مِنْ عَلَقٍ) على الجمع ، وإنما خلق من علقة ، كقوله (مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ)؟ قلت : لأن
__________________
(١) أخرجه الحاكم عن أبى هريرة بالإسناد المتقدم في القيامة ورواه الطبري من رواية سعيد عن قتادة قال : ذكر لنا ـ فذكره.
(٢) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بأسانيدهم إلى أبى بن كعب.
الإنسان في معنى الجمع ، كقوله (إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ). (الْأَكْرَمُ) الذي له الكمال في زيادة كرمه على كل كرم ، ينعم على عباده النعم التي لا تحصى ، ويحلم عنهم فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه وركوبهم المناهي وإطراحهم الأوامر ، ويقبل توبتهم ويتجاوز عنهم بعد اقتراف العظائم ، فما لكرمه غاية ولا أمد ، وكأنه ليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرم ، حيث قال : الأكرم (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) فدلّ على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا ، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم ، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو ، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم ، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة ، ولو لا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا ، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ولطيف تدبيره ودليل إلا أمر القلم والخط ، لكفى به. ولبعضهم في صفة القلم :
|
ورواقم رقش كمثل أراقم |
|
قطف الخطا نيّالة أقصى المدى |
|
سود القوائم ما يجدّ مسيرها |
|
إلّا إذا لعبت بها بيض المدى (١) |
__________________
(١) للزمخشري رحمه الله تعالى في صفة الأقلام ، وكان حقه أن يذكر في حرف الدال ، لأن حروف الإطلاق وهي الألف والواو والياء الساكنات غير معتبرة في هذه الأبواب ، وإنما أخرناه ليكون جزاء للأقلام على عملها كما أن الأجير يوفى أجره بعد تمام عمله. والرواقم : جمع راقمة صفة للأقلام ، وهو مجرور برب المقدرة. وخبره قوله : كمثل أراقم. أو قطف الخطى ، والأظهر أن الخبر قوله : ما يجد مسيرها. وإسناد الرقم إليها مجاز عقلى ، لأنها آلته. والرقش : جمع أرقش. أو رقشاء : الحية المنقوشة الظهر. والأراقم ـ جمع أرقم الشعبان الذي فيه سواد وبياض. والقطف : جمع أقطف : وهو الذي يقارب بين خطاه. والخطى : جمع خطوة بالضم. والمدى ، بالفتح : يطلق على المسافة وعلى غايتها. والسود : جمع أسود أو سوداء. والقوائم : الأرجل. والجد بمعنى الاجتهاد أو ضد الهزل. والبيض : جمع بيضاء. والمدى ، بالضم : جمع مدية ، وهي الشفرة ، ثم إنه شبه انتقاش الأقلام بانتقاش الحيات ، فاستعار له الرقش على سبيل الاستعارة التصريحية ، وشبهها بالأراقم بجامع التلون والامتداد يمينا وشمالا وانشقاق لسان كل شعبتين وإلقائه اللعاب ، فالجامع مركب حسى. وقيل : إنه من قبيل تشبيه المركب المحسوس بالمركب المحسوس بجامع الهيئات التي تقع عليها الحركة. وكرر أداة التشبيه التوكيد ، ثم شبهها بالدواب السائرة على طريق المكنية ، بجامع التلون والتردد ، والذهاب والإياب ، والتوصل بكل إلى المراد ، وإثبات القطف والخطو والقوائم : تخييل. وقيل : يجوز أن هذا من قبيل تشبيه المركب بالمركب أيضا ، وهي وإن كان سيرها قليلا : تبلغ صاحبها مراده ، وإن كان بعيدا فنسبة النيل إليها مجاز عقلى ، لأنها آلته. وشبه المراد المعقول بالمقصد المحسوس ، وهو آخر المسافة بجامع الاحتياج في إدراك كل إلى أسباب ، فأقصى المدى : استعارة تصريحية : وهي ترشيح لتلك المكفية ، وقوائم الأقلام : ما دق وطال من أطرافها ، وهي سود دائما ، وإثبات الجد للمسير مبالغة كجد جده. وشبه المدى بما يصح منه اللعب على سبيل المكنية ، وإثبات اللعب تخييل هذا بيانه. وفيه من البديع بين الرواقم والأراقم شبه الاشتقاق ، وبين «قطف الخطى» «ونيالة أقصى المدى» شبه التضاد ، وبين السود والبيض ، وبين الجد واللعب : طباق التضاد ، وبين المسير ولعب المدى : شبه التضاد بحسب الظاهر ، ـ
وقرأ ابن الزبير : علم الخط بالقلم.
(كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى (١٤) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)(١٩)
(كَلَّا) ردع لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه ، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه (أَنْ رَآهُ) أن رأى نفسه. يقال في أفعال القلوب : رأيتنى وعلمتني ، وذلك بعض خصائصها. ومعنى الرؤية : العلم ، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين. و (اسْتَغْنى) هو المفعول الثاني (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى) واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان ، تهديدا له وتحذيرا من عاقبة الطغيان. والرجعى : مصدر كالبشرى بمعنى الرجوع. وقيل : نزلت في أبى جهل ، وكذلك (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى) وروى أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أتزعم أن من استغنى طغى ، فاجعل لنا جبال مكة فضة وذهبا ، لعلنا نأخذ منها فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك ، فنزل جبريل فقال : إن شئت فعلنا ذلك ، ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة ، فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاة إبقاء عليهم (١). وروى عنه لعنه الله أنه قال : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا : نعم. قال : فو الذي يحلف به ، لئن رأيته توطأت عنقه ، فجاءه ثم نكص على عقبيه ، فقالوا له : مالك يا أبا الحكم ، فقال : إن بيني وبينه لخندقا من نار وهو لا وأجنحة ، فنزلت (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى) ومعناه : أخبرنى عمن ينهى بعض عباد الله عن صلاته إن كان ذلك الناهي على طريقة سديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله. أو كان آمرا بالمعروف والتقوى فيما بأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد ، وكذلك إن كان على التكذيب للحق والتولي عن الدين الصحيح ، كما نقول نحن (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى)
__________________
ـ لأن المدى تبطل سير الحيوان إذا لعبت بقوائمه ، لكنه مناسب للأقلام. وبين المدى والمدى : الجناس المحرق ، وهذا مما يدل على أن المصنف رحمه الله وعمه برضاه : كان من مفلقى سحرة البيان ، الحائزين قصيات السبقى في هذا الميدان.
(١) لم أجده. قلت : وآخره تقدم في الاسراء بغير هذا السياق.
ويطلع على أحواله من هداه وضلاله ، فيجازيه على حسب ذلك. وهذا وعيد. فإن قلت : ما متعلق أرأيت؟ قلت : الذي ينهى مع الجملة الشرطية ، وهما في موضع المفعولين. فإن قلت : فأين جواب الشرط؟ قلت : هو محذوف ، تقديره : إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ، ألم يعلم بأن الله يرى. وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني. فإن قلت : فكيف صح أن يكون (أَلَمْ يَعْلَمْ) جوابا للشرط؟ قلت : كما صح في قولك : إن أكرمتك أتكرمني؟ وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟ فإن قلت : فما أرأيت الثانية وتوسطها بين مفعول أرأيت؟ قلت : هي زائدة مكرّرة للتوكيد. وعن الحسن أنه أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة (كَلَّا) ردع لأبى جهل وخسوء له عن نهيه عن عبادة الله تعالى وأمره بعبادة اللات ، ثم قال (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ) عما هو فيه (لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ) لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع : القبض على الشيء وجذبه بشدّة. قال عمرو بن معديكرب :
|
قوم إذا يقع الصّريخ رأيتهم |
|
من بين ملجم مهره أو سافع (١) |
وقرئ : لنسفعنّ ، بالنون المشدّدة. وقرأ ابن مسعود ، لأسفعا. وكتبتها في المصحف بالألف على حكم الوقف ، ولما علم أنها ناصية المذكور : اكتفى بلام العهد عن الإضافة (ناصِيَةٍ) بدل من الناصية ، وجاز بدلها عن المعرفة ، وهي نكرة ، لأنها وصفت فاستقلت بفائدة. وقرئ : ناصية ، على : هي ناصية. وناصية بالنصب. وكلاهما على الشتم. ووصفها بالكذب والخطأ على الإسناد المجازى. وهما في الحقيقة لصاحبها. وفيه من الحسن والجزالة ما ليس في قولك : ناصية كاذب خاطئ. والنادي : المجلس الذي ينتدى فيه القوم. أى يجتمعون. والمراد : أهل النادي. كما قال جرير :
لهم مجلس صهب السّبال أذلّة (٢)
__________________
(١) لحميد بن ثور الهلالي الصحابي ، أى : هم قوم إذا نفع الصريخ ، أى : ارتفع الصياح للحرب أسرعوا إليها فتراهم دائرين بين ملجم مهره وسافع ، أى : قابض بناصية مهره ، ويجذبه إليه بسرعة. ومن زائدة ، ولو كانت في الإثبات. وأو بمعنى الواو. ويروى : إذا يقع بالياء ، أى : يحصل. ويروى : إذا هتف ، أى : صاح ، فيكون كجد جده. ويجوز أن الصريخ بمعنى الصارخ. ويروى : إذا سمعوا الصريخ فهو مفعول. ويروى : ما بين ملجم. وهذا مما يؤيد أن «من» في تلك الرواية زائدة.
|
(٢) لهم مجلس صهب السبال أذلة |
|
على من يعاديهم أشداء فاعلم |
يقول : لهم مجلس يجتمعون فيه. أو لهم قوم مجتمعون جالسون ، ولا ترى ذلك إلا في الرؤساء الأشراف. وصهب للسبال : صفة لمرجع الضمير في لهم على الأول ، وصفة لمجلس على الثاني ، لأنه بمعنى الجالسين. والصهبة : حمرة ترهق السواد. والصهب : جمع أصهب. والسال : طرف الشارب جانب الفم ، وتلك الصهبة من خواص الروم ، ـ
وقال زهير :
وفيهم مقامات حسان وجوههم
والمقامة : المجلس. روى أن أبا جهل من برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى فقال : ألم أنهك؟ فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أتهدّدنى وأنا أكثر أهل الوادي ناديا (١) ، فنزلت. وقرأ ابن أبى عبلة : سيدعى الزبانية ، على البغاء للمفعول ، والزبانية في كلام العرب : الشرط ، الواحد : زبنية ، كعفرية ، من الزبن : وهو الدفع. وقيل : زبنى ، وكأنه نسب إلى الزبن ، ثم غير للنسب ، كقولهم أمسى ، وأصله : زبانى ، فقيل. زبانية على التعويض ، والمراد : ملائكة العذاب. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : «لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا (٢)» (كَلَّا) ردع لأبى جهل (لا تُطِعْهُ) أى اثبت على ما أنت عليه من عصيانه ، كقوله (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ). (وَاسْجُدْ) ودم على سجودك ، يريد : الصلاة (وَاقْتَرِبْ) وتقرّب إلى ربك. وفي الحديث : «أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد» (٣).
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، «من قرأ سورة العلق أعطى من الأجر كأنما قرأ المفصل كله (٤)»
__________________
ـ وهو كناية عن الغلظة والشدة ، وأذلة : أى فيما بينهم أشداء على من يعاديهم. وقدم المعمول للحصر ، فاعلم ذلك وتيقنه فهو حق. ويروى بدل الشطر الثاني :
سواسية أحرارها وعبيدها
وسواسية كطواعية جمع سواء على غير قياس. وقيل : اسم جمع بمعنى مستوين. يعنى : أنهم مستوون في الشرف وكمال الأخلاق ، ولو لا مقام المدح لكان من قبيل التوجيه ، لاحتماله لوجه الذم أيضا. وأما إن قرئ بالكسر والتشديد ، فهو منسوب السواس وهو التمرين على حسن السير ، يعنى أن جميعهم رؤساء ، ولكن الأول أوجه. ومنه الحديث : «الناس سواسية لا فضل لعربي على عجمى إلا بالتقوى» كما في ترجمة شرح القاموس.
(١) أخرجه الطبري وابن مردويه بهذا وأتم منه. وهو عند الترمذي والنسائي والحاكم وأحمد وابن أبى شيبة والبزار كلهم من رواية أبى خالد الأحمر عن داود بن أبى هند عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما. قلت : وأصله في صحيح البخاري.
(٢) أخرجه البخاري والنسائي من رواية معمر عن عبد الكريم الحريري عن عكرمة عن ابن عباس به. وهو الذي قبله من قول ابن عباس رضى الله عنهما.
(٣) أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة بلفظ «وهو ساجد».
(٤) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بأسانيدهم إلى أبى بن كعب.
سورة القدر
مكية ، وقيل مدنية ، وآياتها ٥ [نزلت بعد عبس]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)(٥)
عظم القرآن من ثلاثة أوجه : أحدها : أن أسند إنزاله إليه وجعله مختصا به دون غيره: والثاني. أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه ، والثالث : الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه. روى أنه أنزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. وأملاه جبريل على السفرة ، ثم كان ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة. وعن الشعبي : المعنى إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر واختلفوا في وقتها فأكثرهم على أنها في شهر رمضان في العشر الأواخر في أوتارها ، وأكثر القول أنها السابعة منها ، ولعل الداعي إلى إخفائها أن يحيى من يريدها الليالي الكثيرة : طلبا لموافقتها ، فتكثر عبادته ويتضاعف ثوابه ، وأن لا يتكل الناس عند إظهارها على إصابة الفضل فيها فيفرطوا في غيرها. ومعنى ليلة القدر : ليلة تقدير الأمور وقضائها ، من قوله تعالى (فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) وقيل سميت بذلك لخطرها وشرفها على سائر الليالي (وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ) يعنى : ولم تبلغ درايتك غاية فضلها ومنتهى علو قدرها ، ثم بين ذلك بأنها خير من ألف شهر ، وسبب ارتقاء فضلها إلى هذه الغاية ما يوجد فيها من المصالح الدينية التي ذكرها : من تنزل الملائكة والروح ، وفصل كل أمر حكيم ، وذكر في تخصيص هذه المدّة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من بنى إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر ، فعجب المؤمنون من ذلك ، وتقاصرت إليهم أعمالهم ، فأعطوا ليلة هي خير من مدّة ذلك الغازي (١). وقيل : إنّ الرجل فيما مضى ما كان يقال له عابد حتى يعبد الله ألف شهر ، فأعطوا
__________________
(١) أخرجه ابن أبى حاتم وغيره من طريق ابن خالد عن ابن أبى نجيح عن مجاهد به مرسلا دون قوله «وتقاصرت إليهم أعمالهم».
ليلة إن أحيوها كانوا أحق بأن يسموا عابدين من أولئك العباد (تَنَزَّلُ) إلى السماء الدنيا ، وقيل : إلى الأرض (وَالرُّوحُ) جبريل. وقيل : خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) أى تتنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل. وقرئ : من كل امرئ ، أى : من أجل كل إنسان. قيل : لا يلقون مؤمنا ولا مؤمنة إلا سلموا عليه في تلك الليلة (سَلامٌ هِيَ) ما هي إلا سلامة ، أى : لا يقدر الله فيها إلا السلامة والخير ، ويقضى في غيرها بلاء وسلامة. أو : ما هي إلا سلام لكثرة ما يسلمون على المؤمنين. وقرئ : مطلع ، بفتح اللام وكسرها.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة القدر أعطى من الأجر كمن صام رمضان وأحيا ليلة القدر (١)».
سورة البينة
مكية ، وقيل : مدنية ، وآياتها ٨ [نزلت بعد الطلاق]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ
__________________
(١) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بسندهم إلى أبى بن كعب.
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ)(٨)
كان الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبدة الأصنام يقولون قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم : لا ننفك مما نحن عليه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه ثم قال (وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) يعنى أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق : إذا جاءهم الرسول ، ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرهم على الكفر إلا مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم ، ونظيره في الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه : لست بمنفك مما أنا فيه حتى يرزقني الله الغنى ، فيرزقه الله الغنى فيزداد فسقا ، فيقول واعظه : لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر ، وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار : يذكره ما كان يقوله توبيخا وإلزاما. وانفكاك الشيء من الشيء. أن يزايله بعد التحامه به ، كالعظم إذا انفك من مفصله ، والمعنى : أنهم متشبثون بدينهم لا يتركونه إلا عند مجيء البينة. و (الْبَيِّنَةُ) الحجة الواضحة (١). و (رَسُولٌ) بدل من البينة. وفي قراءة عبد الله : رسولا ، حالا من البينة (صُحُفاً) قراطيس (مُطَهَّرَةً) من الباطل (فِيها كُتُبٌ) مكتوبات (قَيِّمَةٌ) مستقيمة ناطقة بالحق والعدل ؛ والمراد بتفرقهم : تفرقهم عن الحق وانقشاعهم عنه. أو تفرقهم فرقا ، فمنهم من آمن ، ومنهم من أنكر وقال : ليس به ، ومنهم من عرف وعاند. فإن قلت : لم جمع بين أهل الكتاب والمشركين أوّلا ثم أفرد أهل الكتاب في قوله (وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ)؟ قلت : لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم ، فإذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف (وَما أُمِرُوا) يعنى في التوراة والإنجيل إلا بالدين الحنيفي ، ولكنهم حرفوا وبدلوا (وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) أى دين الملة القيمة. وقرئ : وذلك الدين القيمة ، على تأويل الدين بالملة. فإن قلت : ما وجه قوله (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ)؟ قلت : معناه : وما أمروا بما في الكتابين إلا لأجل أن يعبدوا الله على هذه الصفة. وقرأ ابن مسعود : إلا أن يعبدوا ، بمعنى : بأن يعبدوا. قرأ نافع : البريئة
__________________
(١) قوله «والبينة الحجة الواضحة» في نسخة بدل «والبينة» : القرآن ، (أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى) ورسول من الله : جبريل صلوات الله عليه ، وهو التالي للصحف المطهرة المنتسخة من اللوح التي ذكرت في سورة عبس ، ولا بد من مضاف محذوف وهو الوحى. ويجوز أن يراد النبي صلى الله عليه وسلم. فان قلت : كيف نسبة تلاوة الصحف المطهرة إليه وهو أمى؟ قلت : إذا تلا مثل المذكور فيها كان تاليا لها .... (ع)
بالهمز ، والقرّاء على التخفيف. والنبىّ ، والبرية : مما استمر الاستعمال على تخفيفه ورفض الأصل وقرئ : خيار البرية : جمع خير ، كجياد وطياب : في جمع جيد وطيب.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ لم يكن كان يوم القيامة مع خير البرية مساء ومقبلا (١)».
سورة الزلزلة
مدنية وقيل مكية ، وآياتها ٨ [نزلت بعد النساء]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)(٨)
(زِلْزالَها) قرئ بكسر الزاى وفتحها ، فالمكسور مصدر ، والمفتوح : اسم ، وليس في الأبنية فعلال بالفتح إلا في المضاعف. فإن قلت : ما معنى زلزالها بالإضافة؟ قلت : معناه زلزالها الذي تستوجبه في الحكمة ومشيئة الله ، وهو الزلزال الشديد الذي ليس بعده. ونحوه قولك : أكرم التقىّ إكرامه ، وأهن الفاسق إهانته ، تريد : ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة أو زلزالها كله وجميع ما هو ممكن منه. الأثقال : جمع (٢) ثقل. وهو متاع البيت ، وتحمل أثقالكم جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالا لها (وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها) زلزلت هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها ، وذلك عند النفخة الثانية حين تزلزل وتلفظ أمواتها أحياء ، فيقولون ذلك
__________________
(١) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بسندهم إلى أبى بن كعب.
(٢) قوله «جمع ثقل وهو متاع» في الصحاح «الثقل» : واحد الأثقال ، مثل حمل وأحمال. والثقل ـ بالتحريك متاع المسافر وحشمه. (ع)
لما يبهرهم من الأمر الفظيع ، كما يقولون : (مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا). وقيل : هذا قول الكافر ، لأنه كان لا يؤمن بالبعث ، فأما المؤمن فيقول : هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون. فإن قلت : ما معنى تحديث الأرض والإيحاء لها؟ قلت : هو مجاز عن إحداث الله تعالى فيها من الأحوال ما يقوم مقام التحديث بالنسيان ، حتى ينظر من يقول مالها إلى تلك الأحوال ، فيعلم لم زلزلت ولم لفظت الأموات؟ وأنّ هذا ما كانت الأنبياء ينذرونه ويحذرون منه. وقيل : ينطقها الله على الحقيقة. وتخبر بما عمل عليها من خير وشر. وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها (١). فإن قلت : (إِذا) ، و (يَوْمَئِذٍ) : ما ناصبهما؟ قلت : (يَوْمَئِذٍ) : بدل من (إِذا) ، وناصبهما (تُحَدِّثُ). ويجوز أن ينتصب (إِذا) بمضمر ، و (يَوْمَئِذٍ) بتحدث. فإن قلت : أين مفعولا (تُحَدِّثُ)؟ قلت : قد حذف أوّلهما ، والثاني أخبارها ، وأصله تحدث الخلق أخبارها ، إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيما لليوم. فإن قلت : بم تعلقت الباء في قوله (بِأَنَّ رَبَّكَ)؟ قلت ، بتحدّث ، معناه : تحدّث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها ، وأمره إياها بالتحديث. ويجوز أن يكون المعنى : يومئذ تحدث بتحديث أنّ ربك أوحى لها أخبارها ، على أن تحديثها بأن ربك أوحى لها : تحديث بأخبارها ، كما تقول:نصحتني كل نصيحة ، بأن نصحتني في الدين. ويجوز أن يكون (بِأَنَّ رَبَّكَ) بدلا من (أَخْبارَها) كأنه قيل : يومئذ تحدث بأخبارها بأن ربك أوحى لها ، لأنك تقول : حدثته كذا وحدثته بكذا. و (أَوْحى لَها) بمعنى أوحى إليها ، وهو مجاز كقوله (أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) قال :
أوحى لها القرار فاستقرّت (٢)
وقرأ ابن مسعود : تنبئ أخبارها ، وسعيد بن جبير : تنبئ ، بالتخفيف. يصدرون عن مخارجهم من القبور إلى الموقف (أَشْتاتاً) بيض الوجوه آمنين ، وسود الوجوه فزعين. أو يصدرون عن الموقف أشتاتا يتفرق بهم طريقا الجنة والنار ، ليروا جزاء أعمالهم. وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم : ليروا بالفتح. وقرأ ابن عباس وزيد بن على : يره ، بالضم. ويحكى أنّ أعرابيا أخر (خَيْراً يَرَهُ) فقيل له ، قدّمت وأخرت ، فقال :
__________________
(١) أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم من رواية ابن أيوب عن يحيى عن أبى سليمان المنقري عن أبى هريرة. وسعيد ثقة. وخالفه رشدين بن سعد وهو ضعيف فقال : عن يحيى بن أبى سليمان عن أبى حازم بالسندين المذكورين عن أنس بن مالك. وأخرجه ابن مردويه.
(٢) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثالث صفحة ٧٥ فراجعه إن شئت اه مصححه.
|
خذا بطن هرشى أو قفاها فإنّه |
|
كلا جانبي هرشى لهنّ طريق (١) |
والذرّة : النملة الصغيرة ، وقيل «الذرّ» ما يرى في شعاع الشمس من الهباء. فإن قلت حسنات الكافر محبطة بالكفر ، وسيئات المؤمن معفوّة باجتناب الكبائر ، فما معنى الجزاء بمثاقيل الذرّ من الخير والشر (٢)؟ قلت : المعنى فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا : من فريق السعداء. ومن يعمل مثقال ذرّة شرا : من فريق الأشقياء ، لأنه جاء بعد قوله (يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً) ،
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. «من قرأ سورة إذا زلزلت أربع مرات كان كمن قرأ القرآن كله» (٣).
__________________
(١) روى أن أعرابيا أخر قوله تعالى (خَيْراً يَرَهُ) عما بعده ، فقيل : قدمت وأخرت ، فضرب ذلك البيت مثلا. وهرشى ـ كسكرى : ثنية في طريق مكة عند الجحفة ، أى : اسلكا أما تلك الثنية أو خلفها ، فانه أى :
الحال والشأن كل من جانبيها طريق للإبل التي تطلبانها ، وتكرير لفظ «هرشى» لتقريرها في ذهن السامع خوف غفلته عنها ، والمقام كان مقام هداية ، فحسن فيه ذلك.
(٢) قال محمود : «إن قلت حسنات الكافر محبطة بالكفر ... الخ» قال أحمد : السؤال مبنى على قاعدتين ، إحداهما : أن حسنات الكافر محبطة بالكفر ، وهذه فيها نظر ، فان حسنات الكافر محبطة ، أى : لا يثاب عليها ولا ينعم. وأما تخفيف العذاب بسببها ، فغير منكر ، فقد وردت به الأحاديث الصحيحة. وقد ورد أن حاتما يخفف الله عنه لكرمه ومعروفه ، وورد ذلك في حق غيره كأبى طالب أيضا ، فحينئذ لحسنات الكافر أثر ما في تخفيف العذاب ، فيمكن أن يكون المرئي هو ذلك الأثر ، والله أعلم. وأما القاعدة الثانية : وهي القول بأن اجتناب الكبائر يوجب تمحيص الصغائر ويكفرها عن المؤمن ، فمردود عند أهل السنة ؛ فان الصغائر عندهم حكمها في التكفير في حكم الكبائر : تكفر بأحد أمرين : إما بالتوبة النصوح المقبولة ، وإما بالمشية لا غير ذلك. وأما اجتناب الكبيرة عندهم فلا يوجب التكفير للصغيرة ، فالسؤال المذكور إذا ساقط عن أهل السنة ، ولكن الزمخشري التزم الجواب عنه الزموه على قاعدته الفاسدة ، والله الموفق.
(٣) أخرجه الثعلبي من حديث على بإسناد أهل البيت ، لكنه من رواية أبى القاسم الطائي. وهو ساقط وشاهده عند ابن أبى شيبة والبزار من رواية سلمة بن وردان عن أنس مرفوعا : إذا زلزلت تعدل ربع القرآن» وأخرجه ابن مردويه والواحدي باسناديهما إلى أبى بن كعب بلفظ «من قرأ إذا زلزلت أعطى من الأجر كمن قرأ القرآن.
سورة العاديات
مكية ، وقيل مدنية ، وآياتها ١١ [نزلت بعد العصر]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ)(١١)
أقسم بخيل الغزاة تعدو فتضبح. والضبح : صوت أنفاسها إذا عدون. وعن ابن عباس أنه حكاه فقال : أح أح. قال عنترة :
والخيل تكدح حين تضبح في حياض الموت ضبحا (١) وانتصاب ضبحا على : يضبحن ضبحا ، أو بالعاديات ، كأنه قيل : والضابحات ، لأن الضبح يكون مع العدو (٢). أو على الحال ، أى : ضابحات (فَالْمُورِياتِ) تورى نار الحباحب (٣)
__________________
(١) الكدح : الجد في العدو ، والضبح : إخراج النفس بصوت غير الصهيل والحمحمة. وحكاه ابن عباس في التفسير فقال : أح أح ، وشبه الموت بالسيل على طريق المكنية ، والحياض تخييل لذلك.
(٢) قال محمود : «أقسم بخيل الغزاة تعدو فتضبح والضبح صوت أنفاسها ... الخ» قال أحمد : ولم يذكر حكمة الإتيان بالفعل معطوفا على الاسم ، فنقول : إنما عطف (فَأَثَرْنَ) على الاسم الذي هو (الْعادِياتِ) وما بعده لأنها أسماء فاعلين ، تعطى معنى الفعل. وحكمة مجيء هذا المعطوف فعلا عن اسم فاعل : تصوير هذه الأفعال في النفس ، فان التصوير يحصل بإيراد الفعل بعد الاسم ، لما بينهما من التخالف : وهو أبلغ من التصوير بالأسماء المتناسقة ، وكذلك التصوير بالمضارع بعد الماضي ، وقد تقدمت له شواهد أقربها قول ابن معديكرب :
|
بأنى لقيت الغول تهوى |
|
بسهب كالصحيفة صحصحان |
|
فاضربها بلا دهش فخرت |
|
صريعا اليدين والجران |
(٣) قوله «توري نار الحباحب» الحباحب : اسم رجل بخيل كان لا يوقد إلا نارا ضعيفة مخافة الضيفان ، فضربوا به المثل حتى قالوا : نار الحباحب : لما تقدحه الخيل بحوافرها. اه من الصحاح. (ع)
وهي ما ينقدح من حوافرها (قَدْحاً) قادحات صاكات بحوافرها الحجارة. والقدح. الصك. والإيراء. إخراج النار. تقول. قدح فأورى ، وقدح فأصلد (١) ، وانتصب قدحا بما انتصب به ضبحا (فَالْمُغِيراتِ) تغير على العدو (صُبْحاً) في وقت الصبح (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) فهيجن بذلك الوقت غبارا (فَوَسَطْنَ بِهِ) بذلك الوقت ، أو بالنقع ، أى وسطن النقع الجمع. أو فوسطن ملتبسات به (جَمْعاً) من جموع الأعداء ، ووسطه بمعنى توسطه. وقيل : الضمير لمكان الغارة. وقيل : للعدو الذي دلّ عليه (وَالْعادِياتِ) ويجوز أن يراد بالنقع : الصياح ، من قوله عليه السلام «ما لم يكن نقع ولا لقلقة (٢)» وقول لبيد:
فمتى ينقع صراخ صادق (٣)
أى : فهيجن في المغار عليهم صياحا وجلبة (٤). وقرأ أبو حيوة : فأثرن بالتشديد ، بمعنى : فأظهرن به غبارا ، لأن التأثير فيه معنى الإظهار. أو قلب ثورن إلى وثرن ، وقلب الواو همزة. وقرئ : فوسطن بالتشديد للتعدية. والباء مزيدة للتوكيد ، كقوله (وَأُتُوا بِهِ) وهي مبالغة في وسطن. وعن ابن عباس : كنت جالسا في الحجر فجاء رجل فسألنى عن (الْعادِياتِ ضَبْحاً) ففسرتها بالخيل ، فذهب إلى علىّ وهو تحت سقاية زمزم فسأله وذكر له ما قلت ، فقال : ادعه لي ، فلما وقفت على رأسه قال : تفتي الناس بما لا علم لك به ، والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام بدر ،
__________________
(١) قوله «فأصلد» في الصحاح : صلد الزند ، إذا صوت ولم يخرج ثارا ، وأصلد الرجل : أى صلد زنده اه. (ع)
(٢) لم أجده مرفوعا. وإنما ذكره البخاري في الجنائز تعليقا عن عمر. قال «دعهن يبكين على أبى سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة» قال : والنقع التراب على الرأس واللقلقة الصوت. ووصله عبد الرزاق والحاكم وابن سعد وأبو عبيد والحربي في الغريب كلهم من طريق الأعمش عن أبى وائل قال «وقيل لعمر : إن نسوة من بنى المغيرة قد اجتمعن في دار خالد بن الوليد يبكين عليه. وإنا نكره أن يؤذينك. فلو نهيتهن فقال : ما عليهن أن يهرقن من دموعهن على أبى سليمان ـ سجلا أو سجلين ما لم يكن نقع أو لقلقة» وفي رواية ابن سعد قال : وكيع : النقع الشق. واللقلقة الصوت. وقال بعضهم : رفع التراب على الرأس وشق الجيوب. وأما اللقلقة فهي شدة الصوت.
ولم أسمع فيه خلافا. وقال الحربي عن الأصمعي. النقع الصياح. وعن أبى سلمة هو وضع التراب على الرأس.
|
(٣) فمتى ينقع صراخ صادق |
|
جلبوه ذات جرس وزجل |
للبيد بن ربيعة. وجلب على فرسه وأجلب : إذا صاح به وحثه على السبق. وجلب بالتشديد ـ : صوت. والجرس الصوت الخفي. والزجل : صوت كدوي النحل. يقول : فمنى يرتفع صراخ للحرب صادق صرخوه ذات جرس ، أى : كتيبة ذات جرس ، وهو بدل من فاعل جلبوه. أو جاء على لغة أكلونى البراغيث. والمعنى : أن الصوت المنخفض ملازم لها ، بخلاف المرتفع. ويجوز أن «جلبوه» جواب الشرط. ويجوز أنه صفة صراخ ، وجواب الشرط فيما بعده ، وهو أقرب من الأول.
(٤) قوله «صباحا وجلبة» في الصحاح : الجلب والجلبة : الأصوات. (ع)
وما كان معنا إلا فرسان : فرس للزبير وفرس للمقداد (الْعادِياتِ ضَبْحاً) الإبل من عرفة إلى المزدلفة ، ومن المزدلفة إلى منى (١) ، فإن صحت الرواية فقد استعير الضبح للإبل ، كما استعير المشافر والحافر للإنسان ، والشفتان للمهر ، والثفر للثورة (٢) وما أشبه ذلك. وقيل الضبح لا يكون إلا للفرس والكلب والثعلب. وقيل : الضبح بمعنى الضبع ، يقال : ضبحت الإبل وضبعت : إذا مدت أضباعها في السير ، وليس بثبت. وجمع : هو المزدلفة. فإن قلت: علام عطف (فَأَثَرْنَ)؟ قلت : على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه ، لأنّ المعنى: واللاتي عدون فأورين ، فأغرن فأثرن. الكنود : الكفور. وكند النعمة كنودا. ومنه سمى : كندة ، لأنه كند أباه ففارقه. وعن الكلبي : الكنود بلسان كندة : العاصي ، وبلسان بنى مالك : البخيل ، وبلسان مضر وربيعة : الكفور ، يعنى : أنه لنعمة ربه خصوصا لشديد الكفران ، لأن تفريطه في شكر نعمة غير الله تفريط قريب لمقاربة النعمة ، لأن أجلّ ما أنعم به على الإنسان من مثله نعمة أبويه ، ثم إن عظماها في جنب أدنى نعمة الله قليلة ضئيلة (وَإِنَّهُ) وإنّ الإنسان (عَلى ذلِكَ) على كنوده (لَشَهِيدٌ) يشهد على نفسه ولا يقدر أن يجحده لظهور أمره. وقيل : وإنّ الله على كنوده لشاهد على سبيل الوعيد (الْخَيْرِ) المال من قوله تعالى (إِنْ تَرَكَ خَيْراً) والشديد : البخيل الممسك. يقال : فلان شديد ومتشدّد. قال طرفة :
|
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى |
|
عقيلة مال الفاحش المتشدد (٣) |
يعنى : وإنه لأجل حب المال وأن إنفاقه يثقل عليه : لبخيل ممسك. أو أراد بالشديد : القوى ، وأنه لحب المال وإيثار الدنيا وطلبها قوى مطيق ، وهو لحب عبادة الله وشكر نعمته ضعيف متقاعس. تقول : هو شديد لهذا الأمر ، وقوىّ له : إذا كان مطيقا له ضابطا. أو أراد : أنه لحب الخيرات غير هش منبسط ، ولكنه شديد منقبض (بُعْثِرَ) بعث. وقرئ: بحثر ، وبحث. وبحثر ، وحصل : على بنائهما للفاعل. وحصل : بالتخفيف. ومعنى (حُصِّلَ) جمع في
__________________
(١) أخرجه الطبري والحاكم من رواية أبى صخر عن أبى معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وأخرجه الثعلبي وابن مردويه من هذا الوجه.
(٢) قوله «للمهر والثفر الثورة» الثفر السباع كالحياء للناقة ، وربما استعير بغيرها. والثورة : تأنيث الثور. قال الأخطل :
|
جزى الله عنا الأعورين ملاحة |
|
وفروة ثفر الثور المتضاجم |
وفروة : اسم رجل. والمتضاجم : المعوج الفم اه من هامش. (ع)
(٣) لطرفة بن العبد في معلقته. واعتام يعتام اعتياما : اختار اختيارا. والعقيلة من كل شيء : أكرمه. يقول : أرى الموت يختار الكرام فيأخذها ، ويصطفى أعز مال البخيل الشديد الإمساك فيبقيه. وقيل : فيأخذه أيضا.
الصحف ، أى : أظهر محصلا مجموعا. وقيل : ميز بين خيره وشره. ومنه قيل للمنخل : المحصل. ومعنى علمه بهم يوم القيامة : مجازاته لهم على مقادير أعمالهم ، لأنّ ذلك أثر خبره بهم. وقرأ أبو السمال : إنّ ربهم بهم يومئذ خبير.
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «من قرأ سورة والعاديات أعطى من الأجر عشر حسنات بعدد من بات بالمزدلفة وشهد جمعا» (١).
سورة القارعة
مكية ، وآياتها ١١ [نزلت بعد قريش]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ)(١١)
الظرف نصب بمضمر دلت عليه القارعة ، أى : تقرع (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ) شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة ، والتطاير إلى الداعي من كل جانب ، كما يتطاير الفراش إلى النار. قال جرير :
|
إنّ الفرزدق ما علمت وقومه |
|
مثل الفراش غشين نار المصطلى (٢) |
__________________
(١) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بسندهم إلى أبى بن كعب.
(٢) لجرير. وما علمت : أى مدة علمى ، أو في علمى. وهذا من الانصاف في المحاورة. والفراش : ما يتطاير إلى السراج ، وربما مات فيه لحمقه. والمصطلى : المتدفئ بالنار : شبههم به في الذل والجهل والتطفل على الغير ، كما يغشى الفراش رأس المصطلى ويحوم حولها. وربما ألقى بنفسه إلى النار ، مهم مثله.
وفي أمثالهم : أضعف من فراشة وأذل وأجهل. وسمى فراشا : لتفرّشه وانتشاره. وشبه الجبال بالعهن وهو الصوف المصبغ ألوانا ، لأنها ألوان ، وبالمنفوش منه ، لتفرق أجزائها. وقرأ ابن مسعود : كالصوف. الموازين : جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله. أو جمع ميزان. وثقلها : رجحانها. ومنه حديث أبى بكر لعمر رضى الله عنهما في وصيته له : «وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقلها في الدنيا ، وحق لميزان لا توضع فيه إلا الحسنات أن يثقل ، وإنما خفت موازين من خفت موازينه لاتباعهم الباطل وخفتها في الدنيا ، وحق لميزان لا توضع فيه إلا السيئات أن يخف (١)» (فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ) من قولهم إذا دعوا على الرجل بالهلكة (٢) : هوت أمّه ، لأنه إذا هوى أى سقط وهلك ، فقد هوت أمّه ثكلا وحزنا قال :
|
هوت أمّه ما يبعث الصّبح غاديا |
|
وما ذا يردّ اللّيل حين يئوب (٣) |
فكأنه قيل. وأما من خفت موازينه فقد هلك. وقيل (هاوِيَةٌ) من أسماء النار ، وكأنها النار العميقة لهوى أهل النار فيها مهوى بعيدا ، كما روى «يهوى فيها سبعين خريفا (٤)» أى فمأواه النار. وقيل للمأوى : أمّ ، على التشبيه ، لأنّ الأمّ مأوى الولد ومفزعه. وعن قتادة : فأمّه هاوية ، أى فأمّ رأسه هاوية في قعر جهنم ، لأنه يطرح فيها منكوسا (هِيَهْ) ضمير الداهية التي
__________________
(١) وهذا منقطع مع ضعف ليث. وهو ابن أبى سليم. وأخرجه ابن أبى شيبة وأبو نعيم في الحلية في ترجمة أبى بكر من رواية إسماعيل بن أبى خالد عن زيد بن الحرث «أن أبا بكر لما حضره الموت أرسل إلى عمر. فلما اتى قال له : إنى موصيك بوصية ، إن لله حقا في الليل لا يقبله في النهار وحقا بالنهار لا يقبله في الليل. وإنه ليس لأحدنا نافلة حتى يؤدى الفريضة. إنه إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل ـ الحديث».
(٢) قال محمود : «إذا دعوا على الرجل بالهلكة قالوا : هوت أمه ... الخ» قال أحمد : والأول أظهر ، لأنه مثل معروف كقولهم ، لأمه الهبل.
(٣) لكعب في مرثية أخيه. وهوت أمه دعاء لا يراد به الوقوع بل التعجب. وما مبتدأ ، وما بعده خبر. والمعنى : أى شيء يبعثه الصبح منه ، وأى شيء يرده الليل ، كما روى : وما ذا يرد الليل ، يعنى : أنه شيء عظيم. ومنه تجريد مقدر فيه ، يعنى : أنه كان يغدو في طلب الغارة ويرجع في الليل ظافرا. وما في الموضعين من الاستفهام ، معناه التعجب والاستعظام. وإسناد الفعل الصبح والليل مجاز.
(٤) هذا طرف من حديث أخرجه الترمذي في صفة جهنم من رواية الحسن عن عتبة بن غزوان «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال. إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين عاما ما تقضى إلى قعرها» وقال غريب لا نعرف الحسن سماعا. من عتبة وهذا منقطع. وقد رواه مسلم من حديث عتبة بلفظ «وذكر لنا» وهو في حكم المرفوع «وروى الحاكم من طريق عيسى بن طلحة عن أبى هريرة مرفوعا «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوى بها في النار سبعين خريفا» وأصله في البخاري من رواية أبى صالح عن أبى هريرة بلفظ «يهوى بها في جهنم» حسب. وروى البزار من طريق مجالد عن الشعبي عن مسروق عن ابن مسعود رفعه ، يؤتى بالقاضي يوم القيامة فيوقف على شفير جهنم فان أمر به فدفع فهوى فيها سبعين خريفا».
دلّ عليها قوله (فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ) في التفسير الأوّل. أو ضمير هاوية والهاء للسكت ، وإذا وصل القارئ حذفها. وقيل : حقه أن لا يدرج لئلا يسقطها الإدراج ، لأنها ثابتة في المصحف. وقد أجيز إثباتها مع الوصل.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة القارعة ثقل الله بها ميزانه يوم القيامة (١)»
سورة التكاثر
مكية ، وآياتها ٨ «نزلت بعد الكوثر»
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)(٨)
ألهاه عن كذا وأقهاه : إذا شغله (٢). و (التَّكاثُرُ) التبارى في الكثرة والتباهي بها ، وأن يقول هؤلاء : نحن أكثر ، وهؤلاء : نحن أكثر. روى أن بنى عبد مناف وبنى سهم تفاخروا أيهم أكثر عددا ، فكثرهم بنو عبد مناف فقالت بنوسهم : إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادّونا بالأحياء والأموات ، فكثرتهم بنوسهم. والمعنى : أنكم تكاثرتم بالأحياء حتى إذا استوعبتم عددهم صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات : عبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة المقابر تهكما بهم : وقيل كانوا يزورون المقابر فيقولون : هذا قبر فلان وهذا قبر فلان عند تفاخرهم. والمعنى : ألهاكم ذلك ـ وهو مما لا يعنيكم ولا يجدى عليكم في دنياكم وآخرتكم ـ عما يعنيكم من أمر الدين الذي هو أهم وأعنى من كل مهم. أو أراد ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن
__________________
(١) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بسندهم إلى أبى بن كعب.
(٢) قوله «وأقهاه إذا شغله» مضروب عليه بخط المصنف في نسخة اه من هامش. وفي الصحاح : أقهى الرجل من الطعام إذا احتواه. والقهوة : الخمر. يقال : سميت بذلك لأنها تقهى ، أى تذهب بشهوة الطعام. (ع)
متم وقبرتم ، منفقين أعماركم في طلب الدنيا والاستباق إليها والتهالك عليها ، إلى أن أتاكم الموت لا همّ لكم غيرها ، عما هو أولى بكم من السعى لعاقبتكم والعمل لآخرتكم. وزيارة القبور : عبارة عن الموت. قال :
|
لن يخلص العام خليل عشرا |
|
ذاق الضّماد أو يزور القبرا (١) |
|
وقال : زار القبور أبو مالك |
|
فأصبح الأمّ زوّارها (٢) |
وقرأ ابن عباس : أألهاكم؟ على الاستفهام الذي معناه التقرير (كَلَّا) ردع وتنبيه على أنه لا ينبغي الناظر لنفسه أن تكون الدنيا جميع همه ولا يهتم بدينه (سَوْفَ تَعْلَمُونَ) إنذار ليخافوا فينتبهوا عن غفلتهم. والتكرير : تأكيد للردع والإنذار عليهم. و (ثُمَ) دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأوّل وأشد ، كما تقول للمنصوح : أقول لك ثم أقول لك : لا تفعل. والمعنى : سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدّامكم من هول لقاء الله ، وإنّ هذا التنبيه نصيحة لكم ورحمة عليكم. ثم كرّر التنبيه أيضا وقال (لَوْ تَعْلَمُونَ) محذوف الجواب ، يعنى : لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين ، أى : كعلمكم ما تستيقنونه من الأمور التي وكلتم بعلمها هممكم : لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه ، ولكنكم ضلال جهلة ، ثم قال (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) فبين لهم ما أنذرهم منه وأوعدهم به ، وقد مرّ ما في إيضاح الشيء بعد إبهامه من تفخيمه وتعظيمه ، وهو جواب قسم محذوف ، والقسم لتوكيد الوعيد ، وأن ما أوعدوا به مالا مدخل فيه للريب ، وكرره معطوفا بثم تغليظا في التهديد وزيادة في التهويل. وقرئ : لترؤن بالهمز ، وهي مستكرهة. فإن قلت : لم استكرهت والواو المضمومة قبلها همزة قياس مطرد؟ قلت : ذاك في الواو التي ضمتها لازمة ، وهذه عارضة لالتقاء الساكنين. وقرئ : لترون ، ولترونها : على البناء للمفعول (عَيْنَ الْيَقِينِ) أى الرؤية التي هي نفس اليقين وخالصته. ويجوز أن يراد بالرؤية :
__________________
|
(١) إنى رأيت الضمد هيئا نكرا |
|
لن يخلص العام حليل عشرا |
|
ذاق الضماد أو يزور القبرا |
||
للأخطل. وضمد رأسه : عصبه. وضمد جرحه : ألصق عليه الدواء. والضمد والضماد : الحقد ، لكتمه في القلب والتزوج لضم المرأة إلى الرجل. والنكر : المنكر ، ولن يخلص : بيان لوجه إنكار الضمد أى التزوج. والعام :
نصب على الظرفية. ويروى ، حليل بالمهملة وبالمعجمة. وعشرا ـ بالكسر : أى معاشرة ، وبفتحها : أى عشر ليال. وذاق الضماد : صفة حليل ، فصلت عنه بالمفعول. وشبه الضماد بالمطعوم المكروه بحسب ما رأى على طريق الكناية ، والذوق تخييل. وزيارة القبر : كناية عن الموت ، أى : لن يخلص إلى أن يموت ، ولا ينافيه التقييد بالعام لإمكان الموت فيه ، ولعله كان جدبا.
(٢) زار القبور ، أى : مات. وفيه نوع تهكم به حيث كنى عن الموت المكروه عادة بالزيارة المحبوبة ، وألأم : أفعل تفضيل من اللؤم ، أى : الحسة. والزوار : جمع زائر ، أى : كان ألأم الأحياء ، فأصبح ألأم الأموات.
العلم والإبصار (عَنِ النَّعِيمِ) عن اللهو والتنعم الذي شغلكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه. فإن قلت : ما النعيم الذي يسئل عنه الإنسان ويعاتب عليه؟ فما من أحد إلا وله نعيم؟ قلت : هو نعيم من عكف همته على استيفاء اللذات ، ولم يعش إلا ليأكل الطيب ويلبس اللين ، ويقطع أوقاته باللهو والطرب ، لا يعبأ بالعلم والعمل ، ولا يحمل نفسه مشاقهما ، فأما من تمتع بنعمة الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعباده ، وتقوّى بها على دراسة العلم والقيام بالعمل ، وكان ناهضا بالشكر : فهو من ذاك بمعزل ، وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروى : أنه أكل هو وأصحابه تمرا وشربوا عليه ماء فقال : «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين» (١).
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ ألهاكم التكاثر لم يحاسبه الله بالنعيم الذي أنعم به عليه في دار الدنيا ، وأعطى من الأجر كأنما قرأ ألف آية» (٢).
سورة العصر
مكية ، وآياتها ٣ «نزلت بعد الشرح»
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) (٣)
أقسم بصلاة العصر لفضلها ، بدليل قوله تعالى : (وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) صلاة العصر ، في مصحف
__________________
(١) لم أجده هكذا. وفيه تخليط لعله من الناسخ. وهو يخرج من حديثين : أحدهما أخرجه النسائي وابن حبان والطبري وابن مردويه من حديث جابر قال «أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم رطبا وشربوا ماء. فقال : هذا من النعيم الذي تسألون عنه» وروى أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي من حديث أبى سعيد الخدري قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل طعاما قال : الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين.
(٢) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه باسنادهم إلى أبى بن كعب.
حفصة. وقوله عليه الصلاة والسلام «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» (١) ولأنّ التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار ، واشتغالهم بمعايشهم. أو أقسم بالعشي كما أقسم بالضحى لما فيهما جميعا من دلائل القدرة. أو أقسم بالزمان لما في مروره من أصناف العجائب. والإنسان : للجنس. والخسر : الخسران ، كما قيل : الكفر في الكفران. والمعنى : أن الناس في خسران من تجارتهم إلا الصالحين وحدهم ، لأنهم اشتروا الآخرة بالدنيا ، فربحوا وسعدوا ، ومن عداهم تجروا خلاف تجارتهم ، فوقعوا في الخسارة والشقاوة (وَتَواصَوْا بِالْحَقِ) بالأمر الثابت الذي لا يسوغ إنكاره ، وهو الخير كله : من توحيد الله وطاعته ، واتباع كتبه ورسله ، والزهد في الدنيا ، والرغبة في الآخرة (وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) عن المعاصي وعلى الطاعات ، وعلى ما يبلو الله به عباده.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة والعصر غفر الله له وكان ممن تواصى بالحق وتواصى بالصبر» (٢).
سورة الهمزة
مكية ، وآياتها ٩ [نزلت بعد القيامة]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ)(٩)
الهمز : الكسر ، كالهزم. واللمز : الطعن. يقال : لمزه ولهزه طعنه ، والمراد : الكسر من
__________________
(١) متفق عليه من حديث ابن عمر رضى الله عنهما.
(٢) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.
أعراض الناس والغض (١) منهم ، واغتيابهم ، والطعن فيهم (٢) وبناء «فعلة» يدل على أنّ ذلك عادة منه قد ضرى بها. ونحوهما : اللعنة والضحكة. قال :
وإن أغيّب فأنت الهامز اللّمزه (٣)
وقرئ : ويل للهمزة اللمزة. وقرئ : ويل لكل همزة لمزة ، بسكون الميم : وهو المسخرة الذي يأتى بالأوابد (٤) والأضاحيك فيضحك منه ويشتم. وقيل : نزلت في الأخنس بن شريق وكانت عادته الغيبة والوقيعة. وقيل : في أمية بن خلف. وقيل : في الوليد بن المغيرة واغتيابه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وغضه منه. ويجوز أن يكون السبب خاصا والوعيد عاما ، ليتناول كل من باشر ذلك القبيح ، وليكون جاريا مجرى التعريض بالوارد فيه ، فإنّ ذلك أزجر له وأنكى فيه (الَّذِي) بدل من كل. أو نصب على الذم. وقرئ : جمع بالتشديد ، وهو مطابق لعدده. وقيل (عَدَّدَهُ) جعله عدة لحوادث الدهر. وقرئ : وعدده أى جمع المال وضبط عدده وأحصاه. أو جمع ماله وقومه الذين ينصرونه ، من قولك : فلان ذو عدد وعدد : إذا كان له عدد وافر من الأنصار وما يصلحهم. وقيل (وَعَدَّدَهُ) معناه : وعدّه على فك الإدغام ، نحو : ضننوا (أَخْلَدَهُ) وخلده بمعنى ، أى طوّل المال أمله ، ومناه الأمانى البعيدة ، حتى أصبح لفرط غفلته وطول أمله يحسب أنّ المال تركه خالدا في الدنيا لا يموت. أو يعمل من تشييد البنيان الموثق بالصخر والآجر وغرس الأشجار وعمارة الأرض : عمل من يظن أن ماله أبقاه حيا. أو هو تعريض بالعمل الصالح. وأنه هو الذي أخلد صاحبه في النعيم ، فأما المال فما أخلد أحدا فيه. وروى أنه كان للأخنس أربعة آلاف دينار. وقيل : عشرة آلاف. وعن الحسن : أنه عاد موسرا
__________________
(١) قوله «أعراض الناس والغض منهم» في الصحاح : غض منه ، إذا وضعه ونقص من قدره. (ع)
(٢) قال محمود : «قال المراد بالهمزة المكثر من الطعن على الناس والقدح فيهم ... الخ» قال أحمد : وما أحسن مقابلة الهمزة اللمزة بالحطمة ، فانه لما وسمه بهذه السمة بصيغة أرشدت إلى أنها راسخة فيه ومتمكنة منه أتبع المبالغة بوعيده بالنار التي سماها بالحطمة لما يلقى فيها ، وسلك في تعيينها صيغة مبالغة على وزن الصيغة التي ضمنها الذنب ، حتى يحصل التعادل بين الذنب والجزاء ، فهذا الذي ضرى بالذنب جزاؤه هذه الحطمة التي هي ضارية بحطم كل ما يلقى إليها.
|
(٣) إذا لقيتك عن شحط تكاشرنى |
|
وإن تغيبت كنت الهامز اللمزة |
لزياد الأعجم. والشحط ـ بالفتح : البعد. وكثر عن أسنانه : أبداها في الضحك وغيره ، لكن اشتهر في لسان العرب في الأول. والهمز : الكسر. واللمز : الطعن. روى أن أعرابيا سئل : أتهمز الفأرة؟ فقال : نعم تهمزها الهرة ، أى : تأكلها ، والهامز هنا : المغتاب الغياب ، الذي يملأ فمه بما يخرم عرض غيره. والهمزة : من اعتاد ذلك. واللامز : الرامي لغيره بالمسبة. واللمزة : من اعتاد ذلك. يقول : إذا لقيتك على بعد المسافة بيننا تضاحكنى ، وإذا غبت عنك كنت المغتاب المكثر من الطعن في عرضي. وروى : وإن أغيب فأنت الهامز ، على البناء للمجهول.
(٤) قوله «الذي يأتى بالأوابد» في الصحاح : جاء فلان بآبدة ، أى : بداهية يبقى ذكرها على الأبد. (ع)
فقال : ما تقول في ألوف لم أفتد بها من لئيم ، ولا تفضلت على كريم؟ قال : ولكن لما ذا؟ قال : لنبوة الزمان ، وجفوة السلطان ، ونوائب الدهر ، ومخافة الفقر. قال : إذن تدعه لمن لا يحمدك ، وترد على من لا يعذرك (كَلَّا) ردع له عن حسبانه. وقرئ : لينبذان ، أى : هو وماله. ولينبذن ، بضم الذال ، أى : هو وأنصاره. ولينبذنه (فِي الْحُطَمَةِ) في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها. ويقال للرجل الأكول : إنه الحطمة. وقرئ : الحاطمة ، يعنى أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم وتطلع على أفئدتهم ، وهي أوساط القلوب ، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من الفؤاد ، ولا أشد تألما منه بأدنى أذى يمسه ، فكيف إذا اطلعت عليه نار جهنم واستولت عليه. ويجوز أن يخص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الفاسدة والنيات الخبيثة. ومعنى اطلاع النار عليها : أنها تعلوها وتغلبها وتشتمل عليها. أو تطالع على سبيل المجاز معادن موجبها (مُؤْصَدَةٌ) مطبقا. قال :
|
تحنّ إلى أجبال مكّة ناقتي |
|
ومن دونها أبواب صنعاء مؤصدة (١) |
وقرئ : في عمد ، بضمتين. وعمد ، بسكون الميم. وعمد. بفتحتين. والمعنى : أنه يؤكد يأسهم من الخروج وتيقنهم بحبس الأبد ، فتؤصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد ، استيثاقا في استيثاق. ويجوز أن يكون المعنى : أنها عليهم مؤصدة ، موثقين في عمد ممدّدة مثل المقاطر (٢) التي تقطر فيها اللصوص. اللهم أجرنا من النار يا خير مستجار.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة الهمزة أعطاه الله عشر حسنات بعدد من استهزا بمحمد وأصحابه» (٣).
__________________
(١) يقول : تحنّ ناقتي شوقا إلى أجبال مكة ، جمع جبلي ، كأسباب وسبب ، لأنها وطنها ، والحال أن أبواب صنعاء مدينة من اليمن ، مؤصدة : أى مغلقة أمامها ، والمراد : تحزنه وتشوقه إلى وطنه ، ونسبه الناقة مبالغة.
(٢) قوله «مثل المقاطر التي تقطر فيها» في الصحاح «المقطرة» : الفلق» وهي خشبة فيها خروق تدخل فيما أرجل المحبوسين. (ع)
(٣) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.
سورة الفيل
مكية ، وآياتها ٥ «نزلت بعد الكافرون»
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ)(٥)
روى أنّ أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بنى كنيسة بصنعاء وسماها القليس (١) ، وأراد أن يصرف إليها الحاج ، فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلا (٢) ، فأغضبه ذلك. وقيل : أججت رفقة من العرب نارا فحملتها الريح فأحرقتها ، فحلف ليهدمنّ الكعبة فخرج بالحبشة ومعه فيل له اسمه محمود ، وكان قويا عظيما ، واثنا عشر فيلا غيره. وقيل : ثمانية. وقيل : كان معه ألف فيل ، وكان وحده ، فلما بلغ المغمس خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع ، فأبى وعبأ جيشه وقدّم الفيل ، فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح ، وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى غيره من الجهات هرول ، فأرسل الله طيرا سودا. وقيل خضرا وقيل : بيضا. مع كل طائر حجر في منقاره ، وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه رأى منها عند أم هانئ نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفاري ، فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره ، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه ، ففروا فهلكوا في كل طريق ومنهل ، ودوى أبرهة (٣) فتساقطت أنامله وآرابه ، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه. وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائره يحلق فوقه ، حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة ، فلما أتمها وقع عليه الحجر فخر ميتا بين يديه. وقيل : كان أبرهة جدّ
__________________
(١) قوله «وسماها القليس» بالتشديد ، مثل القبيط : بيعة كانت بصنعاء للحبشة : بناها أبرهة ، وهدمها حمير ، كذا في الصحاح. (ع)
(٢) قوله «فقعد فيها ليلا» كناية عن التغوط. وفي الخازن فتغوط فيها ولطخ قبلتها بالعذرة. (ع)
(٣) قوله «ودوى أبرهة» أى مرض. وآرابه ، أى : أعضاؤه. (ع)
النجاشي الذي كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة ، وقيل : بثلاث وعشرين سنة (١). وعن عائشة رضى الله عنها : رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان. وفيه أن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير ، فخرج إليه فيها ، فجهره (٢) وكان رجلا جسيما وسيما. وقيل : هذا سيد قريش وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال ، فلما ذكر حاجته قال : سقطت من عينى ، جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ودين آبائك وعصمتكم وشرفكم في قديم الدهر ، فألهاك عنه ذود أخذ لك ، فقال أنا رب الإبل ، وللبيت رب سيمنعه ، ثم رجع وأتى باب البيت فأخذ بحلقته وهو يقول :
|
لاهمّ إنّ المرء يمنع |
|
أهله فامنع حلالك |
|
لا يغلبنّ صليبهم |
|
ومحالهم عدوا محالك |
|
إن كنت تاركهم وكعبتنا |
|
فأمر ما بدا لك (٣) |
__________________
(١) قوله «بأربعين سنة ، وقيل بثلاث وعشرين» لعله وكان قبله بأربعين سنة. وفي الخازن : اختلفوا في عام الفيل ، فقيل : كان قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة اه. (ع)
(٢) قوله «فجهره» في القاموس «جهر الرجل» : عظم في عينه وراعه جماله ، كأجهره انتهى. (ع)
|
(٣) لاهم إن المرء يمنع |
|
أهله فامنع حلالك |
|
وانصر على آل الصليب |
|
وعابديه اليوم آلك |
|
لا يغلبن صليبهم |
|
ومحالهم عدوا محالك |
|
جروا جميع بلادهم |
|
والفيل كى يسبوا عيالك |
|
عمدوا حماك بكيدهم |
|
جهلا وما رقبوا جلالك |
|
إن كنت تاركهم وكعبتنا |
|
فأمر ما بدا لك |
لعبد المطلب حين أراد أبرهة بن الصباح هدم الكعبة وأغار على مائتي بعير له ، فخرج إليه عبد المطلب في طلب الإبل ، وقد قيل لأبرهة : إنه سيد قريش ، يطعم الناس في السهل ، والوحوش في رءوس الجبال ، فلما طلب الإبل قال له : سقطت من عيني ، جئت لأهدم ـ شرفكم فألهاك عنه طلب المال ، فقال : أنا رب الإبل ، وللبيت رب يحميه ، ثم رجع وأخذ بحلقة الباب وقال ذلك. ولاهم : أصله اللهم ، فخفف. إن المرء يمنع ، أى : يحفظ أهله ، وأنت الله فاحفظ حلالك ، أى : سكان حرمك الذين حلوا فيه. يقال : حى حلال ، أى : نزول ، وفيهم كثرة. أو الذين هم في حل منك. ويجوز على بعد أنه أطلق الحلال على البيت ، أو أهله على سبيل المشاكلة التقديرية للأهل ، على أن معناه الزوجة. وروى : إن المرء يمنع حله فامنع حلالك. والحل والحلال : ما يحل التصرف فيه. وروى : إن العبد يمنع وحله فامنع وحالك ، وهو يؤيد الأول. والآل لا يضاف إلا لذي شرف ، فاضافته للصليب ليشاكل ما بعده. أو على زعمهم أنه ذو شرف. وعابديه : جمع مضاف الضمير إضافة الوصف لمفعوله. واليوم : ظرف النصر. والمحال : مصدر ماحله إذا كايده يمكروه. والعدو : العدوان والظلم : وهو نصب على التمييز. أو على المفعول المطلق. ويروى : غدوا ، أى : في الغد ، فهو ظرف. ويروى : أبدا. ويروى : جموع ، بدل جميع ، وكان معهم اثنا عشر فيلا فيها فيل جسيم عظيم اسمه محمود ، فمراده بالفيل : الجنس ، أو المعهود. والعيال : مفرده ـ
|
يا ربّ أرجو لهم سوا كا |
|
يا ربّ فامنع منهم حما كا (١) |
فالتفت وهو يدعو فإذا هو بطير من نحو اليمن فقال : والله إنها لطير غريبة ما هي ببحرية ولا تهامية (٢). وفيه : أنّ أهل مكة قد احتووا على أموالهم ، وجمع عبد المطلب من جواهرهم وذهبهم الجور (٣) ، وكان سبب يساره. وعن أبى سعيد الخدري رضى الله عنه أنه سئل عن الطير فقال : حمام مكة منها. وقيل جاءت عشية ثم صبحتهم. وعن عكرمة : من أصابته جدّرته وهو أوّل جدري ظهر. وقرئ : ألم تر ، بسكون الراء للجد في إظهار أثر الجازم : والمعنى : أنك رأيت آثار فعل الله بالحبشة ، وسمعت الأخبار به متواترة ، فقامت لك مقام المشاهدة. و (كَيْفَ) في موضع نصب بفعل ربك ، لا بألم تر ، لما في (كَيْفَ) من معنى الاستفهام (فِي تَضْلِيلٍ) في تضييع وإبطال. يقال : ضلل كيده ، إذا جعله ضالا ضائعا. ومنه قوله تعالى (وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ) وقيل لامرئ القيس : الملك الضليل ، لأنه ضلل ملك أبيه ، أى. ضيعه ، يعنى : أنهم كادوا البيت أوّلا ببناء القليس ، وأرادوا أن ينسخوا أمره بصرف وجوه الحاج إليه ، فضلل كيدهم بإيقاع الحريق فيه ، وكادوه ثانيا بإرادة هدمه ، فضلل بإرسال الطير عليهم (أَبابِيلَ) حزائق ، الواحدة : إبالة. وفي أمثالهم : ضغث على إبالة ، وهي : الحزمة الكبيرة ، شبهت الحزقة من الطير في تضامّها بالإبالة. وقيل : أبابيل مثل عباديد ، وشماطيط لا واحد لها وقرأ أبو حنيفة رحمه الله ، يرميهم ، أى الله تعالى أو الطير ، لأنه اسم جمع مذكر ، وإنما يؤنث على المعنى. وسجيل : كأنه علم للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار ، كما أن سجينا علم لديوان أعمالهم ، كأنه قيل : بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدوّن ، واشتقاقه من الإسجال وهو الإرسال ، لأنّ العذاب موصوف بذلك ، وأرسل عليهم طيرا ، فأرسلنا عليهم
__________________
ـ عيل ، وجمعه عيائل ، كجيد وجياد وجيائد ، من قوله وتتعهد شأنه عمدوا : قصدوا ، حماك ، أى : حرمك الذي حميته لجهلهم. أو جاهلين وما خافوا عظمتك ، إن كنت تاركهم مع كعبتنا يفعلون بها ما شاءوا فأمر عظيم ظهر لك منا الآن من معاصينا. أو أمر تعلمه أنت ولا نعلمه من الحكمة والمصلحة. وفيه تفويض إلى الله وتسليم إليه.
|
(١) يا رب لا أرجو لهم سوا كا |
|
يا رب فامنع منهم حماكا |
|
إن عدو البيت من عادا كا |
|
امنعهم أن يخربوا فنا كا |
لعبد المطلب أيضا ، أى : لا أرجو لمنع الأعداء عنا غيرك ، وألف القوافي للإطلاق ، وتكرير النداء للاستعطاف. والعدو : يطلق على الواحد والمتعدد ، أى : من كان عدوا لأهل بيتك فهو المعادى لك البالغ في العداوة. والفناء : رحبة البيت. وروى بدله «قرا كا» جمع قرية ، وبده المصراع الثاني بألف الوصل جائز ، لأنه محل ابتداء في الجملة ، كما نبه عليه الخليل.
(٢) قوله «ما هي ببحرية ولا تهامية» ببحرية : في أبى السعود : بنجدية. (ع)
(٣) قوله «وذهبهم الجور» لعله الجرب : جمع جراب ، مثل : كتب ، جمع كتاب. (ع)
الطوفان. وعن ابن عباس رضى الله عنهما : من طين مطبوخ كما يطبخ الآجر. وقيل : هو معرب من سنككل. وقيل : من شديد عذابه ، ورووا بيت ابن مقبل :
ضربا تواصت به الأبطال سجّيلا (١)
وإنما هو سجينا ، والقصيدة نونية مشهورة في ديوانه ، وشبهوا بورق الزرع إذا أكل ، أى : وقع فيه الأكال : وهو أن يأكله الدود. أو بتبن أكلته الدواب وراثته ، ولكنه جاء على ما عليه آداب القرآن ، كقوله (كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) أو أريد : أكل حبه فبقى صفرا منه. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة الفيل أعفاه الله أيام حياته من الخسف والمسخ (٢)».
سورة قريش
مكية ، وآياتها ٤ «نزلت بعد التين»
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)(٤)
(لِإِيلافِ قُرَيْشٍ) متعلق بقوله (فَلْيَعْبُدُوا) أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين فإن قلت : فلم دخلت الفاء؟ قلت : لما في الكلام من معنى الشرط لأن المعنى : إما لا فليعبدوه لإيلافهم ،
__________________
|
(١) ورجلة يضربون البيض عن عرج |
|
. ضربا تواصت به الأبطال سجيلا |
لابن مقبل. والرجلة : جماعة الرجال. والبيض ـ بالكسر ـ : كناية عن السيوف ، أى : يضربون بها ، وإن قرئ بالفتح فهي المغافر على رؤس الفرسان. والعرج : الميل والاعوجاج. ويروى : عن عرض ، ولعله تحريف. والمراد : اختلاف أحوال الضرب. والبطل : لشجاع. والسجيل : الشديد ، ولكن الرواية بالنون ، لأن القصيدة نونية ، وسنذكر بعضها في أواخر حرف النون.
(٢) أخرجه ابن مردويه والثعلبي والواحدي بالسند إلى أبى بن كعب.
على معنى : أنّ نعم الله عليهم لا تحصى ، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه ، فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة. وقيل المعنى : عجبوا لإيلاف قريش. وقيل : هو متعلق بما قبله ، أى : فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش ، وهذا بمنزلة التضمين في الشعر : وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقا لا يصح إلا به ، وهما في مصحف أبىّ سورة واحدة بلا فصل. وعن عمر : أنه قراهما في الثانية من صلاة المغرب ، وقرأ في الأولى : والتين (١). والمعنى أنه أهلك الحبشة الذين قصدوهم ليتسامع الناس بذلك ، فيتهيبوهم زيادة تهيب ، ويحترموهم فضل احترام ، حتى ينتظم لهم الأمن في رحلتيهم ، فلا يجترئ أحد عليهم. وكانت لقريش رحلتان : يرحلون في الشتاء إلى اليمن ، وفي الصيف إلى الشام ، فيمتارون ويتجرون ، وكانوا في رحلتيهم آمنين لأنهم أهل حرم الله وولاة بيته ، فلا يتعرّض لهم ، والناس غيرهم يتخطفون ويغار عليهم. والإيلاف من قولك : آلفت المكان أولفه إيلافا : إذا ألفته ، فأنا مؤلف. قال:
من المؤلفات الرّهو غير الأوارك (٢)
وقرئ : لئلاف قريش ، أى : لمؤالفة قريش. وقيل : يقال ألفته إلفا وإلافا. وقرأ أبو جعفر : لإلف قريش ، وقد جمعهما من قال :
|
زعمتم أنّ إخوتكم قريش |
|
لهم إلف وليس لكم إلاف (٣) |
__________________
(١) هكذا وقع في الثعلبي. وقال عمرو بن ميمون : صليت خلف عمر المغرب. فذكر الحديث. وكذا وصله عبد الرزاق وابن أبى شيبة من رواية أبى إسحاق عن عمرو بن ميمون قال «صلى بنا عمر المغرب. فقرأ في الأولى بالتين. وفي الثانية ألم تر ولإيلاف قريش».
|
(٢) شددت إليك الرحل فوق شملة |
|
من المؤلفات الرهو غير الأوارك |
الشملة بالتشديد. والشملال والشميل : الخفيفة السريعة السير ، أى : شددت الرحل فوق نافة سريعة السير ذاهبا إليك ، وتلك الناقة من النوق المؤلفات المعتادات الرهو ، أى : السير السهل المستقيم. ويروى : الزهو ، بالزاي وهو سيرها بعد ورودها الماء. والأوارك : جمع آركة : المقيمات موضع الأراك ، ترعاه. أو ترعى نبتا يقال له الحمض ، أى : ليست كذلك يلي معلوفة ومكرمة السفر.
|
(٣) زعمتم أن إخوتكم قريش |
|
لهم إلف وليس لكم إلاف |
|
أولئك أومنوا جوعا وخوفا |
|
وقد جاعت بنو أسد وخافوا |
لمساور بن هند بن قيس يخاطب بنى أسد. وقريش خبر. وقولهم «لهم إلف» استئناف لبيان كذبهم. والالف والالاف : مصدر ألفه ، إذا أحبه واعتاده ولم ينفر منه. وآلف إيلافا بينهما : جعل بينهما إلفا. وقد جمعت قريش بين رحلة الشتاء والصيف ، فتارة فرحل هذه وتارة هذه بلا خوف ولا فزع «أولئك» إشارة لقريش «أومنوا» مبنى للمجهول ، أى آمنهم ربهم عن الجوع والخوف ، وقد جاعت وخافت بنو أسد : التفت إلى الغيبة دلالة على الاعراض عنهم ، وتعجيب غيرهم من شأنهم.
وقرأ عكرمة : ليألف قريش إلفهم رحلة الشتاء والصيف. وقريش : ولد النضر بن كنانة سموا بتصغير القرش : وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن ، ولا تطاق إلا بالنار. وعن معاوية أنه سأل ابن عباس رضى الله عنهما : بم سميت قريش؟ قال : بدابة في البحر تأكل ولا تؤكل ، وتعلو ولا تعلى. وأنشد :
|
وقريش هي الّتي تسكن البحر |
|
بها سمّيت قريش قريشا (١) |
والتصغير للتعظيم. وقيل : من القرش وهو الكسب : لأنهم كانوا كسابين بتجاراتهم وضربهم في البلاد. أطلق الإيلاف ثم أبدل عنه المقيد بالرحلتين ، تفخيما لأمر الإيلاف ، وتذكيرا بعظيم النعمة فيه ، ونصب الرحلة بإيلافهم مفعولا به ، كما نصب (يَتِيماً) بإطعام ، وأراد رحلتي الشتاء والصيف ، فأفرد لأمن الإلباس ، كقوله.
كلوا في بعض بطنكم .... (٢) ..
__________________
|
(١) وقريش هي التي تسكن البحر |
|
بها سميت قريش قريشا |
|
تأكل الغث والسمين ولا تترك |
|
يوما لذي جناحين ريشا |
|
هكذا في الكتاب نالت قريش |
|
يأكلون البلاد أكلا كشيشا |
|
ولهم آخر الزمان نبى |
|
يكثر القتل فيهم والخموشا |
|
يملأ الأرض خيلة ورجالا |
|
يحشرون المطر حشرا كميشا |
لتبع. وقريش : تصغير قرش. قال ابن عباس : اسم دابة في البحر تأكل ولا تؤكل اه فصغر وسمي به النضر بن كنانة ، ثم سمى به أولاده. والمحدثون على أنه اسم لفهر بن مالك بن النضر ، وقال الروافض : هو اسم لقصي بن كلاب ، وتوصلوا بذلك إلى نفى إمامة أبى بكر وعمر لكونهما ليسا قرشيين ، لأنهما يجتمعان معه صلى الله عليه وسلم بعد قصي ، والامامة من قريش ، وقريش مبتدأ ، والجملة بعدها مستأنفة مبينة لها ، وبها سميت خبر ، أى : بسببها ، سميت هذه القبيلة قريشا تأكل ، أى قريش البحرية. ويؤيده ما روى قبل هذا البيت وهو :
|
سلطت بالعلو في لجة البحر |
|
على سائر البحور جيوشا ... تأكل |
ويحتمل أنها الضبيلة. والغث الخبيث. والسمين ، الطيب وصاحب الجناحين ، كناية عن الطير. أو استعارة الغنى ، وبالغ في أنها لا تبقى ولا تذر شيئا مما تظفر به بقوله : إنها لا تترك ريش ذى الجناحين. ويروى «فيه» بدل يوما وهو يعنى قريش البحرية. وهكذا : إشارة لحال دابة البحر ، أو لما قاله هو. والكتاب : التوراة أو الإنجيل. أو كتب التاريخ. وقريش هنا : القبيلة ، ويروى :
|
هكذا في البلاد حى قريش |
|
يأكلون البلاد ...... |
أى : يأخذون أموالها. والكشيش في الأصل : الصوت الخفي ، أى : أكلا بسهولة ، بلا إرهاب ولا إنعاب ، فهو مجاز ، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم. وخمشه خمشا : خدشه. والخموش : الخدوش. والخيلة : الشبح البعيد. والخيل : الخيالة. والرجال : المشاة على أرجلهم. ويحشرون : صفة لرجال ، ويبعد رجوعه لقريش ، والكميش : السريع. والمنضم : القاطع ، أى : يجمعونها بسرعة ، لكن المراد بالخموش هنا : الجروح.
(٢) قوله «كلوا في بعض بطنكم» بقيته : «تعفوا» وقد تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٤٧٩ فراجعه إن شئت اه مصححه. (ع)
وقرئ : رحلة ، بالضم : وهي الجهة التي يرحل إليها : والتنكير في (جُوعٍ) و (خَوْفٍ) لشدتهما ، يعنى : أطعمهم بالرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما ، وآمنهم من خوف عظيم وهو خوف أصحاب الفيل ، أو خوف التخطف في بلدهم ومسايرهم. وقيل : كانوا قد أصابتهم شدة حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة ، وآمنهم من خوف الجذام فلا يصيبهم ببلدهم. وقيل ذلك كله بدعاء إبراهيم صلوات الله عليه. ومن بدع التفاسير : وآمنهم من خوف ، من أن تكون الخلافة في غيرهم. وقرئ : من خوف ، بإخفاء النون.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة لإيلاف قريش أعطاه الله عشر حسنات بعدد من طاف بالكعبة واعتكف بها» (١).
سورة الماعون
مكية ثلاث آيات الأول ، مدنية البقية ، وآياتها ٧ «نزلت بعد التكاثر»
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ)(٤) (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ)(٧)
قرئ : أريت ، بحذف الهمزة ، وليس بالاختيار ، لأن حذفها مختص بالمضارع ، ولم يصح عن العرب : ريت ، ولكن الذي سهل من أمرها وقوع حرف الاستفهام في أوّل الكلام. ونحوه :
|
صاح هل ريت أو سمعت براع |
|
ردّ الضّرع ما قرى في الحلاب (٢) |
__________________
(١) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.
(٢) لإسماعيل بن بشار ، وفي حياة الحيوان ما هو صريح في أنه لنفيلة بن عبد المدان بن خرشم بن عبد ياليل بن جرهم بن قحطان ابن هود عليه السلام وصاح مرخم ، فان كان أصله يا صاحبي ، فترخيمه شاذ من وجهين ، لأن فيه حذف المضاف ـ
وقرأ ابن مسعود : أرأيتك ، بزيادة حرف الخطاب ، كقوله (أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَ) والمعنى : هل عرفت الذي يكذب بالجزاء من هو؟ إن لم تعرفه (فَذلِكَ الَّذِي) يكذب بالجزاء ، هو الذي (يَدُعُّ الْيَتِيمَ) أى : يدفعه دفعا عنيفا بجفوة وأذى ، وبردّه ردّا قبيحا بزجر وخشونة. وقرئ : يدع ، أى : يترك ويجفو (وَلا يَحُضُ) ولا يبعث أهله على بذل طعام المسكين ، جعل علم التكذيب بالجزاء منع المعروف والإقدام على إيذاء الضعيف ، يعنى : أنه لو آمن بالجزاء وأيقن بالوعيد ، لخشى الله تعالى وعقابه ولم يقدم على ذلك ، فحين أقدم عليه : علم أنه مكذب ، فما أشده من كلام ، وما أخوفه من مقام ، وما أبلغه في التحذير من المعصية وأنها جديرة بأن يستدل بها على ضعف الإيمان ورخاوة عقد اليقين ، ثم وصل به قوله (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) كأنه قال : فإذا كان الأمر كذلك ، فويل للمصلين الذين يسهون عن الصلاة قلة مبالاة بها ، حتى تفوتهم أو يخرج وقتها ، أو لا يصلونها كما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف ولكن ينقرونها نقرأ من غير خشوع وإخبات ، ولا اجتناب لما يكره فيها : من العبث باللحية والثياب وكثرة التثاؤب والالتفات ، لا يدرى الواحد منهم عن كم انصرف ، ولا ما قرأ من السور ، كما ترى صلاة أكثر من ترى الذين عادتهم الرياء بأعمالهم ومنع حقوق أموالهم. والمعنى : أنّ هؤلاء أحق بأن يكون سهوهم عن الصلاة ـ التي هي عماد الدين ، والفارق بين الإيمان والكفر والرياء الذي هو شعبة من الشرك ، ومنع الزكاة التي هي شقيقة الصلاة وقنطرة الإسلام ـ علما على أنهم مكذبون بالدين. وكم ترى من المتسمين بالإسلام ، بل من العلماء منهم من هو على هذه الصفة ، فيا مصيبتاه. وطريقة أخرى : أن يكون (فَذلِكَ) عطفا على (الَّذِي يُكَذِّبُ) إمّا عطف ذات على ذات ، وصفة على صفة ، ويكون جواب (أَرَأَيْتَ) محذوفا لدلالة ما بعده عليه ، كأنه قيل : أخبرنى ، وما تقول فيمن يكذب بالجزاء؟ وفيمن يؤذى اليتيم ولا يطعم المسكين؟ أنعم ما يصنع؟ ثم قال (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) أى إذا علم أنه مسيء ، فويل للمصلين ، على معنى : فويل لهم ، إلا أنه وضع صفتهم موضع ضميرهم ، لأنهم كانوا مع التكذيب وما أضيف
__________________
ـ إليه وحذف بعض المضاف وكلاهما شاذ وإن كان أصله يا صاحب بلا إضافة. فهو شاذ من جهة أنه ليس علما ولا مؤنثا بالهاء. وقيل : ترخيم النكرة المقصودة جائز ، وريت : أصله رأيت ، فخفف بحذف الهمزة للضرورة ، وكان قياس تخفيفها جعلها بين بين. لعدم سكون ما قبلها. وقرى يقرى قريا : جمع جمعا. ويروى : ثوى ، أى تمكن واستقر. والحلاب : إناء الحلب ، وروى : العلاب ، جمع علبة ، وهي محلب من جلد. يقول : يا صاحبي هل رأيت أو سمعت أن راعيا رجع في الضرع ما جمع في المحلب من اللبن. وعدى لفعلين ، أو بأحدهما بالباء ، لتضمين معنى المعلم ويجوز أن الباء زائدة. وحسن حذف همزة رأيت أن «هل» بمعنى «قد» في الأصل وهمزة الاستفهام منوية قبله وورد ذكرها قبلها قليلا ، بل قيل إنها مقدرة أيضا قيل أسماء الاستفهام كلها ، والبيت من باب التمثيل ، والمعنى : أن الماضي لا يعود ، والواقع لا يرتفع.
إليهم ساهين عن الصلاة مرائين ، غير مزكين أموالهم. فإن قلت : كيف جعلت المصلين قائما مقام ضمير الذي يكذب ، وهو واحد؟ قلت : معناه الجمع ، لأنّ المراد به الجنس. فإن قلت : أىّ فرق بين قوله (عَنْ صَلاتِهِمْ) وبين قولك (فِي صَلاتِهِمْ)؟ قلت : معنى (عَنْ) : أنهم ساهون عنها سهو ترك لها وقلة التفات إليها ، وذلك فعل المنافقين أو الفسقة الشطار من المسلمين. ومعنى (فِي) : أنّ السهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس ، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع له السهو في صلاته فضلا عن غيره (١) ، ومن ثم أثبت الفقهاء باب سجود السهو في كتبهم. وعن أنس رضى الله عنه : الحمد لله على أن لم يقل في صلاتهم. وقرأ ابن مسعود : لاهون. فإن قلت : ما معنى المراءاة؟ قلت : هي مفاعلة من الإراءة ، لأنّ المرائى يرى الناس عمله ، وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به ، ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة ، فمن حق الفرائض الإعلان بها وتشهيرها ، لقوله عليه الصلاة والسلام «ولا غمة في فرائض (٢) الله ، لأنها أعلام الإسلام وشعائر الدين ، ولأن تاركها يستحق الذم والمقت ، فوجب إماطة التهمة بالإظهار ، وإن كان تطوعا ، فحقه أن يخفى ، لأنه مما لا يلام بتركه ولا تهمة فيه ، فإن أظهره قاصدا للاقتداء به كان جميلا ، وإنما الرياء أن يقصد بالإظهار أن تراه الأعين ، فيثنى عليه بالصلاح. وعن بعضهم : أنه رأى رجلا في المسجد قد سجد سجدة الشكر وأطالها ، فقال : ما أحسن هذا لو كان في بيتك ، وإنما قال هذا لأنه توسم فيه الرياء والسمعة ، على أن اجتناب الرياء صعب إلا على المرتاضين بالإخلاص. ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة المظلمة على المسح. الأسود (٣)» (الْماعُونَ) الزكاة ، قال الراعي :
|
قوم على الإسلام لمّا يمنعوا |
|
ماعونهم ويضيّعوا التّهليلا (٤) |
__________________
(١) قال المخرج : ورد في ذلك خمسة أحاديث «الأولى» قصة ذى اليدين. متفق عليها من حديث أبى هريرة من طرق عنه ومحصله أنه صلى ركعتين في الظهر أو العصر ثم سلم سهوا «الثاني» حديث عبد الله بن بحينة. متفق عليه أيضا في قيامه بغير تشهد أول وسجوده للسهو قبل السلام. وفيه عن سعد عن أبى يعلى «الثالث» حديث ابن مسعود متفق عليه أيضا أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا. فقيل له في ذلك. فسجد سجدتين بعد ما سلم» «الرابع» حديث عمران بن حسين «أنه صلى الله عليه وسلم صلى العصر ثلاث ركعات فقام رجل يقال له الخرباق ـ الحديث» «الخامس» حديث معاوية بن خديج قال «صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب. فسها فيها. فسلم في ركعتين ثم انصرف» الحديث أخرجه ابن خزيمة وأبو داود وابن حبان وجزم بأن هذه القصة مغايرة لقصة عمران. وأنهما مغايرتان لقصة أبى هريرة : قلت وقد بسط العلائى القول فيه في جزء مفرد.
(٢) هو في الحديث المتقدم في سورة يونس.
(٣) لم أجده.
(٤) يقول : هم قوم ثابتون على الإسلام ، أو مع إسلامهم وزيادة عليه ، لم يمنعوا الزكاة ولا غيرها من ـ
وعن ابن مسعود : ما يتعاون في العادة من الفأس والقدر والدلو والمقدحة ونحوها. وعن عائشة الماء والنار والملح ، وقد يكون منع هذه الأشياء محظورا في الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار ، وقبيحا في المروءة في غير حال الضرورة.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة أرأيت غفر الله له إن كان للزكاة مؤديا (١)»
سورة الكوثر
مكية ، وآياتها ٣ «نزلت بعد العاديات»
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)(٣)
في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا أعطيناك ، بالنون (٢). وفي حديثه صلى الله عليه وسلم (٣) : «وأنطوا الثبجة» (٤) والكوثر : فوعل من الكثرة وهو المفرط الكثرة. قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر : بم آب ابنك؟ قالت : آب بكوثر. وقال :
|
وأنت كثير يا ابن مروان طيّب |
|
وكان أبوك ابن العقائل كوثرا (٥) |
__________________
ـ الخيرات ، فلما لاستغراق النفي في الماضي ، وإما ترقب حصول المنفي بها فهو غالب وليس مرادا هنا ، ولم يضيعوا التهليلا : أى الصلاة ، لاشتمالها على لا إله إلا الله.
(١) أخرجه ابن مردويه والثعلبي والواحدي باسنادهم إلى أبى بن كعب.
(٢) أخرجه الطبراني والدارقطني في المؤتلف والحاكم وابن مردويه والثعلبي من رواية عمرو بن عبيد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة وعمرو بن عبيد واهى الحديث.
(٣) هو في الحديث المتقدم في سورة يونس.
(٤) قوله «وأنطوا الثبجة» في القاموس «الشبجة» محركة : المتوسطة بين الخيار والرذال اه. (ع)
(٥) للكميت. وأنت كثير : أى كثير الخير والبر. ويروى بدله : كوثر. وفي الهداء تنويه باسمه وتعظيم ـ
وقيل (الْكَوْثَرَ) نهر في الجنة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأها حين أنزلت عليه فقال : «أتدرون ما الكوثر؟ إنه نهر في الجنة وعدنيه ربى ، فيه خير كثير (١)» وروى في صفته : أحلى من العسل ، وأشد بياضا من اللبن ، وأبرد من الثلج ، وألين من الزبد ، حافتاه الزبرجد ، وأوانيه من فضة عدد نجوم السماء (٢). وروى : لا يظمأ من شرب منه أبدا : أول وارديه : فقراء المهاجرين : الدنسو الثياب ، الشعث الرؤوس ، الذين لا يزوجون المنعمات ، ولا تفتح لهم أبواب السدد ، يموت أحدهم وحاجته تتلجلج في صدره ، لو أقسم على الله لأبرّه» (٣) وعن ابن عباس أنه فسر الكوثر بالخير الكثير ، فقال له سعيد بن جبير : إن ناسا يقولون : هو نهر في الجنة! فقال : هو من الخير الكثير. والنحر : نحر البدن ، وعن عطية : هي صلاة الفجر بجمع ، والنحر بمنى. وقيل : صلاة العيد والتضحية. وقيل. هي جنس الصلاة. والنحر : وضع اليمين على الشمال ، والمعنى : أعطيت مالا غاية لكثرته من خير الدارين الذي لم يعطه أحد غيرك ، ومعطى ذلك كله أنا إله العالمين ، فاجتمعت لك الغبطتان السنيتان (٤) : إصابة أشرف عطاء وأوفره ، من أكرم معط وأعظم منعم ، فاعبد ربك الذي أعزك بإعطائه ، وشرفك وصانك من منن الخلق ، مراغما لقومك الذين يعبدون غير الله ، وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرت ، مخالفا لهم في النحر للأوثان (إِنَ) من أبغضك من قومك لمخالفتك لهم (هُوَ الْأَبْتَرُ) لا أنت ، لأنّ كل من يولد إلى يوم القيامة من المؤمنين فهم أولادك وأعقابك ، وذكرك مرفوع على المنابر والمنار ، وعلى لسان كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر ، يبدأ بذكر الله ويثنى بذكرك ، ولك في الآخرة مالا يدخل تحت الوصف ، فمثلك لا يقال له أبتر : وإنما الأبتر هو شانئك المنسى في
__________________
ـ لقدره. واستعار الطيب لحسن السيرة. ويجوز أنه ضد الخبيث. والعقائل : خيار النساء ، والمراد جنسهن أو ما يشمل الجدات. والكوثر : بليغ النهاية في الخير.
(١) أخرجه مسلم من رواية المختار بن فلفل عن أنس في أثناء حديث ذكره في أوائل الصلاة.
(٢) أخرجه الحاكم من حديث أبى برزة رفعه «حوضي ما بين أيلة إلى صنعاء : عرضه كطوله. فيه ميزابان يصبان من الجنان أحلى من العسل ، وأبرد من الثلج وأشد بياضا من اللبن ، وألين من الزبد فيه أباريق عدد نجوم السماء ـ الحديث» وفي ابن مردويه من حديث ابن عباس في قصة الاسراء ـ فذكر حديثا طويلا جدا. وفيه ذكر الكوثر وحافتاه من زبرجد.
(٣) أخرجه ابن ماجة وأحمد والطبراني من حديث ثوبان. وفيه «أن حوضي ما بين عدن إلى أيلة. أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل ، أكوابه عدد نجوم السماء من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا وأول من يدخل عليه فقراء المهاجرين الدنس ثيابا الشعث رءوسا الذين لا ينكحون المنعمات ولا يفتح لهم السدد»
(٤) قال محمود : «أى جمعنا لك الغبطتين السنيتين أحدهما إصابة أشرف عطاء وهو الكوثر ... الخ» قال أحمد» جعل الزمخشري توسط الضمير بين الجزءين مقيد للاختصاص لأن إفادته هاهنا لذلك بيتة مكشوفة.
الدنيا والآخرة ، وإن ذكر ذكر باللعن. وكانوا يقولون : إنّ محمدا صنبور (١) : إذا مات مات ذكره. وقيل : نزلت في العاص بن وائل ، وقد سماه الأبتر ، والأبتر : الذي لا عقب له. ومنه: الحمار الأبتر الذي لا ذنب له.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة الكوثر سقاه الله من كل نهر في الجنة ويكتب له عشر حسنات بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر أو يقربونه (٢)».
سورة الكافرون
مكية ، وهي ست آيات «نزلت بعد الماعون»
ويقال لها ولسورة الإخلاص : المقشقشتان ، أى المبرئتان من النفاق
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ)(٤) (وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)(٦)
المخاطبون كفرة مخصوصون قد علم الله منهم أنهم لا يؤمنون. روى أنّ رهطا من قريش قالوا : يا محمد ، هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك : تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة ، فقال معاذ الله أن أشرك بالله غيره : فقالوا : فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك ، فنزلت ، فغدا إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقام على رؤوسهم فقرأها عليهم ، فأيسوا. (لا أَعْبُدُ) أريدت به العبادة فيما يستقبل ، لأن «لا» لا تدخل إلا على مضارع في معنى الاستقبال ، كما أن «ما» لا تدخل إلا على مضارع في معنى الحال ، ألا ترى أن «لن» تأكيد فيما تنفيه «لا»
__________________
(١) قوله «إن محمدا صنبور» ذكر في القاموس معانيه : الرجل الفرد الضعيف الذليل بلا أهل وعقب وناصر اه.(ع)
(٢) أخرجه الثعلبي وابن مردويه بسندهم إلى أبى بن كعب.
وقال الخليل في «لن» : أنّ أصله «لا أن» والمعنى : لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه منى من عبادة آلهتكم ، ولا أنتم فاعلون فيه ما أطلب منكم من عبادة إلهى (وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ) أى : وما كنت قط عابدا فيما سلف ما عبدتم (١) فيه ، يعنى لم تعهد منى عبادة صنم في الجاهلية ، فكيف ترجى منى في الإسلام (وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ) أى : وما عبدتم في وقت ما أنا على عبادته. فإن قلت : فهلا قيل : ما عبدت ، كما قيل : ما عبدتم؟ قلت : لأنهم كانوا يعبدون الأصنام قبل المبعث ، وهو لم يكن يعبد الله تعالى في ذلك الوقت. فإن قلت : فلم جاء على «ما» دون «من»؟ قلت ، لأن المراد الصفة ، كأنه قال : لا أعبد الباطل ، ولا تعبدون الحق. وقيل : إن «ما» مصدرية ، أى : لا أعبد عبادتكم ، ولا تعبدون عبادتي (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) لكم شرككم ، ولى توحيدي. والمعنى : أنى نبىّ مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة ، فإذا لم تقبلوا منى ولم تتبعوني ، فدعوني كفافا ولا تدعوني إلى الشرك.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة الكافرين فكأنما قرأ ربع القرآن وتباعدت منه مردة الشياطين ، وبريء من الشرك ويعافى من الفزع الأكبر» (٢).
__________________
(١) قال محمود : «معناه في المستقبل ، لأن «لا» تنفى المستقبل ، ولا أنتم عابدون ما أعبد : كذلك ، ولا أنا عابد ما عبدتم : أى فيما سلف ... الخ» قال أحمد : هذا الذي قاله خطأ على الأصل والفرع جميعا : أما على أصله القدري ، فانه وان كان مقتضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قبل البعث على دين نبى قبله ، لاعتقاد القدرية أن ذلك غميزة في منصبه ، ومنفر من اتباعه ، فيستحيل وقوعه للمفسدة ، إلا أنهم يعتقدون أن الناس كلهم متعبدون بمقتضى العقل بوجوب النظر في آيات الله تعالى وأدلة توحيده ومعرفته ، وأن وجوب النظر بالعقل لا بالسمع فتلك عبادة قبل البعث يلزمهم ألا يظنوا به صلى الله عليه وسلم الإخلال بها ، فحينئذ يقتضى أصلهم أنه كان قبل البعث يعبد الله تعالى ، فالزمخشرى حافظ على الوفاء بأصله في عدم اتباعه لنبي سابق ، فأخل بالتفريع على أصله الآخر في وجوب العبادة بالعقل. والحق أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعبد قبل الوحى ويتحنث في غار حراء ، فان كان مجيء قوله أعبد ـ لأن الماضي لم يحصل فيه هذه العبادة المرادة في الآية ـ فيحمل الأمر فيها والله أعلم على مجموع العبادات الخاصة التي لم تعلم إلا بالوحي ، لا على مجرد توحيد الله تعالى ومعرفته ؛ فإن ذلك لم يزل ثابتا له صلى الله عليه وسلم قبل البعث ، والله أعلم. أو يكون مجيئه مضارعا لقصد تصوير عبادته في نفس السامع وتمكينها من فهمه ، كقوله (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) والأصل : فأصبحت ، وإنما عدل عنه للمعنى المذكور ، وهو وجه حسن ، فتأمله ، والله أعلم.
(٢) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بسندهم إلى أبى بن كعب. قلت : وصدره رواه الترمذي. حديث أنس رضى الله عنه.
سورة النصر
نزلت بمنى في حجة الوداع ، فتعد مدنية ، وهي آخر ما نزل من السور
وآياتها ٣ «نزلت بعد التوبة»
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً)(٣)
(إِذا جاءَ) منصوب بسبح ، وهو لما يستقبل. والاعلام بذلك قبل كونه من أعلام النبوّة. روى أنها نزلت في أيام التشريق بمنى في حجة الوداع. فإن قلت : ما الفرق بين النصر والفتح حتى عطف عليه؟ قلت : النصر الاغاثة والاظهار على العدوّ. ومنه : نصر الله الأرض غاثها. والفتح : فتح البلاد. والمعنى : نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على العرب. أو على قريش وفتح مكة. وقيل : جنس نصر الله للمؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم ، وكان فتح مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان ، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وطوائف العرب ، وأقام بها خمس عشرة ليلة ، ثم خرج إلى هوازن ، وحين دخلها وقف على باب الكعبة ، ثم قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، ثم قال : يا أهل مكة ، ما ترون أنى فاعل بكم؟ قالوا : خيرا أخ كريم وابن أخ كريم. قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء ، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) ، وقد كان الله تعالى أمكنه من رقابهم عنوة ، وكانوا له فيئا ، فلذلك سمى أهل مكة الطلقاء ، ثم بايعوه على الإسلام (فِي دِينِ اللهِ) في ملة الإسلام التي لا دين له يضاف إليه غيرها (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ). (أَفْواجاً) جماعات كثيفة كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها
__________________
(١) أخرجه ابن إسحاق في السيرة. وروى البخاري عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من مكة في رمضان ـ الحديث ، قال : فصبحها لثلاث عشرة خلت من رمضان» وفي الدلائل من طريق ابن إسحاق عن الزهري وغيره قال : فتحت لعشر بقين».
بعد ما كانوا يدخلون فيه واحدا واحدا واثنين اثنين. وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه أنه بكى ذات يوم ، فقيل له (١). فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «دخل الناس في دين الله أفواجا وسيخرجون منه أفواجا (٢)» وقيل : أراد بالناس أهل اليمن. قال أبو هريرة : لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الله أكبر جاء نصر الله والفتح ، وجاء أهل اليمن : قوم رقيقة قلوبهم ، الإيمان يمان ، والفقه يمان ، والحكمة يمانية» (٣)» وقال أجد نفير ربكم من قبل اليمن» (٤) وعن الحسن : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أقبلت العرب بعضها على بعض ، فقالوا : أما إذ ظفر بأهل الحرم فليس به يدان ، وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل وعن كل من أرادهم ، فكانوا يدخلون في الإسلام أفواجا من غير قتال. وقرأ ابن عباس : فتح الله والنصر : وقرئ : يدخلون ، على البناء للمفعول. فإن قلت : ما محل يدخلون؟ قلت : النصب إما على الحال ، على أن رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت. أو هو مفعول ثان على أنه بمعنى علمت (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) فقل سبحان الله : حامدا له ، أى : فتعجب لتيسير الله ما لم يخطر ببالك وبال أحد من أن يغلب أحد على أهل الحرم ، واحمده على صنعه. أو : فاذكره مسبحا حامدا ، زيادة في عبادته والثناء عليه ، لزيادة إنعامه عليك. أو فصل له. روت أمّ هانئ : أنه لما فتح باب الكعبة صلى صلاة الضحى ثماني ركعات (٥) وعن عائشة : كان عليه الصلاة والسلام يكثر قبل موته أن يقول : «سبحانك اللهم وبحمدك ، أستغفرك وأتوب إليك» (٦) والأمر بالاستغفار مع التسبيح تكميل للأمر بما هو قوام أمر الدين : من الجمع بين الطاعة والاحتراس
__________________
(١) قوله «فقيل له» لعله : فقيل له في ذلك. (ع)
(٢) أخرجه أحمد وإسحاق وابن مردويه والثعلبي من رواية الأوزاعي : حدثني أبو عمار حدثني جار لجابر ابن عبد الله قال «قدمت من سفر فجاءني جابر بن عبد الله فسلم علىّ فجعلت أحدثه عن افتراق الناس وما أحدثوا. فجعل يبكى. ثم قال : سمعت ـ فذكره» وله شاهد عن أبى هريرة في العين من المستدرك.
(٣) أخرجه ابن مردويه من طريق عبد الرازق أخبرنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عنه. وأصله في مسلم دون ما في أوله. وله شاهد في ابن حبان والنسائي من حديث ابن عباس رضى الله عنهما.
(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط ومسند الشاميين من طريق جرير بن عثمان عن شبيب بن روح عن أبى هريرة به في حديث أوله «الايمان يمان» ولا بأس بإسناده. وله شاهد من حديث سلمة بن نفيل السكوني في مسند البزار والطبراني الكبير والبيهقي في الأسماء. وفي إسناده إبراهيم بن سليمان الأفطس. قال البزار : إنه غير مشهور.
(٥) لم أجده هكذا : فان ظاهره يوهم أنه صلاها داخل الكعبة وفي الصحيحين من حديث أم هانئ «أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة اغتسل في بيتها وصلى ثمان ركعات» ورواه أبو داود بلفظ «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى سبحة الضحى ثماني ركعات يسلم في كل ركعتين» إسناده صحيح ، وأخرجه أحمد وابن أبى شيبة والطبراني وابن حبان وأبو يعلى والبيهقي والحاكم والطبري من طرق كثيرة تزيد على ثلاثين وجها ، لم يذكر أحد منهم هذه الزيادة.
(٦) متفق عليه واللفظ لمسلم.
من المعصية ، وليكون أمره بذلك مع عصمته لطفا لأمته ، ولأنّ الاستغفار من التواضع لله وهضم النفس ، فهو عبادة في نفسه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : «إنى لأستغفر في اليوم والليلة مائة مرة (١)» وروى أنه لما قرأها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه استبشروا وبكى العباس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما يبكيك يا عم»؟ قال : نعيت إليك نفسك. قال : «إنها لكما تقول» (٢) فعاش بعدها سنتين لم يرفيهما ضاحكا مستبشرا. وقيل : إن ابن عباس هو الذي قال ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، «لقد أوتى هذا الغلام علما كثيرا» (٣) وروى أنها لما نزلت خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين لقائه ، فاختار لقاء الله» فعلم أبو بكر رضى الله عنه ، فقال : فديناك بأنفسنا وأموالنا وآبائنا وأولادنا (٤). وعن ابن عباس أن عمر رضى الله عنهما كان يدنيه ويأذن له مع أهل بدر ، فقال عبد الرحمن : أتأذن لهذا الفتى معنا وفي أبنائنا من هو مثله؟ «فقال إنه ممن قد علمتم (٥)» قال ابن عباس : فأذن لهم ذات يوم ، وأذن لي معهم ، فسألهم عن قول الله تعالى (إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ) ولا أراه سألهم إلا من أجلى ، فقال بعضهم : أمر الله نبيه إذا فتح عليه أن يستغفره ويتوب إليه ، فقلت : ليس كذلك ، ولكن نعيت إليه نفسه ، فقال عمر : ما أعلم منها إلا مثل ما تعلم ، ثم قال : كيف تلومونني عليه بعد ما ترون؟ وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا فاطمة رضى الله عنها فقال : «يا بنتاه إنه نعيت إلىّ نفسي ، فبكت ، فقال : لا تبكى ، فإنك أوّل أهلى لحوقا بي (٦)» وعن ابن مسعود أنّ هذه السورة تسمى سورة التوديع (كانَ تَوَّاباً) أى كان في الأزمنة الماضية منذ خلق المكلفين توابا عليهم إذا استغفروا ، فعلى كل مستغفر ، أن يتوقع مثل ذلك.
__________________
(١) أخرجه مسلم من حديث الأغر المزني.
(٢) ذكره الثعلبي عن مقاتل وسنده إليه دون الكتاب.
(٣) لم أجده.
(٤) متفق عليه أصله من حديث أبى سعيد الخدري دون أوله من كونه كان عند نزول السورة. نعم فيه ما يشعر بأن ذلك كان في أواخر عمره ونزولها كان في أواخر عمره بلا نزاع.
(٥) أخرجه البخاري من حديث ابن عباس معناه. وليس فيه تعيين عبد الرحمن بن عوف. واستدركه الحاكم فوهم. وأخرجه البزار وآخر لفظه موافق لآخر لفظ المصنف.
(٦) أخرجه البيهقي في أواخر الدلائل وابن مردويه من رواية هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما قال «لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فقال لها إنه قد نعبت إلى نفسي فبكت فقال لها : اصبري فإنك أول أهلى لحوقا بى. فقال لها بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. الحديث وشاهده في الصحيحين من حديث عائشة رضى الله عنها من رواية مسروق عنها مطولا.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة إذا جاء نصر الله أعطى من الأجر كمن شهد مع محمد يوم فتح مكة» (١).
سورة المسد
مكية ، وآياتها ٥ [نزلت بعد الفاتحة]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ)(٥)
التباب : الهلاك. ومنه قولهم : أشابة أم تابة ، أى : هالكة من الهرم والتعجيز. والمعنى:هلكت يداه ، لأنه فيما يروى : أخذ حجرا ليرمى به رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَتَبَ) وهلك كله. أو جعلت يداه هالكتين. والمراد : هلاك جملته ، كقوله تعالى (بِما قَدَّمَتْ يَداكَ) ومعنى (وَتَبَ) : وكان ذلك وحصل ، كقوله :
|
جزانى جزاه الله شرّ جزائه |
|
جزاء الكلاب العاويات وقد فعل (٢) |
__________________
(١) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.
(٢) كأن قد فعل به خيرا فجزاء شرا ، فدعا عليه بقوله : جزاه الله شر جزائه. جزاء الكلاب : بدل من «شر جزائه» وضمير «جزائه» لله. أو للرجل المدعو عليه. وجزاء الكلاب العاويات : رجمها. ويروى «العاديات» بالدال ، بدل الواو. وقد فعل : أى فعل الله ذلك الجزاء في الواقع ، حيث أوقعه. وفيه من أنواع البديع : الرجوع ، وهو العود إلى الكلام السابق بالنقض لنكتة ، لأن مقتضى الدعاء أن المدعو به لم يحصل ، فنقضه بقوله «وقد فصل». ويروى بدل الشطر الأول : جزى ربه عنى عدى بن حاتم. وضمير «ربه» لحاتم ، وإن تأخر لفظا ورتبة للضرورة ، وأجازه الأخفش وابن جنى وابن مالك في السعة ، لأن المفعول به كان متقدما لشدة اقتضاء الفعل إياه. وقيل عائد الجزاء المعلوم من جزى. ويروى بدل الشطر الأول أيضا : جزى الله عبسا عبس ـ
ويدل عليه قراءة ابن مسعود : وقد تب ، وروى أنه لما نزل (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) رقى الصفا وقال. يا صباحاه ، فاستجمع إليه الناس من كل أوب. فقال : يا بنى عبد المطلب ، يا بنى فهر ، إن أخبرتكم أنّ بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدقىّ؟ قالوا : نعم ، قال : فإنى نذير لكم بين يدي الساعة ، فقال أبو لهب : تبا لك ، ألهذا دعوتنا (١)؟ فنزلت. فإن قلت : لم كناه ، والتكنية تكرمة؟ قلت : فيه ثلاثة أوجه ، أحدها : أن يكون مشتهرا بالكنية دون الاسم ، فقد يكون الرجل معروفا بأحدهما ، ولذلك تجرى الكنية على الاسم ، أو الاسم على الكنية عطف بيان ، فلما أريد تشهيره بدعوة السوء وأن تبقى سمة له ، ذكر الأشهر من علميه ويؤيد ذلك قراءة من قرأ ، يدا أبو لهب (٢) ، كما قيل ، على بن أبو طالب. ومعاوية بن أبو سفيان ، لئلا يغير منه شيء فيشكل على السامع ، ولفليتة بن قاسم أمير مكة ابنان ، أحدهما : عبد الله ـ بالجرّ ، والآخر عبد الله ـ بالنصب. كان بمكة رجل يقال له : عبد الله ـ بجرّة الدال ، لا يعرف إلا هكذا. والثاني : أنه كان اسمه عبد العزى ، فعدل عنه إلى كنيته. والثالث : أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب ، وافقت حاله كنيته ، فكان جديرا بأن يذكر بها. ويقال : أبو لهب ، كما يقال : أبو الشر للشرير. وأبو الخير للخير ، وكما كنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا المهلب : أبا صفرة ، بصفرة في وجهه. وقيل كنى بذلك لتلهب وجنتيه وإشراقهما ، فيجوز أن يذكر بذلك تهكما به ، وبافتخاره بذلك. وقرئ أبى لهب ، بالسكون. وهو من تغيير الأعلام ، كقولهم : شمس بن مالك بالضم (ما أَغْنى) استفهام في معنى الإنكار ، ومحله النصب أو نفى (وَما كَسَبَ) مرفوع. وما موصولة أو مصدرية بمعنى : ومكسوبه. أو : وكسبه. والمعنى : لم ينفعه ماله وما كسب بماله ، يعنى : رأس المال والأرباح. أو ماشيته وما كسب من نسلها ومنافعها ، وكان ذا سابياء (٣). أو ماله الذي ورثه
__________________
ـ آل بغيض. وهي قبيلة معروفة ، ولعل شاعر متعدد ، وما حكاه بعض شراح شواهد الجامى من أن عدى بن حاتم رجل روى بنى قصرا النعمان بن امرئ القيس بظهر الكوفة ، فأعجبه فسأله : هل بنيت مثله فقال : لا ، وبنيته على حجر لو سقط سقط القصر ، فألقاه من أعلاه فخر ميتا : فهو خطأ. والصواب أن هذه الحكاية إنما وقعت لسنمار المذكور في قوله :
|
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر |
|
وحسن فعل كما يجزى سنمار |
لأن عدى بن حاتم صحابى من لب العرب ، وضمير «بنوه» : لأبى الغيلان بالكسر. وسنمار بكسرتين فتشديد.
و «عن» متعلقة بجزى ، أى : جزاء ناشئا عن كبر ، وفيه معنى التهكم. ويجوز أنها بمعنى البدل ، والأوجه أنها بمعنى بعد. وقيل : إنها بمعنى في ، وليس بشيء ، وعبر بالمضارع بدل الماضي استحضارا لما مضى ، لأنه عجيب.
(١) متفق عليه من حديث ابن عباس رضى الله عنهما.
(٢) قال محمود : «ويؤيد ذلك قراءة من قرأ يدا أبو لهب» قال أحمد : وفي هذا دليل لأن الرفع أسبق وجوه الاعراب وأولها. ألا تراهم إنما حافظوا على صيغته التي بها اشتهر الاسم ، وكانت أول أحواله.
(٣) قوله «وكان ذا سابياء» ذكر في القاموس من هاتبها : المال الكثير والنتاج ، والإبل النتاج والغنم التي كثر نسلها. «التالد» القديم. والطارق المستحدث (ع)
من أبيه والذي كسبه بنفسه. أو ماله التالد والطارف. وعن ابن عباس : ما كسب ولده. وحكى أن بنى أبى لهب احتكموا إليه ، فاقتتلوا ، فقام يحجز بينهم ، فدفعه بعضهم فوقع ، فغضب ، فقال : أخرجوا عنى الكسب الخبيث : ومنه قوله عليه السلام «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» وعن الضحاك : ما ينفعه ماله وعمله الخبيث ، يعنى كيده في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن قتادة : عمله الذي ظن أنه منه على شيء ، كقوله (وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ) وروى أنه كان يقول : إن كان ما يقول ابن أخى حقا فأنا أفتدى منه نفسي بمالي وولدى (سَيَصْلى) قرئ بفتح الياء وبضمها : مخففا ومشددا ، والسين للوعيد ، أى : هو كائن لا محالة وإن تراخى وقته (وَامْرَأَتُهُ) هي أم جميل بنت حرب أخت أبى سفيان ، وكانت تحمل حزمة من الشوك والحسك (١) والسعدان فتنثرها بالليل في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل : كانت تمشى بالنميمة : ويقال للمشاء بالنمائم المفسد بين الناس : يحمل الحطب بينهم ، أى : يوقد بينهم النائرة ويورّث الشر. قال :
|
من البيض لم تصطد على ظهر لأمة |
|
ولم تمش بين الحىّ بالحطب الرّطب (٢) |
جعله رطبا ليدل على التدخين الذي هو زيادة في الشر ، ورفعت عطفا على الضمير في (سَيَصْلى) أى : سيصلى هو وامرأته. و (فِي جِيدِها) في موضع الحال. أو على الابتداء ، وفي جيدها : الخبر. وقرئ : حمالة الحطب ، بالنصب على الشتم ، وأنا أستحب هذه القراءة ، وقد توسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميل : من أحب شتم أم جميل. وقرئ : حمالة للحطب. وحمالة للحطب : بالتنوين ، والرفع والنصب. وقرئ : ومريته بالتصغير. المسد : الذي فتل من الحبال فتلا شديدا ، من ليف كان أو جلد ، أو غيرهما. قال :
__________________
(١) قوله «من الشوك والحسك» في الصحاح «الحسك» : حسك السعدان. وفيه «السعدان» : نبت شوك ، ولهذا النيت شوك يقال : حسك السعدان. (ع)
(٢) أنشده يعقوب. والبياض : مجاز عن الخلوص من أسباب الذم. وتصطد من الصيد ، أى : الوجدان والإدراك ، وزنه يفتعل : فلبت تاء الافتعال طاء على القياس. ورواه بعضهم يضدد. وبعضهم : يضطد ، بالضاد المعجمة فيهما ، على أنه من الضد ، ولينظر وجه الثاني ، لأن الدال فيه حقها التشديد ، فلعله خففها للضرورة. واللامة : اللوم وسببه : شبهها بالمطية التي اعتاد صاحبها ركوبها على طريق المكنية ، فأثبت لها الظهر تخييلا لذلك. وروى ، بالخطر ، بدل الحطب : وهو الخشب ، والحطب الذي يحظر به ، والمراد النميمة : استعير لها ذلك بجامع ثوران المكروه من كل ، لأن الحطب الرطب إذا أوقدت فيه النار كثر دخانه. وروى : لم يضدد ، ولم يمش بالياء على أنها صفة لمذكر.
ومسد أمرّ من أيانق (١)
ورجل ممسود الخلق مجدوله. والمعنى : في جيدها حبل مما مسد من الحبال ، وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون : تخسيسا لحالها ، وتحقيرا لها ، وتصويرا لها بصورة بعض الحطابات من المواهن ، لتمتعض (٢) من ذلك ويمتعض بعلها ، وهما في بيت العز والشرف. وفي منصب الثروة والجدة. ولقد عير بعض الناس الفضل بن العباس ابن عتبة ابن أبى لهب بحمالة الحطب ، فقال :
|
ما ذا أردت إلى شتمي ومنقصتي |
|
أم ما تعيّر من حمّالة الحطب |
|
غرّاء شادخة في المجد غرّتها |
|
كانت سليلة شيخ ناقب الحسب (٣) |
__________________
|
(١) إن سرك الارواء غير سائق |
|
فاعجل بغرب مثل غرب طارق |
|
ومسد أمر من أيانق |
|
ليس بأنياب ولا حقائق |
|
ولا ضعاف مخهن زاهق |
||
لعمارة بن طارق. يقول : إن سرك الاستسقاء حال كونك غير سائق للإبل التي يسقى عليها ، فأسرع إلى ماء بئر بدلو عظيمة مثل دلو طارق أبى. وبحبل أمر : بالبناء للمجهول ، أى : فتل فتلا شديدا. من أيافق ، أى : من أوبارها ، أو من جلودها. والأيانق : جمع أينق. والأينق : جمع نوق والنوق : جمع ناقة ، ليس ذلك الحبل أنيابا ، أى ، نوقا مسنة ، ولا حقائق : أى فتيات ، ولا ضعافا : أى ليس من هذه الأنواع التي تساق بمشقة ففي هذا التنويع تتغير عنها. ويروى : لسن ، أى : النوق التي يفتل منها. والأشبه : أن حق الرواية مع أيانق ، أى : أعجل بحبل مفتول من الليف الأبيض. ونوق شداد : لا تحتاج إلى السوق. ومخهن زاهق : قال الفراء : هو مرفوع ، والشعر مكفا. يقول : بل مخهن مكتنز سمين على الابتداء ، وهذا مما يؤيد رواية : لسن بالنوق. وقال غيره : الزاهق هنا الذاهب ، وهو مجرور بالعطف ، أى : ولا ضعاف مخهن. وزاهق بالجر ردا على ضعاف ، فكأنه رفع مخهن بضعاف.
(٢) قوله «من المواهن لتمتعض» جمع ماهن وهي الخادم. والامتعاض : الغضب. أفاده الصحاح. (ع)
(٣) هو تعبير الفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب. وحمالة الحطب : زوجة أبى لهب ، فهي جدته. والغراء البيضاء. والشادخة : المتسعة ، وذلك مجاز عن الظهور وارتفاع المقدار. والسليلة من سل من غيره ، والمراد بالشيخ : أبوها حرب ، لأنها أم جميل أخت أبى سفيان بن حرب ، كانت عوراء ، وماتت مخنوقة بحبلها الذي كانت تحمل فيه الحطب. وقيل : حمل الحطب مجاز عن إثارة الفتنة ، لأنها كانت نمامة. وإلى شتمي : متعلق بمحذوف أو بأردت على طريق التضمين ، أى : أى شيء أردته مائلا أنت إلى شتمي ، أو منضما هو إلى شتمي. أو ما الذي أردته من شتمي أو مع شتمي؟ هل أردت أنك شريف لا عيب فيك. ويحوز أن إلى بمعنى من كما قال النحاة ، واشتشهدوا عليه بقوله :
|
تقول وقد عاليت بالكور فوقها |
|
السقي فلا يروى إلى ابن أحمرا |
ويمكن أنها للمصاحبة ، كما قالوه أيضا في قوله تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ) وتعير : أصله تتعير ، فحذف منه إحدى التائين. أما تتعير من جدتك التمامة لا ينبغي عدم ذلك. وروى : ثاقب الحسب. والمعنى : أن حسبه أصيل ، فكأنه داخل في أجداد السابقين «أو سائر بين الناس ، وذمها الآن مع رفعة شأنها فيما كان : أشد في الامتهان.
ويحتمل أن يكون المعنى : أن حالها تكون في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل حزمة الشوك ، فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من شجرة الزقوم أو من الضريع ، وفي جيدها حبل من ما مسد من سلاسل النار : كما يعذب كل مجرم بما يجانس حاله في جرمه. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة تبت رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبى لهب في دار واحدة (١)».
سورة الإخلاص
مكية ، وقيل مدنية ، وآياتها ٤ «نزلت بعد الناس»
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)(٤)
(هُوَ) ضمير الشأن ، و (اللهُ أَحَدٌ) هو الشأن ، كقولك : هو زيد منطلق ، كأنه قيل : الشأن هذا ، وهو أنّ الله واحد لا ثانى له. فإن قلت : ما محل هو؟ قلت : الرفع على الابتداء والخبر الجملة. فإن قلت : فالجملة الواقعة خبرا لا بد فيها من راجع إلى المبتدإ ، فأين الراجع؟ قلت : حكم هذه الجملة حكم المفرد في قولك «زيد غلامك» في أنه هو المبتدأ في المعنى ، وذلك أن قوله (اللهُ أَحَدٌ) هو الشأن الذي هو عبارة عنه ، وليس كذلك «زيد أبوه منطلق» فإنّ زيدا والجملة يدلان على معنيين مختلفين ، فلا بد مما يصل بينهما. وعن ابن عباس : قالت قريش : يا محمد ، صف لنا ربك الذي تدعونا إليه ، فنزلت : يعنى : الذي سألتمونى وصفه هو الله ، وأحد : بدل من قوله ، الله. أو على : هو أحد ، وهو بمعنى واحد ، وأصله وحد. وقرأ عبد الله وأبىّ : هو الله أحد ، بغير (قُلْ) وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم : الله أحد ، بغير (قُلْ هُوَ) وقال من
__________________
(١) أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه من حديث أبى بن كعب.
قرأ : الله أحد ، كان بعدل القرآن. وقرأ الأعمش : قل هو الله الواحد. وقرئ : أحد الله ، بغير تنوين : أسقط لملاقاته لام التعريف. ونحوه
ولا ذاكر الله إلّا قليلا (١)
والجيد هو التنوين ، وكسره لالتقاء الساكنين. و (الصَّمَدُ) فعل بمعنى مفعول ، من صمد إليه إذا قصده ، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج. والمعنى : هو الله الذي تعرفونه وتقرّون بأنه خالق السماوات والأرض وخالقكم ، وهو واحد متوحد بالإلهية لا يشارك فيها ، وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه ، وهو الغنى عنهم (لَمْ يَلِدْ) لأنه لا يجانس ، حتى تكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا. وقد دل على هذا المعنى بقوله (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ). (وَلَمْ يُولَدْ) لأنّ كل مولود محدث وجسم ، وهو قديم لا أوّل لوجوده وليس يجسم ولم يكافئه أحد ، أى : لم يماثله ولم يشاكله. ويجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح ، نفيا للصاحبة : سألوه أن يصفه لهم ، فأوحى إليه ما يحتوى على صفاته ، فقوله (هُوَ اللهُ) إشارة لهم إلى من هو خالق الأشياء وفاطرها ، وفي طىّ ذلك وصفه بأنه قادر عالم ، لأن الخلق يستدعى القدرة والعلم ، لكونه واقعا على غاية إحكام واتساق وانتظام. وفي ذلك وصفه بأنه حى سميع بصير. وقوله (أَحَدٌ) وصف بالوحدانية ونفى الشركاء. وقوله (الصَّمَدُ) وصف بأنه ليس إلا محتاجا إليه ، وإذا لم يكن إلا محتاجا إليه : فهو غنى. وفي كونه غنيا مع كونه عالما : أنه عدل غير فاعل للقبائح (٢) ، لعلمه بقبح القبيح وعلمه بغناه عنه. وقوله (لَمْ يُولَدْ) وصف بالقدم والأوّلية. وقوله (لَمْ يَلِدْ) نفى للشبه والمجانسة. وقوله (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) تقرير لذلك وبت للحكم به : فإن قلت : الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم ، وقد نص سيبويه على ذلك في كتابه (٣) ، فما باله مقدّما في أفصح كلام وأعربه؟ قلت هذا الكلام إنما سيق لنفى المكافأة عن ذات الباري سبحانه ، وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا
__________________
(١) تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٤٤٨ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٢) قوله «إنه عدل غير فاعل للقبائح» هذا مذهب المعتزلة ، وذهب أهل السنة إلى أنه تعالى هو الخالق لجميع الأشياء خيرها وشرها قبيحها وحسنها. قال تعالى : (اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) وعلمه بقبح القبيح لا يمنعه من خلقه ، لأنه لحكمة وإن لم يعلمها غيره. (ع)
(٣) قال محمود : «إن قلت الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف وقد نص سيبويه على ذلك» قال أحمد : نقل سيبويه أنه سمع بعض الجفاة من العرب يقرأ : ولم يكن أحدا كفوا له ، وجرى هذا الجلف على عادته فجفا طبعه عن لطف المعنى الذي لأجله اقتضى تقديم الظرف مع الخبر على الاسم ، وذلك أن الغرض الذي سيقت له الآية نفى المكافأة والمساواة عن ذات الله تعالى ، فكان تقديم المكافأة المقصود بأن يسلب عنه أولى ، ثم لما قدمت لتسلب ذكر معها الظرف ليبين الذات المقدسة بسلب المكافأة ، والله أعلم.
الظرف ، فكان لذلك أهم شيء وأعناه ، وأحقه بالتقدم وأحراه. وقرئ : كفؤا ، بضم الكاف والفاء. وبضم الكاف وكسرها مع سكون الفاء : فإن قلت. لم كانت هذه السورة عدل القرآن كله على قصر متنها وتقارب طرفيها؟ قلت : لأمر ما يسود من يسود ، وما ذاك إلا لاحتوائها على صفات الله تعالى وعدله وتوحيده ، وكفى دليلا من اعترف بفضلها وصدق بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها : إنّ علم التوحيد من الله تعالى بمكان ، وكيف لا يكون كذلك والعلم تابع للمعلوم : يشرف بشرفه ، ويتضع بضعه ، ومعلوم هذا العلم هو الله تعالى وصفاته ، وما يجوز عليه وما لا يجوز ، فما ظنك بشرف منزلته وجلالة محله ، وإنافته على كل علم ، واستيلائه على قصب السبق دونه ، ومن ازدراه فلضعف علمه بمعلومه ، وقلة تعظيمه له ، وخلوه من خشيته ، وبعده من النظر لعاقبته. اللهم احشرنا في زمرة العالمين بك العاملين لك ، القائلين بعدلك وتوحيدك ، الخائفين من وعيدك. وتسمى سورة الأساس لاشتمالها على أصول الدين. وروى أبىّ وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم : «أسست السماوات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد» (١) يعنى ما خلقت إلا لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته التي نطقت بها هذه السورة. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد فقال : «وجبت». قيل : يا رسول الله وما وجبت؟ قال : «وجبت له الجنة» (٢)
__________________
(١) لم أجده مرفوعا «وأخرجه ابن أبى شيبة في فضائل القرآن من رواية عبد الله بن غيلان الثقفي عن العب الأحبار موقوفا.
(٢) أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم من حديث عبيد بن حنين عن أبى هريرة. وله شاهد في الطبراني الكبير من حديث أبى أمامة.
سورة الفلق
مكية ، وقيل مدنية ، وآياتها ٥ «نزلت بعد الفيل»
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ)(٥)
الفلق والفرق : الصبح ، لأن الليل يفلق عنه ويفرق : فعل بمعنى مفعول. يقال في المثل : هو أبين من فلق الصبح ، ومن فرق الصبح. ومنه قولهم : سطع الفرقان ، إذا طلع الفجر. وقيل : هو كل ما يفلقه الله ، كالأرض عن النبات ، والجبال عن العيون ، والسحاب عن المطر ، والأرحام عن الأولاد ، والحب والنوى وغير ذلك. وقيل : هو واد في جهنم أوجب فيها من قولهم لما اطمأن من الأرض : الفلق. والجمع : فلقان. وعن بعض الصحابة أنه قدم الشأم فرأى دور أهل الذمّة وما هم فيه من خفض العيش وما وسع عليهم من دنياهم ، فقال : لا أبالى ، أليس من ورائهم الفلق؟ فقيل : وما الفلق؟ قال : بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدّة حرّه (مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ) من شر خلقه. وشرهم (١) : ما يفعله المكلفون (٢) من الحيوان من المعاصي والمآثم ، ومضارّة بعضهم بعضا من ظلم وبغى وقتل وضرب وشتم وغير ذلك ، وما يفعله غير المكلفين منه عن الأكل والنهس واللدغ والعض كالسباع والحشرات ، وما وضعه الله في الموات من أنواع الضرر كالإحراق في النار والقتل في السم. والغاسق : الليل
__________________
(١) قوله «من شر خلقه وشرهم» لعله وشره ، أى : شر خلقه حيوانا أو مواتا. (ع)
(٢) قال محمود : «معناه من شر خلقه» أى من شر ما يفعله المكلفون ... الخ» قال أحمد : لا يسعه على قاعدته الفاسدة التي هي من جملة ما يدخل تحت هذه الاستعاذة إلا صرف الشر إلى ما يعتقده خالقا لأفعاله ، أو لما هو غير فاعل له البتة كالموات : وأما صرف الاستعاذة إلى ما يفعله الله تعالى بعباده من أنواع المحن والبلايا وغير ذلك ، فلا ، لأنه يعتقد أن الله لا يخلق أفعال الحيوانات ، وإنما هم يخلقونها لأنها شر ، والله تعالى لا يخلقه لقبحه : كل ذلك تفريع على قاعدة الصلاح والأصلح التي وضح فسادها ، حتى حرف بعض القدرية الآية ، فقرأ : من شر ما خلق بتنوين شر وجعل ما نافية.
إذا اعتكر ظلامه من قوله تعالى (إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ) ومنه : غسقت العين امتلأت دمعا ، وغسقت الجراحة امتلأت دما. ووقوبه : دخول ظلامه في كل شيء. ويقال : وقبت الشمس إذا غابت. وفي الحديث : لما رأى الشمس قد وقبت قال : هذا حين حلها ، يعنى صلاة المغرب (١). وقيل : هو القمر إذا امتلأ ، وعن عائشة رضى الله عنها : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأشار إلى القمر فقال : تعوّذى بالله من شر هذا ، فإنه الغاسق إذا وقب (٢). ووقوبه : دخوله في الكسوف واسوداده. ويجوز أن يراد بالغاسق : الأسود من الحيات : ووقبه : ضربه ونقبه. والوقب : النقب. ومنه : وقبة الثريد ، والتعوّذ من شر الليل لأن انبثاثه فيه أكثر ، والتحرّز منه أصعب. ومنه قولهم : الليل أخفى للويل. وقولهم : أغدر الليل ، لأنه إذا أظلم كثر فيه الغدر وأسند الشر إليه لملابسته له من حدوثه فيه (النَّفَّاثاتِ) النساء ، أو النفوس ، أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها (٣) ويرقين : والنفث النفخ من ريق ، ولا تأثير لذلك (٤) ، اللهم إلا إذا كان ثم إطعام شيء ضار ، أو سقيه ، أو إشمامه. أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه ، ولكنّ الله عز وجل قد يفعل عند ذلك فعلا على سبيل الامتحان الذي يتميز به الثبت على الحق من الحشوية والجهلة من العوام ، فينسبه الحشو والرعاع (٥) إليهنّ وإلى نفثهن ، والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبئون به. فإن قلت : فما معنى الاستعاذة من شرهن (٦)؟ قلت : فيها ثلاثة أوجه ، أحدها : أن يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر ومن إثمهنّ في ذلك. والثاني : أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن وما يخدعنهم به من باطلهن. والثالث : أن يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن ، ويجوز أن يراد
__________________
(١) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث من طريق عبيد الله بن عقبة مرسلا.
(٢) أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة وأبو يعلى كلهم من طريق ابن أبى ذئب عن خالد الحرث بن عبد الرحمن عن أبى سلمة عنها.
(٣) قال محمود : «هن السواحر اللاتي يعقدن الخيوط وينفثن عليها ... الخ» قال أحمد : وقد تقدم أن قاعدة القدرية إنكار حقيقة السحر ، على أن الكتاب والسنة قد وردا بوقوعه والأمر بالتعوذ منه. وقد سحر صلى الله عليه وسلم في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر. والحديث مشهور ، وإنما الزمخشري استفزه الهوى حتى أنكر ما عرف ، وما به إلا أن يتبع اعتزاله ويغطى بكفه وجه الغزالة»
(٤) قوله «ولا تأثير لذلك» مبنى على مذهب المعتزلة من أنه لا حقيقة للسحر ولا تأثير له. وذهب أهل السنة إلى إثباته وإثبات تأثيره لظاهر الكتاب والسنة. (ع)
(٥) قوله «فينسب الحشوية والرعاع» في الصحاح «الرعاع» : الأحداث الطغام. وفيه «الطغام» : أو غاد الناس وفيه «الوغد» : الرجل الدنى. الذي يخدم بطعام بطنه. (ع)
(٦) قال محمود : «فان قلت : ما معنى الاستعاذة من شرهن ، وأجاب ... الخ» قال أحمد : وهذا من الطراز الأول قعد عنه جانبا ، ولو فسر غيره التفاثات في العقد بالمتخيلات من النساء ولسن ساحرات حتى يتمم إنكار وجود السحر : لعده من يدع التفاسير.
بهن النساء الكيادات ، من قوله (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) تشبيها لكيدهن بالسحر والنفث في العقد. أو اللاتي يفتن الرجال بتعرّضهن لهم وعرضهن محاسنهن ، كأنهن يسحرنهم بذلك (إِذا حَسَدَ) إذا ظهر حسده وعمل بمقتضاه : من بغى الغوائل للمحسود ، لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمره فلا ضرر يعود منه على من حسده ، بل هو الضارّ لنفسه لاغتمامه بسرور غيره. وعن عمر بن عبد العزيز : لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من حاسد. ويجوز أن يراد بشر الحاسد : إثمه وسماجة حاله في وقت حسده ، وإظهاره أثره. فإن قلت : قوله (مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ) تعميم في كل ما يستعاذ منه ، فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد؟ قلت : قد خص شر هؤلاء من كل شر لخفاء أمره ، وأنه يلحق الإنسان من حيث لا يعلم ، كأنما يغتال به. وقالوا : شر العداة المداجى الذي يكيدك من حيث لا تشعر. فإن قلت : فلم عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه؟ قلت : عرفت النفاثات ، لأن كل نفاثة شريرة ، ونكر غاسق ، لأنّ كل غاسق لا يكون فيه الشر ، إنما يكون في بعض دون بعض ، وكذلك كل حاسد لا يضرّ. ورب حسد محمود ، وهو الحسد في الخيرات. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : «لا حسد إلا في اثنتين (١)» وقال أبو تمام :
وما حاسد في المكرمات بحاسد (٢)
وقال :
إنّ العلا حسن في مثلها الحسد (٣)
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ المعوّذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها» (٤).
__________________
(١) متفق عليه من حديث ابن مسعود ، ومن حديث ابن عمر رضى الله عنهما ؛ والبخاري من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.
(٢)
|
وإنى لمحسود وأعذر حاسدي |
|
وما حاسدي في المكرمات بحاسد |
لأبى تمام. يقول : إنى جامع للخصال الحميدة ، فالحسد كناية عن ذلك. وعذر يعذر كضرب يضرب ، أى : أن حاسدي معذور لحسن صفاتي وعظمها ، وليس الحاسد في الخصال الحميدة بحاسد مذموم ، بل مغتبط ممدوح.
|
(٣) فافخر فما من سماء للعلا ارتفعت |
|
إلا وأفعالك الحسنى لها عمد |
|
واعذر حسودك فيما قد خصصت به |
|
إن العلا حسن في مثلها الحسد |
لأبى تمام. وشبه القدر المرتفع بالسماء ، واستعارها له على طريق التصريح ، والارتفاع ترشيح ، لأنه خاص بالمحسوسات وشبه الأفعال الجميلة بأعمدة السماء تشبيها بليغا ، لأن بها الارتفاع المعنوي.
(٤) أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب ، وقد مضى غير مرة أنها واهنة ، وأن الحديث المرفوع في ذلك موضوع ، والله أعلم.
سورة الناس
مكية ، وقيل مدنية ، وآياتها ٦ [نزلت بعد الفلق]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ)(٦)
قرئ : قل أعوذ ، بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام ، ونحوه. فخذ أربعة. فإن قلت : لم قيل (١) (بِرَبِّ النَّاسِ) مضافا إليهم خاصة؟ قلت : لأنّ الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس. فكأنه قيل ، أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم ، وهو إلههم ومعبودهم ، كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالى أمرهم. فإن قلت : (مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ) ما هما من رب الناس؟ قلت : هما عطف بيان ، كقولك : سيرة أبى حفص عمر الفاروق. بين بملك الناس ، ثم زيد بيانا بإله الناس ، لأنه قد يقال لغيره : رب الناس ، كقوله (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ) وقد يقال : ملك الناس. وأمّا (إِلهِ النَّاسِ) فخاص لا شركة فيه ، فجعل غاية للبيان. فإن قلت : فهلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذي هو الناس مرّة واحدة؟ قلت : لأنّ عطف البيان للبيان ، فكان مظنة للإظهار دون الإضمار (الْوَسْواسِ) اسم بمعنى الوسوسة ، كالزلزال بمعنى الزلزلة. وأمّا المصدر فوسواس بالكسر كزلزال. والمراد به الشيطان ، سمى بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه ، لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه. أو أريد ذو الوسواس. والوسوسة : الصوت الخفي. ومنه : وسواس الحلي.
__________________
(١) قال محمود : «إن قلت : لم أضاف اسمه تعالى إليهم خاصة وهو رب كل شيء ... الخ» قال أحمد : وفي التخصيص جرى على عادة الاستعطاف ، فانه معه أتم. عاد كلامه قال : واله الناس عطف بيان لملك الناس. أو كلاهما عطف بيان للأول ، والثاني أبين : لأن ملك الناس قد يطلق لغير الله تعالى ، وأما إله الناس فلا يطلق إلا له عز وجل ، فجعل غاية للبيان ، وزبد البيان بتكرار ظاهر غير مضمر ، والله سبحانه وتعالى أعلم. هذا ما يسر الله من القول» وإنى أبرأ إلى الله تعالى من القوة والحول ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
و (الْخَنَّاسِ) الذي عادته أن يخنس ، منسوب إلى الخنوس وهو التأخر كالعواج والبتات (١) لما روى عن سعيد بن جبير : إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى ، فإذا غفل وسوس إليه (الَّذِي يُوَسْوِسُ) يجوز في محله الحركات الثلاث ، فالجر على الصفة ، والرفع والنصب على الشتم ، ويحسن أن يقف القارئ على (الْخَنَّاسِ) ويبتدئ (الَّذِي يُوَسْوِسُ) على أحد هذين الوجهين (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) بيان الذي يوسوس ، على أن الشيطان ضربان : جنى وإنسى ، كما قال شياطين الإنس والجن. وعن أبى ذرّ رضى الله عنه قال لرجل : هل تعوّذت بالله من شيطان الإنس؟ ويجوز أن يكون (مِنَ) متعلقا بيوسوس ، ومعناه : ابتداء الغاية ، أى : يوسوس في صدورهم من جهة الجنّ ومن جهة الناس ، وقيل : من الجنة والناس بيان للناس ، وأن اسم الناس ينطلق على الجنة ، واستدلوا بنفر ورجال : في سورة الجن. وما (٢) أحقه ، لأن الجن سموا «جنا» لاجتنانهم ، والناس «ناسا» لظهورهم ، من الإيناس وهو الإبصار ، كما سموا بشرا ، ولو كان يقع الناس على القبيلين ، وصح ذلك وثبت : لم يكن مناسبا لفصاحة القرآن وبعده من التصنع. وأجود منه أن يراد بالناس : الناسي ، كقوله (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ) كما قرئ (مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ) ثم يبين بالجنة والناس ، لأنّ الثقلين هما النوعان الموصوفان بنسيان حق الله عز وجل.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد أنزلت علىّ سورتان ما أنزل مثلهما ، وإنك لن تقرأ سورتين أحب ولا أرضى عند الله منهما (٣)» يعنى المعوذتين. ويقال للمعوذتين : المقشقشتان.
__________________
(١) قوله «كالعواج والبتات» بائع العاج ، وبائع البتوت : وهي ضرب من الثياب. (ع)
(٢) قوله «وما أحقه» في الصحاح : حققت الأمر : واحتققته : إذا تحققته وصرت منه على يقين. (ع)
(٣) لم أجده بهذا اللفظ. وأوله في مسلم بمعناه من حديث عقبة بن عامر رضى الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له. ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) وآخره في ابن حبان من حديث عقبة بمعناه. وأيضا قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لأن يقرأ سورة أحب إلى الله ولا أبلغ من قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ، فان استطعت أن لا تدعهما في صلاة فافعل».
قال عبد الله الفقير إليه : وأنا أعوذ بهما وبجميع كلمات الله الكاملة التامّة ، وألوذ بكنف رحمته الشاملة العامّة ، من كل ما يكلم الدين ، ويثلم اليقين ، أو يعود في العاقبة بالندم ، أو يقدح في الإيمان المسوط باللحم والدم (١) ، وأسأله بخضوع العنق وخشوع البصر ، ووضع الخدّ لجلاله الأعظم الأكبر ، مستشفعا إليه بنوره الذي هو الشيبة في الإسلام ، متوسلا بالتوبة الممحصة للآثام ، وبما عنيت به من مهاجرتى إليه ومجاورتي ، ومرابطتى بمكة ومصابرتى ، على تواكل من القوى ، وتخاذل من الخطا ، ثم أسأله بحق صراطه المستقيم ، وقرآنه المجيد الكريم ، وبما لقيت من كدح اليمين وعرق الجبين ، في عمل الكشاف عن حقائقه ، المخلص عن مضايقه ، المطلع على غوامضه ، المثبت في مداحضه. الملخص لنكته ولطائف نظمه ، المنقر عن فقره وجواهر علمه ، المكتنز بالفوائد المفتنة التي لا توجد إلا فيه ، المحيط بما لا يكتنه من بدع ألفاظه (٢) ومعانيه ، مع الإيجاز الحاذف للفضول ، وتجنب المستكره المملول ، ولو لم يكن في مضمونه إلا إيراد كل شيء على قانونه ، لكفى به ضالة ينشدها محققة الأحبار ، وجوهرة يتمنى العثور عليها غاصة البحار ، وبما شرفني به ومجدنى ، واختصني بكرامته وتوحدني : من ارتفاعه على يدي في مهبط بشاراته ونذره ، ومتنزل آياته وسوره ، من البلد الأمين بين ظهراني الحرم ، وبين يدي البيت المحرم ، حتى وقع التأويل ، حيث وجد التنزيل : أن يهب لي خاتمة الخير ، ويقينى مصارع السوء ، ويتجاوز عن فرطاتى يوم التناد ، ولا يفضحني بها على رؤس الأشهاد ، ويحلني دار المقامة من فضله ، بواسع طوله وسابغ نوله ، إنه الجواد الكريم ، الرؤوف الرحيم.
(في نسخة ما نصه :)
في أصل المصنف بخطه رحمه الله تعالى : وهذه النسخة هي نسخة الأصل الأولى التي نقلت من السواد ، وهي أم الكشاف الحرمية المباركة المتمسح بها ، المحقوقة أن تستنزل بها بركات السماء ويستمطر بها في السنة الشهباء ، فرغت منها يد المصنف تجاه الكعبة في جناح داره السليمانية ، التي على باب أجياد الموسومة بمدرسة العلامة : ضحوة يوم الاثنين لثالث والعشرين من ربيع الآخر في عام ثمانية وعشرين وخمسمائة ، وهو حامد لله على باهر كرمه ، ومصل على عبده ورسوله ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
__________________
(١) قوله «المسوط باللحم والدم» أى : المخلوط. أفاده الصحاح. (ع)
(٢) قوله «من بدع ألفاظه» في الصحاح «شيء بدع» بالكسر : أى مبتدع. وفلان بدع في هذا الأمر ، أى: بديع (ع)
فهرس الجزء الرابع من تفسير الكشاف
|
صفحة |
صفحة |
صفحة |
|||
|
٣ |
سورة يس |
٥٣٨ |
سورة المنافقون |
٧٥٣ |
سورة البلد |
|
٣٣ |
الصافات |
٥٤٥ |
التغابن |
٧٥٨ |
الشمس |
|
٧٠ |
ص |
٥٥١ |
الطلاق |
٧٦١ |
والليل |
|
١١٠ |
الزمر |
٥٦٢ |
التحريم |
٧٦٥ |
والضحى |
|
١٤٨ |
غافر |
٥٧٤ |
الملك |
٧٧٠ |
الشرح |
|
١٨٤ |
فصلت |
٥٨٤ |
ن |
٧٧٣ |
والتين |
|
٢٠٨ |
الشورى |
٥٩٨ |
الحاقة |
٧٧٥ |
العلق |
|
٢٣٥ |
الزخرف |
٦٠٨ |
المعارج |
٧٨٠ |
القدر |
|
٢٦٩ |
الدخان |
٦١٥ |
نوح |
٧٨١ |
البينة |
|
٢٨٤ |
الجائية |
٦٢٢ |
الجن |
٧٨٣ |
الزلزلة |
|
٢٩٤ |
الاحقاف |
٦٣٤ |
المؤمل |
٧٨٦ |
والعاديات |
|
٣١٤ |
محمد |
٦٤٤ |
المدثر |
٧٨٩ |
القارعة |
|
٣٣١ |
الفتح |
٦٥٧ |
القيامة |
٧٩١ |
التكاثر |
|
٣٤٩ |
الحجرات |
٦٦٥ |
الإنسان |
٧٩٣ |
والعصر |
|
٣٧٩ |
ق |
٦٧٢ |
المرسلات |
٧٩٤ |
الهمزة |
|
٣٩٤ |
والذاريات |
٦٨٣ |
النبأ |
٧٩٧ |
الفيل |
|
٤٠٨ |
والطور |
٦٩٢ |
والنازعات |
٨٠٠ |
قريش |
|
٤١٦ |
والنجم |
٧٠٠ |
عبس |
٨٠٣ |
الماعون |
|
٤٣٠ |
القمر |
٧١٨ |
التكوير |
٨٠٦ |
الكوثر |
|
٤٤٢ |
الرحمن |
٧١٤ |
الانفطار |
٨٠٨ |
الكافرون |
|
٤٥٥ |
الواقعة |
٧١٨ |
المطففين |
٨١٠ |
النصر |
|
٤٧١ |
الحديد |
٧٢٥ |
الانشقاق |
٨١٣ |
المسد |
|
٤٨٤ |
المجادلة |
٧٢٩ |
البروج |
٨١٨ |
الإخلاص |
|
٤٩٨ |
الحشر |
٧٣٤ |
الطارق |
٨٢٠ |
الفلق |
|
٥١٠ |
الممتحنة |
٧٣٧ |
الأعلى |
٨٠٣ |
الناس |
|
٥٢٢ |
الصف |
٧٤١ |
الغاشية |
|
|
|
٥٢٩ |
الجمعة |
٧٤٦ |
والفجر |
|
|